قراءة في كتاب "النّكاح لدى إباضيّة المغرب"


فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب "النّكاح لدى إباضيّة المغرب"

تتنزّل هذه الدّراسة ضمن الاهتمام بقضايا الأحوال الشخصيّة وبُنى المُجتمعات الإسلاميّة، وما تنطوي عليه من قضايا الزّواج والقرابة والانتظام الأُسريّ وغيرها. وهو سياق قاد الدّراسة إلى الاهتمام بكتاب عنوانه: "النّكاح لدى إباضيّة المغرب (القرن الثّاني - القرن السّادس هجري)" الّذي يتنزّل هو أيضا في السّياق المعرفيّ نفسه. كما لا تخلو الدّراسة من محاولة مسايرة الرّوح الّتي سيّرت وضع هذا الكتاب، وهي البحثُ في المسكوت عنه أو المُسكت صوتهُ من المذاهب الّتي وُجدت تاريخيّا وسُدّت السُّبل أمامها بسبب سياسيّ قهريّ يستمدّ سلطته في الإلغاء من المذهب الدّيني الّذي تتبنّاه السّلطة السياسيّة وتدافع عنه، وذلك دأبُ المُكوّن السياسيّ في الحضارة الإسلاميّة. فهو قبل كلّ شيء مذهب دينيّ تتبنّاه مجموعة بشريّة أو عائلة لها نفوذ، ويرتقي فيما بعد ليكون سياسة تطمح إلى تأسيس دولة، وبذلك، فإنّ وجود أكثر من مذهب في مجال جغرافيّ معيّن يعني وجود تنافسيّة على القيادة فالسّيادة، لذلك يكون الإلغاء في حالة تضارب المذاهب تضاربا في الأصول حلّا أنجع للحفاظ على استمراريّة الدّولة - المذهب، وما تعايش أكثر من مذهب في دولة ما، إلّا لاختلاف في الفروع لا يطال الأصول. فلو كان ذلك مساسا بالأصول لاستحالت الأمور إلى إقصاء يبتغي فرض سيادة المذهب الواحد وسيادة المجموعة المُتنفّذة الواحدة.

والتّاريخ يُثبت في ما يحمله من أحداث أنّ ما ذُكر حقيقة تاريخيّة. والعودة للتّاريخ للنّظر في انتظام الأحداث والظّواهر ضرورة منهجيّة التزمت بها هذه المُراجعة للكتاب، باعتبار الحاجة للتّاريخ في تحليل قضايا الأحوال الشخصيّة والزّواج والقرابة وما يتعلّق بهما، وفي ذلك طرافة لا بدّ من الإشارة إليها، ولا سيّما أنّ هذه القضايا ودراستها بقيت لزمن طويل يُنظر إليها على أساس أنّها من مشمولات الأنثروبولوجيا في حين يقتصر التّاريخ: تاريخ دراسة المذاهب على المذاهب الأربعة وعلى الجوانب العقديّة منها فقط، وهذا ما أشار إليه الكاتب[1] وما يلتزم به اهتمامنا المعرفيّ بقضايا الأحوال الشخصيّة. فهو اهتمام يُحاول تجاوز التقسيميّ المُسقط والمفروض أحيانا على المعارف وتوزيعها إلى مركزيّة وهامشيّة. ولهذا التّماهي بين النّزعة المعرفيّة الشخصيّة ونزعة الكاتب في كتابه وُجدت هذه المُحاولة في عرض كتاب "النّكاح لدى إباضيّة المغرب (القرن الثّاني - القرن السّادس هجري)" ومناقشته.

إنّ هذا المصنّف هو في الأصل بحث لنيل شهادة الماجستير في اختصاص التّاريخ الوسيط أعدّه الباحث حسين الخليفي تحت إشراف الدّكتور عبد الحميد الفهري. وحسين الخليفي هو أستاذ مُتميّز للتّعليم الثّانوي من مواليد منطقة الرّقاب 02 يوليوز 1974، حاصل على شهادة الماجستير في التّاريخ الوسيط الإسلاميّ من كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس، باحث في مدرسة الدّكتوراه بسوسة وعضو في مخبر أشغال الأرض والتّعمير وأنماط العيش بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، يشتغل حول مشروع بحثي يتعلّق بالمخطوطات الإباضيّة، وتخصيصا قضايا التّاريخ الاجتماعي والحياة اليوميّة لإباضيّة المغرب الإسلاميّ في العصر الوسيط، حقّق مخطوط "كتاب النّكاح من قول جابر بن زيد" (لم يُنشر بعد).

