حضور الغريب فيلسوفاً/ ضيفاً


فئة :  مقالات

حضور الغريب فيلسوفاً/ ضيفاً

حضور الغريب فيلسوفاً/ ضيفاً[1]

منصف الوسلاتي

أكاديمي من تونس

 مدخل:

قد لا يكون لنا من القوَّة ما يكفي لمقاربة مسألة «حضور الغريب» على نحو يستغرق ممكناتها، أو لا يكون لنا زاد نظري كافٍ ليوطئ لنا السبيل إلى تناول موضوع تشعَّب البحث تلقاءه، فيفسح مساربه ومضايقه. وقد يكون ذلك راجعاً في غيض من فيضه إلى طابعه الاستثنائي الذي تشهد له مقاربات تتصادى في تناوله أصواتها على اختلاف ألوانها تمثّلاً ورهاناً، أو لعلّه يعود إلى ما يشوبه من غريب يكدّ الذهن، ويحسر الفكر حسراً لا منفذ منه غير توسل سبيل لم يطأه واطئ، وهو أمر لا نزعمه أو ندَّعيه لقلّة حيلتنا فيه؛ إذ حسبنا في هذا السياق أن نعقد قولاً في هذه المسألة على ما نتأوَّله صميماً في مقاربتنا لموضوعها الملتبس التباس الدَّهشة الخلَّاقة لا التباس التهافت، فنترسَّم ملامحه، ونتخيَّر الطرق إليه، على نحو لا تعوزنا فيه الأدلّة، ولا تخذلنا القرائن، بل تقوم له بعض النصوص الفلسفيَّة سنداً عاضداً فتجري أمر تأويله على السداد. ولعلَّ نافذ نظر، فيما يتعلّق بالتفكّر في مسألة «حضور الغريب» من رهانات، من شأنه أن يُعلّل طرحها قيد النظر الفلسفي، ويوفّر لازم القطع بوجاهة الموضوع الذي يتعلّق به البحث قبل تخصيص المسائل المجترحة منه. وإذا ما استتبَّ لنا أمر تعليل صعوبة المبحث وخصوبته، فضلاً عن تعليل أهميَّته وخطورته، انصرفنا إلى بسط تمشينا الفكري، وعرضه عرضاً إجرائيَّاً استجابة للاقتضاء المنهجي في العرض والتقديم. ولعلَّ الأظهر في كلّ اضطلاع فكري أن يكون ضبط دلالة المفاهيم مهاده النظري. على أنَّ الذي يعنينا من ذلك الضبط على جهة التأثيل[2] والإحصاء لا يتعلّق بعمل معجمي، على وجاهته؛ بل بنظر لافت إلى المعنى الذي من شأنه أن يحوز وضع الفكرة الناظمة لمسار معالجتنا لمسألة «حضور الغريب». وإذا ما فرغنا من الضبط الدلالي بالتحصيل لما في مفهوم الغريب من معنى «الغيريَّة»، وفي مقولة الحضور من معنى «الحدثيَّة»، وعقدنا الروابط وأحكمنا العلائق، انعطفنا إلى اللحظة التي نُعْنى فيها بتقدير منازل «حضور الغريب»، لنخلص من بعد ذلك إلى الإقرار بأهميَّة المسألة قيد النظر، من خلال التنبيه على طبيعة رهاناتها نظريَّاً وعمليَّاً، راجين من القارئ العزيز أن يتسقَّط لنا بعض المعاذير إن كنَّا في غفلة عن بعض المناحي في معالجة هذه المسألة، أو قصَّرنا فيها بمجانبة الدقّة أو العمق نظراً وتأويلاً.

في دلالة الغريب

قد يكدّ الفكر في سعيه لرصد دلالات «الغريب» وضبطها، ولا يستطيع لها حصراً، وقد نبذل الوسع من الاجتهاد في تخيُّر من الدلالة ما نظنُّ، عن قناعة، في وجاهته وسداده، دون أن نقدر على تثبيته أو نضمن استتبابه، وقد نظلّ على كلفنا هذا في وضع الذي ملك عليه سلطان الريبة فكره، فأوقعه في الحيرة لا ينسرح منها ولا ينفكّ عنها، إلا أن يلوذ بالفلسفة لعلّها تعصمه من تلك الحيرة، وتيسّر له سبل النظر والبحث. ومن أحسن من الفلسفة ملاذاً وسداداً وأهليَّةً، وهي التي جرت منها الغربة مجرى الروح رؤيةً ووضعاً؟

ألم يكن الفيلسوف بما يحمله من فكر «غريباً» حتى في وطنه وفي وسطه؟ ألم تكن غربته تلك أمارة على أنَّ التفلسف فيه طبع وممارسة؟ وهل يكون الفيلسوف فيلسوفاً إلا بما هو «غريب»؟ ثمَّ أليس ذلك أدعى لنا بأن نصغي لصوت الفلسفة في حدّها لدلالة «الغربة»، باعتبارها لازمتها صفةً وواقعاً؟ وهل بالإمكان تمثل دلالة «الغريب» بمنأى عن غربة الفلسفة وغربة الفيلسوف؟

لا يكون الفيلسوف «غريباً» إلا إذا استغرق هويته في دلالة «الغيريَّة» وضعاً ورؤية، فهو الآخر المستقر في غيريته بالنظر إلى غيره من النَّاس، وهو الذي يختلف عنهم في رؤيته للعالم كيفيَّةً وغايةً. لكنَّه، على الرغم من ذلك، يظلُّ مرتبطاً بهم، يتهدَّد قناعتهم وما استقرَّ لديهم من قناعات، فضلاً عن كونه يقيم في عالم يأباه على الصورة التي هو عليها، وهو لا ينفكّ يسعى إلى تغييره. ولنا في «سقراط» نموذجاً على غيريَّة الفيلسوف، ومثالاً على غربته.

سقراط ذاك الذي لم يكتب لفرط اعتقاده بأنَّ الفلسفة «ليست صنماً هو حارسه حتى ينبغي عليه أن يودعه بمكان أمين؛ بل هي كامنة في علاقته الحيَّة مع أثينا»[3] مدينة وبشراً. إنَّه يسعى في كلّ مكان، مخاطباً الذين يلقاهم في الشارع، غير مكترث بالذي يلقاه من شدائد في مقاومته للرأي وللسّلط، محافظاً بذلك على ما في الفلسفة من غريب يخرج عن المألوف؛ بل على ممَّا لا يُطاق فيها[4]. متوسّلاً «السخرية» كيفيَّة في التفكير والتواصل، كاشفاً بذلك عمَّا هو أصيل في فعل التفلسف. ولكن لا تكون السخرية كيفيَّة فلسفيَّة إلا إذا كانت علاقة مع الآخرين، فـ«سخرية سقراط علاقة بالآخرين، مُتحفّظة، ولكنَّها صادقة، وهي تعبّر عن هذه الظاهرة الأساسيَّة: كلّ امرئ ليس بالضرورة إلا نفسه، ومع ذلك يأنس نفسه في الآخر، فهي تحاول أن تُفتّح كلاً منهما على الحريَّة»[5]. وعلى هذا الأساس، كانت علاقة سقراط بالآخرين علاقة متوترة وقلقة، ولكن بالمعنى الذي يكون فيه القلق جوهر الفلسفة وسياقها بمنأى عن كلّ استغراق «سيكولوجي/باتولوجي» من شأنه أن يُعدم خصوبته سبيلاً في التأسيس وفي إعادة البناء[6]. غير أنَّ تلك العلاقة القلقة التي تجمع سقراط بالآخرين، على وجاهتها وخصوبتها الفلسفيتين، تظلُّ سبب اتهامه وأساس ما يؤاخذ به إزاء ما يفعله من حيث «الكيفيَّة والدواعي».

سقراط الساخر مذنب بما هو فيلسوف يتواصل مع الآخرين على نحو غريب لم يألفوه، يحضُّهم على طلب الحقّ طوعاً وكرهاً، مُيسِّراً لهم السبيل إلى أنفسهم، ودافعاً إيَّاهم إلى الحريَّة عن وعي عامد بجهلهم، فليس ثمَّة من حقّ دونهم، ولكنَّه، في الوقت نفسه، «لا يكفي أن نكون معهم حتَّى نبلغه»، فقد يقتضي الحقّ أحياناً «كسر العلاقات الإنسانيَّة وحلّ روابط الحياة والتاريخ» ثمناً لطلبه[7].

وإنَّ الفيلسوف في كلّ ذلك لا يرجو غير «الحقّ»، معرفيَّاً ومدنيَّاً وعقديَّاً، مع الآخرين وفي كلّ مكان.

