حوار مع الأكاديمي الفلسطيني ساري حنفي


فئة :  حوارات

حوار مع الأكاديمي الفلسطيني ساري حنفي

حوار مع الأكاديمي الفلسطيني ساري حنفي

حاوره: المهدي مستقيم

الباحث والأكاديمي الفلسطيني الدكتور ساري حنفي (أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكيَّة في بيروت، ورئيس تحرير المجلة العربية لعلم الاجتماع «إضافات»). يُعدُّ أحد أهمّ رموز الدرس السوسيولوجي في العالم العربي، وأخصُّ بالذكر سوسيولوجيا الهجرة واللاجئين والسوسيولوجيا السياسيَّة والعدالة الانتقاليَّة، بالنظر إلى الدراسات والأبحاث الأكاديميَّة الرصينة التي أبان من خلالها حنكة على مستوى الكتابة والإنجاز. ومن بين أهمّها نجد:

  • بروز النخبة الفلسطينيَّة المعولمة؛
  • البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقديَّة جديدة، بالاشتراك مع ريفاس أرفانيتس؛
  • عبور الحدود وتبدُّل الحواجز: سوسيولوجيا العودة الفلسطينيَّة؛
  • مستقبل العلوم الاجتماعيَّة في الوطن العربي.

وفي هذا الحوار، سنحاول أن نستنطق معه محدّدات فعل الهجرة واللجوء السياسي في مظاهره المتعدّدة؛ بقصد الإحاطة بالوضع الذي توجد عليه هذه الظاهرة في وقتنا الراهن.

المهدي مستقيم: يُعَدّ موضوع الهجرة/اللجوء من الموضوعات الأكثر إثارة للجدل في العالم العربي والغربي على السواء في عصرنا الراهن. بِمَ تفسر ذلك؟

ساري حنفي: نعم، هذا الكلام صحيح. أعتقد بأنَّه لا يمكن أن نرى في وقتنا المعاصر ظاهرةً اجتماعيَّة أكثر تعقيداً من ظاهرة الهجرة/اللجوء؛ فهي كفيلة بتجييش مشاعر الوطنيَّة والعنصريَّة وكره الأجانب، حيث أصبح موضوع المهاجرين واللاجئين الموضوع الأكثر حساسيَّة والأكثر أهميَّة في الجولات الانتخابيَّة في العالم الغربي والعربي، ويشهد على ذلك انتخاب الرئيس ترامب قبل أشهر، واحتمال انتخاب مارين لوبان من حزب الجبهة الوطنيَّة رئيسة لفرنسا[1]. وبطبيعة الحال يتجاوز هذا الموضوع موضوعة العنصريَّة، فرهاناته ذات بُعد اقتصادي، فلطالما استُغلَّ المهاجرون بأجور زهيدة، واستُخدموا طريقةً لإضعاف منافسة القوَّة العاملة المحليَّة. كما أنَّ للهجرة رهانات ثقافيَّة تتعلق بكيفيَّة سماح سياسات الدول المستَقبِلة بالتعدديَّة الثقافيَّة، وكيف سيقبل المهاجرون/اللاجئون الاندماج الإيجابي، ويمارسون التعايش والتعارف في هذه المجتمعات، حيث يحافظون على ثقافتهم، ويأخذون من الثقافات الأخرى بعمليَّة خلَّاقة، كتب عنها الكثير من باحثي الهجرة وسمَّوها الهجينيَّة (Hybridity)، والتطبُّع والاندماج (integration). وهذا يختلف كثيراً عن الانصهار (Assimilation)؛ أي تخلي المهاجر عن ثقافته الأصليَّة، غالباً تحت ضغط الهيمنة الثقافيَّة للمجتمع المستَقْبِل.

المهدي مستقيم: هل يمكن أن نركّز الدافع الأساسي إلى الهجرة/اللجوء في أيامنا في المعطى المادّي/الاقتصادي؟

ساري حنفي: يعيش الغرب بشكل عام في زمن تتدافع فيه الطبقات الاجتماعيَّة الدنيا والمتوسطة إلى حماية نفسها من آثار العولمة الاقتصاديَّة التي فتحت الباب على مصراعيه للتجارة الدوليَّة؛ ما أغلق الكثير من المصانع والخدمات في الدول الغربيَّة، وإلى الدفاع عن مكاسب دولة الرفاه من تبعات الانحسار الكبير لدور الدولة في ظلّ الاقتصادات النيوليبراليَّة. وهكذا يصبح المهاجر/اللاجئ الحلقة الأضعف، ويتمُّ الهجوم عليه وعلى وجوده. ولكي يتمَّ ذلك، تنتشر النزعات الوطنيَّة/المحليَّة (إن كانت ضمن الدولة الوطنيَّة أو في مناطق جغرافيَّة محليَّة) الإقصائيَّة والعنصريَّة.