نُشِر هذا البحث الموسوم بـ "النّكاح لدى إباضيّة المغرب (القرن الثّاني - القرن السّادس هجري)" حديثا في طبعته الأولى تونس 2018 عن دار آفاق - برسبكتيف للنّشر بتونس ضمن سلسلة آفاق للدّراسات والبحوث، قدّمته الدّكتورة بثينة بن حسين، مُتوسّط الحجم، عدد صفحاته 144 صفحة ومقاسها 16/24، مُقسّم إلى بابين متجانسين كمّا ونوعا، ويحتوي كلّ باب على فصلين كما سيأتي التّفصيل فيها.

أمّا عن السياق التّاريخي الّذي نزّل ضمنه الكتاب، فيقول الباحث حسين الخليفي: "تاريخيّا تمتدّ هذه الدّراسة من بداية القرن الثّاني للهجرة - تاريخ تسرّب المذهب الإباضي إلى إفريقيّة على يد الدّاعية سلمة بن سعد - إلى أواسط القرن السّادس للهجرة - تاريخ سقوط الدّولة الصنهاجيّة ودخول قبائل بني هلال إلى إفريقيّة - وهو تاريخ يتطابق مع بداية انحصار الحركة الإباضيّة بإفريقيّة، حيث سينجح المعزّ بن باديس في استئصال المذاهب غير المالكيّة بما في ذلك المذهب الإباضي"[2].

الباب الأوّل: الزّواج الإباضيّ ببلاد المغرب الإسلاميّ من خلال كتب الفقه:

الفصل الأوّل: الزّواج من منظور فقهاء الإباضيّة

أسّس الكاتب لحقل عمله من خلال تحديد أهمّ المصادر الّتي اعتمدها في بحثه، وهذه الخطوة الأولى من شأنها أن تُؤسّس لمجال العمل ولحُدوده. وتتمثّل هذه المصادر في مخطوطين؛ سعى الكاتب إلى التّركيز على دواعي اختيارهما، وهذه الدّواعي تكشف عن القدرة التّفسيريّة للمصدر التّاريخيّ وأحقيّته دون سواه من المصادر في تعيين الوضعيّة المدروسة وبيان أقسامها. ولم يكتفِ الكاتب ببيان دوافع الاختيار، بل تحدّث عن كلّ مخطوط حديثا وافيا شمل عرضا لتاريخه ولنسخه ولمكان وجوده، وهذا يُحسب للكاتب ولمنهجيّة عمله الّتي تسعى إلى الإحاطة بالمخطوط ماديّا ومعنويّا. ولعلّ هذه المنهجيّة تنكشف في دواعي الاختيار أكثر ممّا تنكشف في التّعريف بالمخطوط، إذ إنّ التّعريف خطوة يتحرّاها كلّ باحث وقد لا تعكس التفرّد في الرّؤية. أمّا عن دواعي الاختيار، فهي تأتي مسبوقة بمراحل من التّفكير والمُقارنة ووضع شروط والمعايير الّتي دفعت المُؤرّخ للبحث في مصدره دون سواه.

المخطوط الأوّل هو "مخطوط النّكاح من قول جابر بن زيد" اُعتُمِد لأسبقيّة جابر بن زيد في إمامة المذهب الإباضيّ، ثمّ "لكونه كان يُوصف بأعلم النّاس بأحوال الطّلاق"[3] وبناء على فرضيّة مفادها "أنّ الخوارج بصفة عامّة كانوا يخضعون لاجتهادات زُعمائهم"[4]. وجابر بن زيد في هذه الحالة من الزُّعماء. ولقد تتبّع الكاتب في عنايته بمحتوى هذا المخطوط مدى استجابة مُحتواه لأصول المذهب الإباضيّ أخِلاف للمعهود هو أم موافقة؟ وكأنّه يبحث في حديث البدايات وانعكاسه على مدار العمل، وهو الأحوال الشخصيّة. ومن بين الأصول الّتي ركّز عليها قيمة العدل وحضورها في نظام الأسرة الإباضيّة يقول الكاتب: "لقد بدا جابر بن زيد حريصا على ضمان القسمة العادلة بين النّساء، ونحسب أنّ لهذا الحرص علاقة بأحد الشّعارات الّتي رفعتها الحركة الإباضيّة منذ نشأتها، وهو شعار العدل"[5]. وهذا الارتكان إلى مخطوط يُنسب إلى جابر بن زيد هو ارتكان إلى الأصول يُساعد على تبيّن التغيُّرات الطّارئة على المذهب أوّلا وعلى المواقف من نظام الأسرة ثانيا الّذي طُبع بطابع الاستثناء نظرا، لأنّ المذهب الإباضي استثناء في تاريخ المذاهب. ويتعمّق الأستاذ حسين الخليفي أكثر في تتبُّع الاستثناءات من خلال التّركيز على النّقاط الخلافيّة، رغم ثانويّتها ليختار الحديث عن الزّواج من الكتابيّة لكنّ هذا الحديث وإن بدا مُغريا بتتبّع تفاصيله إلّا أنّ الكاتب اكتفى بذكر موقف جابر بن زيد "تناول جابر بن زيد مسألة نكاح الكتابيّة، فبدأ بذكر حكمه وشروطه وشدّد على وجوب القسمة العادلة بين الزّوجات، وإن اختلفت ديانتهنّ، غير أنّ منزلة الكتابيّة كانت أقلّ درجة من المسلمة في البيت الإباضيّ كما كانت الكتابيّة تُجبر على الدّخول في الإسلام لتكون مُحصّنة"[6]. ولم يُشر إلى آية نكاح الكتابيّة، باعتبارها مدار اختلاف فقهيّ[7] قد ينزاح بالدّراسة إلى ضروب من التّحليل وقد يرى الكاتب في ذلك الإقصار عن القول التزاما بمنهجيّة الدّراسة التّاريخيّة الّتي تصف دون الحكم على الحدث التّاريخيّ أو الحكم لصالحه. وهو ما يجعل الكاتب أمام سؤال عن المنهج، أو بعبارة أخرى في سؤال عن ابستيمولوجيا الدّراسة التّاريخيّة الّتي حدّدها ابن خلدون في فترة مُبكّرة حتّى ترشّح قوله إلى مرتبة القول المأثور: "إنّ التّاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق".