فأمَّا طلب الحقّ معرفيَّاً فالمسوّغ فيه مراجعة نقديَّة للبداهة القائمة على اعتقاد متهافت يقضي بتأسيس الحقّ على المعرفة بدلاً من تأسيسه على وعي بكلّيَّة الجهل تجسيداً للمبدأ الفلسفي السقراطي: «كلّ ما أعرف أنَّني لا أعرف»[8]، مبدأ لا يؤسّس للجهل أو يشرّع له كما يجري به الاعتقاد في مشهور الرأي؛ بل يجذّر وعياً باستحالة وجود علم مطلق كشرط إمكان الانفتاح على الحقيقة[9]. ولئن كان الحقّ في هذا السياق مطلوباً، فإنَّ السعي إليه بغاية تحصيله يكون جهداً مشتركاً يؤمّنه الحوار، فيكون أوَّله اطمئناناً وآخره حيرة تشتدُّ كلَّما رفع السؤال عن القناعة غطاءها، فكشفها واهيةً متهافتةً لا تستقيم بذاتها، فينقلب الحقّ مهمَّة من بعد أن وقع في الظنّ أنَّه معطى. ولكنَّه لا سبيل إلى النهوض بهذه المهمَّة المنوطة بالفيلسوف حتى تكون «المدينة» مكاناً قادراً على تحمُّله[10]، ومقاماً آمناً له، وساحة ضامنة للحوار، تجسيداً للوجود مع الآخرين وجوداً مدنياً. من أجل ذلك يكون طلب الحق في سياقه المدني مشروطاً بتدبير أمر المدينة وأمر الوجود المدني بحثاً عن المدينة الحقّ.

لا يتعلّق الأمر هنا بمدينة يحملها الفيلسوف في نفسه، وإنَّما بتلك التي توجد فعلاً من حوله[11] بنظمها وقوانينها، وهي التي يؤمن بها، ولكن على النَّحو الذي تكون فيه فضاء يتقبَّل الفيلسوف. وعندما يمثل سقراط ليشرح للقضاة معنى المدينة، فهو يقصد من وراء ذلك الكشف عن جهلهم بحقيقتها وبقوانينها؛ بل بعداوتهم لها، وهم الذين يقاضونه دفاعاً عنها. إنَّ سقراط لا يدافع عن نفسه وإنَّما عن المدينة التي يجهل القضاة حقيقتها، ويناصبون قوانينها العداء. وهو بهذا المعنى يتَّهمهم ويقاضيهم[12]، في اللّحظة نفسها التي يظنُّ الجميع أنَّه متَّهم ويُقَاضَى. بهذا القلب[13] للأوضاع والأدوار يتحوَّل الفيلسوف من وضع الغريب بالنسبة إلى قضاته إلى وضع يجعلهم غرباء عن المدينة الحق نظاماً للنَّاس وفضاء للفلسفة.

إنَّ المبدأ الفلسفي، الذي يجبر الفيلسوف على أن يمثل أمام القضاة مطيعاً للنّظام وللقوانين؛ أي لمقتضيات المدينة، هو المبدأ عينه الذي يجعله مختلفاً وغريباً، «الحريَّة نفسها التي تحمله على أن يكون بينهم، تثنيه عن أحكامهم المسبقة»[14]. غير أنَّ طاعة الفيلسوف تكون دائماً تحت شرط المقاومة وبأسلوب متفرّد عصيّ على التمثّل من خارج السياق السقراطي بوجه خاص، وخارج دائرة الفلسفة بوجه عام. ففي عالم التفلسف لا تكون طاعة القوانين إلا كونها تمثل النّظام الذي يجب الامتثال له من أجل تغييره من بعد الطعن فيه، وتعليل ذلك أنَّ الصمت عليه أو الفرار منه من شأنه أن يثبّته ويبرّر شرعيَّة وجوده[15]. هكذا يكون الحق في سياقه المدني، وعلى هذا النَّحو يطلبه الفيلسوف ويسعى إليه. إنَّ الأمر ليزداد ضراوة عندما يطلب الفيلسوف الدّين الحق تجسيداً لعقيدة من جنس فلسفي. ولئن كان من تعاليم سقراط أنَّ الدّين حقٌّ لكن ليس ذلك الذي «تتصارع فيه الآلهة»؛ بل ذلك الذي «ينكشف فيه الإلهي بنداء صامت»، هذا الدّين هو الذي يؤمن به الفيلسوف ويرتضيه على النحو الذي يكون فيه غير الآخرين. «فهو يؤمن أكثر ممَّا يؤمنون، ولكنَّه كذلك يؤمن لا كما يؤمنون، وفي معنى غير الذي فيه يؤمنون»[16]. ليس شأن الفيلسوف، إذاً، أن يُنكر الآلهة، ولا أن يستخف بها، وليس من شأنه أيضاً أن يتعلّق بآلهة جديدة، فلا هو يُخلُّ بأعراف ولا يسفُّ بعقائد، لأنَّ همَّه معقود على تأوُّلها، فيخلع عليها معنى، وفي ذلك تجاوز للحدّ عند الآخرين، فالتأوُّل عندهم إلغاء للدّين وكفر بالآلهة واقتراف لذنب الإلحاد[17]. شأن الفيلسوف أنَّه يؤمن تحت شرط التأويل، وهو بذلك يكون «غريباً/نابتاً»؛ لأنَّه يؤمن بالدّين والمدينة روحاً وحقيقة، والآخرون يؤمنون بهما حرفاً[18]. وحين يتأوَّل الفيلسوف أمراً، فذلك من أجل فهمه واستنقاذه. «في دنيا الفيلسوف إنَّما تُستنقذ الآلهة، وتُستنقذ القوانين بفهمهما»[19]. وبهذا الصنيع يكون المرء فيلسوفاً بالقدر الذي يكون فيه غريباً في طلب الحقّ، معرفيَّاً ومدنيَّاً وعقديَّاً، وفي السعي إليه حيثما كان، في الشارع وفي «مجلس الشعب» وفي «المحكمة» وأمام القضاة. تلك هي غربة الفيلسوف التي كان «سقراط» دالاً عليها في حياته وفي موته. ولكن إذا كان الفيلسوف غريباً بما هو فيلسوف، فهل بوسع ذلك أن يشرّع لنا القول بفلسفيَّة الغريب؟

يتعلّق الأمر، في هذا السياق، بجعل تحديدنا لغربة الفيلسوف مهاداً يوطئ لنا سبيل النظر في فلسفيَّة الغريب؛ إذ لا يمكن حمل الغريب على الفلسفة باعتباره غريباً إلا أن نتأوَّل «الغربة» على معنى يُعلّل الحمل ويشرّعه. ولئن اقتصر تحديدنا لدلالة الغريب، من خلال النموذج السقراطي، على غربة الفكر والرؤية والقيم على النحو الذي يكون فيه الفيلسوف غريباً في مدينته ونابتاً فيها، لا مكان له ضمنها وبين الآخرين لاقترافه ذنب التفلسف، فإنَّ اضطلاعنا بالنظر في معنى فلسفيَّة الغريب يقتضي ألَّا تكون صورة الفيلسوف ووضعه الفاعل المرجعي في تحديد دلالة الغريب. فليس الغريب ذلك الآخر المختلف عن غيره داخل المدينة فكراً ورؤية وقيماً، بل الغريب هو أيضاً ذلك الآخر الوافد على المدينة والمختلف عنها، بما يحمله من ثقافة مغايرة بمنظومة مرجعياته ومعاييرها. وبالنَّظر إلى دلالة غيريَّة الغريب جغرافيَّاً وثقافيَّاً وما تقتضيه من حدود ومسافة فاصلة مشكّلة بذلك كياناً متفرّداً في وجوده وفي حضوره، فإنَّ معايير النَّظر الفلسفي في حقيقة الغريب ووضعه تتوزع بين ما هو نظري فكرياً، وما هو سياسي وحقوقي عمليَّاً. فليست الغربة هنا غربة فكريَّة وحسب؛ بل هي فضلاً عن ذلك غربة جغرا-سياسيَّة ضمن إطار الحقّ والقانون. ولأنَّ الأمر في هذا السياق يتعلق بالسؤال عن كينونة الغريب وعن وجه فرادتها طبيعةً وحضوراً، فإنَّ الضرورة الفلسفيَّة تقضي باستحالة التفكير في كينونة الغريب بمنأى عن سؤال الكينونة ذاته[20]. وحتَّى نتبيَّن طبيعة العلاقة بين سؤال الكينونة وتحديد كينونة الغريب هويَّةً وحضوراً، يمكن لنا الاستئناس بالنموذج الأفلاطوني من خلال محاورة «السفسطائي» أساساً، على أن يكون اضطلاعنا بهذا الأثر يندرج ضمن تأويليَّة فلسفيَّة لمهاده ولمضمونه. فأمَّا تأويليَّة المهاد فشأنها الاضطلاع بترسُّم ملامح «الغريب» وهويَّته، في حين أنَّ تأويليَّة المضمون تجري بغاية تحديد طبيعة الحضور دلالةً واستتباعاً.