الدافع الاقتصادي مازال مهمَّاً، ويفسّر هجرة الكثير من العرب إلى دول الخليج النفطيَّة، وإلى الدول الغربيَّة أيضاً. ولكن يبقى التهجير والهجرة القسريَّة من منطقة الوطن العربي وإليها وضمنها الشكلَ الصارخَ ذا التاريخ الطويل. تعدَّدت أسباب النزوح القسري في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وهي تتضمَّن السياسات الاستعماريَّة (طرد الفلسطينيين من أرضهم) وسياقات ما بعد الاستعمار (مثل اللاجئين الصحراويين والأكراد)، والحرب الأهليَّة (كاللاجئين اللبنانيين)، وأوضاع الصراع وما بعد الصراع (كاللاجئين العراقيين). وبالإضافة إلى تجارب النزوح الداخلي، شهدت المنطقة أيضاً عمليات متقاطعة لنزوح قسري وتوطين قسري لسكَّان رُحَّل وبدو تشكّل الحركة والترحال عنصرين محوريَّين في حياتهم ومعيشتهم. ولكن بعد بدء الانتفاضات العربيَّة حصلت تغيرات ديموغرافيَّة خطيرة، حيث أصبح نصف الشعب السوري تقريباً مهجَّراً ونازحاً محليَّاً، وكذلك الوضع في العراق بدرجة أقلّ بطبيعة الحال. يدفع المواطن العربي ثمناً باهظاً للسياسات الديكتاتوريَّة وعنف السلطة وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان منذ نصف قرن ونيّف.

إنَّ للمنطقة العربيَّة خصوصيات تاريخيَّة تتجاوز البُعد الاقتصادي؛ فقد بدأ بناء الهويَّات الوطنيَّة منذ أيام الانتدابين البريطاني والفرنسي، إلا أنَّ هذه الهويَّات إمَّا تبلورت حديثاً نسبياً، وإما في ظلّ التبلور. لقد أضحت الدولة في هذه المنطقة دولة تدفع باتجاه تشكيل الشعور الوطني لدى سكَّانها (nationalizing state)، وأعني بذلك أنَّه بعد تكوين سورية ولبنان والمغرب والأردن، واجهت هذه الدول تحدّياً هو تحديد من هم السوريون واللبنانيون والمغاربة والأردنيون. وهذا عكس ما حصل في عصر تشكُّل الدول الوطنيَّة (Nation-state) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوربا، حيث بُنيت الدولة لتتناسب مع الأمَّة. إنَّ لعمليَّة تكوين الدولة الاستبداديَّة العربيَّة وقْعاً كبيراً على تكوين الهويَّة: حيناً بشكل تضميني (inclusive) بتعريف من هو المواطن، وحيناً آخر بشكل إقصائي، حيث أصبح غير المرغوب فيهم لاجئين أو عديمي الجنسيَّة (على سبيل المثال الكثير من الأكراد السوريين). إنَّ العمليات التي تشكّل الأساس لتكوين المواطنة وترسيخها ليست مرتبطة بإحلال الديمقراطيَّة فحسب، بل بالصراعات الدائرة قبل استراتيجيات شرعنة الدولة، بما في ذلك تشكّل وتحوُّل الهويَّات والجماعات السياسيَّة والأقليَّات الإثنيَّة، وتوزيع الحقوق والمسؤوليات والموارد وإعادة توزيعها، والمفاوضات المتّصلة بالتمثيل والمشاركة.

المهدي مستقيم: كيف تتعامل الدول المستقبِلَة مع ثقافة المهاجرين، وكيف لهؤلاء أن يندمجوا إيجابيَّاً مع مجال اجتماعي/ثقافي يظلُّ غريباً مقارنةً بما ألفوه في مجالاتهم الاجتماعيَّة/الثقافيَّة الأصليَّة؟

