تقديم كتاب "الخطاب المعارض للقرآن" لمهدي عزيّز


فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب "الخطاب المعارض للقرآن" لمهدي عزيّز

أصدر الباحث مهدي عزيّز كتابا بعنوان "الخطاب المعارض للقرآن" "Le Contre- Discours Coranique" عن دار "والتر دي قرايتر" "Walter De Gruyter" سنة 2015. والكتاب في الأصل أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه أنجزت تحت إشراف "كلود جيليو" ونوقشت في 18 أكتوبر 2012 بجامعة "آكس- أون- بروفنس" "Aix en Provence". والباحث مهدي عزيّز مختصّ في الدراسات الإسلاميّة، ويدرّس بالجامعات الغربيّة وله إسهامات مهمّة ومتعدّدة في حقل الدراسات القرآنيّة، أهمّها الإشراف على كتاب في الغرض بعنوان: "القرآن: مقاربات جديدة" "Le Coran Nouvelles Approches"[1].

بنى الباحث كتابه على مقدّمة حدّد فيها موضوع عمله ومنهجيّة بحثه القائمة أساسا على القراءة الآنيّة (Synchronique) والمقارنة الداخليّة لنصوص القرآن، ثمّ قسّم عمله إلى ثلاثة أقسام كبرى؛ نظر في القسم الأوّل المعنون: "من الجدل في القرآن إلى الخطاب المعارض" في جملة من القضايا أهمّها تقديم بسطة مفيدة عن الوضع الراهن للدراسات القرآنيّة بما تطرحه من قضايا ومقاربات لمزيد فهم النصّ القرآنيّ، ثمّ تطرّق بعد ذلك إلى الدراسات التي اهتمت بالجدل في القرآن، ليبيّن أهميتها وحدودها في الوقت نفسه، وهو أمر قاده إلى جدوى دراسة الخطاب المعارض للقرآن من وجهة نظر حجاجيّة. ولذلك، خصّص آخر فصول الباب الأوّل في حصر مدوّنة عمله وتقديم منهجيّة بحثه. أمّا الباب الثاني من العمل، فقد خصّصه لتحليل بنية الخطاب المعارض وأغراضه واستراتيجيته، وتبيّن صوت المعارضة في الخطاب القرآني. أمّا الباب الثالث من البحث، فقد قدّم فيه للقارئ مدوّنة الخطاب المعارض والردّ عليه وأرفقه بمواضع الآيات وبعض التفاسير والترجمات تمهيدا لدراسة الخطاب المعارض، في قادم الأعمال، دراسة زمانيّة (Diachronique) قائمة على المقارنة الخارجيّة، ثمّ خَتم بحثه بتسليط الضوء على أهمّ نتائج التي خلص إليها.

يحسن بنا قبل المضيّ في تقديم الكتاب تبيّن ما المقصود بالخطاب المعارض للقرآن وما المقصود بخطاب الردّ عليه. إنّ المتأمّل في النصّ القرآني يلاحظ، بكلّ يسر، شكلا من أشكال الخطاب القائم على الجدل يتجلى في عدد مهمّ من الآيات من ذلك ما ورد على سبيل المثال في سورة الفرقان ]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) [ في هذا المقطع ينقل القرآن أقوال بعض الأصوات المعارضة التي ترى أنّ القرآن إفك وافتراء، وهو أساطير الأوّلين. فالخطاب المعارض، إذن، هو الخطاب الذي ينقله القرآن عن المعارض، فيفسح المجال لصوت الآخر المختلف أن يفصح عن رأيه، غير أنّ من خصائص هذا الخطاب البُعد الجدالي. فلا يقتصر القرآن على صوت المعارض، بل يُقدّم على مساجلته والدخول معه في الحجاج من ذلك ما نقرأه مباشرة بعد هذه الآيات ] قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) [. ويمكن من ثمّ تعريف هذا الخطاب بخطاب الردّ على الآخر المختلف. هذه البنية الجداليّة هي التي استرعت انتباه الباحث ودفعته لمزيد قراءتها، وتبيّن خصائصها بتوسّل مناهج جديدة وأدوات بحثيّة حديثة. وقد استوجب حضور هذا الخطاب الجداليّ طرح جملة من الأسئلة. ما حجم هذا الخطاب في القرآن؟ وما هي الأغراض التي يحضر فيها الخطاب المعارض؟ وما هي استراتيجيّة القرآن في نقل صوت المعارض؟ ومن هي الأصوات المعارضة التي يسعى القرآن إلى مجادلتها؟ كيف يمكن فهم هذا الخطاب المعارض من وجهة نظر حجاجيّة، خاصّة وأنّ النصّ القرآني يسعى إلى أن يكون نصّ حقيقة غير قابلة للدحض؟ كيف أعطى المساحة للآخر لمجادلته؟ أليس في ذلك إضعاف لأطروحته؟. كلّ هذه الأسئلة وغيرها كثير حاول مهدي عزيز البحث فيها بفضل قراءة آنيّة، قراءة في النصّ وبالنصّ.[2]

