"بين السلفيّة وإرهاب التكفير أفكار في التفسير"


فئة :  قراءات في كتب

"بين السلفيّة وإرهاب التكفير أفكار في التفسير"

 "بين السلفيّة وإرهاب التكفير أفكار في التفسير"([1])


ضمّ هذا الكتاب بحوثا مختلفة مواضيعها؛ بيد أنّها تأتلف حول مسألة تقرن بين فصولها، وهي البحث في ظاهرة العنف الديني ودراسة أسباب الإرهاب ومظاهره، وهو يحتوي ثمانية بحوث نشرت جلّها في مجلّة "المستقبل العربيّ". ولذلك، فهي أشبه بملفّ بحثي حول الإرهاب. والحقّ أن صلة العنوان بالموضوع لا تبدو وثيقة، إذ لم يكن التكفير موضوعا مركزيّا للكتاب إذا استثنينا البحث الأخير الذي كتبه عبد الإله بلقزيز.[2] وحتّى هذه الدراسة، فإنها قد اكتفت بأحكام حول التكفير معتبرة أنّه "ظاهرة دينيّة تتّصل بنوع من الفهم خاطئ لنصوص الإسلام."[3] وهو في الوقت الذي يعدّه تأويلا خاطئا للنصوص الدينيّة، فإنّه يعتبره نتيجة أزمة اجتماعيّة وسياسيّة، بل إنّه الثمرة المرّة للاجتماع السياسيّ العربيّ المعاصر. ويقصد هنا أثر الفقر والتهميش والاستبداد والفساد وسوء توزيع الثروة في نشر الإرهاب. ولكن تلك الأسباب تظلّ نسبيّة. فلو كانت تلك المعادلة صحيحة، فما الذي جعل شعوبا أخرى عاشت الفقر والاستبداد والتهميش تختار سبل التحديث لتجاوز أزماتها في الوقت الذي اتجهت فيه فئات من المسلمين نحو التكفير والعنف والإرهاب؟

قد يدعونا بحث عبد الإله بلقزيز إلى التساؤل: هل هو بصدد مقاربة مفهوم التكفير أم مفهوم الإرهاب؟ وهل من ارتباط بين الخطاب التكفيري الذي مثّل عنصرا هيكليّا في الخطاب الإسلاميّ القديم والعنف الذي انتشر اليوم باسم الدين وبرّره أصحابه بمنطق التكفير؟

يمكن القول، إنّ الأحكام التي يقدّمها "عبد الإله بلقزيز" تظلّ نتيجة مقاربة شموليّة اعتمدت منطق الجدل بين ثنائيّات الظلاميّ والتنويريّ أو الإصلاحيّ والإحيائيّ، وارتهنت بها في فهم ظاهرة تبدو أعقد في أسبابها وظروف نشأتها في الفكر الإسلاميّ. فالفصل بين المنظومتين يبدو اختزالا ثنائيّا وتنميطا يحتاج إلى التنسيب. فلا العقل الذي سمّي تنويريّا خلا من عقليّة الإقصاء ولا التيّار الذي وسم بالظلاميّة كان خلوا من رغبة في النهضة وحوار مع الآخر المختلف. فهذا الفصل الثنائيّ، قد يجعل من الرؤية التي تحكم الباحث ميّالة إلى "الحكم المعياريّ" على فريق دون آخر وإغفال الأسباب التي منحت تلك الجماعات قوّة التأثير وسلطة الشرعيّة الدينيّة. ولم يغفل أصحاب البحوث المنشورة في هذا الكتاب عن هذه الحقيقة. فقد ضمّت أعمالهم عيّنات من دراسات قاربت الإرهاب بحثا عن أسبابه وظروف انتشاره والحلول الكفيلة بالقضاء. لعلّ أكثرها تخصيصا ما قدّمه الباحث المصريّ أحمد زغلول شلاطة حول الدّعوة السّلفيّة السّكندريّة.[4] وقد حاول دراسة سياقات النشأة والتمدّد والمواقف العلميّة والحزبيّة. ولم يغب عن بحثه طرح إشكاليّات تؤكّد أن عمق التناول يكون بانتقاء عيّنة من الجماعات السّلفيّة بدل الحديث بشكل عام عن الظاهرة قد يكون مخّلا بشروط الدقّة العلميّة. ومن أهمّ القضايا التي طرحها الباحث مسألة العلاقة بين الدعويّ والسياسيّ في فكر هذه الجماعة. أو إشكاليّة المرجعيّات الفكريّة والسياسيّة لمشروعها أو علاقة هذه الجماعة بالمجتمع. ويمكن القول إنّ العمق الذي لمسناه في طرح تلك الإشكاليات هو نتيجة حتميّة لطبيعة العيّنة الدقيقة التي تناولها الباحث. ولهذا، فقد كانت نتائجه أعمق وأكثر تركيزا.

