فلسفة الفن - تأليف حسين علي


فئة :  قراءات في كتب

فلسفة الفن - تأليف حسين علي

فلسفة الفن - تأليف حسين علي

اعتنى مختلف المثقفين والفلاسفة والنقاد، بالبحث في موضوع الفن والجمال منذ القدم. والحقيقة أن مجال الفن أمر متأصل في الإنسان إلى درجة يحق الوقول معها أينما حل الإنسان إلا وحل معه وجه من وجوه الفن في مختلف مجالات حياته اليومية؛ فالفن من هذا المنظور يمتزج ويتداخل مع الثقافة والاعتقاد والتطلع إلى عالم مفارق للعالم الذي يعيشه الإنسان منذ القدم. فالفن بوصفه وجه إنسانيي للتفكير في المفاهيم المجردة، وللتعبير عن مختلف القضايا المحيط بالوجود الإنساني، يعد في الوقت ذاته وجها من وجوه التأريخ لتطور الحضارة والثقافة منذ القدم "فلا شك أن تعلق الإنسان بالجمال واستمتاعه به، وافتتانه بمظاهر الطبيعة قديم قدم الإنسانية، وما تركه لنا منذ العصر الحجري الأول حتى عصور الحضارات القديمة المعروفة يشهد على صحة هذا الرأي"[1] بالنظر إلى مختلف الرسومات والنقوش على الصخر الضاربة في القدم؛ إذ «تعود أقدم الرسوم الصخرية، التي وجدت في أستراليا وتنزانيا، إلى أكثر من 45 ألف سنة. لم يعد الأمر يتعلق بمقطوعات منحوتة على حجارة ذات أشكال غريبة، كما تعود أسلافنا عليه منذ 300 ألف سنة، بل هي مشاهد حقيقية صغيرة تمثل حيوانات وبشراً، ولم يعد الأمر يتعلق بخصوصيات بعض المجموعات المحصورة في مناطق جغرافية معينة، بل هي عشرات الملايين من الرسوم والنحوت من العصر الحجري القديم، اكتشفت إلى الآن في 160 بلداً موزعة على القارات الخمس. إنه اضخم أرشيف تحتفظ به الإنسانية حول تاريخها قبل اختراع الكتابة، كما قال عالم الأجناس الإحيائية إيمانويل أناتي، الذي اعتبر مواقع الفن الصخري -وهي كهوف غالباً- بمثابة كاتدرائيات بالمعنى الديني للكلمة»[2]

سيجد القارئ لكتاب "فلسفة الفن" لحسين علي، الصادر عن دار التنوير، بيروت، 2010م. مساحة من وجهات النظر المختلفة حول موضوع الفن والجمال، ومختلف وجهات نظر المدارس الفلسفية في هذا الموضوع بدءا من الفلسفة اليونانية، مرورا بالحضارة الإسلامية، وبزمن النهضة في أوروبا، وقد توقف المؤلف عند تصورات الاتجاهات الحديثة للفن مع كل من كانط، وكروتشه، وسارتر.

الفن والجمال

يرى البعض أن الفرق الأساسي بين الفن والجمال هو أن الفن يدور حول من أنتجه، بينما يعتمد الجمال على من ينظر؛ فالناس يختلفون في تحديد معنى الجمال، رغم أنهم يستعملون هذه الكلمة بشكل شبه يومي في حياتهم، فكلمة جميل تطلق على كثير من المظاهر والمواقف والمشاهد، رغم اختلاف طبيعتها وتكوينها، هناك كثير من الأمور توصف بالجمال، بالرغم من أنها لا تترتب عنها فائدة مثل وصف الحيوانات المفترسة بالجمال (النمر-الأسد) وكذلك بعض الزاحف (الأفعى) وهذا يعني أن موضوع الجمال ليس بالضرورة أنه يرتبط بكل ما نقترب منه ونجعله جزءا من حياتنا، وهناك جوانب أخرى في الحياة ولو أنها تجلب لنا منفعة مباشرة، فلا يصدق عليها وصف الجمال؛ فالدواء المر الذي يترتب عنه الشفاء لا نصفه بالجمال. فالأطعمة التي تنال إعجابنا، نطلق عليها وصف "لذيذ" ولا نقول عنها أطعمة جميلة؛ فجمالية الطعام ترتبط بدرجة كبيرة بالطابق والشكل الذي قدم به. ماذا يعني هذا؟ يعني أن موضوع الجمال يرتبط في جزء كبير منه، لأول وهلة بما نبصر وبما هو ظاهر، وبطبيعة دواخلنا النفسية والثقافية التي تجعلنا نصف هذا الشيء بالجمال أو دونه.

هناك التباس بين الجمال الطبيعي والجمال الفني؟ وكيف يتم التفريق أو المفاصلة بينهما؟ وما هو الجمال الحقيقي؟ هل هناك دور أو هدف أو طريقة معينة للتعبير عن الجمال؟ فكل هذه الموضوعات وتفسير الظواهر الجمالية وتصنيفها كانت موضوعا للبحث، وهو الأمر الذي كان من وراء ظهور علم الجمال أو فلسفة الجمال (الإستطيقا)؛ فالواقع أن علم الجمال هو أحد فروع الفلسفة، فهو يبحث في المسائل المتعلقة بوجود الأشياء الجميلة واستجابة الإنسان لها، كما يبحث في طبيعة وقيمة الفن بشكل عام.[3] وقد استقل علم الجمال عن الفلسفة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر.

ينقسم علم الجمال إلى شقين: شق نظري: يبحث في الصفات المشتركة بين الأشياء الجميلة التي تولد الشعور بالجمال، بالعمل من أجل وضع شروط وضوابط لذلك الشعور؛ شق عملي: وهو علم الجمال العملي الذي يبحث في مختلف صور الفن.