لا شكّ في أنّ الإقدام على دراسة الخطاب المعارض يحتاج الوقوف على خصائص المدوّنة القرآنيّة. فقد بات يفصلنا أربعة عشر قرنا عن الحدث القرآني. ولعلّ هذا البُعد الزمني قد خلق اشكاليتين، حسب الباحث، يجب الوعي بهما. أمّا الاشكاليّة الأولى، فهي مرتبطة بتحوّل القرآن من نصّ شفويّ إلى نصّ مكتوب. وهذا التحوّل لم يكن وفيّا بالضرورة إلى النصّ الشفويّ[3]. فقد ضاعت على سبيل المثال الحركات والإشارات والنبرة المرتبطة أساسا بعمليّة التلفّظ الأولى. أمّا الإشكاليّة الثانيّة، فهي مرتبطة بالاختلاف بين عالم القرآن وعالم قُرّائه في الماضي والحاضر[4]. ولحلّ هذه الإشكاليّات كثيرا ما تمّ التعامل مع القرآن بمواجهته مع نصوص خارجيّة. فقد لجأ المفسّرون القدامى إلى نصوص السيرة أو أسباب النزول يفسّرون بها القرآن. أمّا حديثا، فقد تمّ اللجوء إلى مقارنة القرآن بالأدبيّات اليهوديّة أو المسيحيّة. والحاصل أنّ هذه المقاربات كانت تهمل السيرورة الداخليّة المتحكّمة في بنية النصّ، ومن هنا كان لا بدّ من مواجهة القرآن بالقرآن بدراسته آنيّا.

لم تمنع هذه الاشكاليات من تطوّر الدراسات القرآنيّة خاصّة بعد توفّر مصادر بحثيّة جديدة من قبيل العثور على مصحف صنعاء سنة 1973، وازدهار علم التشفير (codicologie) والأركيولوجيا. فقد تعمّقت، حسب الباحث، معرفتنا بتاريخ النصّ وتمت مراجعة الأطروحة التي طوّرها وانسبرو (Wansbrough). وانفتحت هذه الدراسات على مسائل جديدة من قبيل التساؤل عن أصالة القرآن. ما الذي يميّز القرآن عن الأدبيّات اليهو-مسيحيّة؟ هل هو في قطيعة معها أم هو في تواصل؟. ومن ثمّ طُرحت قضيّة المعنى. وإذا ما كانت الدراسات التاريخيّة النقديّة توكّد قدرتها على الوصول إلى المعنى الأصليّ للقرآن، فإنّ الدراسات الحديثة المنفتحة على علوم اللّسان وتحليل الخطاب والبحوث الحجاجيّة أصبحت تقرّ أنّ المعنى سيرورة تتشّكل باستمرار، وأنّ القرّاء ينتجون المعنى حسب مقتضى الحال وشروط العمران. وهكذا، نتبيّن أنّ انفتاح الباحثين اليوم على العلوم الحديثة قد غيّرت نظرتهم للقرآن كما غيّرت طرق تعاملهم معه. فصار من الممكن اليوم دراسة قضايا الحجاج والجدل في النصّ القرآني.

