تقاطع الأجناس وسؤال المعنى في الواقع السور

فئة :  قراءات في كتب

تقاطع الأجناس وسؤال المعنى في الواقع السور

تقاطع الأجناس وسؤال المعنى في الواقع السور[1]

 ليس جديدًا القول إن الأسئلة الكبرى لا يمكن مقاربتها من زاوية واحدة، غير أن هذا القول غالبًا ما يُستَهلَك على مستوى الشعار، أكثر من أن يُختبر على صعيد الممارسة الفعلية. فالفكر يميل إلى التنظير، والأدب إلى التعاطف، والنص الأخلاقي إلى صياغة المعايير، من دون أن تلتقي هذه المسارات دائمًا في تجربة قراءة واحدة قادرة على إنتاج فهم مركّب، أو على ملامسة واقع معقّد كواقعنا السوري.

من هذا المنطلق، تكتسب بعض المبادرات القرائية قيمتها ليس من عناوينها فحسب، بل من الطريقة التي تُدار بها، ومن المنهج الضمني الذي تقترحه، حتى وإن لم يُعلن صراحة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى جلسة القراءة والنقاش التي نظمها «بيت النرجس» ضمن نشاطات قسم الدراسات النسوية بوصفها تمرينًا عمليًّا لافتًا على الجمع بين أجناس معرفية مختلفة تخدم، مجتمعة، مسارًا واحدًا من التفكير.

الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها نادرة التطبيق: مناقشة ثلاثة كتب تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة، من دون اشتراط أن تكون جميع المشاركات قد قرأنها كاملة، ومن دون السعي إلى استنفاد كلّ كتاب على حدة. هذا الاختيار، الذي قد يبدو مجازفة للوهلة الأولى، أتاح انتقال النقاش من العرض إلى الحوار، ومن التلقي إلى التفكير المشترك، ومن النصوص بوصفها موضوعًا مغلقًا إلى النصوص بوصفها أدوات لفهم أوسع.

وقد كشف ما جرى في الجلسة، بصورة شبه تلقائية، عن خيط ناظم جمع بين الكتب الثلاثة، رغم اختلاف جنسها ومقارباتها. كتاب أمين معلوف" الهويات القاتلة" فتح النقاش على مسألة اختزال الهوية وتحويلها إلى أداة عنف حين تُحمّل أكثر مما تحتمل، وحين يُطلب منها تفسير العالم وتبرير الصراع. رواية شهلا العجيلي" صيف مع العدو" نقلت هذا السؤال من مستوى المفهوم إلى مستوى التجربة الإنسانية، حيث يظهر العدو لا كصورة نمطية أو شعار سياسي، بل كعلاقة معقّدة تتقاطع فيها الذاكرة والمنفى والحب والتاريخ، من دون أن تُلغى الأسئلة الأخلاقية الثقيلة المتعلقة بالاحتلال والعدالة والمسؤولية. أما كتاب إريك فروم" فن الإصغاء"، فقد قدّم إطارًا أخلاقيًّا يجعل الإصغاء شرطًا للفهم، لا مجرد تقنية محايدة، ويحذّر من تحوله إلى حياد زائف، أو مساواة غير عادلة بين روايات غير متكافئة.

ما يلفت في هذا الجمع أنه لم يُنتج تكرارًا للخطاب، بل كشف عن تكامل بين مستويات مختلفة من المقاربة: الفكر التحليلي، والأدب بوصفه مساحة للخبرة الإنسانية، والنص الأخلاقي بوصفه ميزانًا معياريًّا. هذا التكامل أخرج النقاش من مأزقين شائعين: مأزق التنظير المجرّد المنفصل عن الواقع، ومأزق التعاطف الأدبي الذي قد يخفف وطأة الأسئلة الأخلاقية بدل أن يواجهها.

الأهم أن النقاش لم يبقَ حبيس النصوص، بل انتقل في مداخلاته الختامية إلى اختبار هذه الأفكار على الواقع السوري: كيف يمكن تفكيك الهويات الجريحة من دون أن تتحول إلى هويات قاتلة جديدة؟ كيف نفهم العدو من دون تبرير فعله أو تمييع مسؤوليته؟ وكيف نصغي إلى روايات متعددة من دون أن نقع في مساواة زائفة بين مواقع قوة غير متكافئة، أو خيانة الذاكرة باسم الفهم؟

هذا الانتقال من التنظير إلى التمرين العملي هو ما منح التجربة عمقها الحقيقي، وكشف عن حاجة السياق السوري إلى أدوات فهم متعددة، لا تكتفي بإدانة أو تبرير، ولا تختزل الواقع في ثنائيات مريحة، بل تجرؤ على التفكير في التعقيد، وفي التوتر الدائم بين الفهم والمساءلة.

من هذا النوع من المبادرات القرائية الهادئة يمكن أن تتشكل مسارات أوسع للعمل الثقافي، لا بوصفها أنشطة معزولة، بل بوصفها مختبرات تفكير تدرّب المشاركين على المقارنة، وعلى التمييز بين مستويات الخطاب، وعلى إدراك الفروق الدقيقة بين التعاطف والمسؤولية، وبين الإصغاء والحياد.

ما جرى في «بيت النرجس» لا يمكن اختزاله في جلسة قراءة ناجحة فحسب، بل يمكن النظر إليه كاقتراح منهجي قابل للتطوير والتكرار، يقوم على الجمع بين الأجناس المختلفة لا بوصفه ترفًا ثقافيًّا، بل بوصفه ضرورة لفهم واقع متشظٍّ، لا يستجيب لصوت واحدٍ، ولا لكتاب واحدٍ، ولا لمقاربة واحدة.

 

[1] - انعقد اللقاء في "بيت النرجس" يوم الأحد الخامس عشر من فبراير 2026 الثامنة بتوقيت دمشق- سوريا. بيت النرجس مساحة ثقافية نسوية تُعنى بالقراءة النقدية والحوار، وتنظم جلسات دورية تجمع بين الفكر والأدب ومقاربات إنسانية متعددة.