دراسة (الفن) تختلف عن دراسة عن دراسة الجمال، فإذا شئنا أن نتساءل من الذي يجعل الشيء جميلا، فلا يمكن أن نقتصر على دراسة الأعمال الفنية، وإنما الواجب أن نبحث فيما نعنيه (بالجميل) عندما نصغ به مناظر وحوادث في الطبيعة. ولهذا السبب كان تعبير فلسفة الفن أضيق من تعبير فلسفة الجمال.[4] أما تعريف الفن إن أرجعنا أصولها إلى الثقافة اليونانية، فتعني النشاط الصناعي النافع في مختلف مجالات الحياة، والظاهر أن العرب فهموا الفن بهذا المعنى، بدليل أنهم فرقوا بين الطبيعة والصناعة، وذهبوا إلى أن الصناعة ترتبط بالنفس والعقل.[5]

الفن والأخلاق

يقول أبو حيّان التوحيدي: "يا هذا: إنّما احتجتَ إلى تهذيب الأخلاق؛ لأنّك معجون من عقاقير كثيرة، ومركّبٌ من أضداد متعادية، وأشكال متوافية، وكانت فيكَ كأنّك أنتَ، وكنتَ بها لأنّها فيك، فلهذا احتجتَ إلى ضَمِّ نشرِها ولَمِّ شعثها وتألّف شاردها وإصلاح فاسدها وتقويم أعوجها وإرشاد أهوجها. فإذا صَلَحَتْ أخلاقك، حَسُنَتْ آدابك، وإذا حَسُنَتْ آدابك، شَرُفَت هِمَمُك، وإذا شَرُفَت هِمَمُك، طابت مآربك"[6]؛ فالأخلاق كما عبر عنها كانط يجب أن تتألف من قوانين صادقة لكلّ الكائنات العاقلة، وهي حسب دوركايم، الضمير وحين يتكلم فينا، فإن المجتمع هو الذي يتكلم. فالفن بوصفه فعلا إنسانيا يستند على تصور قيمي وأخلاقي معين.

وهناك من يذهب إلى نزع كل قيد وشرط على العمل الفني ويقول بمقولة الفن للفن. ويرى أصحاب الاتجاه الذين يرفعون شعار "الفن للفن" أن الواقعية الجمالية ليست ظاهرة أخلاقية، بل هي حقيقة نوعية لها كينونتها الخاصة، وعبثا نحاول أن نقيس الموضوع الجمالي بمعاييرنا الأخلاقية، أو من خلال نظرتنا الواقعية. فنحن نريد أن يكون الفن حرًّا، ومن ناحية أخرى ينبغي للفن أن يرتبط بهدف وبمعنى وغاية ومغزى وقيمة إنسانية وأخلاقية بوصفه رسالة مسؤولة. لذا يُعوّل على الفنون بأنواعها، التي نجد أن مكانتها تزداد في المجتمعات كافة. أما اختزال الفن في الترفيه فقط، أو في المتعة فقط، أوفي الجوانب الإجرائية والتقنية، فهذه ستجعل من الفن فنًّا شيئيا من دون روح ووجهة، كما أن بعض الفنون اليوم غارقة في التفاهة بمعزل عن أي هدف وأي معنى...وأكبر مشكلة تواجه الحضارة اليوم هي أن الفن سار تحت سلطة الاستهلاك وقانون السوق، فكل ما يجلب الربح يوصف بأنه فن، وهي حالة تجعل من الفن يخرج عن ماهيته، بوصفه في الأصل رمز للرقي والارتقاء النفسي والوجداني. وفي حالة فصل الفن عن كل ما هو متعالٍ، فقد يتحول إلى الفن الهابط والمتدني وهذه هي مشكلة شعار الفن للفن.

الفن والعلم

يحاول العلم أن يقربنا من الحقيقة كما هي في مختلف المجالات، وبهذا المنهج تقدمت الحضارة والتفسير العلمي؛ وذلك برد مختلف المركبات الى أصولها وعناصرها التي تتكون منها؛ فالعالم هو من يفسر الحقيقة بدل وصفها فقط؛ لأن الوصف والتفسير مهمان في المسألة العلمية؛ وذلك باستخدام ملكة الاستدلال العقلي بتوظيف مختلف الحواس التي لدينا.

الفن تواق إلى الخيال والتوقع والافتراض والانتقال إلى زمن آخر، الفن له القدرة على مخاطبة الجانب الخفي في الإنسان ويوقظ فيه مختلف الطاقة والإبداع، ولذا فهناك ارتباط وثيق بين الفن والعلم؛ الفنانون يستخدمون العلم كوسيلة للتعبير عن رؤاهم، والعلماء يعتمدون على الفن لشرح أفكارهم واكتشافاتهم العلمية. وهذا التوافق أو التعاون بين الفن والعلم من بين ما تميزت به الحضارة الحديثة.

[1] فلسفة الفن، حسن علي، دار التنوير، بيروت، ص.1، 2010م، ص.13

[2] انظر: لونوار، فريدريك، المصنف الوجيز في تاريخ الأديان، ترجمة محمد الحداد، مراجعة حافظ قويعة، منشورات دار سيناترا والمركز الوطني للترجمة، تونس، (د. ع. ط)، 2012م، ص20

[3] نفسه، ص.15

[4] نفسه، ص. 22

[5] نفسه، ص. 20

[6] أبو حيان التوحيدي، الإشارات الإلهيّة، تحقيق، عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت لبنان (دون ذكر تاريخ الطبعة)، ص. 191

البحث في الوسم
الفن الجمال الأخلاق العلم