ولعلّ ذلك ما يتأكّد من خلال مقارنتا بين بحث أحمد زغلول شلاطة ومحمود أحمد عبد الله الذي تناول السياسية الثقافيّة والإرهاب في مصر؛ فالأوّل خصّص جغرافيّا من خلال اختيار عيّنة السلفيّة السكندرية، والثاني خصّص موضوعاتيّا من خلال دراسته السياسة الثقافيّة والإرهاب. فلا هو تحدّث عن السياسة بصفة الإطلاق ولا ادعى تحليل ظاهرة الإرهاب في مصر جامعا بين قطاعات قد تتباين خصائصها وآليّات مقاربتها ومناطق قد تختلف حقيقة الجماعات الإسلاميّة فيها وطبيعتها الحضريّة أو البدويّة. ولا غرابة أن يكون تناوله نقديّا للمسألة؛ فالوعي بأنّ من مقتضيات العلميّة التخصيص والتواضع في اختيار المواضيع ينسجم لا محالة مع روح نقديّة لا تكتفي بوصف الظاهرة، وإنما تكشف بنيتها الخفيّة وآليّات اشتغالها كشفا نقديّا. ولهذا، فقد انتهى في بحثه إلى تقديم توصيات يتصوّرها ناجعة لمواجهة الإرهاب. ويمكن أن نجملها في النقاط التالية:

- الدعوة إلى بحث ميدانيّ حول الحاجات الثقافيّة للمصريّين.

- ضرورة استهداف المصريين بالخارج بالسياسة الثقافيّة الموضوعة.

- إنشاء مؤسسة علميّة معنيّة بشؤون الاجتهاد في الفكر الدينيّ، وتكون تابعة للأزهر.[5]

ويقدّم الباحث عبد الحق دحمان ما به يؤكّد أهميّة الحفر في ظاهرة الإرهاب؛ فهو يطرح قضيّة الروافد الذي غذّت التيارات السلفيّة. ويسعى من وراء ذلك إلى فهم التّراكمات الفكريّة التي أفضت في النهاية إلى ظهور سلفيّات متنوّعة منها التقليديّة والسروريّة والجاميّة والجهاديّة.[6]

ولئن ركّز الباحث على أعلام هذه الحركات واعتبر ابن تيميّة (ت 728 هـ/ 1328م) من الشخصيّات التي مثّلت واحدة من المرجعيّات الفكريّة للتيّار السلفيّ. واقترنت نزعته السلفية حسب رأي الباحث بمذهبه الحنبلي وردّه على الفرق الأخرى كالشيعة والمعتزلة والخوارج أو داخل البيت السنّي كالأشاعرة والماتريديّة محمّلا إياها سبب سقوط الدولة الإسلاميّة.[7] فإنّ هاني نسيرة قد حاول أن يسير في خطّ عكسيّ لا يسعى فيه إلى البحث عن جذور الظاهرة السلفيّة في فكر ابن تيميّة، وإنما سعى إلى إثبات بطلان شرعيّة الارتباط بين الفكر السلفي الجهاديّ وآراء ابن تيميّة. ورغم ما يبدو من ظاهر التقابل بين رأي الباحث الجزائريّ عبد الحق دحمان والباحث المصري هاني نسيرة، فإنّهما في الحقيقة يرومان تحقيق نفس المقصد، وإن بسبل مختلفة. فقد اختار الأوّل سبيل الكشف، بينما اختار الثاني سبيل القطع. واشتركا في الاتّجاه نحو الحفر في التراث؛ لأنّه يمثّل الأرضيّة التي يقيم عليها الفكر السلفي صرحه.