أمّا عن المصدر الثّاني، فهو مخطوط وُسم بـ "كتاب النّكاح: نكاح الشّغار من قول ابن عبد العزيز" لم يمنع من اعتماد الكاتب عليه مصدرا من نقده، بل وصل به الأمر إلى التّشكيك في نسبته إلى صاحبه وذلك بناء على أدلّة شكليّة كنوع الخطّ وأدلّة مُستقاة من المُحتوى تتمثّل أساسا في حضور آراء دون أخرى؛ إذ المُلاحظ أنّ قول عبد الله بن عبد العزيز لم يُذكر إلّا في عدد محدود من ورقات المخطوط وهذه الورقات 3-17-20-60 وقد ميّزها الكاتب بقوله: "وهذا قول ابن عبد العزيز"[8]. أمّا قول أبي عبيدة مُسلم بن أبي كريمة، فهو الأكثر حضورا والغالب على المخطوط. ويتواصل الحفر في المحتوى إلى حضور المنهج المُقارن في معرض الحديث عن "نكاح الأمة على الحرّة"؛ إذ قارن صاحب الكتاب بين رأي المالكيّة ورأي الإباضيّة في المسألة، فتوصّل إلى ما سمّاه تناصّا استفاد منه في السُّؤال عن نسبة المخطوط إلى المذهب لا فقط إلى صاحبه، يقول: "يكشف هذا التناصّ عن تأثّر فقه المالكيّة بما ورد في الفقه الإباضي، لكنّه يطرح أكثر من استفهام حول نصّ المخطوط ونسبته إلى الفقه الإباضي. فهل كان هذا المخطوط نصّا إباضيّا فعلا أم هو نصّ مالكي تمّ نسخه وتعديل بعض أجزائه ونسبته لعبد الله بن عبد العزيز، لينسجم مع مُدوّنة الفقه الإباضي؟"[9]

بعد الخوض في مسألة المصادر تعريفا ونقدا، مرّ الكاتب إلى الحديث عن المُصطلح الأساسي الّذي يتتبّعه في دراسته، وشرع في هذا القسم مُتوسّلا منهجيّة المَفهمة، إذ سعى إلى تحديد مفهوم النّكاح فخاض في الجانب اللّغوي وانتقل إلى الجانب الاصطلاحي، ليتوسّع في حقول المعرفة المُختلفة كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، ليُبيّن أنّه من الصّعب الظّفر بمفهوم واضح للنّكاح. فالمفهوم يتأثّر بزاوية النّظر إليه وبآليّات دراسته، وهو ما شرّع للكاتب البحث في تحديد مفهوم خاصّ للنّكاح عند الإباضيّة. فما هو هذا المفهوم؟ وكيف حدّده الكاتب؟ وما هو وجه التميّز؟