ساري حنفي: دعني أبدأ هنا من سؤال بسيط كنت قد سألته لكثير من المهاجرين، من خلال أبحاث ميدانيَّة قمت بها في كثير من الدول المستقبِلَة خلال خمس عشرة سنة: هل دخلت بيتاً من بيوت المواطنين المحليين؟ يكاد يكون الجواب سلباً لمعظم المهاجرين العرب في الخليج العربي، بينما جاوب الأغلبيَّة بالإيجاب في دول أوروبا والأمريكتين. إذن، أنا ضدّ تضخيم مشكلة اختلاف الثقافات، ولاسيما الثقافة الدينيَّة في تفسير اندماج المهاجرين اجتماعياً أو ثقافياً، أو عدم اندماجهم. الاندماج يحتاج إلى ثلاثة عوامل: العامل الأول هو سياسات لدى الدول المستقبِلَة لاحترام ليس حقوق المواطنين فحسب، بل أيضاً حقوق المقيمين. تؤدي الدولة دوراً مهمَّاً في ضرورة تحويل رأس المال الإثني (بالمعنى الذي يعطيه بيير بورديو لهذا المفهوم) للمهاجر أو للمواطنين من أصول مهاجرة إلى رأسمال اجتماعي ذي معنى، من خلال تحديد سعر صرف عالٍ لرأس المال الإثني من أجل ضمان الأساس البنيوي للعيش المشترك (احترام ثقافتهم في الإعلام، تبني سياسات التعدديَّة الثقافيَّة، قوانين ضدّ التحريض، تمكينهم من سوق العمل والدخول إلى المدارس والجامعات... إلخ). العامل الثاني انفتاح المجتمع المستقبِل على المهاجرين أو المواطنين من أصول مهاجرة من خلال اعتبار تعدُّد الثقافات في المجتمع. وهنا تؤدي مؤسسات المجتمع المدني دوراً رائداً في ذلك. أمَّا العامل الثالث، الذي نادراً ما يتمُّ التركيز عليه، فهو مسؤوليَّة المهاجرين ومؤسَّساتهم في التأسيس للعيش المشترك. وبينما أتبنى موقفاً ضدَّ عزل المهاجرين والإثنيات المختلفة عن مجموعة الأغلبيَّة، أنا أيضاً ضدّ انعزاليَّة بعض مجموعات المهاجرين. على سبيل المثال، بينما أرى في غطاء رأس المرأة المسلمة في أوروبا شكلاً طبيعياً من أشكال التنوُّع الثقافي في المجتمعات الغربيَّة، أجد البرقع هناك لباساً انعزالياً يمنع المرأة من التعامل مع محيطها. كوني ضدّ ذلك لا يعني أن أنادي بقانون يمنع ذلك، إلا إذا كان ذلك لأسباب أمنيَّة. الموضوع على أيَّة حال يحتاج إلى حكمة وإقناع أكثر منه إلى تقنين.

المهدي مستقيم: إلى أيّ حدٍّ تلتزم الدول المستقبِلَة بالمواثيق والمعاهدات المتعلقة بالهجرة (مواطنة، مساواة، تعدديَّة، حريَّة اعتقاد، حقوق إنسان، تواصل، عدل ...)؟

ساري حنفي: نشهد حالياً انتشار قوانين وتشريعات رئاسيَّة تتنافى ضمنيَّاً ورسميَّاً مع المواثيق والمعاهدات المتعلقة بحقّ اللجوء وحقوق المهاجرين، وآخرها بطبيعة الحال موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولكن يجب تأكيد أنَّ الانتهاكات لدينا في الدول العربيَّة المستقبِلَة أعظم بكثير ممَّا نجده في الديمقراطيات الغربيَّة. فحقُّ لمّ الشمل لعائلات المهاجر العربي في الخليج تكاد تكون في غاية الصعوبة. وقد استقبل هذا الخليج عدداً محدوداً جدَّاً من اللاجئين السوريين، وادَّعى التعامل معهم كـ«ضيوف»، ولكن بشكل عام تعامل معهم كأيّ مهاجر آخر لديهم.

المهدي مستقيم: لقد قمت بدراسات كثيرة حول اللاجئين الفلسطينيين ومخيَّماتهم، وخاصَّة في لبنان؛ كيف تصف وضعهم هذه الأيام؟

ساري حنفي: بعد ثلاثة أجيال من لجوئهم تتعامل السلطات اللبنانيَّة مع اللاجئين الفلسطينيين على أنَّهم أقلّ من أجانب. الفلسطينيون في لبنان لاجئون منذ ما يزيد على 70) عاماً)، وينبغي أن يُوصفوا بصورة أدقّ بأنَّهم لاجئون طويلو الأمد، وهم يعيشون وضعاً لا يُحْسَدون عليه، سبَّبته مفاعيل غياب الحلّ في كلٍّ من بلد الأصل وبلد اللجوء على السواء. فاللاجئون طويلو الأمد في لبنان هم غالباً مجرَّدون من حقوقهم الاجتماعيَّة أو الاقتصاديَّة أو المدنيَّة، كحق العمل، وممارسة المهن، وتسيير الأعمال، وحيازة الأملاك. وأغلبهم حبيسو مخيَّمات أو معازل، حيث يعتمدون جزئيَّاً على المساعدة الإنسانيَّة، وغالباً ما يعيشون في ظروف اجتماعيَّة واقتصاديَّة مريعة. لذا، لا يمكن اعتبار اللاجئين الفلسطينيين في عداد فئة «الأجانب»، التي تتألف في لبنان من مهاجرين مؤقتين. وبعد أن تمَّ اختزال وضعهم إلى مجرَّد أشخاص بحاجة إلى مأوى وطعام، انتقلت عمليَّة إدارة حياتهم العارية (bare life) (بحسب هذا التعبير العزيز على الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن) إلى أيدي الشرطة والجيش من جهة، وإلى منظمة غوث غير سياسيَّة، مثل الأونروا، من جهة أخرى. حافظت الدولة اللبنانيَّة على الوضع القائم بشكل معيَّن عبر اللعب على ثنائيَّة الشمول/الاستبعاد، أو الضمّ/الإقصاء inclusion/exclusion))، وتداخل القانوني بالسياسي، والعكس صحيح. إذن، بينما يتمُّ استبعاد اللاجئين الفلسطينيين من نظام الامتيازات والحقوق، يشملون في نظام الأمن، بوصفهم رعايا يخضعون للسيطرة وللمراقبة الدائمة، تحت ستار إلزاميَّة القانون والضرورة السياسيَّة. أكثر من ذلك، صادقت الدولة اللبنانيَّة على القوانين الإنسانيَّة الدوليَّة، وكذلك على مراسيم الجامعة العربيَّة التي تتعلق بقوانين حقوق الإنسان، ولكن عندما يتعلق الأمر باللاجئين الفلسطينيين تنتهك الدولة اللبنانيَّة هذه القوانين والقواعد القانونيَّة، وتتجاهلها في أحسن الأحوال. تطبّق الدولة اللبنانيَّة حالة الاستثناء بكلّ الوسائل، وتحديداً عبر اللجوء إلى القانون، وبشكل أساسي عبر تقديم المسائل السياسيَّة على أنَّها قانونيَّة. وعندما نشط اللاجئون الفلسطينيون، وطالبوا بمنحهم الحقوق المدنيَّة الأساسيَّة بصفتهم لاجئين، ادَّعت الحكومة أنَّ المسألة لا تتعلق بالقانون، بل بالبنية السياسيَّة للبلد، وبالتوازن الدقيق بين المجموعات الطائفيَّة ومنع التوطين.