لعلّنا إن استحضرنا المقدّمة التي بدأ بها هاني نسيرة دراسته يمكن أن ندرك هذه الحقيقة. فهو يقول: "إنّ تصوّر التراث ماضيا منقطعا غير متّصل بحياتنا، خطأ علميّ ومعرفيّ، كما إنّ تصوّره مرجعا وحيدا ناظما لمستجدّات الوقائع والأحداث ننحبس فيه، خطأ في حقّه وفي حقّ الحاضر والمستقبل معا. تتعدّد واقعا صور حضور التراث تاريخا ودينا وعرفا واجتماعا وآثارا، ولكنّ أبرزها وأخطرها بلا شكّ هو حضوره المصمت المنغلق لدى جماعات التطرّف الدينيّ وفي القلب منها السلفيّة الجهاديّة وتنظيمها."[8]

لقد أقام جامع البحوث في كتاب واحد حوارا خفيّا بينها لا شكّ أنّها كانت سببا من أسباب ائتلافه واتصال فصوله الثمانية. فعبد الحقّ دحمان يحاول كشف أصول السلفيّة الجهاديّة ويهبها من حيث لم يقصد شرعيّة تراثيّة تؤصّلها وتبرّر أعمالها. وهاني نسيرة يحاول -وهو مدرك إيديولوجيّا خطورة الشرعيّة السلفيّة المستمدّة من تراث مشترك بين المسلمين- قطع الحبل السرّي الواصل بين الجهاديين وشيخ الإسلام ابن تيميّة. وتلك مناورة بالخطاب لا تخفى خلفياتها الإيديولوجيّة وغاياتها النفعيّة على حساب العلميّ والمعرفيّ. فالأجدر أن يقدّم ابن تيميّة في سياقاته التاريخيّة. وأن تفهم دعواته إلى القتال ومقاومة الغزاة في إطار ما دعت إليه الحاجة آنذاك وآفاق المفكّر فيه. وإن سحب الشرعيّة من تحت أقدام السلفيّة الجهاديّة يكون بالكشف رأسا عن أخطائها في توظيف آليّات سياسيّة ومرجعيّات فكريّة منتزعة من سياقاتها التاريخيّة ومسقطة على مجتمعات لا تعيش نفس الظروف التي أفتى فيها ابن تيميّة بالجهاد والغزو.

"تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم."[9] وهذه شعوب لها أسئلتها المتجدّدة وحاجاتها المختلفة. ولا يمكن للأموات بأيّ حال من الأحوال أن يفكّروا بدلا من الأحياء، وأن تصبّ قوالب أفكارهم الجاهزة في غير سياقاتها الحضاريّة والتّاريخيّة. ولهذا، فقد تكون المرجعيّة التّراثيّة التي يشرعن بها الجهاديّون فكرهم تهمة بدل أن تكون حجّة لهم.

لم تغب عن الدّراسات التي ضمّها هذا الكتاب دقّة التناول، إذ غلب عليها منهج يسعى أصحابه إلى الكشف عن الأسباب الكامنة وراء انتشار العنف الديني والإرهاب السياسيّ، مركّزين على سببين رئيسين: الأوّل داخليّ ينقسم بدوره إلى أسباب سياسيّة واقتصاديّة اجتماعيّة وثقافيّة تربويّة. والآخر خارجيّ لعلّه يتلخصّ في الغزو الأمريكيّ للعراق.

ولم يكتف الباحثون برصد الأسباب، وإنّما حاولوا تتبّع التطوّرات التاريخيّة التي شهدتها التّنظيمات الإسلاميّة التي اتّخذت من العنف اختيارا استراتيجيّا لها، وهو ما عرضه "فواز جرجس" في بحثه الذي حاول فيه رصد تاريخ داعش بدءا بالغزو العراقي وانتهاء بتحولات "الرّبيع العربي" وظهور "خلافة البغداديّ".

وقد امتدّت البحوث على مدى زمنيّ كبير بدأ بالحفر في أصول الظاهرة السلفيّة وانتهى إلى تاريخنا الراهن الذي يطرح لا محالة مشاكل جمّة في التعامل معه. لعلّ من أهمّها تناول الباحث لظاهرة في طور النموّ والتشكّل. ولهذا، فنتائجه وأحكامه تظلّ جزئيّة مقترنة باللّحظة التاريخيّة التي كتب فيها. وكذلك تخفي السياسات الدوليّة كثيرا من حقائق هذه التنظيمات. وقد تحتاج إلى قرون عديدة من الزمن، حتّى تنكشف حقائق جديدة قد تعدّل من أحكام الباحثين وقد تغيّر من تصوّرهم للحلول وسبل الوقاية من الظاهرة.