يعتبر الخليفي أنّ النّكاح حسب فقهاء الإباضيّة جائز ومُرغّب فيه. وهذا الحُكم يشتركون فيه مع المالكيّة، وهو ما يكشف عن منهجيّة المُقارنة الّتي تُبيّن نطاق الاتّفاق والاختلاف بين تصوّرين أو أكثر ليترشّح بعدها صورة أخرى هي مكمن الخصوصيّة، والّتي على أساسها يُمكن تحديد مفهوم مُعيّن للنّكاح عند الإباضيّة. ويستمدّ هذا التّعريف تميّزه ومن ثمّ تمايزه عن غيره من التّعريفات من جهة الغاية من النّكاح. وهذه الغاية هي الّتي دفعت إلى التّرغيب فيه. وبالنّظر إلى سياق الصّراع التّاريخي بين المذاهب عامّة، وبين مذاهب المغرب الإسلاميّ يُعتبر النّكاح في فقه الإباضيّة وسيلة لحفظ البقاء وللذّود عن المذهب في سياق مشحون بالصّراع الدّائم وبالتّنافس، ولقد استدلّ الباحث على هذه الغاية من خلال أدلّة تاريخيّة مفادها أنّ الإباضيّين لم يُجنّدوا المُرتزقة أو العبيد إلّا في حالات نادرة جدّا لا تكادُ تُذكر، فحماية المذهب لا تكون إلّا بأبنائه نظرا لقوّة رابط الولاء[10].

وتوسّع الباحث في تحديد مفهوم النّكاح ليُشير إلى استثناءات تَطالُ هذا المفهوم، وذلك من خلال التطرّق إلى نظام العزّابة ومفاده أنّ فئة من الإباضيّة تُنكر النّكاح وتعتبره شُؤما لما له من تأثير على طلبة العلم فهو يشغلهم عن طلبه[11]. وهذا الانتقال من العامّ إلى الخاصّ ومن السّائد إلى الاستثناء يكشف عن رغبة في الإحاطة بكلّ عناصر مفهوم النّكاح عند الإباضيّة، إذ المُنطلق هو افتراض أنّ المفهوم خاصّ لا يشترك مع غيره من المفاهيم المُتعلّقة بالنّكاح في شيء.

الفصل الثّاني: أصناف الأنكحة لدى المجموعات الإباضيّة بالمغرب الإسلاميّ

يتطرّق الباحث في الفصل الثّاني من الكتاب إلى ضروب النّكاح في المجتمعات الإسلاميّة بالمغرب الإسلاميّ وتخيّر مجموعة من الأصناف، فعرّفها وبيّن عمّا تتأسّس، ولعلّ اللّافت للنّظر أنّه لم يُحاول الكشف عن بنية العلاقات الّتي تستوجبها ضروب مُعيّنة من الأنكحة لغاية عرضها، بل إنّه حاول الوقوف على تدخّل العامل السّياسي، وهو الضّامن لبقاء المذهب واستمراريّته، فكشف عن أنّ أنواعا من الأنكحة مُحرّمة بموجب الدّين الإسلاميّ وعند بعض الفُقهاء الإباضيّين أنفسهم كنكاح الشغّار[12] بقيت أداة من أدوات نيل السّيادة وتسيير السُّلطة السياسيّة. وفي هذا محاولة لبيان آليّات قيام المذهب الّتي يُمكن تلخيصها في اقتران طريف بين ما هو بيولوجيّ؛ أي نكاح عامّة بوصفه حافظا للبقاء، بقاء المذهب، وبين ما هو سياسيّ باعتباره هو الآخر حافظا لسيادة المذهب وسطوته، يقول الباحث: "انتشر نكاح الشغّار في تاهرت ضمن العائلة الرّستميّة خلال إمامة أبي بكر بن أفلح رابع الأئمّة الرّستميّين، حيث تزوّج أبو بكر بن أفلح أخت محمّد بن عرفة الّذي تزوّج بدوره أخت الإمام أبي بكر بن أفلح. تبدو طبيعة الشغّار واضحة في هذا النّكاح أكثر في إجابة أبي بكر بن أفلح لأحد أفراد حاشيّته حين ألحّ عليه بوجوب التخلّص من ابن عرفة بالقول: "أكتم عليَّ هذا ولا تُظهره ودعني أُدبّر أمري وأتأمّل في رأيي وهل تُطوّع نفسي بذلك أم لا، فإنّي لا أحسب نفسي تطوّع في ذلك ولا سيّما أخته تحتي وأختي تحته". وهو نكاح شغّار من أجل مصلحة سياسيّة فقد تمكّن محمّد بن عرفة من استغلال مُصاهرته مع أبي بكر ليُمارس سُلطته ونفوذه في الحُكم. قال ابن الصغيّر: "كانت الإمارة بالاسم لأبي بكر وبالحقيقة لمُحمّد بن عرفة""[13]

