نيتشه بين مديح العزلة ونبذ الرّعاع


فئة :  مقالات

نيتشه بين مديح العزلة ونبذ الرّعاع

نيتشه بين مديح العزلة ونبذ الرّعاع

علاقة الفلاسفة بالعزلة غريبة ومُلغزة، وتكاد لا تفهم أحيانًا، لكن الذي يفهم دائمًا، هو أن كل عزلة وخلوة يستتبعها عمل إبداعيّ ضخم، فكثيرة الأعمال التي كانت ثمرة عزلة طويلة، حيث ينشغل الفيلسوف بالتأمل والكتابة، سواءً كان يمارس العزلة طوعًا أو كرهًا، تمامًا كما فعل ديكارت طيلة المدة التي قضاها في هولندا، حيث كان منعزلاً تقريبًا ومنكبًا على ممارسة تأملاته، التي سيضمنها في كتابه تأملات ميتافيزيقية الذي يعكس علاقته الاستثنائية بالعزلة، التي تشبه إلى حد بعيد علاقة هايدجر بكوخه الذي شيّده وسط الغابة السوداء، واختار الابتعاد عن كل صخب يحول بينه وبين إنصاته لإيقاع الوجود، ليجود علينا بكتابه الأهم الوجود والزمان، غير أن مُواطنه نيتشه لم يكن يفضل المكوث في البيت والانزواء في أحد جنباته، بل كان يختار التجوال بلا كلل ولا ملل، خاصة أثناء المدة التي قضاها في سيلس ماريا، تلك القرية الجميلة بمناظرها الطبيعية، التي استهوت الروائي السويسري هيرمان هيسه، واسترعت انتباه نيتشه أيضا الذي أغرم بتضاريسها وقربها من جبال الألب، الأمر الذي مكنه من الاستمتاع بعزلته ليهدي للبشرية أحد أهم كتبه هكذا تكلّم زرادشت، الذي يستهله قائلاً: «لمّا بلغ زرادشت سنّ الثلاثين غادر موطنه وبحيرة موطنه ومضى إلى الجبل. هناك استطاع أن ينعم بعقله وبوحدته؛ ولعشر سنوات لم يعرف كللاً»[1]، ليشخّص لنا بدقة متناهية حالة الفيلسوف الذي اختار العزلة بعد أن قضى جزءًا غير يسير من حياته رفقة الرّعاع والغوغاء، تلك الرفقة التي تبعث على النفور والاشمئزاز المسبب للانقباض، الذي لا يمكن التخلص منه إلاّ عبر الدخول في عزلة تساعد على استرجاع سلامة العقل والبدن.