لا نرى حقَّاً أيَّة مقاربة للمحاورات الأفلاطونيَّة بوجه عام، ومحاورة «السفسطائي» بوجه خاص، لا تأخذ في الاعتبار أهميَّة المهاد، لا بوصفه مدخلاً تمهيدياً لمداولة النَّظر في المضمون الفلسفي للقول الأفلاطوني وحسب؛ بل لكونه أيضاً يُحدّد شروط إمكان المحاورة موضوعاً ومنهجاً، فضلاً عن ضبط أفقها بكيفيَّة يكون معها المهاد إطارها المرجعي. ذلك ما يُعلّل اضطلاع هايدغر[21] بالنظر في علاقة المهاد بالمضمون الفلسفي ضمن سياق مقاربته لمحاورة «السفسطائي» من خلال استغراقه بالنظر والتأويل للكيفيَّة التي تمَّ بحسبها تقديم الغريب وعرضه على سقراط وعلى الحضور، وما ترتَّب على ذلك التقديم والعرض من تفاعل فلسفي على مستوى الفكر والقول.

ضمن سياق لقائه بسقراط على موعد قد قُدِر[22]، يعمد ثيودور إلى تقديم الغريب الذي جلبه معه إلى الحلقة السقراطيَّة، وذلك بالإشارة إلى كونه أصيلاً «إيليا»، وتبعاً لذلك ينتمي إلى الحلقة الفكريَّة «البارمينيديَّة»، فضلاً عن كونه فيلسوفاً حقيقياً وعلى التّمام. وبهذا المعنى يكون الغريب غريباً جغرافياً باعتباره وافداً على المدينة وغريباً فكرياً بوصفه ينتمي إلى المدرسة «الإيليَّة»، التي تتميَّز فكرياً بتأسيسها فلسفة الوحدة و«الهويَّة»، لكنَّه على غربته تلك يحوز الغريب وضع الفيلسوف الحقيقي[23]. هذا التقديم يتجاوز في تقدير هايدغر وضع اللياقة ليحدّد أرضيَّة اللّقاء الفكري وأفقه الفلسفي موضوعاً ومنهجاً ورهاناً[24]. فالغريب فيلسوف بما يحمله من تعاليم المدرسة «الإيليَّة» ذات المنزع الفكري «البارمنيدي»، لكنَّ صفة «الحقيقي» التي أقرَّها ثيودور ضمن سياق التقديم ليست على قدر من البداهة حتى يحصل بشأنها الإجماع، الأمر الذي يستوجب إيضاحاً على جهة البرهنة والتدليل.

لا تستتبُّ لغريب إيليا صفة الفيلسوف الحقيقي، ولا تجري منه مجرى الهويَّة حتى يقيم الدليل على ذلك بأن يُظهر اختلافه عن غيره من مريدي حلقة «بارمنيدس»، وتميّزه عنهم، على الرغم من رسوخهم في تعاليم مدرسته، من خلال استعداده لوضع تلك التعاليم موضع نظر وفحص، وما يترتَّب على ذلك من الانتقال بها من مقام البداهة الراسخة إلى مقام الإمكان الخاضع للمراجعة النقديَّة إن اقتضى الأمر ذلك. فيَكُفّ بذلك عن أن يكون مجرَّد منتصر لتعاليم «بارمنيدس»، مجادلاً عنها، شرساً إزاء كلّ من يخالفها[25]، لأنَّ شأن الفيلسوف الحقيقي أن يكون جدليَّاً مفتوحاً على الممكن فكرياً بتنوُّع افتراضاته، حتَّى وإن استوجب ذلك ضرورة فتح الهويَّة على الغيريَّة نظرياً، وقبول الآخر عمليَّاً. هكذا تكون صورة الفيلسوف الحقيقي، وعلى هذا الأساس يمكن اختبار الغريب والتحقّق من هويَّته حتى نميز الادعاء الباطل من الإقرار الفعلي. ذلك ما يُعلّل ما أقدم عليه سقراط، إزاء ما تقدَّم به ثيودور من عرض، بتأكيده ضرورة التنبيه على إمكانيَّة أن يكون الغريب «إلهاً». فأن يكون الغريب على ما وصفه ثيودور، فذلك أمر يخصُّ الآلهة دون سواها في تقدير سقراط[26]، تناسباً مع ما يجري في معتقد الإغريقيين من تصوُّر يقضي بإمكانيَّة أن ترافق الآلهة البشر لتنهض بمهمَّة المراقبة والنقد والدحض[27]، لكن دون أن يعني ذلك الاستغراق الديني لدلالة مفهوم الآلهة، الأمر الذي يستوجب ضرورة التمييز بين «الإله» و«الإلهي»، وحمل الغريب على دلالة «الإلهي» باعتباره كائناً أسمى بما عليه نظره وتفكيره من سموّ وتميُّز عمقاً وكيفيَّة[28]. على هذا النحو يكون الغريب «إلهيَّاً»، وبهذا المعنى يكون فيلسوفاً حقيقيَّاً.

هكذا ينتهي تقديم «الغريب» في فاتحة محاورة «السفسطائي» إلى تحديد هويَّته بوصفه فيلسوفاً حقيقياً؛ أي «إلهياً»، تحديداً يحوز وضع المهاد لطرح مشكل تحديد هويَّة «السفسطائي» قيد النظر والمدارسة رفعاً للالتباس الحاصل في مشهور الرأي بين «الفيلسوف» و«السفسطائي» التباساً بلغ حدَّ الاشتباه[29]. وحتَّى تُختبر فلسفيَّة الغريب يعمد سقراط إلى دعوته للاضطلاع بمهمَّة التحديد والتعريف مستنداً في ذلك إلى تعاليمه الفلسفيَّة ذات المنزع البارمنيدي، فترتسم بذلك ملامح المحاورة شكلاً ومضموناً. لكنَّ تلك الملامح لا تبلغ تمامها حتى يُحدّد الغريب طريقته في معالجة موضوع المحاورة، مُخَيَّراً بين سبيلين: سبيل «المونولوج» وسبيل الحوار «ديالوج»[30]. ولئن تخيَّر «الغريب» سبيل الحوار وفضَّله على الانفراد بالقول، فإنَّ اللافت للانتباه يتعيَّن في الأسباب المقتضية للتفضيل، حيث لم يعلّل «الغريب» اختياره بالنَّظر إلى هويَّته باعتباره فيلسوفاً حقيقيَّاً وكائناً إلهيَّاً كما شِيء له ضمن سياق التقديم؛ بل لعلّه استناداً إلى طبيعة حضوره كما شاءه هو لنفسه، حضوراً على جهة الضيافة، أي: «حضوره ضيفاً»[31].

في دلالة حضور الغريب

سواء تمثّلنا دلالة الغربة بالنظر إلى وضع الفيلسوف وطبيعة حضوره استئناساً بالنموذج السقراطي أو تمثلنا دلالة الفلسفة استناداً إلى خصوصيَّة الغريب في وضعه وحضوره، استئناساً بمثال غريب «إيليا»، فإنَّنا بذلك نترسَّم ملامح ضرب من الهويَّة النَّظريَّة، لا فصل فيها بين الفلسفة والغربة، أكان ذلك من جهة تعليل غربة الفيلسوف أو من جهة تثبيت فلسفيَّة الغريب، على أن يكون الأمر، في جميع الحالات، موقوفاً على حوار يضطلع فيه التفلسف، من جهة المهمَّة والرهانات، بجعل «الوجود مع الآخر» اقتضاء فكريَّاً وضرورة أنطولوجيَّة[32]. بصرف النَّظر إن كان الفيلسوف «غريباً» في حضوره، أو كان «ضيفاً» على الحضور.