هل يُعَدُّ حصول الفلسطيني على حقّ العمل، كما في سورية، خطوةً نحو التوطين؟ بطبيعة الحال لا. لقد استخدمت أغلب النخب السياسيَّة اللبنانيَّة فزَّاعة التوطين. من يستخدمها هم الذين يبدؤون دائماً بمقولات كم هم يحبُّون فلسطين، أو أنَّهم ضدّ الإمبرياليَّة والصهيونيَّة ومع تحرير كامل التراب العربي، ولا ننسى القدس بطبيعة الحال. وكأنَّهم يقولون لنا إنَّ تحرير فلسطين يتمُّ فقط عن طريق سحق فلسطينيي لبنان وتهجيرهم؛ وذلك بمنعهم من حقّ العمل والتملك. وكأنَّهم يقولون لنا إنَّنا نحبُّ فلسطين ونكره الفلسطينيين. إنَّ عدم التوطين لا يعني العودة إلى فلسطين، بل قد يعني التوطين في كندا أو أوروبا. لقد حملت هذه اللغة العنصريَّة/ الذرائعيَّة/ الشوفينيَّة/ الطبقيَّة خطاباً نقيضاً للنفَس العروبي/الإسلامي/الإنساني/الحقوقي لليسار الليبرالي وللوطنيين اللبنانيين الذين احتضنوا الفلسطيني وثورته بكرم ومحبَّة في العقود الستة السابقة. لقد أشار استطلاع للرأي في لبنان أعدَّه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (المؤشر العربي للعام 2011) إلى أنَّ (77%) من اللبنانيين يرَون أنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة هي قضيَّة جميع العرب، وليست قضيَّة الفلسطينيين (مقابل 17% يعتقدون بأنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة هي قضيَّة الفلسطينيين وحدهم، ويجب عليهم وحدهم العمل على حلها). إنَّ أيَّ طرف سياسي يطرح قضيَّة حقّ العودة من دون الحقوق المدنيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة للاجئين هو طرف ينتهك المبادئ الأساسيَّة لحقوق الإنسان. لقد أسقطت روح الانتفاضات العربيَّة مقولة: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، التي توَّجت فكراً هرمياً يضع الأولويَّة للمعركة مع إسرائيل والإمبرياليَّة على حساب قضايا الديمقراطيَّة والحريَّة والعدالة الاجتماعيَّة (بما فيها للاجئين ولعاملات المنازل). وقد ظهر ذلك جليَّاً في خطاب بعض الأنظمة العربيَّة وبعض الأحزاب السياسيَّة، التي عسكرت المجتمع، وسمحت لأجهزة الأمن والعسكر بالاستحواذ على المناصب المدنيَّة تحت حجَّة أولويَّة المعركة.