إن عودة زرادشت إلى المدينة بعد العزلة التي قضاها في الجبل، جنت عليه الكثير من المتاعب، وجعلته يلتقي بالرّعاع وجها لوجه ليتعرض حينها للسّخرية والتهكّم، كما تعرض قبله كل داعٍ إلى الخروج من دائرة الاطمئنان المريح للأفكار السائدة بين العامة، لكن رغم كل ذلك، كان هدفه استمالة أكبر عدد من الناس للخروج عن القطيع، حيث يقول: «أن أستميل الكثير إلى الخروج عن القطيع، ذلك هو العمل الذي جئت من أجله، وسيبغضني عندها الراعي والقطيع: لصًّا سيسمي الرعاع زرادشت»[2]، فالعداء الذي أصبح يكنه الرّعاع لزرادشت جعله يفضل الابتعاد عنهم، ويتجنب السّم الذي ينفثونه من أفواههم ويؤدون به أنفسهم ومن حولهم، وليتمكن أيضًا من الحفاظ على كل ما هو نقي بداخله، دون أن يدنّسه بأوساخهم وروائحهم النتنة التي تجعل كل من اقترب بجانبهم، يفرّ هاربًا مخافة أن يلحقه الأذى منهم، لذلك يقول نيتشه على لسان زرادشت: «إنني صديق لكل ما هو نقيّ، لكنني لا أحب الأشداق المكشّرة ولهفة النّجسين، لقد ألقوا بنظراتهم في قاع البئر؛ وها هي ابتسامتهم الكريهة تبرق منعكسة على صفحة الماء، سمّموا الماء المقدس بطمعهم، وعندما سمّوا أحلامهم القذرة فرحاً سمّموا الكلمات أيضًا»[3]، لقد اتخذ نيتشه من العزلة وسيلته لتجنب مخالطة القطيع، حيث سعى إلى الابتعاد قدر الإمكان عن صخب المدينة وفضّل الارتماء في أحضان الطبيعة، ليكتشف نفسه أثناء وحدته التي تسمح له بالتّعافي من كل آلامه، وتتيح له إمكانية التخلص من الغوغاء الذين ما يفتأ يهاجمهم في ثنايا كتبه؛ لأنهم يشكّلون أكبر خطر يحذق به، الأمر الذي دفعه إلى أن يجعل من كتابه الأهم هكذا تكلّم زرادشت مديحًا للعزلة ونبذًا واضحًا للرّعاع، ولطباعهم وأفكارهم المعادية لكل أشكال المرح والحبور، حيث يقول موضّحًا ذلك: «إن زرادشت بكليته نشيد مدائحيّ للعزلة، أو للنقاوة، إذا ما تمّ فهمي جيّدًا...ولحسن الحظ ليس ل الحمق الخالص- ومن لديه عينان لتمييز الألوان فسيسمّيه ماسّا. إنّ القرف الذي يثيره فيّ البشر، القرف تجاه "الرّعاع" كان دوما أكبر خطر عليّ. هلا استمعنا إلى الكلام الذي يتحدث به زرادشت عن الخلاص من القرف؟»[4]، يدعونا نيتشه إلى الإنصات بإمعان لما يقوله زرادشت لكي نفهمه جيّدًا ولا نسيئة فهمه كما حدث له من طرف معاصريه، الذين لم يتمكنوا من استيعاب عمق أفكاره؛ لأنها موجّهة للمستقبل، ولقرائه الذين سيأتون بعده، حيث يقول في كتابه غسق الأوثان: «الرجال الذين سيولدون بعد الممات- أنا على سبيل المثال- سيسوء فهمهم أكثر من المطابقين لعصرهم، لكنه سيُستمع إليهم بصفة أفضل. ولنقلها بأكثر صرامة: لن يكتب لنا أن نُفهم البتة؛ -من هنا تكون سلطتنا»[5]، فنيتشه لم يكتب له الفهم أثناء عصره، كما هو حال جميع العباقرة تقريبًا، ليفضل بعدها العزلة والابتعاد عنهم، وتوجيه ضربات متتالية لكل الذين يجسدون روح عصره، عبر كتابة شذرات فيها من النقد والتهكم على خصومه، بقدر ما فيها من جمالية تسرّ النّاظرين، وتجعلهم يدركون أن نيتشه من طينة الفلاسفة الذين حاربوا بشراسة معلنة كل الرّعاع الذين يقدسون الأفكار، حيث نجده يشبّه نفسه بعبوة الديناميت التي تنسف كل من حولها، وتسعى إلى تقويض الأفكار التي يؤمن بها الغوغاء إيمانًا جازمًا، حيث يقول: «أعرف قَدري. ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمة لم يُعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجّة في الوعي، وحكم قرار حاسم ضدّ كل ما ظل عقيدة وواجبًا وقداسة حتى الآن. فأنا لست إنسانًا، بل عبوة ديناميت. ومع هذا كلّه ليس فيَ ما يمتّ بصلة إلى مؤسّس ديانة؛ فالأديان شأن الرعاع، وإنّي لأشعر بالحاجة إلى غسل يديّ بعد ملامسة المتديّنين...أنا لا أريد "مؤمنين"، وأعتقد أنني أكثر شرًّا من أن أستطيع أن أؤمن بنفسي»[6].