يرى الباحث أنّه رغم تطوّر البحوث في مجال الحجاج والجدل، فإنّ الدراسات القرآنيّة لم تستفد منها بعد بالشكل الكافي. فقد بقيت دراسة الجدل القرآني محدودة، وهو يعزو ذلك إلى خاصيّة أساسيّة في القرآن، وهي التشظي؛ ذلك أنّه من الصعب تحديد مدوّنة جامعة في موضوع الجدل القرآنيّ. ولكن رغم هذه الصعوبة، فقد بدأ بعض المؤرخين يولون هذه الظاهرة كبير اهتمام، فحدّدوا جملة من الضوابط التي قد تساعدهم على تحديد مدوّنة الجدل في القرآن من قبيل:

- الاعتناء بالجذور الثمانيّة المرتبطة بالحجاج، مثل (ح، ل، ف) و(ج، د، ل) و(ح، ج، ج).

- الألفاظ الواصفة لكلّ عمليّة حجاجيّة وجدليّة مهما يكن شكلها.

- التسميات المقترنة بالمعارضة مثل المشركين، أو اليهود أو النصارى...

- الاعتناء بصيغ، مثل "ويل" و"يا أيّها الكافرون"...

- الخطاب المنقول عن المعارض، والذي يرد في العادة بعد أفعال القول "يقولون" "قل".[5]

فضلا عن ذلك، يشير مهدي عزيّز إلى تفطّن بعض الدارسين إلى مسألة الخطاب المعارض في القرآن. فقد عالج محمّد أركون هذا الخطاب في بعض دراساته دراسة تاريخية وسلّط "بيار لارشاي" "Pierre Larcher" الضوء على "صوت الآخر" في مقال له بعنوان: "القرآن والنظريّة اللسانيّة للتلفّظ". كما خصّص "ألفراد لويس دي بريمار" "Alfred Louis De Prémare" فصلا مهمّا حول الحجاج، [6] وقد خلص إلى أنّ القرآن يعتمد حجّة السلطة كما حصر المعارضين في القرآن، غير أنّ دراسة "دي بريمر" كانت مشدودة إلى المقاربة التاريخيّة ومحكومة بأطروحته القائلة بأنّ النصّ القرآني ثمرة عمليّة تأليف متأخّر، وهو متأثّر بصراعات طوائف إيديولوجيّة ولاهوتية وسياسيّة مختلفة[7]. ولذلك لم يكن بحثه عن صوت المعارض في القرآن بقدر ما كان بحثه عن الأصوات المتناحرة والمتنافسة في الزمن المتأخّر الذي كتب فيه النصّ وسيّج مصحفا رسميّا.

ومن أجل تجاوز هنات الدراسات القليلة الباحثة في الخطاب المعارض في القرآن، رأى مهدي عزيّز دراسة هذا النمط من الخطاب دراسة قائمة على المقاربة الداخليّة للنصوص (approche intratextuelle). ولعلّ أهميّة هذه المقاربة تكمن في تسليط الضوء على النصّ القرآني في كلّيته، باعتباره نسقا من العلامات الداخليّة. إنّ هذه المقاربة الداخليّة القائمة على مقارنة النصّ بالنصّ تخوّل لنا تبيّن الآليات المتحكّمة في تطوّر الخطاب القرآني. وفضلا عن الالتزام بهذه المقاربة، فقد اعتمد الباحث على النتائج التي توصلت إليها البحوث المختصّة في الحجاج. فرأى أنّ الخطاب المعارض قائم على الحواريّة. يحضر فيه صوت المتكلّم في القرآن في مواجهة صوت المعارض، وهو ما يشكّل حسب الباحث "مسألة حجاجيّة" يمكن دراستها اعتمادا على "النموذج الحواريّ" "le modèle dialogal" ولعلّ الغاية من ذلك تبيّن تعدّد الأصوات في النصّ القرآني. ولتأمين قراءة نسقيّة للخطاب المعارض للقرآن، قام عمل الباحث على جملة من المراحل. أوّل هذه المراحل تحديد المدوّنة وضبطها، وهو عمل استند إلى جرد دقيق لكلّ الآيات التي تضمّنت خطابا معارضا، ثمّ قام بعد ذلك بعمل إحصائي ساعده على قراءة المدوّنة قراءة موضوعيّة. أمّا المرحلة الثانيّة، فقد ضبط فيها مختلف الأغراض التي تضمّنها الخطاب المعارض للقرآن. وخصّص المرحلة الثالثة لتحليل ما تضمّنته المدوّنة من قضايا من قبيل صوت المعارض واستراتيجيّة القرآن في الحجاج والجدل.

