المعرفة الدينية في فكر سعيد النورسي
فئة : مقالات
المعرفة الدينية في فكر سعيد النورسي
يعدّ سعيد النورسي (1877م/1960م) أحد أبرز علماء الإصلاح الديني والاجتماعي، وقد قسم الدارسون حياته إلى مرحلتين: مرحلة سعيد القديم، وتمتد من ولادته إلى غاية إقامته الجبرية في بارلا سنة 1926م. ففي هذه المرحلة، حاول سعيد خدمة الإسلام بالدخول في عالم السياسة. في المرحلة الثانية من حياته، طلّق سعيد الحياة السياسية، وأخذ على عاتقه البحث والنظر في مسألة العلم والإيمان.
لقد اتصف الزمن الذي ظهر فيه سعيد النورسي، بالهيمنة الثقافية الأوروبية التي سارت تهدد الكينونة الثقافية والفكرية للعالم الإسلامي، بفعل افتقار وتفريط هذا الأخير في العلم والمعرفة إلى درجة حالة الهجر التي وقعت فيها الأمة في علاقتها بالقرآن الكريم، الشكوى التي اشتكاها الرسول الأمين قال تعالى: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)" (سورة الفرقان) وقد نبه الله جل وعلا رسوله بأن يذكر من حوله بالقرآن قال تعالى: "نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)" (سورة ق) كما نبهه تعالى بألا يطيع الكافرين وأن يجاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا قال تعالى: "فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)" (سورة الفرقان) وقد اقتدى سعيد النورسي بالرسول الكريم الذي قال القرآن في حقه قال تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)" (سورة القلم) ولا شك بأن منبع خلق الرسول الأمين كان من القرآن لقول عائشة لما سئلت عن الرسول قالت: "كان خلقه القرآن".[1] وعليه، فالقرآن الكريم هو منبع الخلق العظيم للأمة الإسلامية، بل للناس جميعا.
الفكر اليوناني والاسلام
لقد شكل الفكر اليوناني قوة ثقافية عظيمة في تاريخ الإسلام، وساهم في توسيع النظر العقلي لدى المسلمين، ولكن إذا دققنا في مضمون الدرس القرآني من جهة، وفي مقالات المتكلمين والفلاسفة من جهة ثانية أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم كثير، على اختلاف مدارسهم التي نشأت ملهمة بالفكر اليوناني، سنقف عند "حقيقة بارزة هي: أن الفلسفة اليونانية مع أنها وسعت آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام غشت على أبصارهم في فهم القرآن"[2] فالحمولة الثقافية التي تميز بها الفكر اليوناني تختلف عن فلسفة القرآن للوجود وللحياة والإنسان". وقد فات هذا الأمر المتقدمين من علماء الإسلام الذين عكفوا على درس القرآن بعدما أن أبهرهم النظر الفلسفي القديم، فقرأوا الكتاب - القرآن- على ضوء الفكر اليوناني"[3] وهذا يعني أن جزءا كبيرا من الفكر الديني القديم، قد تشكل مفصولا عن فلسفة القرآن ومعارفه.
ولهذا، نجد سعيد النورسي (سعيد الجديد) لم يشغل نفسه بالقضايا التي خاض فيها المتكلمون وفلاسفة الإسلام، كما لم يلزم نفسه بالنزعة الحرفية في فهم آيات القرآن، كما أننا لم نجده مفسرا للقرآن وفقا للمنهج الذي سلكه المفسرون كالطبري وابن كثير وغيرهم، بل سعى جاهدًا إلى بناء منهج جديد يتلاءم مع العصر في فهم وتفسير القرآن الكريم. يقول النورسي بهذا الخصوص "راجعت أول ما راجعت تلك العلوم التي اكتسبتها سابقا أبحث فيها السلوة والرجاء؛ ولكن كنت – ويا للأسف! – إلى ذلك الوقت مغترفا من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظنا مني – ظنا خطأ جدا – أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدر الرقي والتكامل ومحور الثقافة وتنور القلب، بينما تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثت روحي كثيرا، بل أصبحت عائقة أمام سُمَوي المعنوي.