لقد كان نيتشه يفضل الانعزال والتجوال لوحده في أعالي الجبال، مستمتعاً بمشاهدة الأنهار والوديان والفجاج، وممارسًا لطقسه شبه اليومي المتمثل في المشي، الذي لا يفهم إلاّ في علاقته بالخلوة التي كان يقضيها نيتشه وحيدًا يتأمل ويفكر، بعيدًا عن الغوغاء الذين يفسدون سعادته وفرحه ويكدرون غريزته النقية، التي قال عنها: «إن غريزة النقاوة لديّ تتمتع بحساسية مرهفة رهيبة تجعلني أدرك فيزيولوجيا قرب –ماذا أقول؟- بل الأعماق الحميمية والأحشاء الدفينة لكل نفس؛ أشتمها...لديّ بفعل هذه الحساسية هوائيات نفسانية تمكنني من جسّ كل الأسرار وتناولها بقبضتي؛ كل القذارات الخفية القابعة في الأعماق القصوى لبعض الطبائع المتأتية من فساد الدم والمغمورة بطلاء التربية، كلها تتجلى واضحة منذ الملامسة الأولى تقريبًا»[7]؛ معنى ذلك أن نيتشه يتوفر على حساسية مفرطة تجاه كل الذين لديهم طبائع تولّد لديه القرف الذي لا يتلاءم مع نقاوته، ويجعله بحاجة إلى العزلة والمعافاة من كل تلك الأمراض المعدية التي لحقته بجانبهم، لذلك يقول: «إنسانيتي هي تجاوز متواصل للذات. إلاّ أنني بحاجة إلى العزلة، أعني إلى المعافاة، وإلى العودة إلى الذات والتنفس من هواء خفيف لاعب طلق...»[8]. فالعزلة وحدها من تجعل المرء يلتقط أنفاسه مرة أخرى، ويعود إلى ذاته كي يتجاوزها، ويكتشفها من جديد من خلال رؤيتها جيّداً في مرآة العزلة، الكفيلة بإظهار كل تفاصيلها وملامحها، وبالتالي تسمح لصاحبها بأن يُضيع نفسه، لأنه «عندما نكون قد عدنا إلى نفسنا، سيكون علينا أن نَضيع بين الحين والآخر عن نفسنا، ثم نعود إليها من جديد؛ بشرط أن يكون المرء مفكرًا، لأنه مُضرّ بهذا الأخير أن يظل مرتبطًا بشخص واحد على الدوام»[9]، فالمفكر يحتاج دائمًا إلى السير وحيدًا في طريق يتجشّم عناء رسم ملامحها لوحده، دون أن يقع ضحية الرفقة السيّئة التي تحاصره بالأوهام من كل جانب، وتجعله خاضعًا لها، وبالتالي لابد له أن يعيش وحيدًا، لأن «على الكائن أن يكون حيوانًا أو إلها كي يعيش وحيدًا، يقول أرسطوطاليس. لكن تنقص هنا الحالة الثالثة: أن يكون كليهما معًا: فيلسوفًا...»[10].

يقول نيتشه في كتابه إنسانيّ مفرط في إنسانيته: «كيف يمكن لإنسان أن يصبح مفكرًا إن لم يصرف ثلث يومه على الأقل بمنأى عن الانفعالات، وعن الناس والكتب؟»[11]، حيث يتساءل صاحب المطرقة في هذه الشّذرة البليغة عما يجعل الإنسان مفكرًا، واضعًا شرطًا أساسيًا لمن أراد ذلك، يتمثل في الابتعاد عن الانفعالات والناس والكتب؛ لأن من يقرأ، كمن يحاور كتّابًا ويُجالس مُؤلفين، ومن يخالط الناس، سيكون ضحية الانفعالات المفرطة التي تحول بينه وبين التفكير السليم، لذلك تصبح العزلة أسهل الطرق وأيسرها لكي يصبح المرء مفكرًا، ويبدع أفكارًا متميزة وفريدة، لأن هناك علاقة وطيدة بين العزلة والابداع، فكل الذين أبدعوا أعمالاً ستظل خالدةً، كانوا يعيشون تجربة العزلة لفترات متفاوتة، كما هو الحال بالنسبة لابن خلدون، والغزالي، وابن عربي، وروسو، وفكتور هوغو، وشكسبير، ثم صاحب كتاب البحث عن الزمن المفقود مارسيل بروست، واللائحة طويلة لمن مارسوا العزلة وابتعدوا عن مخالطة الناس، لكن رغم اختلاف تجاربهم وتعدد أسباب عزلتهم، إلاّ أنهم يتقاسمون هاجس الإبداع الفني والأدبي ثم الفلسفي.