حضور الغريب فيلسوفاً حقيقيَّاً

أن يضطلع مهاد محاورة «السفسطائي» بتحديد هويَّة «الغريب» باعتباره «آخر» يختلف عن غيره بفلسفيَّة التفكير وإلهيَّة الكيان، وأن يكون ذلك مناسبة لطرح مسألة تحديد هويَّة «الفيلسوف» قيد النظر والمداولة من خلال الانعطاف بالتفكير إلى ملاحقة «السفسطائي» تعريفاً وكشفاً وفضحاً، باعتباره الوجه المغاير للفيلسوف والملتبس به، فذلك أمر يكشف عن ضرب من التمشّي الفكري الذي يجعل من المهاد مقدّمة لحدث جلل يتولى مسار الحوار تأكيده لاحقاً. ها هنا تكون وجاهة المهاد باعتباره أمراً له ما بعده، ولا سيَّما إذا ما تبيَّنا الكيفيَّة التي بحسبها يفضي السؤال عن هويَّة «الغريب/الفيلسوف الحقيقي»، وعن خصوصيَّة كيانه، إلى سؤال يتعلّق بـ «هويَّة الكينونة» بوجه عام، ضمن سياق حوار يُوصَفُ بـ«صراع عمالقة»[33] تكون للغريب فيه اليد العليا من جهة الحضور والمبادرة والتوجيه، قولاً وتفكيراً. ولكن ما كان «للغريب» أن يثير سؤال «الكينونة» ضمن سياق التفكير في مسألة «الفيلسوف» عبر ملاحقة «السفسطائي» تعريفاً وكشفاً، لولا المضيق الذي انتهى إليه مسار الحوار جرَّاء الالتزام بتعاليم بارمنيدس مؤسّس المدرسة الإيليَّة القاضية بأنَّ «الوجود موجود»، وأنَّ «اللاوجود غير موجود»، وما يترتَّب على ذلك من إقرار بأنَّ «الوجود هو هو، ولا يمكن أن يكون آخر غيره»، إقراراً تستحيل معه «الغيريَّة» وجوداً وقولاً وتفكيراً. وإزاء هذه الاستحالة لا سبيل أمام الفكر للتمييز بين الخطأ والصواب، ولا قدرة لديه لرفع الالتباس بين الفيلسوف والسفسطائي أو إزالة الاشتباه بينهما. من أجل ذلك حقّ على الغريب، المنتمي فكريَّاً وجغرافيَّاً إلى «إيليا»، أن يعمد إلى مراجعة تلك التعاليم على نحو نقدي والتظنّن على بداهاتها، إذا ما رام استنقاذ مسار التفكير في المحاورة من انسداد الأفق والتردي في معضلة لا منفذ منها. على هذا الأساس يُعاد طرح سؤال الوجود من جديد: ما الوجود؟ ولكنَّ «الغريب» لا يثير سؤال الوجود حتى يتبيَّن للجميع أنَّ الغموض يكتنف مسألة «اللاوجود» بالقدر الذي تغمض فيه مسألة الوجود وتندّ عن الفهم والتمثل، واضعاً بذلك الأنطولوجيات، التي استتبت لها فكرة وثوقيَّة عن الوجود، موضع إحراج[34]. ولا يكون ذلك ممكناً إلا ببيان مواضع التهافت في تلك الأنطولوجيات بوجه عام، والأنطولوجيَّة البارمنيديَّة-الإيليَّة بوجه خاص.

تقضي تعاليم بارمنيدس باعتبار الوجود هو هو، ولا يمكن أن يكون «آخر» غيره استناداً إلى مبدأ يوجب العلاقة التلازميَّة/الشرطيَّة بين الإقرار بضرورة وجود الوجود من ناحية، وتأكيد استحالة وجود اللاوجود من ناحية أخرى، وأنَّه ليس بالإمكان أن نفكر في اللاوجود، ولا أن نقوله أو أن نحصّل بشأنه معرفة، وذلك لكونه لا يوجد[35]. فـ«الوجود موجود، واللَّا وجود غير موجود»، تلك هي التعاليم التي حالت دون أن يقتدر «الغريب» على تعليل وجود «الخطأ» أو محاصرة «السفسطائي» وكشفه. من أجل ذلك تكون مهمَّته موقوفة على بيان أنَّ اعتبار الوجود هو هو ليس افتراضاً خاطئاً؛ بل إنَّ قوله على هذا النَّحو لا يكون ممكناً دون أن يكون قولاً متهافتاً[36]. ولا سبيل أمامه إلى ذلك إلا بمراجعة نقديَّة لتلك التعاليم، حتى وإن اقتضى الأمر تخطيها. لكنَّ المراجعة هنا لا تشمل تلك التعاليم إلا في قسمها الثاني، المتعلّق بالإقرار القاضي بأنَّ «اللاوجود غير موجود». والتساؤل بشأن هذا الإقرار لا يكشف عن تهافته فحسب؛ بل يفضي فضلاً عن ذلك إلى تظنّن على بداهة معنى الوجود والسعي إلى تمثّلها على نحو آخر[37].

يُردّ استتباب الفكرة الوثوقيَّة عن الوجود ضمن سياق تعاليم البارمنيديَّة إلى البرهنة من خلال الدحض المتبادل بين الحركة والسكون[38] بكيفيَّة يكون معها الوجود هو هو ثابتاً لا يلحقة تغيير ولا يختلف عن شيء؛ لأنَّ الاختلاف لا يكون إلا مع الغير؛ أي اللاوجود، وهو أمر غير جائز، لكون هذا اللاوجود غير موجود. الأمر الذي يجعل من «الغيريَّة» فكرة غريبة عن السياق الفكري لتعاليم المدرسة الإيليَّة، رغم أنَّ تلك الفكرة هي عينها التي يَعدّها «الغريب» سبيله في الخروج من المضيق واستنقاذ سؤال الوجود[39]، الذي أدَّى إليه التمسُّك بتلك التعاليم، فضلاً عن تمكّنه بمقتضاها من ملاحقة «السفسطائي» تعريفاً وفضحاً. هنا يعمد الغريب إلى محاولة الكشف عن تهافت القول إنَّ اللاوجود غير موجود من خلال استدعاء فكرة «الغيريَّة»، وإقامة علاقة جدليَّة بينها وبين فكرة «الهو هو»، معتبراً أنَّ الفكرتين تمثلان جنسين أساسيين يوازيان من حيث القيمة والأهميَّة جنسي «الحركة» و«السكون»؛ بل يتفوَّقان عليهما[40]، وذلك من جهة إمكان تأسيس تمثّل غير ملتبس لمعنى الوجود يسع الآخر ولا ينكر وجوده؛ بل يقضي بضرورته جدليَّاً فكريَّاً وأنطولوجيَّاً. فإذا كان «التجديل» بين فكرتي الحركة والسكون قد رسَّخ صورة للوجود تسستغرقه في دلالة «الهو هو» التي لامكان فيها للغيريَّة؛ أي للاوجود باعتباره آخر، وما يترتَّب على ذلك من استحالة تحديد مواضع الخطأ، استحالةً أفضت إلى اشتباه الفيلسوف بالسفسطائي، فإنَّ «التجديل» بين جنسي «الهو هو» و«الغيريَّة» من شأنه أن يمكّن من رصد مواضع الخطأ، ويرفع الالتباس بين الفيلسوف والسفسطائي، وذلك من خلال إثبات «وجود اللاوجود» على النحو الآتي:

إذا كانت التعاليم البارمنيديَّة تقضي بتميز «جنس» الوجود من بقيَّة الأجناس، باعتباره مستقراً فيها جميعاً؛ أي «وجود الحركة» و«وجود السكون» و«وجود الهو هو»، حيث لا نستطيع إثبات خصوصيَّة جنس دون إثبات وجوده، فإنَّ جنس الغيريَّة يتميَّز عنها جميعاً، وذلك من جهة إثبات الاختلاف الأنطولوجي بين جميع الأجناس التي تشارك في الغير، ولذلك إنَّ الغير مبثوث في جميع الأجناس ومنتشر فيها، فجنس الحركة هو غير من حيث وجوده بالنظر إلى جنس السكون أو غيره من الأجناس، وعليه كلّ كائن هو هو بالنسبة إلى ذاته، وهو آخر بالنسبة إلى غيره، ولذلك هو لا وجود بمقتضى هذه الغيريَّة[41]. ومن هذا المنطلق يكون إثبات وجود اللاوجود استناداً إلى جنس «الغيريَّة»؛ بل تأكيد ضرورته، بالقدر الذي نؤكّد فيه ضرورة الوجود[42]. هكذا يثبت الغريب جدليَّاً تهافت الإقرار بأنَّ اللاوجود غير موجود، موسّعاً بذلك دائرة الوجود ليشمل هذا الآخر المغاير فلا يعود غريباً، ليتمكَّن بعد ذلك من تحديد موضع الخطأ وملاحقة السفسطائي كشفاً وتعريفاً وتمييزاً.

إنَّ ما أثبته «الغريب» بشأن مسألة اللاوجود استناداً إلى فكرة «الغير» ليس مجرَّد استنتاج فلسفي ناتج عن مجهود جدلي؛ بل إنَّه تأسيس يرتفع إلى مقام «الحدث الفلسفي»، على أساس القطيعة مع الأنطولوجيَّات القائمة على فكرة وثوقيَّة عن «الوجود» من ناحية، والتأسيس الفلسفي لحضور الآخر والانفتاح عليه من ناحية أخرى، فيكفّ الآخر بذلك عن أن يكون غريباً فكريَّاً وأنطولوجيَّاً. على هذا النحو نتبيَّن طبيعة حضور الغريب فيلسوفاً مضطلعاً بمهمَّة فلسفيَّة لا ينفصل فيها فعل النقد عن فعل التأسيس، نقد لتعاليم بارمنيدس مؤسّس المدرسة الإيليَّة، وذلك على جهة المراجعة والتظنُّن والإحراج، والتأسيس لأنطولوجيا على جهة إعادة البناء تكون قائمة على معنى للوجود يسع الآخر ويستغرقه ضمن هويَّة لا ينفصل فيها الهو هو عن الغير. وعلى هذا النَّحو أيضاً يكون حضور الغريب/الفيلسوف حدثاً فلسفيَّاً. لكنَّ الطابع الحدثي للحضور لا يستوفي دلالته ولا يكون وافياً بمقصوده ما لم نتبيَّن خصوصيَّة وضع الغريب/الفيلسوف بالنظر إلى بارمنيدس الذي يقوم منه مقام «الأب»، وبالنظر إلى وجوده في أثينا وضمن الحلقة السقراطيَّة، مضطلعاً بمهمَّة فلسفيَّة تقضي بأن تكون علاقته بتعاليم «الأب» مواجهة لا مداورة، وما يترتب على ذلك من غربة مضاعفة تجعله يتردَّى في «وضعيَّة قصوى» لا منفذ له منها، إلا أن يلوذ بأفق «الضيافة» ويعتصم بها، تجسيداً للفيلسوف الحقيقي هويَّةً وحضوراً، ولكن على نحو آخر.