ومثلما كانت السّياسة دافعا إلى صنوف معيّنة من النّكاح، فإنّها تدخّلت لإبطال أنواع من الأنكحة داخل الفرقة الإباضيّة نفسها مثال ذلك الزّواج من النكّار[14]، وصِيغ التّعليل في خطاب إيمانيّ الغاية منه سياسيّة بالأساس وفي هذا الإطار يُمكن تقديم زواج النكّاري من المرأة الوهبيّة. ويُرفض هذا الزّواج خشية أن يفتن الرّجل زوجته فيرُدّها على خلاف مذهبها، وهذا يندرج ضمن الصّراع السّياسي والمذهبيّ بين الفرقتين الإباضيّتين ويرجع كذلك حسب ما أفادنا به الكاتب إلى إنكار النكّاري إمامة عبد الوهاب بن رستم (الوهبيّة) والتمرّد عليه والاختلاف العقائديّ حول مسألة أسماء الله حتّى أنّ هذا الاختلاف العقائديّ أدّى إلى ظهور تسمية الملحدة قبل تسمية الوهبيّة[15]. فالكاتب هنا حلّل العلاقات من منظور الجانب السّياسي ويُفسّر به قيام هذه العلاقات على شكل دون سواه.

يُحافظ الكاتب على أداته المنهجيّة وهي الأخذ بعين الاعتبار عوامل الصّراع السّياسي والمذهبيّ لتحليل انتظام العلاقات بموجب الزّواج وهذه المرّة يُوسّع من دائرة الاختلاف، فلا تشمل المُنتمين إلى المذهب الإباضي فحسب، بل ينتقل إلى الحديث عن علاقات أخرى ومع مذاهب أخرى تُشاركها الوجود الجغرافي، مثال ذلك الزّواج بين الإباضيّين وأهل السنّة والجماعة وهو ممكن، مقبول عند الإباضيّين لكنّه مرفوض عند أهل السنّة تحديدا المذهب المالكيّ. ويُعلَّل هذا الرّفض بالصّراع المذهبيّ بين الصّنهاجيّين السنّة وأتباع المذهب الإباضيّ بإفريقيّة (تونس) وهو صراع وصل حدّ ممارسة العداء السّافر. وهذه السّياسة تدخّل فيها الفقيه وفتواه، باعتبارهما وسيطين من وسائط التحكّم في الاعتقاد وتوجيهه. ووصلت هذه الفتاوي إلى حدّ منع بيع الطّعام لأهل جربة الإباضيّة باعتبارهم خارجين عن مذهب السنّة والجماعة وحتّى شهادتهم لا يُؤخذ بها. ولتسليط الضّوء على هذا الصّراع الّذي تحكّم في أشكال الوجود البشريّ يُحيل الباحث حسين الخليفي على فترة حكم المعزّ ابن باديس وسياسته المُتّبعة إذ يقول: "تعود بدايات هذه السّياسة العِدائيّة السنيّة للمذاهب الأخرى بإفريقيّة إلى فترة حكم المعزّ بن باديس الّذي وضع حدّا في تقديرنا لمرحلة من التّعايش السّلمي بين مختلف المذاهب السّائدة كالواصليّة والإباضيّة والشّيعة كما أنهى السّجال الكلامي والفكريّ بين هذه المذاهب، كما أعلى من شأن المذهب المالكي الّذي سيكون المذهب المُهيمن بإفريقيّة إلى اليوم"[16].

وفي معرض حديثه عن ما خرج عن العادة من أنواع الأنكحة، وما هو داخل في تفرّد المذهب الإباضي يُشير الباحث إلى نوع من الزّواج هو الزّواج المونوغامي الأحاديّ الّذي يُقابله الزّواج التعدّدي أو تعدّد الزّوجات في اللّفظ الشّائع، وهي عادة من عادات الزّواج ونوع من الأنواع في الآن نفسه معروفة في الإسلام وفي ما سبقه. ويعتبر الكاتب أنّ هذا الصّنف، أي الزّواج المونوغامي، هو الغالب واستغلّ في ذلك معرفة إحصائيّة مُتمثّلة في النّظر إلى كُتب السّير الإباضيّة وحصر عدد معيّن من الأنكحة الّتي أخبرت عنها، وهذا يعكس محاولته للإحاطة بالظّاهرة المدروسة من وجهات نظر عديدة وبتطبيق أدوات منهجيّة من حقول معرفيّة مختلفة. أحصى الكاتب في هذا السّياق أنّ عدد الأنكحة المُخبر عنها بلغت 33 حالة فيها 4 حالات فقط تعدّديّة وكانت كلّها لعوامل استثنائيّة فرضت التعدّد حلّا لتجاوز مشكل يتعاظم بالأحاديّة وهذه الأنكحة الأربعة هي:

* زواج أبي عامر التّصراري بأمّة الواحد وبزوجة ثانية من "تندميرة".

* زواج أبي هارون التملّوشائي بأمّ داوود وبزوجة ثانية بنت تبركانت.

* زواج عبيدة بن زارور - أبو محمّد التّرغميني - بأمّ أبا عبد الله مامد وبزوجة ثانية أمّ زعرور.