لقد أقام نيتشه علاقة وطيدة بينه وبين العزلة، لهذا تجده يفضل التجوال لوحده، مفتّشًا عن أفكار لا تحضر في ذهنه إلاّ إذا قطع مسافات طويلة في أعالي الجبال، حيث يمكنه أن ينعم بعزلته وحيدًا، ويواجه جميع الأخطار بمفرده، ذلك «لأن الذي يسير في مثل تلك السبل الخاصة لا يلتقي أحدًا: فتلك هي "سبل الخاصة". لا أحد يقدم له يد المساعدة؛ عليه أن يواجه وحده كل الأخطار والهدف، والأذى، ورداءة أحوال الطقس»[12]، غير أن مواجهة كل تلك الأخطار والصعاب تظل أهون عليه من معاشرة الغوغاء الذين يشكلون أكبر خطر يهدده، ويتعين عليه مواجهته عبر ترك مسافة تجعله لا يخالط القطيع، حتى يتسنى له الابتعاد عنهم لكي لا يتم افتراسه من قبلهم؛ لأن «في الوحدة يفترس المنعزل نفسه، ووسط الجميع يفترسه الجمع»[13]، لذلك يجب على المرء أن يتعلم العيش وحيدًا رغم ما يحمله ذلك من قساوة، وما يسببه من ألم أحيانًا، لكي لا يكون ضحية رفقة سامة ضرّها أكبر من نفعها.

إن من يريد أن ينعم بالعزلة، عليه أن يتعلم كيف يحافظ على المسافة التي تفصله عن القريب، الذي يجعله غير قادر على اكتشاف ذاته؛ فالابتعاد صفة القوي صاحب المرتبة الرفيعة والمقام العالي، والمخالطة والمعاشرة والتماهي مع القطيع تحمل في طيّاتها صفة الانحطاط والتّردي والخسّة، لهذا تصبح المحافظة على المسافة عن طريق العزلة، أفضل هدية يمكن للإنسان أن يقدمها لنفسه، لأن الاقتراب من الرّعاع، ومن هم ليسوا أهلاً للاقتراب، يجعلك تنكر ذاتك وتفر هاربًا من محاولة اكتشافها، لذلك يخاطب نيتشه أولئك الذين يحبون مخالطة القريب قائلاً: «هل أنصحكم بحب القريب؟ بل إنني لأفضل أن أنصحكم بالهروب من القريب وبحب البعيد!»[14]، وحده الفرار من القريب واعتزاله يجعلنا نلتقي بذواتنا من جديد، ويمكننا من الابتعاد عن كل ما هو عاميّ ورديء، وهذا بالضبط ما فعله نيتشه حينما ثار في وجه معاصريه، جاعلاً أفكاره بمثابة ضربات قوية يوجهها للرّعاع والغوغاء في زمانه، ممن دفعوه إلى الابتعاد منعزلاً بعدما ذاق من خسّتهم ووضاعتهم الكثير، حثى أصبح يشعر بالتخمة من فرط اقترابه منهم. فكل الذين يزدرون أنفسهم تجدهم يفضلون مجالسة العوام ومخالطة القطيع ويخشون الانعزال والوحدة، لأنها تمثل بالنسبة لهم سجنًا وجحيمًا يساقون إليه كرْهًا، وهذا ما عبّر عنه نيتشه بقوله: «إن قلة حبكم لأنفسكم تجعل لكم من الوحدة سجنًا»[15]، فنيتشه يحاول أن يعلمنا كيف نعيش البهجة والسرور دون أن نتقاسم ذلك مع من يكدّر علينا نقاء فرحنا وحبورنا، ويجعلنا نتصور الاعتزال خطيئة وزلّة يرتكبها المرء، ويتعين عليه أن يتوب منها عبر الرجوع إلى القطيع، لكن من يريد أن يتعلم كيف يسير وحيدًا عليه أن ينصت لزرادشت، وهو يقول: «أتريد أن تمضي إلى الوحدة يا أخي؟ أتريد أن تبحث عن الطريق إلى نفسك؟ تمهل قليلاً إذًا واصْغ إليّ. "إن من يبحث يمضي بدوره إلى الضياع بسهولة، وكل اعتزال خطيئة" هكذا يتكلم القطيع، ولزمن طويل كنت مع القطيع»[16]. لقد كان نيتشه لمدة طويلة مع القطيع قبل أن يقرر بعدها الرحيل عنهم، ويتركهم يتخبطون في أوهامهم التي يطمئنون إليها، لذلك لم تكن كتب نيتشه مديحًا للعزلة فقط، بل كانت أيضًا هدمًا وتقويضًا لأوهام الغوغاء، التي يحاول طرقها بمطرقته التي تحطم كل ما يتمسك به الحشد ويضفي عليه نوعًا من القداسة التي تشعر نيتشه بالاشمئزاز وتدفعه إلى الابتعاد عنها.