حضور الغريب فيلسوفاً ضيفاً

على إثر مداولة النظر في هويَّته فكريَّاً وجغرافيَّاً، وبعد أن استقرَّ الأمر على ما في تلك الهويَّة من فرادة تتعلّق بخاصيَّتي «الفلسفيَّة» من حيث التفكير، و«الإلهيَّة» من جهة الوضع والحضور، يعهد الحضور «للغريب» بمهمَّة الاضطلاع بالحوار تفكيراً وتوجيهاً، بعد أن تعيَّن موضوع النَّظر وتحدَّد مجال الاهتمام. لكنَّ الغريب يأبى الشروع في ممارسة النَّظر قبل ضبط كيفيته، منتصراً في ذلك لأسلوب الحوار، تجسيداً لمعنى «الوجود مع الآخر» فكريَّاً واضطلاعاً به فعليَّاً من جهة الحضور الذي شاء له أن يُستغرق في «الضيافة» عمداً. ولا يتعلق الأمر هنا بوصف وضعيَّة معيَّنة؛ بل يتعلق بالتمهيد لحدوث أمر جلل يرتقي إلى مستوى «الحدث» مشكّلاً بذلك وضعيَّة قصوى تعبّر عن خصوصيَّة حضور الغريب/الفيلسوف باعتباره ضيفاً في غير المعنى الذي جرى به مشهور الرأي. لكنَّه ليس بالإمكان استغراق دلالة الضيافة في بُعدها الفلسفي ما لم نتخطَّ بداهة الاستيعاب الأخلاقي أو الاستغراق القانوني والسياسي لهذا المفهوم من ناحية، فضلاً عن ضرورة تمثّله ضمن سياق يكون فيه حضور الضيف حدثاً من ناحية أخرى. ويمكن في هذا الإطار أن نستأنس بالتحديد القرآني لدلالة «الضيف»، لعلّه يوطئ السبيل إلى ما ذهبنا إليه ويقوم له سنداً.

يتجاوز التحديد القرآني التمثل القائم على بداهة استغراق معنى «الضيافة» ضمن الأفق الأخلاقي، اعتقاداً وسلوكاً، جاعلاً من حضور «الضيف» مقدّمة لحدوث أمر جلل، بشارة كان أو نُذراً، ولدينا في حضور ضيوف إبراهيم ولوط -عليهما السَّلام- نموذج. فأمَّا نزولهم على إبراهيم فقد كان بشارة بولادة انتفت شروط إمكانها الفعليَّة، فارتقت الواقعة بذلك إلى مستوى الحدث باعتبارها فعلاً إعجازيَّاً، يُرغم المستحيل على الإمكان[43]. أمَّا حضورهم لدى «لوط» فقد كان عقاباً وانتقاماً من قومه لقاء فجورهم وعتوّهم عتوَّاً كبيراً، فقدموا إلى قريتهم على قَدَر «جاعلين عاليها سافلها»[44]. هكذا كان حضور الضيف حدثاً لا يمكن استيفاؤه ضمن السياق الأخلاقي كما تصوَّر إبراهيم ذلك، مجسّداً بذلك ثقافة تستغرق أخلاقيَّاً دلالة الضيافة كرماً وإكراماً[45]. بهذا التمثّل القرآني لدلالة حضور «الضيف» يمكن أن نيسِّر السبيل لتصوُّر فلسفي لمعنى حضور الغريب/الفيلسوف ضيفاً مستأنسين في ذلك بالنَّموذج الأفلاطوني.

أن يُقدم «غريب إيليا» الفيلسوف الحقيقي على المراجعة النقديَّة لتعاليم المدرسة الإيليَّة، وأن يكون ذلك على جهة التظنُّن والإحراج، متجاوزاً الحدود التي رسمها بارمنيدس بشأن أفق تمثل معنى الوجود[46]، فذلك أمر يرتقي إلى مستوى «الحدث الفلسفي» من جهة الوضع والوَقْع؛ فأمَّا الوضع فهو يتعلّق بما تقتضيه تلك المراجعة النّقديَّة من انخراط في «وضعيَّة قصوى»، حيث التردُّد بين تقدير «الأب» الموجب «للعمى» رغم وضوح الرؤية من جهة، والسعي إلى الحقيقة الموجب «للجنون» إزاء إمكانيَّة مجاوزة تعاليم «الأب» وتخطّي الحدود التي رسمها من جهة أخرى. أمَّا الوَقْع فهو يشير إلى رَجْعِ تلك المراجعة وارتداداتها من جهة ما تقتضيه من وجوب الإقدام على «قتل الأب» من خلال قلب تلك التعاليم وجعل «عاليها سافلها» انتصاراً للحقيقة. يقول الغريب: «لذلك، إنَّني أخشى أن تجعلني كلماتي هذه أبدو أمامك كالمجنون حين أقلب مواقفي وأجعل عاليها سافلها...»[47].

ضمن سياق مقاربته للوضع الذي تردَّى فيه «غريب إيليا» عند سعيه إلى مراجعة تعاليم الأب بارمنيدس، يلاحظ دريدا، بكثير من الدقّة والوجاهة، غرابة العلاقة التي عقدها الغريب بين «العمى» و«الجنون»، وذلك من جهة اعتبار أنَّ الحق قد بلغ من الوضوح والتميّز الحدَّ الذي يكون فيه بيّناً ومرئيَّاً حتى لدى «الأعمى» تجوُّزاً. لكنَّ طلب الحقّ على وجوبه وضرورته وما يقتضيه من قلب لتعاليم «الأب بارمنيدس» لا يكون بمنأى عن إمكانيَّة إلحاق صفة «الجنون» بطالبه، جرَّاء ما ترسَّخ من اعتقاد أجرى تلك التعاليم على البداهة وحملها على الحق الذي يكون دونه باطلاً[48]. فإمَّا أن نُغمض العينين عن حقٍّ بات جليَّاً حتى بالنسبة إلى الأعمى، وإمَّا أن نطلبه حتَّى وإن كان طلبه ضرباً من الجنون. تلك هي خصوصيَّة «الوضعيَّة القصوى» التي انتهى إليها الغريب، والتي لا يمكن له النَّفاذ منها إلا بحدث جلل يتمثل في الإقدام على قلب تلك التعاليم، قلباً يتَّخذ مجازاً صورة «قتل الأب» ساعياً إلى الحقّ غير مكترث بتبعاته.

عند اللحظة التي بلغ فيها اليقين بضرورة الإقدام على «قتل الأب»، يتمنَّى «الغريب» على محاوره ثياتيتوس ألَّا يحمله على صورة قاتل الأب، وإن كان يعلم علم اليقين أنَّه قاتله لا محالة[49]. ولكنَّ فعل القتل لا يكون وافياً بمقصوده أو بالغاً أمره ما لم يكن فاعله «ابناً» ينتسب إلى العائلة الفكريَّة البارمنيديَّة، كما قدَّر ذلك دريدا[50]، فضلاً عن عنفه وشدّته، حتى وإن كان فعلاً مجازياً يتعلّق بهمٍّ فكري ونظري صرف. ولأنَّ الأمر هنا لا يتعلق بجدال أو نقاش بشأن موضوع فكري، وإنَّما يتعلّق بمعركة عاصفة وباقتحام عنيف للدائرة الفكريَّة البارمنيديَّة وبكسر الحدود التي ترسَّمتها تعاليمها[51]. وذلك من جهة الارتفاع بفعل «قتل الأب» إلى مقام المهمَّة الفكريَّة المتدرّجة في مسار إنجازها تبدأ بقلب التعاليم البارمنيديَّة بجعل «عاليها سافلها»، وذلك من جهة حمل اللاوجود على الوجود من ناحية، وحمل الوجود على اللاوجود من ناحية أخرى، حملاً جدليَّاً لا فضل فيه لإقرار على آخر، لتنتهي إلى تأسيس تصوُّر لمعنى الوجود يتجاوز حدود الهويَّة الضيّقة لينفتح على الآخر في غيريته، معيداً بذلك بناء اللوغوس وتشكيل صورته على نحو لا يكون فيه فصل بين الهو هو والآخر ولا تعارض بينهما. هكذا تكون مهمَّة قتل الأب قلباً في منطلقها وتأسيساً في مسارها وإعادة بناء في نهايتها وتشريعاً أنطولوجيَّاً للوجود مع الآخر في رهاناتها. ولمَّا كان إنجاز هذه المهمة منوطاً بعهدة الغريب/الضيف، فقد ترتَّب على ذلك أنَّ حضوره حدث فلسفي، وأنَّ ضيافته مهمَّة فكريَّة لا فصل فيها بين الاضطلاع النقدي والرهان التأسيسي. هنا تكون الضيافة حدثيَّة من جهة الوضع، شِدّة من جهة الحضور. لكن بما أنَّ الأمر يتعلّق بوضعيَّة قصوى توجَّب على الضيف/الابن أن يكون قاتل أبيه فكريَّاً، رغم تقديره للأب/المعلّم وضيقه بطبيعة مهمَّته على ضرورتها، فإنَّ الضيافة، إذ تحافظ على بعدها الإيتيقي، سواء من جهة التأكيد على مقام الأب ورمزيته تقديراً له، أم من جهة تقدير الآخر عند تخيّر «الغريب» أسلوب الحوار بدلاً من أسلوب «المونولوج»، ضمن سياق اضطلاعه بمهمته، فهي لا تفصل ذلك البُعد الإيتيقي عن دلالة «الشدَّة»، مؤسّسة بذلك ضرباً من الإيتيقا يمكن حمله على دلالة «إيتيقا الشدَّة»[52]، متجاوزين بذلك الاستغراق الأخلاقي لمعنى الضيافة. على هذا الأساس تكون «الضيافة» تأسيساً أنطولوجيَّاً لمعنى «الوجود مع الآخر» وتشريعاً إتيقياً لحضوره حضوراً فعَّالاً، نقداً وتأسيساً وإعادة بناء.