* زواج أبي الخطّاب عبد السّلام بن منصور بالزّوجة الأولى وهي ابنة الشيخ أبي القاسم يونس بن يوجين والزّوجة الثّانية وهي زينب بنت أبي الحسن المزاتي وبالزّوجة الثّالثة ابنة رجل ورغمّي من بني ورغمّيت[17].

ثمّ إنّ الطّريف في قراءة الخليفي هو التوجّه إلى قراءة في نفسيّة المرأة الإباضيّة. فهو لم يتوجّه إلى الرّجل، باعتباره الطّرف المُسيّر الّذي يختار وله أن يرفض ويقبل كما هو سائد، بل إنّه استنطق النّصوص بحثا عن خلجات النّفوس وما يعتمل في خواطر النّساء الإباضيّات. ولعلّ ما زاد في حظوة المرأة والقبول بها مُقرّرا كالرّجل وذات نوع من السّيادة، حتّى وإن كانت نفسيّة هو أنّ الإباضيّة مثّلوا فئة قليلة تُعاني من الرّفض السّياسي والمذهبي لوجودهم وهو رفض ربّما جعلهم ينحصرون مكانيّا في "جربة" ذات الطّبيعة الجغرافيّة المُتمثّلة في كونها جزيرة، أي معزولة، فهم محتاجون للمرأة ويأخذون بعين الاعتبار رغبتها وحتّى غيرتها[18]، إذ إنّ تجاهل ذلك قد يدعو إلى إضعاف صفّ وحدتهم التزاما وعددا علما وأنّ النّكاح في تصوّرهم عامل من عوامل البقاء والصّمود.

ويتوسّع الخليفي في قراءة الذّهنيّة النسويّة إلى البحث في أسباب رفضها لمسألة تعدّد الزّوجات ويردّ هذا الرّفض الاجتماعي إلى رواسب ثقافيّة حافظت عليها مجتمعات بلاد المغرب الإسلامي، رغم أسلمتها. ويُجمل هذه الدّوافع في قوله: "كانت الذّهنيّة النسويّة الإباضيّة بصفة عامّة ذهنيّة رافضة لتعدّد الزّوجات، ولم تجد له مُبرّرا إلّا في حالات استثنائيّة كالعقم، ويعود هذا الرّفض الاجتماعي الإباضي إلى تأثير عادة الصّداق القيرواني والموروث الرّوماني والمسيحيّ المانع لتعدّد الزّوجات. فعلى الرّغم من أسلمة بلاد المغرب الإسلامي إثر مرحلة الفتح الأعظم، فإنّ البربر لم يقطعوا مع الدّيانة المسيحيّة الّتي لم تُمارس تعدّد الزّوجات، ولم يقطعوا كذلك مع الحضارة الرّومانيّة الّتي كانت مُجتمعات أحاديّة الزّوجة، كما منعت الدّيانة المسيحيّة الّتي انتشرت في بلاد المغرب في العهد الرّوماني تعدّد الزّوجات واعتبرته رِجسا"[19].

الباب الثّاني: مدخل أنثروبولوجي لدراسة الزّواج الإباضي

الفصل الأوّل: طقوس الزّواج وتقسيم الأدوار في البيت الإباضي في بلاد المغرب الإسلامي

عنون الباحث حسين الخليفي الباب الثّاني بـــــ " مدخل أنثروبولوجي لدراسة الزّواج الإباضي". وهذا العنوان يبعث منذ البداية على التّساؤل، إذ قال الكاتب إنّ قضايا الزّواج والأسرة كثيرا ما يُنظرُ إليها من زاوية علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) حتّى صارت هذه القضايا حِكرا على المُتخصّصين في هذا المجال. ويعتبر الباحث أنّ التّاريخ من حقّه النّظر في هذه القضايا لذلك يكون السُّؤال: هل أنّ استدعاء الأنثروبولوجيا هو سعي من الباحث إلى بيان أصول هذا العلم في دراسة قضايا الزّواج وانتظام الأُسرة الإباضيّة، أم إنّه محاولة لتوسيع نطاق عمل منهجيّات علم التّاريخ؛ أي أن يكون هذا الأخير أصلا من مقتضياته ومن فروع علم الأنثروبولوجيا؟ وإلى أيّ حدّ التزم الباحث بمقتضيات الأنثروبولوجيا؟