إنّ ذلك لا يعني بطلان البحث في التاريخ الراهن؛ فهو مجال يتطلّب جرأة في الرأي ومتابعة يوميّة للأحداث السريعة وحذرا أكبر من الوقوع في المزالق الإيديولوجيّة. وما فصول الأحداث في الربيع العربيّ سوى شاهد على سرعة التحوّلات وعجز كثير من الأقلام عن بناء تصوّر متكامل عن التّحولات الدّيمقراطيّة، ممّا جعل كثيرا منها محكوما بالنسبيّة أو متأثّرا ببعض التيارات الإيديولوجيّة التي عادت إلى الوعي العربي الإسلاميّ بقوّة بعد أن أخمدتها العولمة وقيام القطب الكونيّ الواحد.

يمكن القول أخيرا، إنّ للكتاب فضائل في رصد ظاهرة الإرهاب والحفر عن جذورها والبحث عن حلول ناجعة للقضاء عليها. إلاّ أنّ طابع تلك البحوث المنشورة في مجلّة المستقبل العربيّ ما بين سنة 2014 و2016 قد جعل مسألة التنسيق بين بحوثها أمرا لا يخلو من الهنات ذلك أنّ العينات التي تناولها الباحثون بالدرس ضمّت بعض الأمثلة التي ظهر فيها الإرهاب وانتشر ولكنها أغفلت نماذج أخرى مثّلت حقبا مهمّة من تاريخ الفكر السلفيّ الجهاديّ الذي شرعن الإرهاب وحدد قواعده وأسسه. ونذكر مثلا تنظيم القاعدة ونشاطه في أفغانستان زمن الحرب ضد السوفيات- وهو أمر ذكر عرضا في بعض البحوث- أو بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ففهم تلك العيّنة بعمق وباعتماد وثائق متنوّعة المصادر يمكن أن يفسّر كيفيّة تشكّل التنظيم وتحوّله لاحقا إلى صيغته الداعشيّة.

ويمكن أن يتّخذ الكتاب معايير مختلفة للتصنيف، فلا يخفى أنّ الإرهاب قابل للدرس من وجهة نظر المدافعين عنه ومن وجهة نظر خصومه الذين يدينونه ويعتبرونه تهديدا للسلم والحريات. وإن البحث في الجدل بين المواقف يمكن أن يقدّم لنا كثيرا من مفاتيح الحلّ الذي يبحث عنه الدارسون في هذا الكتاب. ولعلّ الاكتفاء بمونولوج داخليّ لا يتكلّم فيه سوى خصوم الإرهاب قد يؤدّي إلى انغلاق الخطاب التكفيريّ على ذاته وخموده إلى حين تحت وطأة العنف المادي (الحرب ضدّ الإرهاب) والرمزيّ (السياسية التربويّة والثقافيّة). ولكنّه سرعان ما يظهر من جديد بهيئة أخرى وخطاب أكثر إثارة لحماسة الشباب والباحثين عن "تطبيق شرع الله في أرضه".

ومن المعايير المقترحة أيضا دراسة عيّنات من المنتمين إلى هذا التيار وكشف أساليب الاستقطاب وسبل التمويل وآليّات التحوّل من الانتماء اجتماعيّا إلى دولة مدنيّة إلى صفة المقاتل الحربيّ القاطع للرؤوس والمؤمن بعقيدة الجماعة التي يقاتل معها.

قد يكون الكتاب قدّم بعض الحلول الناجعة التي يمكن أن تقضي على الإرهاب ولكن يظلّ أهمّها –من وجهة نظري- تأسيس خطاب نقديّ قادر على التأثير في شرائح واسعة من المجتمع، ويمنع نفاذ الإرهاب إلى المجتمعات العربيّة الإسلاميّة، سواء أكانت تعيش الرفاهة أم الكفاف وشظف العيش. فإن كان الإرهاب مؤامرة غربيّة سببها الاستعمار في نظر البعض، فإن المخادع لا يمكن أن ينجح إلاّ في ظلّ وجود منخدع.


[1] بين السلفيّة وإرهاب التكفير، مجموعة باحثين، ط، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2016

[2] عنوان هذا الفصل التفكير في التكفير: نحو استراتيجيّة مواجهة ثقافيّة.

[3] انظر المرجع نفسه، ص 117

[4] انظر المرجع نفسه، ص 83

[5] المرجع نفسه، ص 52

[6] انظر المرجع نفسه، ص 100- 104

[7] انظر المرجع نفسه، ص 99

[8] المرجع نفسه، ص 53

[9] سورة البقرة/ الآية 134