المهدي مستقيم: تشهد ظاهرة الهجرة اليوم انقلاباً جذريَّاً في شكلها التقليدي؛ إذ تحوَّلت من هجرة تتغيَّا إرضاء جماعة المهاجر، بقصد المحافظة عليها، وإعادة إنتاجها وإدامتها، إلى هجرة تتغيَّا تحقيق الذات؛ بيد أنَّ النموذج الأول كان فيه فعل الهجرة خاضعاً لمجتمع المهاجر ولقيمه ومعاييره، بينما النموذج الثاني أصبح فيه المجتمع خاضعاً لسلطة الهجرة ولسلطة المُغترِب. بمَ تفسّر هذا التحوُّل؟ وهل يمكنه أن ينعكس إيجاباً على سيرورة التحديث في مجتمعاتنا العربيَّة؟

ساري حنفي: نعم، هذا الكلام صحيح. لقد بيَّنت دراسات الديموغرافي الفرنسي فيليب فارج (Philippe Fargues) وغيره كيف تتناقص عائدات العمالة المهاجرة إلى بلدهم الأصلي وذويهم؛ أي إنَّهم يبنون حياتهم فرديَّاً في البلاد المستقبلة. بطبيعة الحال، هناك تبعات كثيرة لذلك على إضعاف التضامن الأسري في ظلّ دول فاشلة من تقديم أيَّة أنظمة الضماناتِ الاجتماعيَّة والصحيَّة، ولكنَّ لذلك تبعات ربَّما إيجابيَّة، حيث تدفع في تشكُّل الشخصيَّة الفرديَّة القادرة على أن تكون مهجَّنة آخذة من مَعين الثقافات الأصليَّة والجديدة. من الصعب إعطاء حكم قيمي شامل هنا. فالفردانيَّة عندما تكون مرنة (flexible individualism)، وتهدف إلى تغير البنى الاجتماعيَّة السائدة (العائلة، القبيلة، الحزب السياسي، المؤسسة الدينيَّة، ...إلخ) من دون تهديمها، ربّما تنجح في التأثير في المجتمع الأصلي، أكثر من الفردانيَّة الصلبة التي تريد قتل الأب وهي تدافع مثلاً عن حقّ الأم.

المهدي مستقيم: ظاهرة الهجرة/اللجوء ليست بالمعطى الجديد على الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة؛ إذ شكَّلت فعاليَّة اجتماعيَّة أساسيَّة في مجتمعاتنا منذ وقت مبكر (إرسال النبي محمَّد بعض أتباعه من سكَّان مكَّة إلى الحبشة لحمايتهم من الاضطهاد). هل لهذه الظاهرة المعاني نفسها في واقعنا الحالي؟

ساري حنفي: نعم، لقد ميّزت الهجرة المجتمع المسلم منذ التاريخ الإسلامي المبكر. فقد أرسل النبي محمَّد بعض أتباعه من سكَّان مكَّة المكرَّمة إلى الحبشة لحمايتهم من الاضطهاد، وهو نفسه وأتباعه قد هاجروا من مكَّة المكرَّمة في شهر أيلول/ سبتمبر (622م) إلى يثرب، مدينة والدته، وقد دشَّن ذلك الحدث بداية العصر الإسلامي، التقويم الهجري. ونظر التراث الإسلامي إلى الهجرة والتنقل، باعتبارهما فعاليات اجتماعيَّة كقاعدة وليست استثناء. وربَّما مازالت هذه هي القاعدة؛ ففي مناطق عدة من العالم كأفريقيا لايزال التنقل فيها هو القاعدة لفهم العلاقة مع المكان، وليس البقاء ضمن حدود الدولة الوطنيَّة، كما أكَّدت ذلك الأنثربولوجيَّة الفلنديَّة ليزا مالكي. استمرَّ هذا التقليد بعد عهد النبي محمَّد، بما في ذلك الحق في اللجوء. لقد كتب المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون، في عام (1952م)، حول أهميَّة الحق في اللجوء عند المسلمين، حيث فضَّله على ذاك الذي عند المسيحيين. لقد جاءت هذه الحساسيَّة لدى ماسينيون من حقيقة أنَّه وجد ملجأ عند عائلة بدويَّة في الصحراء العراقيَّة، وشعر بالضيافة بينما كان مجرَّد أجنبي. وكما ذكرت سابقاً، مع كلّ أسف، لقد ضعف حسُّ استقبال المهاجرين وطالبي اللجوء في دولنا الإسلاميَّة.

المهدي مستقيم: كيف يوظِّف الجهاز الدّيني في مجتمعاتنا الوسائط التقنيَّة والمعلوماتيَّة الحديثة في أذهان المسلمين من أجل تمرير وترسيخ مفاهيم قديمة ذات صلة بالهجرة والإقامة واللجوء؟