بعد جرد المدوّنة في جملة من الجداول الخاصّة بكلّ سورة من سور القرآن، اتّجه عمل الباحث إلى قراءة احصائيّة، فتبيّن أنّ الخطاب المعارض له مكانة متميّزة في القرآن. فقد ورد في 588 آية قرآنيّة[8]، وهو ما يمثّل عشر القرآن وهذه النسبة يمكن أن ترتفع إلى السدس، إذا ما أضفنا إليها خطاب الردّ[9]. ويمكن توزيع هذا الخطاب المعارض على ثلاثة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل. وقد قسّم الباحث هذا الخطاب على خمسة أغراض كبرى: الخطاب المعارض لله ونسبة حضوره 29 من المئة والخطاب المعارض للنبيّ ونسبة حضوره 27 من المئة والخطاب المعارض للقرآن ونسبته 20 من المئة والخطاب المعارض للآخرة ونسبته 19 من المئة، وأخيرا الخطاب المعارض للمؤمنين وتبلغ نسبته 6 من المئة[10]. وقد خلص الباحث من خلال هذا العمل الإحصائي إلى نتيجة مهمّة تتمثّل في الحضور المكثّف للجدل في القرآن، وهو ما يستوجب دراسة خصائصه واستراتيجيته.

يطرح حضور الخطاب المعارض في القرآن العديد من الأسئلة من وجهة نظر حجاجيّة؛ ذلك أنّ القرآن باعتباره نصّا مقدّسا يسعى إلى أن يكون نصّ حقيقة غير قابلة للدحض. فكيف يمكن أن يتضمّن خطابا يُجادل عقائده ويَدحضها. أليس في حضور هذا الخطاب إضعاف لأطروحاته؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نجحت سياسة القول القرآني في تجاوز هذا التناقض؟. تكمن الإجابة، عند الباحث، في طبيعة الخطاب المنقول عن الآخر أوّلا وفي الآليات التي اعتمدها النصّ لتحييد الآخر وإبراز تهافت أطروحاته ثانيا.

إنّ الخطاب المنقول عن الآخر هو، في جوهره، خطاب مفصول عن قائله الأوّل، وهو من ثمّ لا يمكن أن يعيد بكلّ أمانة الخطاب الأوّل مهما كان حرصه على الأمانة. ومردّ ذلك يعود حسب الباحث إلى ثلاثة عوامل. أمّا العامل الأوّل، فهو المسافة الزمنيّة الفاصلة بين الكلام الأوّل والكلام المنقول. فإعادة كلام سابق لا يكون إلاّ في لحظة بعدية. وهذه المسافة الزمنيّة قد تكون سبيلا إلى تغيير الكلام. يضاف إلى هذا عامل ثان يتمثّل في الحضور الضروريّ للوسيط (médiateur) الذي سينقل الخطاب الأوّل. هذا الوسيط التلفظيّ تختلف هويته، بالضروري، عن هويّة المتلفّظ الأوّل. فالمتلفّظ الأوّل في الخطاب المنقول هو بكلّ تأكيد مختلف عن ناقل الكلام. وهذا العامل التلفّظي يؤكّد استحالة النقل الأمين للكلام. أمّا العامل الثالث، فهو تغيّر طبيعة الخطاب. فإذا كان الخطاب الأوّل من طبيعة شفويّة، فإنّ الخطاب المنقول في القرآن تحوّل إلى خطاب مكتوب. ومن ثمّ، فإنّ المسافة بين الشفوي والمكتوب قد أسقطت كلّ ما هو مرتبط بطبيعة الخطاب الشفويّ من نبرة وإشارة. وهكذا يمكن القول إنّ الخطاب المنقول هو بناء مخصوص لخطاب الآخر[11]. وبهذا المعنى، فإنّ الخطاب القرآني لا ينقل صوت الخصم كما هو، وإنّما يبني صوت الخصم وصورته وفق استراتيجيّة إضعافه وإبراز تهافت مواقفه. ولذلك، كان لا بدّ من البحث في آليات الخطاب المعارض لتبيّن الاستراتيجية الخطابيّة التي وظّفها القرآن لتسفيه مقالة الآخر المجادل.