نعم، بينما كنت في هذه الحالة، إذا بحكمة القرآن المقدسة تسعفني، رحمة من العلي القدير، وفضلا وكرما من عنده سبحانه، فغسلت أدران تلك المسائل الفلسفية، وطهرت روحي منها – كما هو مبين في كثير من الرسائل – إذ كان الظلام الروحي المنبثق من العلوم الفلسفية يغرق روحي ويطمسها في الكائنات، فأينما كنت أتوجه بنظري في تلك المسائل، فلا أرى نورا ولا أجد قبسا، ولم أتمكن من التنفس والانشراح حتى جاء نور التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقن 'لا إله إلا الله'، فمزق الظلام وبدده، فانشرح صدري وتنفس بكل راحة واطمئنان."[4] وعليه، فهذا النص يؤكد أن المنهج الذي سلكه سعيد النورسي في تفسير القرآن، اتصف بالتعامل المباشر في فهم وتتدبر آياته أخذا بعين الاعتبار طبيعة الوعي والسقف المعرفي الذي عليه الإنسانية اليوم.
الكون والمعرفة الدينية
نعود إلى أمر أساسي اتصف به التطور المنهجي الحاصل في العلوم الكونية الحديثة؛ إذ اتضح بأن الكون الذي يحملنا يشكل وحدة عضوية متماسكة ومتداخلة، رغم التنوع والتعدد الذي تتصف به ظواهره ومكوناته، ففهم الجزء منه يقتضي استحضار ما هو كلي منه. وعليه، فالكون خاضع لقوانين الوحدة العضوية أو البنائية المستمدة منه ومن منة الله ونعمه "بأنْ أقـر بين ظهرانينا القرآن –وحدة عضوية- ترتيلا وهذه الوحدة العضوية في القرآن المجيد تشكل أحد أهم وجوه الإعجاز فيه تفتح المجال أمام القراءة المنهجية بآيات البصائر صعدا نحو مآلات معرفية لا حصر لها. ولطالما دندن علماؤنا حول بنائية القرآن تحت عناوين مختلفة فتارة سموها بالنظم... الترتيب، الاتساق، المعيارية، البنائية مباشرة".[5] ولهذا، فموضوعات القرآن الكريم وقضاياه متداخلة ومترابطة فيما بينها، يعود آخرها على إلى أولها ويقضي أولها على آخرها وفق ناظم التوحيد الذي تفضي إليه، فلا يمكن قراءة بعضه مفصولا عن البعض الآخر "فمن لم يدرك بنائية القرآن ووحدة ألفاظه العضوية، يمكن أن يقع في تعضيته"[6] وتجزيء موضوعاته بدل توحيدها.
فالقارئ لرسائل النور التي تجاوزت المائة، سيدرك أن سعيد النورسي تعامل مع القرآن الكريم بطريقة حضر فيها هذا المعطى المنهجي المشار إليه؛ وذلك "بتحليل الجملة المفردة إلى المترابطة في الموضوع الواحد والسورة الواحدة والقرآن كله، بدءاً باللفظة مع اللفظة والآية مع الآية والسورة مع السورة، محاولا التغلغل في معاني الآيات ومبانيها، حيث أراد بناءها تفصيلا على تجليات الأسماء الحسنى في عالم العقيدة والدعوة والسلوك والصراع الفكري والحضاري"[7] وفي هذا أخذ ووعي كبير بالوحدة البنائية التي يتميز بها القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية التي لحقها التزييف والتحريف[8] لكون "أسلوب القرآن يتفوق على الأساليب كلها عند الموازنة؛ لأنه يخاطب الكينونة الإنسانية، عقلا وعاطفة نفسا وروحا. وهذه المخاطبة الشاملة الموحدة، التي قُدِّمت في إطار صياغة بيانية رفيعة، تفيد العقل تغلغلا في الكون وإدراكا لنظامه الدقيق، والقلب في إحداث تأثير ذلك التغلغل في السلوك، والنفس في تطهيرها من آفاتها الكثيرة، والروح حيث تنتعش بتذوق جمال التعبير في النص والانتشاء بعنصر الجمال في الوجود."[9]
نخلص مما سبق أن سعيد النورسي، عمل على بسط رؤية معرفية تأخذ بمدخل التكامل والتداخل بين عالم الغيب (الوحي)، وبين عالم الشهادة (الطبيعة) وهنا تتجلى عبقرية الإمام سعيد النورسي في تفسير آيات القرآن مما أعطى لأفكاره صبغة أكثر إنسانية وعالمية، وجعل الله كل ما قدمه الرجل في ميزان حسناته وجعلنا من المنتفعين به.
[1] صحيح مسلم.
[2] محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار الهداية، ص.10
[3] نفسه، ص.11
[4] انظر: سعيد النورسي، اللمعات، ص ص. 367–368
[5] أحمد عبادي، مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، دار أبي رقراق، الرباط، ط1
[6] نفسه، ص. 88
[7] محسن عبد الحميد، إعجاز القرآن في رسائل النور http://www.nuronline.com/bahs.php?t=semp&sid=105&tid=75
[8] قال تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)" (سورة النساء)
[9] نفسه.