ساري حنفي: لقد تطوَّرت تقنيات الإنترنت والاتصالات، فأصبحت الفتاوى عبر الإنترنت أداة مهمَّة، إلى حدٍّ كبير، في طرح الأسئلة المتعلقة بمواضيع مختلفة في الفقه الإسلامي. وتتمثل خصوصيَّة الفتاوى على الإنترنت في أنَّ الناس يمكن أن يختاروا علماءهم المفضلين لديهم، بغض النظر عن حدود دولتهم الوطنيَّة وعيون الرقابة الدولتيَّة. ولكن، في الوقت نفسه، تضفي قدسيَّة أكبر للفتوى، حيث لا يرى السائل مفتيه ولحظات الشك والتردُّد لديه. وتنتقل هذه الفتاوى عبر الأثير الافتراضي من خلال وسائل الإعلام الاجتماعيَّة، حيث تتابع النقاشات بين مستخدمي هذه الفتاوى وتستخدم خارج سياق سائل الفتوى. وقد لاحظنا الاستخدام المكثف لهذه الفتاوى الإنترنتيَّة من خلال المقابلات التي أجريتها مع العديد من المسلمين، وخاصَّة في لبنان وفرنسا، بما في ذلك عدد من اللاجئين السوريين القاطنين هناك. في دراستي الأخيرة عن الهجرة والفتاوى قمت بتصفح خمسة عشر موقعاً للفتاوى التي تختلف طبيعتها؛ فبعضها يتبع لمؤسسات فتاوى وطنيَّة رسميَّة (مصر، قطر، المملكة العربيَّة السعوديَّة)، وأخرى هي عابرة للحدود الوطنيَّة (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، فقه أمريكا الشماليَّة The Fiqh of North America))، دار الإسلام (Islam House)، وطريق الإسلام (Islam Way). هناك أيضاً بعض الشيوخ ذوي الشهرة الذين يفتون من خلال مواقع مستقلة (الإسلام اليوم (Islam Today)، جمعية المشرّعين المسلمين في أمريكا Assembly of Muslim Jurists in America))، درب السلف، وما إلى ذلك). ثمَّة مواقع شخصيَّة لبعض الشيوخ العلماء (راتب النابلسي، محمد صالح ابن عثيمين، صالح الفوزان، ... إلخ).

المهدي مستقيم: ما مخلّفات موجة الهجرة/اللجوء التي يشهدها العالم اليوم، إثر الأوضاع التي تعيشها سورية والعراق وليبيا، على الدول المرسِلَة والمستَقبِلَة؟

ساري حنفي: سأركّز هنا على سورية كوني قمت ببعض الأبحاث حول السوريين. لقد استقبلت دول المنطقة (تركيا ولبنان والأردن) جلَّ أعداد اللاجئين السوريين، بينما أوصدت دول عربيَّة كثيرة أبوابها في وجه اللاجئين السوريين، ولاسيما الفلسطينيين من سورية، ومُنعوا حتى من لمّ الشمل. وأستغرب هنا موقف دول الخليج والجزائر والمغرب. ولا يُعدّ ذلك انتهاكاً لمعاهدات حماية اللاجئين فحسب، بل أيضاً انتهاك لحق أساسي من حقوق الإنسان. في الأردن حاولت التدخّل في حالة طالب فلسطيني من سورية أمُّه أردنيَّة الأصل، لكي يُسمح له بدخول الأردن، حيث تمَّ قبوله في إحدى جامعاتها، وقد استعنت في ذلك بشخصيّات أردنيَّة سياسيَّة مرموقة، ولكن عبثاً. وقال لي أحدهم إنَّه لا يُسمح بدخول أيّ فلسطيني سوري إذا كان عمره ستّ سنوات ويوماً واحداً، وذلك لأسباب أمنيَّة. إذن، يصبح الفلسطيني إرهابيَّاً منذ نعومة أظفاره.

المهدي مستقيم: هل ينصاع المهاجر المسلم اليوم إلى فتاوى تكرّر أفكاراً ظهرت منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً؟

ساري حنفي: تعاملت الفتاوى ودور الإفتاء مع موضوعة الهجرة: شروطها، وطريقة عيش المهاجر في المجتمع المستَقبِل، بأشكال متباينة وتكاد تكون متناقضة. إنَّ لفقه الهجرة أو فقه المهجر والموضوعات المجاورة له من فقه الأقليَّات وفقه التعارف مدارس ومشارب مختلفة، ولكن يمكن تصنيفها إلى ثلاث مدارس:

المدرسة الأولى من الفتاوى هي التي أسمّيها المدرسة النصيَّة، حيث يؤطّر المُفتُون من هذه المدرسة الجغرافيا في انقسام المعمورة إلى دار الإسلام ودار الكفر، أو دار الحرب ودار السلم. وتدعو هذه المدرسة إلى واجب المسلمين في الانتقال نحو الدول التي يستطيعون فيها ممارسة الشعائر والواجبات الدينيَّة. غالباً ما تتجاهل هذه الفتاوى الدوافع الاقتصاديَّة وراء الهجرة، والنظر في هجرة المسلمين إلى أوروبا وأمريكا، وتحثّهم على عدم الهجرة إلا في الحالات الماسَّة. ويدعو هؤلاء العلماء إلى علاقة حذرة للغاية مع الأغلبيَّة غير المسلمة، وأحياناً ضدَّ المفهوم الأساسي للاندماج على النحو الذي حدَّدته دراسات الهجرة. تتَّسم هذه المدرسة باللَّاتاريخيَّة؛ أي لا وزن للتاريخ وسياقه. وإذا كنا ننتقد بشدَّة برنار لويس في قراءته اللَّاتاريخيَّة للفكر الإسلامي، وكذلك بشكل أقل وائل حلاق، فلأنَّهما قد قرآ فتاوى النصيين واستوحيا منها فهمهما (عدم) تطوُّر الفكر الإسلامي.