بهذا المعنى، يمكن أن نتبيَّن طبيعة العلاقة الفلسفيَّة، التي تصل الغربة بالضيافة، وذلك من جهة الترابط بين سؤال الوجود وسؤال الضيافة، فأن يضطلع الغريب/الفيلسوف بطرح سؤال الوجود بغاية كسر حدود الهو هو والانفتاح على الغيريَّة تأصيلاً لمعنى مختلف للوجود من ناحية، وتجذيراً أنطولوجيَّاً للضيافة من ناحية أخرى، وأن يضطلع الغريب/الضيف بوضعه الفلسفي مهمَّةً وحضوراً، بهدف التشريع الإيتيقي لغيريَّة الغريب المستعد أبداً لمساءلة بداهاته الفكريَّة ومراجعتها نقدياً، انتصاراً للحق وسعياً للتأسيس، بصرف النَّظر عن معوّقاته الأخلاقيَّة، فذلك أمر من شأنه أن يجعلنا نتمثّل دلالة الغريب، باعتباره فيلسوفاً ضيفاً، ودلالة حضوره أنطولوجيَّاً وإيتيقاً. هكذا يكون التفلسف تنبيهاً على ما في الغربة من ضرورة فكريَّة وأنطولوجيَّة، وعلى ما في الضيافة من رهانات إيتيقيَّة خارج إطار الاستغراق الأخلاقي، الذي يفقد الغريب ضرورته وفعاليَّته، وينزع عن الضيف روح المبادرة، ويبتذل حضوره إعلاء لقيم الجود والكرم، التي انتفت شروط إمكانها عمليَّاً.

راهنيَّة حضور الغريب ضيفاً

أن يكون المرء فيلسوفاً في وطنه بالقدر الذي يكون غريباً فيه، سواء من جهة طلبه الحقَّ معرفيَّاً ومدنيَّاً وعقديَّاً، أم من جهة السعي إليه حيثما كان، أو أن يكون ضيفاً بالقدر الذي يكون حضوره في غير وطنه إضافةً من جهة المساهمة في التأسيس وإعادة البناء، فذلك ما لا يمكن لراهننا أن يقوم له سنداً، الأمر الذي يجعله ضرباً من «اليوتوبيا» الفاقدة مقوّماتِها العمليَّة، أو يحوّله إلى أمل استحالت شروط إمكانه الواقعيَّة، فأنَّى لراهن يحوّل الغريب إلى زائر أو مهاجر أو لاجئ، ويجعل من الضيافة عطاء على نحو مشروط، فضلاً عن كونه محكوماً بهاجس الخوف والحذر والريبة، أن يكون منسجماً مع ما في الغربة من ضرورة، ومع ما في الضيافة من قيمة وأصالة؟

إنَّ الراهن، الذي يستنكر غيريَّة الغريب، وينكر عليه حضوره الفعَّال، ويضع «استضافته» تحت شرط الحقّ سياسيَّاً، يُقيم الحجَّة على أنَّه يؤمن بالضيافة «حرفاً»، ولا يؤمن بها روحاً، وأنَّه لا يقيم وزناً للغريب، انتصاراً لمواطنة تحدَّدت دلالتها ضمن سياق ما يقتضيه الوجود الفعلي «للدولة» راهنيَّاً، بعد أن كانت سليلة «المدينة» الإغريقيَّة بكلّ مقوّماتها النظريَّة والسياسيَّة والإتيقيَّة. الأمر الذي يعلّل القول بالفرق بين غريب «المدينة» وغريب «الدولة» راهناً.

إنَّ الامتداد الجغرافي لا يستوفي مدلول مفهوم «المدينة» ضمن سياقها الإغريقي، وإن كان ضرورياً في مستوى الضبط والتحديد، لأنَّ الأمر يتعلّق بدلالة لا فصل فيها بين الفكرة وكثافتها الأنطولوجيَّة، تجسيداً للانسجام بين المثل الأعلى التأمّلي للحكيم والمثل الأعلى العملي للحاكم[53]، انسجاماً قلّما يقوم واقع البشر عبر مسار التاريخ شاهداً عليه.

لئن كان أصيل «إيليا» غريباً على أثينا جغرافيَّاً، فهو أصيل «المدينة» فلسفيَّاً، وإنَّ حضوره ضيفاً لا يكون حدثاً بالنظر إلى إضافته الفكريَّة نظريَّاً، من جهة إقحامه الغيريَّة في قلب الهويَّة أنطولوجيَّاً وحسب؛ بل بالنظر إلى إضافته الفكريَّة عمليَّاً أيضاً، من خلال إقحامه الغيريَّة في قلب الهويَّة سياسيَّاً، وذلك من جهة فتح المدينة على الآخر ضماناً للانسجام بين المثل الأعلى النظري والمثل الأعلى العملي فلسفيَّاً وسياسيَّاً. هنا يكون الاختلاف بين «سقراط» و«الغريب»، على الرغم من اشتراكهما في الهويَّة الفلسفيَّة.

ولئن أوجبت صفة الفلسفيَّة على سقراط أن يمكث في المدينة فلا يغادرها، مضطلعاً بمهمَّة مقاومة أعدائها بحضوره داخلها، مجسّداً بذلك موقفاً فلسفيَّاً يتوافر على تصوُّر سياسي في حدود جغرافيَّة المدينة، فإنَّ الغريب الذي شهد له الحضور بصفة الفيلسوف الحقيقي، قد تخلّص من سياقه الفكري والجغرافي قاصداً أثينا، مضطلعاً بمهمَّة التأسيس لتصوُّر فلسفي لـ«السياسي الحقيقي» يتجاوز فيه الحدود الجغرافيَّة ليجعل من المدينة فضاء سياسياً مفتوحاً على الآخر، حتى وإن كان ذلك الانفتاح مقيَّداً بشروط ومحكوم بمقتضيات[54]. وعلى هذا الأساس يمكن أن نعلّل منزلة محاورة «السياسي» ضمن سياق المدوَّنة الأفلاطونيَّة باعتبارها لاحقة زمنيَّاً وفلسفيَّاً عن محاورة «السفسطائي» لنهوض الغريب/الضيف فيها بالمهمَّة نفسها التي اضطلع بها في محاورة السفسطائي مادام تحديد معنى «الفيلسوف الحقيقي» موقوفاً على تمييز السفسطائي من الفيلسوف من ناحية، وتمييزه من السياسي من ناحية أخرى، تمييزاً ننتهي معه إلى ترسُّم ملامح السياسي الحقيقي[55]، فضلاً عن ترسُّم صورة المواطنة الحقَّة المؤسّسة لانفتاح المدينة على الغريب ضيفاً، بشرط أن تكون في استضافته إضافة من جهة المساهمة في «تجويد» القوانين والشرائع، بما يحمله من اختلاف ثقافي، تماماً مثل مساهمة أصيل المدينة في تجويد ثقافة غيره عند مغادرته وحضوره ضيفاً لدى الآخرين. بهذا المعنى تكون الضيافة فلسفياً إضافة سياسيَّة، فضلاً عن كونها إضافة فكريَّة. وبهذا المعنى أيضاً يكون حضور الغريب، باعتباره آخر ضيفاً، حضوراً فعَّالاً يحوز وضع الحدث ويجسّد معنى المهمَّة. تلك هي الصورة التي ظلّت نموذجاً لا ينفكّ راهننا يُفقدها شروط إمكانها الفعليَّة، إلى الحدّ الذي أضحت معه ضرباً من «اليوتوبيا» استجابة لمقتضيات الدولة الحديثة وإلزاماتها الوطنيَّة، حيث التعلّق بمبدأ السيادة والانتماء، وما يترتّب على ذلك من تنامي الخشية من الغريب لدواعٍ أمنيَّة، إلى الحدّ الذي يصبح معه الهاجس الأمني «إيديولوجيا» مبرّرة لمعاداة الغريب، ومؤسّسة لكراهيته[56]. من هذا المنطلق تصبح الضيافة ضرباً من ضروب «الجنون» على حدّ تقدير شيرير، مادامت مخالفة لكلّ شروط التعقّل ومقوّمات الحكمة القاضية بضرورة المحافظة على المصلحة العليا للدولة (la raison d’État)[57] على أساس عدم الاطمئنان لحضور الغريب الذي يتهدَّد أمنها واستقرارها. هكذا، تتحوَّل الضيافة إلى جنون العالم الراهن، الأمر الذي يجعلها مخالفة لطبيعة الدولة ومقوّماتها، مجسّدة بذلك التعارض بين حقوق الإنسان وحقوق الدولة، تعارضاً يُعلّل اعتبار الدولة الوطنيَّة دولة لا مضيافة بطبعها[58]، فضلاً عن كونه يكشف عن التباين بين فكرة الضيافة وواقعها ويبين عن وضعها المفارقي.