لقد توصّل الباحث، انطلاقا من قراءة نصيّة، لمدوّن بحثه إلى استخلاص جملة من الآليات التي اعتمدها القرآن لإبراز تهافت موقف المعارض. فقد تفطّن، عند قراءته لمقاطع الخطاب المعارض في سورتي الفرقان والواقعة إلى اعتماد آليتين أساسيتين هما آليتي "العزل" "isolement" و"التبئير" "focalisation". فقد عمد الخطاب القرآني إلى تهميش خطاب المعارض بعزله؛ وذلك من خلال التركيز على الردّ. ومن ثمّ كانت غاية القرآن سلب القدرة الحجاجيّة للآخر المجادل، غير أنّ هذه الاستراتيجيّة العازلة لخطاب المعارض قد صاحبها جملة من الآليات المساعدة التي ساهمت في تهميش الخصم أوّلا، وتسفيه موقفه ثانيا. ويحسن بنا في هذا المقام التبسط في ذكر بعضها:

- التعمية: وهي آليّة تعتمد على عدم ذكر اسم الخصم أو تحديد هويته. ولعلّ في عدم تسمية الخصم شكلا من أشكال التهميش والحطّ من شأنه. فضلا عن ذلك، فإنّ هذه الآلية توسّع عبر الزمن من حلقة المعارضين المحتملين، وهي في المقابل تعزّز قناعة الذين يعتقدون في قوّة الحجّة القرآنيّة.

- اللازمنيّة (l’intemporalité): إنّ عدم تحديد الخصم يمنح الخطاب قدرة على التحيّن المتجدّد مع كلّ قراءة للقرآن، فيخرج المعارض من الحيّز الزمني، ليصبح متحيّزا في كلّ زمن. ولعلّ هذه الآلية هي التي تساعد على القراءة اللاتاريخيّة للنصّ القرآني، وتسمح بتوظيفه بنعت الخصوم داخل أيّة دائرة من دوائر المعارضين للقرآن أو الرافضين لشرع الله.

- صناعة صورة الخصم: إنّ عدم تسمية الخصم هو وسيلة لإعطائه هويّة مبنيّة على الأوصاف التي ينعته بها القرآن. ومن ثمّة، تصبح صورة الخصم هي الصورة التي ينتجها القرآن له.

لا يمكننا في ختام هذا التقديم، إلاّ أن نثمّن العمل من عدّة جهات؛ أوّلها دقّة الموضوع. وهذا أمر لا يمكن أن يحصل إلاّ بمعاشرة النصّ وتدبّره، وهو ما خوّل للباحث التفطّن إلى شكل من أشكال الخطاب لم يحظ بالدرس المطلوب. لم يقتصر الأمر في هذا البحث على طرافة الموضوع وجدّته، بل تجاوزه إلى خصلة ثانية هي المنهج والاعتماد على ما توصلت إليه المعارف اللسانيّة والدراسات الحجاجيّة والبلاغيّة. فقد توسّل الباحث منهج المقاربة الداخليّة التي خوّلت له التركيز على النصّ وساعدته أدوات التحليل المتأتية من حقول الحجاج والبلاغة على كشف أهمّ الآليات التي اعتمدها القرآن في دحض حجج الخصم. ولا يخفى أنّ هذا المنهج في مقاربة النصّ القرآني يعدّ نقلة معرفيّة مهمّة تتجاوز ما استقرّت عليه الدراسات القرآنية. فلطالما اقتصرت الدراسات القرآنيّة الكلاسيكيّة على المقاربة التاريخيّة النقدية، فأهملت إهمالا ملحوظا النصّ القرآني. فقد كانت غايتها تبيّن أوجه العلاقة بين القرآن والأدبيّات اليهو-مسيحيّة. ولئن كانت النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسات مهمّة، فإنّها قصرت في تبيّن الآليات الداخلية المتحكّمة في بناء النصّ القرآني. وتجاه هذه الثغرة سعت جملة من الدراسات القرآنيّة إلى تدارك هذه النقائص. لعلّ من أهمّها أعمال "مهدي عزيّز" و"مصطفى بن تايبي"[12] و"آنْسِيلْفي بواليفو".[13]