المدرسة الثانية من الفتاوى هي المدرسة الواقعيَّة الحذرة سياسيَّاً. إنَّها حريصة على تهيئة ظروف جيدة للمهاجرين في المجتمعات المضيفة، ولاسيما البلدان ذات الأغلبيَّة غير المسلمة. ولكن يشعر المرء بأنَّ هناك العديد من القضايا اللَّامحكيّ عنها، فلا فتاوى مثلاً عن نظام الكفيل في دول الخليج، ولا عن ضرورة استقبال اللاجئين السوريين، وما إلى ذلك، باستثناء تصريحات نادرة (للشيخين سلمان العودة ويوسف القرضاوي). ويركّز بعض المفتين، ضمن هذه المدرسة، على الخصوصيَّة الثقافية للمسلمين، وأنَّ هناك سياسة (غير شرعيَّة) يجب تركها للدولة لأخذ القرار من دون تدخُّل المؤسَّسة الدينيَّة. ويميّز بعض المفتين مثل الشيخ عبد الوهاب الطريري (المشرف العام على مؤسّسة الإسلام اليوم) بين السياسة العامَّة والقانون المقدَّس، بذريعة أنَّ العديد من التشريعات السعوديَّة (مثل قيادة المرأة للسيَّارة) هي ببساطة لا علاقة للدّين بها، والدولة هي الوحيدة التي تقرّر ذلك؛ آخذةً في الاعتبار ما هو أخفُّ الضررين وسدُّ الذرائع. ومع ذلك، هو لا ينتقد السلطات السعوديَّة في اعتبار النساء مواطنات من الدرجة الثانية. وغالباً ما يعتمد المفتون ضمن هذه المدرسة على الجهد الفردي في عمليَّة الإفتاء، وليس على جهد مؤسَّساتي جماعي.

المدرسة الثالثة من الفتاوى هي ما أسمّيه المدرسة الإنسانيَّة. وتُعدُّ فتاوى وقرارات مؤسَّسات مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمجلس الفقهي لأمريكا الشماليَّة، وأحياناً بعض فتاوى الأزهر، ضمن هذه المدرسة. مع هذه المجالس، يمكن ملاحظة النقلة النوعيَّة، والانتقال من انقسام المعمورة إلى دار إسلام وكفر وأمان وحرب، إلى الحديث عن العيش المشترك، والاعتراف بتعقيدات أن يعيش المسلمون في الدول التي تحكمها سيادة القانون، حيث يمكن أن تدخل بعض القوانين في تناقض مع تفسيرات معيَّنة للفقه الإسلامي. يدعو المجلسان إلى ضرورة أن يتجاوز الطرفان الإيديولوجيات الأخلاقيَّة والدينيَّة المتشدّدة، وأن يمدَّ كلُّ واحد منهما يده للآخر. وينادي بالمسؤوليَّة المزدوجة: سماح الأغلبيَّة بالتنوُّع واستيعاب الاختلافات الثقافيَّة، وتحلي الأقليَّة بالإبداع في التعامل مع التناقضات بين القوانين الوطنيَّة والمعتقدات الدينيَّة. وباستحضار مفهوم الاندماج الإيجابي يصرُّ المجلس الأوروبي، وقبله طارق رمضان، على ضرورة التعاون بين المجتمع المستقبل والمهاجر ومؤسَّساته لضمان الأسس البنيويَّة والثقافيَّة للعيش المشترك. ويدعو رمضان من سمَّاهم «مسلمي الغرب» (Western Muslims) إلى المساهمة بشكل إيجابي في تطوير وتنمية مجتمعاتهم لتكون أفضل، بدلاً من التفكير في ازدواجيَّة «نحن» و«هم». وهذا ما يسمّيه مقاربة ما بعد الاندماج (Post-integration). لقد وجدت بين العديد من المشايخ الأوروبيين من أصل مسلم مثل هذا النوع من الدعوة (انظر على سبيل المثال مواقف الشيخ مرشد معشوق الخزنوي).