ضمن إطار مقاربة قضايا الزّواج أنثروبولوجيّا يعرض الكاتب معايير اختيار الزّوجة في المُجتمع الإباضي وهو عرض أوصله إلى نفي ما هو رائج من الاعتماد على معيار الصّلاح والتّقوى بالاستناد إلى الآية الكريمة: "وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[20]". فتبيّن الكتب أنّ الأصل في اختيار الزّوجة هو معيار السنّ والبكارة واستدلّ على ذلك من خلال الكشف عن البنية العميقة في تفكير الإباضيّين، والّتي هي مُترسّبة في خطاباتهم عن النّساء، وهي خطابات ليست بالدّينيّة في شيء كي تكون مجالا للحديث عن الصّلاح والتّقوى، وإنّما هي خطابات تحتفي بأهواء النّفس (Les passions) وما تشتهيه الذُّكورة كي تعظُم شعورا داخل النّفس يملأ الكيان، ولا أدلّ على ذلك من بعض الوقائع الّتي عدّدها الكاتب في قوله: "لم يكن معيار الصّلاح والتّقوى في تقديرنا إلّا معيارا شكليّا من بين معايير اختيار الزّوج في المجتمع الإباضيّ. فقد فاضل الرّجال في المجتمع الإباضي البِكر على الثّيب والثّيب على ذات الرّبائب. كما انخرط الفقهاء أنفسهم في مدح فضائل الأبكار، فقد ذكر الجنّاوني: "إن تزوّجت بكرا فالّذي أحببت هي فاعلته وإن تزوّجت ثيّبا فالّذي أحبّت هي فاعلته، وإن تزوّجت ثيّبا ذات ربائب فالّذي أحبّوه هي فاعلته". في مقابل ذلك وقع تبخيس الثيّب، حيث عدّد الفقهاء عيوبها فقد اعتبرت إحدى عجائز جبل نفّوسة، وهي أمّ جلدين (إحدى نساء الفقه الإباضيّ اُشتهرت بالعلم والعبادة) أنّ الثيّب بلاء ترجى لصاحبه السّلامة"[21].

تتكامل فكرة السنّ والبكارة مع فكرة العذريّة الّتي يحتفي بها المُجتمع الإباضي من خلال تعبيرة "القميص المُلطّخ بالدّم" الّذي يُمثّل عنصرا من عناصر الفُرجة في انتظام عناصر مشهد حفل الزّواج. وهذا يكشف عن أمر يتمثّل في أنّ العذريّة من معايير الزّواج الإباضي بعيدا عن معيار الصّلاح والتّقوى، بل إنّ الصّلاح والتّقوى لا يكونان إلّا بالعذريّة. فهل يكون عامل الصّلاح والتّقوى عاملا دينيّا أم إنّه عامل نفسيّ؟ أَ ليس ضربا من ضروب مُصالحة الذّات مع ذاتها؟ تلك الذّات الّتي ارتبط تاريخها الدّيني بالدّم الّذي يُخضّب القُمصان؟ هذا ما خلُصت إليه رؤية الباحث عندما تحدّث عن رواسب الذّات في علاقتها بفكرة القميص المُلطّخ بالدّم كقميص يوسف عليه وقميص عثمان رضي الله عنه وبيان ذلك قوله: "تعود جذور الاهتمام بالقميص في الواقع إلى أحداث دينيّة مُؤثّرة في تاريخ العرب وإرثهم الدّيني الشّرقي. فقد رُبطت العديد من الأحداث والقصص في القرآن وفي تاريخ المُسلمين بالقمصان، من ذلك قميص يوسف عليه السّلام وقميص عثمان رضي الله عنه، وهي قمصان تلطّخت بالدّم، لذلك نحسب أنّ رفع القميص المُلطّخ بدماء البكارة أو العذريّة أمام عائلة العروسين في طقوس الزّواج ليس إلّا استحضارا لسلوك دينيّ قديم سابق لظهور الإسلام"[22].

أمّا عن صفات المرأة، فالإباضيّون لم يخرجوا عن المعايير الّتي انتخبها الذّوق العربيّ المُتمثّل في مواطن الامتلاء؛ أي كثرة لحم المرأة. ولقد نبّه الكاتب إلى هذه الفكرة لكنّه لم يُفسّرها في الوقت الّذي أعلن فيه منذ البداية اتّباع المنهج الأنثروبولوجي، مفاد ذلك أنّ الفكرة لم تتجاوز مرحلة التّنبيه إلى التّفسير فابتعدَ الباحث عما التزم به منهجيّا في الوقت الّذي تُوجد فيه دراسات مثل كتاب خليل عبد الكريم "العرب والمرأة"، حيث حاول خليل عبد الكريم الحفر في هذه الصّورة للمرأة وتفسير السّبب في سطوتها على الأذهان وعلى النُّفوس، ليبحث في المعاجم اللّغويّة العربيّة، فيجد أنّ كلمات مثل "الوطء" تُستعمل بدلالتين: دلالة مُوجّهة للحيوان ودلالة مُوجّهة للإنسان، معنى ذلك أنّ ركوب الزّوجة وركوب الفرس هما من معاني الفعل "وطأ" فاستخلص أنّ الدّافع إلى الاهتمام بالامتلاء نابع من الاهتمام بمجموعة من الدوابّ كان يستغلّها العربيّ بحكم الوسط والبيئة الّتي يعيش فيها. فأن تكون المرأة محبوبة، لأنّها "بعيدة مهوى القُرط" أي طويلة الجِيد (العُنُق) فذلك نابع من صورة "النُّوق" وأن تكون المرأة "كبيرة العجيزة والأرداف هيفاء على مستوى البطن" فذلك راجع أيضا للتأثّر بصورة الفرس الّتي تكون على الهيئة نفسها[23]. هذا ما يُمكن أن تُفسَّر به الرّؤية الإباضيّة لمعايير الجمال في المرأة، وهو إمكان من بين مجموعة من الإمكانيّات الّتي يُوفّرها علم الأنثروبولوجيا، لكنّ الباحث اكتفى بذكر هذه المعايير ولم يُفسّرها ويُفصّل القول فيها فحاد عن مُقتضيات المنهج الّذي يتّبعه، فكان كلامه في هذا المُستوى عرض معلومات ليس غير.