يُجمع كلٌّ من دريدا وشيرير على وجود تعارض بين «الضيافة» فكرةً كليَّة ومطلقة وذات طبيعة إيتيقيَّة خالصة مُحرَّرة ولا مشروطة، وبين واقع استضافة الغريب تحت شرط القانون والحق الذي يترسَّم لها حدوداً سياسيَّة وقانونيَّة استناداً إلى بداهة الاعتقاد بخطر غريب يتهدَّد النظام والقيم. لذلك لا تكون فكرة الاستضافة المطلقة بمنأى عن وجود خطر يترصَّدها فعليَّاً، وكأنَّنا بالضيافة لا تنفتح على إمكانها حتى تؤسّس لانتفائها واضمحلالها، الأمر الذي يعللّ ضرورة وضعها قيد الشروط القانونيَّة والسياسيَّة ضماناً لتحقّقها.

لذلك لا يتعلّق الأمر، في هذا السياق، بالحديث عن ضربين مختلفين من «الضيافة»؛ بل يتعلّق بالكشف عن تمثلين مختلفين لها، تمثّلاً يجريها على الإطلاق، وآخر يقيّدها بشروط، وأنَّه لا سبيل إلى استيعاب ذلك الاختلاف إلا ضمن إطار تفكير علائقي يجعل من إدراك المعنى موقوفاً على تمثله في مستوى العلاقة لا في أطرافها منفصلة، بكيفيَّة تصبح معها الضيافة حقَّاً، ويكون ذلك الحقّ حدَّاً لها وشرط إمكانها في الوقت نفسه. وبدلاً من التفكير في هذه العلاقة الاختلافيَّة استناداً إلى منطق الثنائيات، وجب التفكير فيها بتوسُّل منطق الإضافة المؤسّس للتفكير العلائقي الاختلافي[59] أنطولوجيَّاً وإيتيقيَّاً، سواء من جهة تمثل معنى الوجود وجوداً مع الآخر، أم من جهة الارتباط بذلك الآخر ارتباطاً مسؤولاً، إلى الحدّ الذي تتحوَّل فيه مسؤوليتنا تجاه الآخر إلى ضرب من ضروب «الارتهان» له على حدّ تقدير ليفيناس[60]، وذلك على النَّحو الذي تكون فيه تلك المسؤوليَّة ضرورة أنطولوجيَّة ومهمَّة إيتيقيَّة. وقد يكون ذلك أساس تصوُّر آخر للضيافة، يكون قائماً على مجاز «اقتصاد البسط أو الإسراف»، لا على سياسة البخل والشُّح والتقتير[61].

خاتمة

أن يكون البسط والجود قوام الضيافة، فذلك أمر من شأنه أن يكون مهاداً لترسُّم ملامح صورة ضيافة مسؤولة وغير متحفّظة، على نحو يجعلنا نعيد النظر في طبيعة المجتمع، لا من جهة التفكير في كيفيَّة جعل قبول الآخر ممكناً في إطار مجتمع فاضل؛ بل من جهة التفكير في شروط إمكان مجتمع تُقاس فضيلته بقدرته على قبول الآخر واستضافته على نحو مسؤول. ولعلَّ ذلك بعض ما قصده شيرير حين عَدَّ الضيافة «يوتوبيا» العصر الراهن[62]، اعتباراً يبيّن الطابع «الحدثي» للضيافة من جهة كونها سبيلاً لتأسيس مجتمع مفتوح على الآخر، على أساس إيتيقا قُدَّت من غيريَّة مسؤولة، فضلاً عن كونه يكشف عن خصوصيَّة مهمَّتها التي تتجلَّى في مقاومة انغلاق المجتمع من ناحية، ومقاومة ديكتاتوريَّة الدولة من ناحية أخرى. بهذا المعنى يكون «الغريب» فيلسوفاً حقيقيَّاً، ويكون حضوره على جهة «الضيافة» حدثاً ومقاومة[63].

 

المصادر والمراجع

المصادر

- Derrida, (J); De L’Hospitalité, Anne Dufourmantelle invite Jacques Derrida à répondre De L’Hospitalité, Calmann-lévy, 1997

- Levinas, Emanuel, «L’au-delà du verset», Minuit, 1982

- Heidegger, (M); Platon: Le sophiste, Trad. par Jean-François Courtine, Pascale Davide, Dominique Paradelle, Philippe Quesne, Ed, Gallimard, Paris, 2001

- Heidegger, (M); Etre et Temps, Trad. François Vezin, Gallimard, Paris, 1986, §26.

- Platon, Œuvres Complètes, L’Apologie de Socrate. (21d), Menon (80d.1-3) Trad. Et Notes, Par Léon Robin avec la collaboration de J. Moreau, Gallimard, 1950.

ـ أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، ترجمها عن النَّص اليوناني مع مقدّمات وشروح أ. د. عزَّت قرني، قسم الفلسفة ـ جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، 2001، في مستوى 216 أ.

- مرلوبنتي، موريس، تقريظ الحكمة، ترجمه وقدَّم له محمَّد محجوب، دار أميَّة، 1995.          

المراجع

- Monique, Dixsaut; Platon-Nietzsche, L’autre manière de philosopher, Fayard, 2015

- Ricœur, Paul, Histoire et Vérité, Ed. Seuil, 1955

- Mercier, Daniel, Le Rapport à L’étranger, In Café Philo de Narbonne, 12 juillet 2011

-Schérer, René, Zeus Hospitalier, Eloge de L’hospitalité: Essai philosophique, La table ronde, 2005

- kokaliris, Girasimos, René Schérer et Jacques Derrida sur l’hospitalité, In Mélanges offerts à René Schérer, L’Harmattan, 2015

Platon Et Les Étrangers, Philippe Bornet - Revue De Héologie Et De Philosophie, n° 132 (2000).

- Le Politique de Platon, Les Études philosophiques, 2005/3 (n° 74).

- ريكور، بول، الوجود والماهيَّة والجوهر لدى أفلاطون وأرسطو، درس أُلقي في جامعة سترازبورغ سنة 1953-1954، ترجمة جملة من الأساتذة بإشراف محمَّد محجوب، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2012

[1]- يتفكرون العدد11

[2]ـ التأثيل، أو ما ينحت له أهل الاختصاص بالتعريب كلمة «إيتيمولوجيا».

[3] ـ انظر: ميرلوبنتي، موريس، تقريظ الحكم، ترجمه وقدَّم له محمَّد محجوب، دار أميَّة، 1995، ص 74

[4] ـ المصدر نفسه، ص72

[5] ـ المصدر نفسه، ص77

[6] ـ «إنَّ كلَّ ما يفعله سقراط ينتظم حول هذا المبدأ السرّي الذي يُضجرنا ألا نُدركه. هو دائماً مذنب إفراطاً وتفريطاً، وهو دائماً أبسط من الآخرين وأقلّ اقتضاباً منهم، أكثر وداعة وأقلّ مهاودة، يجعلهم في حالة القلق، ويُسلّط عليهم ما لا يُغتفر من الإهانة، يحملهم على الشك في أنفسهم. هو هنا في خضمّ الحياة، في مجلس الشعب كما هو في المحكمة...».

[7] ـ المصدر نفسه، ص70

[8] ـ انظر:

- Platon, Œuvres Complètes, L’Apologie de Socrate. (21d), Menon, (80d.1 - 3) Trad. Et Notes, Par Léon Robin avec la collaboration de J.Moreau, Gallimard, 1950.