أمّا النقطة الثالثة التي يمكن تثمينها في العمل، فهي تفطّن الباحث إلى ضرورة أن تعضد هذه القراءة الداخليّة للخطاب المعارض في القرآن بقراءة أخرى خارجيّة تسعى إلى مقارنة مدوّنة الخطاب المعارض في النصّ القرآني بنصوص مشابهة تنتمي إلى أدبيّات العصر القديم المتأخّر. ولئن ختم الباحث عمله بهذه الإشارة المهمّة، فإنّه قد انكبّ على تحقيقها في بعض مقالاته لعلّ أهمّها مقال صدر له بعنوان: "الخطاب المعارض للآخرة في القرآن وكتاب السنهدرين"[14].

لا شكّ في أنّ اهتمام الباحث بآليات الجدل والحجاج واستراتيجيّة القول في الخطاب المعارض أمر على غاية من الأهميّة. فقد خوّل له الوصول إلى جملة من النتائج المهمّة. غير أنّنا نرى ضرورة أن ينفتح البحث على مجال تحليل الخطاب والدراسات التداوليّة من أجل أن نربط "الخطاب المعارض" بالسياق (context). فقد انتبه المختصون في دراسة التواصل، اليوم، إلى أنّ اللغة ليست مجرّد نسق من العلامات المتتالية وفق نظام مخصوص، فهي نظام يستعمله الإنسان للإبداع؛ أي يُشغّله فتصبح خطابا تحمل بالضرورة سمات المتلفّظ. وقد كشفت التداولية أنّ ميكانيزمات المعنى المقصود لا تتمظهر بالضرورة في منطوق القول، بل إنّ للسياق الذي يتنزّل فيه العمل الإبداعي أهميّة قصوى في تشكّل المعنى. لذلك، كان لا بدّ من الاشتغال على كلّ ما له صلة بالسياق الذي يتنزّل فيه الخطاب. وهكذا يمكن القول، إنّ الباحث وإن ركّز اهتمامه على تحليل طرائق القول في الخطاب المعارض للأخرويات، فإنّه قد غفل عن العلاقة التي تربط هذا الخطاب بالسياق التداوليّ الذي يتنزّل فيه. ونحن نرى أنّه من المهمّ القيام بهذا العمل لمزيد فهم الفضاء الأنثروبولوجي والمعرفيّ الذي نشأ فيه النصّ القرآني من جهة، وتبيّن كيفيّة تفاعل النصّ مع محيطه من جهة أخرى.


[1] LE CORAN NOUVELLES APPROCHES, (Dir) MEHDI AZAEIZ avec la Collaboration de SABRINA MERVIN, PARIS, CNRS EDITIONS, 2013

[2] AZAIEZ, Mehdi, Le Contre-Discours Coranique, p.VII

[3] Ibid, p. 4

[4] Ibid, p. 5

[5] Ibid, p. 38- 39.

[6] Ibid, p. 65- 66- 67.

[7] Ibid, p. 66

[8] Ibid, p. 92

[9] Ibid, p. 93

[10] Ibid, p. 92

[11] Ibid, p. 155

[12] BEN TAÏBI, Mustapha, Quelques façons de lire le texte coranique, Limoges, Lambert-Lucas, 2009

[13] BOISLIVEAU, Anne- Sylvie, Le Coran par lui-même, Vocabulaire et argumentation du discours coranique autoréférentiel, Brill, Leiden- Boston, 2014

[14] AZAEIZ, Mehdi, «Les contre- discours eschatologiques dans le Coran et le traité du Sanhédrin», in: Les origines du Coran, Le Coran des origines, éd, Académie des Inscriptions et Belles- Lettres, Paris, 2015; p. 111