عذاب وسجن وألم شديد، هكذا يتصور الرّعاع العزلة، بل صراع مع الذات وقلق مستمر وفراغ قاتل، لكن من تعود الخروج عن القطيع يعلم أنها السبيل الأفضل والأحسن لاكتشاف الذات والابتعاد عن الذين قال عنهم نيتشه: «بعض الناس لا يحق لك أن تمد يدك إليهم، بل كن الوحش: وأريد أن تكون لكفّك مخالب أيضًا»[17]، فالاقتراب من الغوغاء ومحاولة تقديم يد المساعدة إليهم، دائمًا ما يجعلك تتكبد خسائر كبيرة، ويجني عليك الكثير من المتاعب، لهذا كان يفضل نيتشه التجوال وحيدًا، حيث تجده لا يتوقف عن السير وقطع مسافات طوال، دون أن تكون لديه الرغبة بالجلوس في مكان واحد لمدة طويلة، فنيتشه واحد من أولئك الفلاسفة الذين يتمتعون بقدمين تعوّدتا على المشي، حتى في أصعب الطرق وأشدها وُعورة، ليبلغ إلى قمم الجبال العالية، هناك حيث يمكنه أن يهنأ بعزلته، ويتخلص من ضجيج الرّعاع، لذلك يقول: «إلى هدفي أسعى، وفي طريقي أمضي؛ وسأقفز فوق كلّ المترددين والمتلكّئين. وليكن مضيّي انحدارهم وأفولهم إذًا!»[18].

سعى نيتشه من خلال عزلته، إلى الخروج عن القطيع وتجاوز كل ما يربطه بالحشد، ويجعله غير قادر على تخطي النمطية، التي يتمسك بها من ليست له القدرة على شق طريق التميز والابداع، فالذي يستطيع تجاوز النمطية وحده من يبلغ مرتبة الأعالي، التي تسمح له برؤية السذاجة التي يتخبط فيها عامة الناس، والوضاعة التي تحكم طريقة تفكيرهم، الأمر الذي يجعلهم يتصورون الآخر المعتزل المنعزل بأنه شخص غريب مثير للشّفقة. وهذا ما يفسر رغبة العباقرة في خوض تجربة العزلة، وعدم مخالطة أولئك الذين يحملون طباع الخسّة والانحطاط ثم الخنوع.

[1] ف. نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2007، ص. 35

[2] المصدر نفسه، ص. 57

[3] المصدر نفسه، ص ص. 188-189

[4] ف. نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة: على مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2003، ص. 34

[5] ف. نيتشه، غسق الأوثان، أو، كيف نتعاطى الفلسفة قرعاً بالمطرقة، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2010، ص. 14

[6] ف. نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة: على مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2003، ص. 153

[7] المصدر نفسه، ص. 33

[8] المصدر نفسه، ص. 34

[9] ف. نيتشه، إنسانيّ مفرط في إنسانيته، كتاب للمفكرين الأحرار، الكتاب الثاني، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2015، الشّذرة: 309، «أن يضيع المرء نفسه»، ص. 364

[10] ف. نيتشه، غسق الأوثان، أو، كيف نتعاطى الفلسفة قرعاً بالمطرقة، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2010، ص. 11

[11] ف. نيتشه، إنسانيّ مفرط في إنسانيته، كتاب للمفكرين الأحرار، الكتاب الثاني، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2015، الشّذرة: 324، «أن تصبح مفكراً»، ص. 371

[12] ف. نيتشه، الفجر، ترجمة: محمّد النّاجي، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2013، ص. 7

[13] ف. نيتشه، إنسانيّ مفرط في إنسانيته، كتاب للمفكرين الأحرار، الكتاب الثاني، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2015، الشذرة: 348، «من بلاد أكلة لحوم البشر»، ص. 175

[14] ف. نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2007، ص. 123

[15] المصدر نفسه، ص. 125

[16] المصدر نفسه، ص. 126       

[17] المصدر نفسه، ص. 128

[18] المصدر نفسه، ص. 58