نحن على أعتاب فقه جديد تؤسّسه هذه المدرسة، وقد سمَّى جميل حمداوي هذا الفقه «فقه التعارف»، لكونه يبيّن علاقة المسلم بالآخر الأجنبي على مستوى المعاملات والعبادات والتفاعل الأخلاقي. ويتطلب أن يكون تعاملاً إنسانيَّاً إيجابيَّاً قائماً على التفاهم والتسامح والتعارف والتعايش والصداقة والمودَّة والمحبَّة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

المهدي مستقيم: هل يمكننا إرجاع عدم انصياع اللاجئين السوريين لتوجيهات الفقهاء إلى الترحيب الذي قوبلوا به من قبل بلدان غربيَّة ينعتها الفقهاء بالكافرة (مثل ألمانيا والسويد)، والرفض الذي قوبلوا به من طرف دول الخليج (المسلمة)؟

ساري حنفي: نعم، هذا صحيح. لم يستمع الكثير من اللاجئين السوريين المتدينين إلى اللهجة التحريميَّة، أو على الأقل التأنيبيَّة، للمفتين السوريين حول شروط الهجرة إلى الدول ذات الأغلبيَّة غير المسلمة. لقد دفع الوضع السوري الرهيب إلى تدشين لحظة نزع الطابع السحري عن العالم، حيث وعى هؤلاء أهميَّة البُعد الإنساني؛ حين استقبلهم الألمان والسويديون، وامتنعت دول الخليج (إلا ما ندر) عن ذلك. بطبيعة الحال، دوافع استقبال اللاجئين غالباً تتجاوز الإنسانيَّة لتتركَّب هذه القيمة مع أسباب أخرى، مثل الفوائد الاقتصاديَّة من العمالة الرخيصة، أو سدّ النقص الديموغرافي.

لم تعد تقنع السوريين ضرورةُ تقسيم المعمورة إلى دار إسلام ودار كفر، الذي كان تقسيماً مأثوراً دلَّ عليه الواقع التاريخي لزمان التشريع، فهذا، برأي كثير ممَّن قابلتهم، لم يعد له معنى في ظلّ العلاقات الدوليَّة المعاصرة التي تقوم على صفة مغايرة للصفة التي كانت عليها في عصر الدولة الإسلاميَّة الواحدة، حين كان التقنين للعلاقات الخارجيَّة بين الدول قائماً على الحرب إلا في حالات استثنائيَّة.

المهدي مستقيم: أخيراً؛ هل أنت متشائم أم متفائل بتطور حركة الهجرة واللجوء في المنطقة وخارجها؟

ساري حنفي: لا أخفي عليكم أنَّني قلق للغاية هذه الأيام من انتشار فكر إن لم يكن عنصريَّاً، فهو على الأقلّ إقصائي ومعادٍ لمفاهيم المواطنة والإنسانيَّة، وخاصَّة في الدول العربيَّة. كما تذكّرنا الفيلسوفة الألمانيَّة حنة أرندت، اللاجئون هم طليعة الإنسانيَّة، كونهم ظاهرة تكشف تناقضات الدولة الوطنيَّة ونزعاتها القوميَّة والشوفينيَّة المفرطة. لذا، لعلَّ إنصاف حقّ اللاجئين هو إعادة اكتشاف روح المجتمع وإنسانيَّته. أنا يمكن أن أفهم التمييز بين المواطن والمقيم، ولكن عندما يكون المقيم مؤقتاً لبضع سنوات لا لعقود وأجيال. مع كلّ أسف، مازال كثير من النقاشات السياسيَّة في المنطقة العربيَّة ذا طبيعة هوياتيَّة وإقصائيَّة للآخر، إن كان امرأة أو أقليَّة إثنيَّة أو دينيَّة. دعونا نتذكر قضيَّة دريفوس في فرنسا، التي حوَّلت الفرز الطبقي لثنائيَّة اليسار واليمين إلى فرز ثقافي/أخلاقي. وللتذكير، إنَّ ألفرد دريفوس، وهو ضابط يهودي في الجيش الفرنسي، قد أثار جدلاً حاداً في الطبقة السياسيَّة الفرنسيَّة، حيث أُلقِيَ القبض عليه في عام 1894)) بتهمة الخيانة والتجسُّس لمصلحة ألمانيا، ومن ثَمَّ حُكم عليه بالسجن المؤبَّد. لقد قسمت محاكمته الرأي العام في فرنسا إلى فريقين ظلَّا على عداء مستفحل لعدة سنوات: من جهة الاشتراكيون والجمهوريون الذين آمنوا ببراءته، ومن جهة أخرى الملكيون والأحزاب المحافظة الكاثوليكيَّة والنخبة العسكريَّة الذين رأوا إدانته. لحظة الوعي تلك في فرنسا كانت ممكنة عندما تحرَّكت شخصيات مرموقة من عالم الفكر والأدب في فرنسا من أمثال: إميل زولا، وأناتول فرانس، ومرسيل بروست، لتأييد إعادة محاكمة دريفوس. وقد كتب زولا خطابه الشهير «إنَّني أتَّهم»، الذي صدر على شكل بيان حمل توقيعه وتوقيع كثيرين من الأدباء بعنوان: «بيان المثقفين». لقد عَدَّ السوسيولوجي الفرنسي كرستوف شارل ذلك ولادة المثقفين كفئة فاعلة في المجتمع. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً لنا جميعاً: هل من زولا عربي؟

[1] - نشير هنا إلى أن الحوار أجري قبل إجراء الانتخابات الفرنسية التي انتهت بفوز ماكرون.