[9] ـ ميرلوبنتي، موريس، تقريظ الحكم، مرجع سابق، ص77

[10] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص74

[11] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص78

[12] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص76

[13] ـ يقول ميرلوبنتي في هذا السياق: «إنّه الانقلاب الذي لا مفرَّ منه لدى الفيلسوف؛ لأنَّه يبرّر الخارج بقيم آتية من الدّاخل»، المعطيات السابقة نفسها، ص 76

[14] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص 75

[15] ـ «عندما يرفض سقراط الفرار، فليس ذلك لأنَّه يعترف بالمحكمة، وإنّما لكي يمكن الطعن فيها. فهو ـلو فرَّ- لأصبح عدوّ أثينا، ولصار حكم المحكمة وجيهاً. ولكنّه ببقائه (سواء أبرّؤوه ام أدانوه) قد كسب؛ فإمَّا أن يبرهن على فلسفته بأن يحمل القضاة على قبولها، وإمَّا أن يبرهن عليها أيضاً بقبوله الحكم». المعطيات السابقة نفسها، ص 74

[16] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص 73

[17] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص 76

[18] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص 75

[19] ـ المعطيات السابقة نفسها، ص 76

[20] ـ انظر في هذا السياق:

- Derrida, (J); De L’Hospitalité, Anne Dufourmantelle invite Jacques Derrida à répondre De L’Hospitalité, Calmann-lévy, 1997, p.11

[21] ـ انظر:

- Heidegger, (M); Platon: Le sophiste, Trad.par Jean-François Courtine, Pascale Davide, Dominique Paradelle, Philippe Quesne, Ed, Gallimard, Paris, 2001, P. 226

[22] ـ يقول ثيودور: «ها نحن أوَّلاً قد أتينا، يا سقراط، بحسب ما اتفقنا عليه نحن أنفسنا بالأمس».

ـ أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، ترجمها عن النّص اليوناني مع مقدّمات وشروح أ. د. عزت قرني، قسم الفلسفة ـ جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، 2001، في مستوى 216

[23] ـ المصدر نفسه، في مستوى 216

[24] ـ انظر: Heidegger, (M); Platon: Le sophiste، مصدر سابق، ص227

[25] ـ المصدر نفسه، ص231

[26] ـ انظر أفلاطون، محاورة «السفسطائي»، (أو: في الوجود)، في مستوى 216 أ- ب.

[27] ـ المصدر نفسه، في مستوى 216 ب.

[28] ـ انظر: Heidegger, (M); Platon: Le sophiste، ص231-232

[29] ـ انظر: أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، في مستوى 231 أ.

[30] ـ المصدر نفسه، في مستوى 217 ح.

[31] ـ يقول «الغريب»: ومن الجهة الأخرى، فإنّي إن لم أُطعكم وأُرضكم، أنت وهذا الجمع، خاصةً بعد الكلمات التي نطقت بها، فسيكون هذا منّي، وأنا أعلم ذلك جيّداً، أمرَاً غير كريم من ضيف عليكم وفيه خشونة». المصدر نفسه، في مستوى217هـ- 218 أ.

[32] ـ انظر:

Heidegger, Martin; Etre et Temps, Trad. François Vezin, Gallimard, Paris, 1986, §. 26

[33] ـ انظر أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، في مستوى 246 أ

[34] ـ ريكور، بول، الوجود والماهيَّة والجوهر لدى أفلاطون وأرسطو، درس أُلقِيَ في جامعة سترازبورغ سنة 1953-1954، ترجمة جملة من الأساتذة، بإشراف محمَّد محجوب، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2012، ص 115

[35] ـ انظر:

Monique, Dixsaut; Platon-Nietzsche, L’autre manière de philosopher, Fayard, 2015, p. 97.

[36] ـ المرجع نفسه، ص96

[37] ـ انظر: Heidegger, (M); Platon: Le sophiste، ص 228

[38] ـ ريكور، بول، الوجود والماهيَّة والجوهر لدى أفلاطون وأرسطو، مرجع سابق، ص115

[39] ـ المرجع نفسه، ص 112

[40] ـ المرجع نفسه، ص 113

[41] ـ المرجع نفسه، ص ص 114ـ 115

[42] ـ «إنَّ طبيعة الغير داخل كامل سلسلة الأجناس تجعل كلَّ واحد منها غير الوجود». «السفسطائي» 256، أورده: ريكور، المرجع نفسه، ص 114

[43] ـ (وَنبّئهم عن ضيفِ إبراهيم* إذْ دخلوا عليه فقالوا سَلاماً قالَ إنَّا منكم وَجِلون* قالوا لا تَوجَل إنَّا نُبشّركَ بغلامٍ عليم* قالَ أبشَّرتُموني على أنْ مسَّني الكبر فبمَ تبشّرون* قالوا بشَّرناك بالحقِّ فلا تكنْ من القانطين* قالَ وَمَنْ يقنطْ من رَحمةِ رَبِّه إلا الضَّالون). [سورة الحجر 51/56].

[44] ـ (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ * وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)).

[45] ـ (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا * قَالَ سَلَامٌ * فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً * قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ(70)).

[46] ـ انظر: أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، في مستوى 241 د.

[47] ـ المصدر نفسه، في مستوى 242 أ

[48] ـ انظر: Anne, Dufourmantelle, Invite Jacques Derrida à répondre, De L’Hospitalité، مرجع سابق، ص 15.

[49] ـ انظر: أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، في مستوى 241 د

[50] ـ انظر: Anne, Dufourmantelle, Invite Jacques Derrida à répondre, De L’Hospitalité، ص 17

[51] ـ انظر: أفلاطون، محاورة «السفسطائي» (أو: في الوجود)، في مستوى 241 د. انظر أيضاً: تعليق Dixsaut، مرجع سابق، ص 96، وتعليق Derrida، مرجع سابق، ص15.

[52] ـ «إيتيقا الشدّة»، مفهوم ورد لدى بول ريكور، ضمن مؤّلفه: التاريخ والحقيقة:

- Ricœur, Paul, Histoire et Vérité, Ed. Seuil, 1955, p. 257

[53] ـ المعطيات السابقة نفسها، الفصل: الدولة والعنف، ص 247

[54] ـ انظر:

Bornet, Philippe, «Platon et les étrangers», Revue de théologie et de philosophie, n° 132 (2000), P. 113 - 129

يضطلع Philippe Bornet، في هذا المقال، ببيان خصوصيَّة الثقافة اليونانيَّة في تصوُّرها للغريب، وفي كيفيَّة التعامل معه، فضلاً عن تأكيده العلاقة العضويَّة بين التمثل الفلسفي النّظري وواقع الثقافة الفعلي، مجذّراً مقاربة أفلاطون الفلسفيَّة للغريب ضمن ثقافة عصره. وإنَّ اللافت للانتباه في تلك الثقافة تمييزها بين أربعة صنوف من الغرباء، لعلَّ أهمها تلك المتعلّقة بمن يُقبل على المدينة اليونانيَّة «ملاحظاً» لنظمها بغرض الاستفادة والإفادة، بما يحمله من ثقافة مغايرة من شأنها أن تقدّم إضافة على جهة التثاقف، الأمر الذي يجعل من هذا الضرب من الغرباء ضيوفاً تنفح لهم المدينة استضافة وإضافة.

[55] ـ انظر:

- Le Politique de Platon, Les Études philosophiques, 2005/ 3 (n 74).

[56] ـ انظر:

«L’existence de l’Etat-Nation et de ses frontières, le principe de la souveraineté, et plus globalement le principe d’appartenance communautaire, impliquent certes quelque chose de l’ordre de la fermeture, et par conséquent le risque de faire le lit d’une idéologie sécuritaire contre «l’envahisseur» potentiel; il est cependant essentiel à l’identité et à la sécurité des groupes humains, et par là-même sans doute aussi condition pour qu’une véritable exigence éthique d’hospitalité puisse voir le jour».

- Mercier, Daniel, Le Rapport à L’étranger, In Café Philo de Narbonne, 12 juillet 2011

[57] ـ انظر:

-Schérer, René, Zeus Hospitalier, Eloge de L’hospitalité: Essai philosophique, La table ronde, 2005, p.12

[58] ـ المرجع نفسه، ص 81. ويمكن أن نعتضد في هذا السياق بالقانون الفرنسي المجرّم للاستضافة.

- «délit d’hospitalité» Il s’agissait d’une loi permettant de poursuivre, voire d’emprisonner, ceux qui hébergent et aident des étrangers en situation jugée Illégale».

[59] ـ انظر:

- kokaliris, Girasimos, René Schérer et Jacques Derrida sur l’hospitalité, In Mélanges offerts àRené Schérer, L’Harmattan, 2015, p.196

[60] ـ انظر:

- Levinas, Emanuel, «L’au-delà du verset», Minuit, 1982, p.177

[61] ـ انظر: Schérer, René, Zeus Hospitalier, Eloge de L’hospitalité، مرجع سابق، ص 127.

«S’ily a question d’une économie, c’est d’une économie élargie, «généralisée», pour employer une expression de Georges Bataille […]. Une économie de la «dépense»».

[62] ـ انظر: kokaliris, Girasimos, René Schérer et Jacques Derrida sur l’hospitalité، مرجع سابق، ص 200-201

[63] ـ انظر: Schérer, René, Zeus Hospitalier, Eloge de L’hospitalité، مرجع سابق، ص 23