اهتمّ الباحث حسين الخليفي أيضا بمسألة "النّحر " نظرا لارتباطها بشكل ما بالزّواج، ولكنّ هذا الارتباط لم يُثنهِ عن توسيع دائرة دلالات النّحر بصفة عامّة في الفكر الإباضيّ. وهذه الدّلالات تتوزّع وفق محورين: الدّلالات الدّينيّة المُستمدّة من القرآن كما ورد ذلك في سورة الكوثر "فَصَلِّ لِرَبِّك وانحَر"[24]، والدّلالات الأنثروبولوجيّة الّتي حاول الكاتب من خلالها رصدها بيان الأصول القديمة لهذه المُمارسة الشّعائريّة، فهي تعود إلى التّراث البوني القديم، ولم يكتف بتتبّع الأصول بل بحث عن الاعتقاد الدّافع إلى ممارسة النّحر والحثّ عليه "فالنّحر يطرد الأرواح الشرّيرة والجنّ الخبيث الّذي قد يتدخّل ليُفسد على العريسين فرحة الزّواج، عبر إعاقة القُدرات الجنسيّة للزّوج بشكل مُؤقّت ليلة الاهتداء"[25].

ولمّا كان الزّواج عمليّة ارتباط بين الرّجل والمرأة بموجب عقد شرعيّ، فإنّ المرأة الإباضيّة في إطار الزّواج كانت لديها أدوار عديدة مقارنة بنظيرتها في المذهب المالكي، إذ إنّ المرأة المالكيّة انحصرت وظيفتها في الإنجاب والقيام بالشّؤون المنزليّة. أمّا المرأة الإباضيّة، فكانت لديها أدوار جعلتها تتجاوز وظيفة الإنجاب والقيام بالشّؤون المنزليّة إلى العمل في الحقل ودورها الاجتماعي والاقتصادي من خلال حالة "التّويزة"[26]. يقول الكاتب: "تُمثّل التّويزة في المجتمع الإباضي شكلا من أشكال التّضامن العضويّ والتّعاون والتّكافل لدى الإباضيّين في بلاد المغرب. وللتّويزة أيضا دلالات اجتماعيّة وثقافيّة أخرى، فضلا عن دورها الاقتصادي في التّخفيض من كلفة الإنتاج الفلاحي والحِرفي"[27].

لكنّ تركيز الباحث في معرض حديثه عن الأدوار انصبّت أساسا على الدّور الدّيني للمرأة الإباضيّة، إذ إنّها في المذهب الإباضي كانت قناة من قنوات الدّعوة، فأسهمت بشكل كبير في بناء الجوامع الّتي فيها تُعلّم تعاليم المذهب الإباضي. ولم تكن مجهودات النّساء بدنيّة فحسب، بل هي عقليّة أيضا، حيث إنّها نافست الرّجل الفقيه في عمليّة الخوض في المسائل الدّينيّة مثال ذلك ما ورد عن العجوز أمّ سعيد زوج أبي يحي حين روت "أن يُسمّى الله بكلّ ما يُنسب إليه الفعل في القرآن غير ما أجمعوا عليه من المُنكر والخداع والاستهزاء والسّخرية".[28]

إنّ ما يظهر من خلال مقاربة مسألة الزّواج هي القيمة الكُبرى لهذه القضيّة، بوصفها مدخلا لفهم انتظام المُجتمع ودور عناصره. فلقد كشفت الرّوابط الزّوجيّة وما يحفّ بها من شعائر على دور استثنائيّ للمرأة تفرّدت به مقارنة بنظيرتها المالكيّة، وهذا كلّه في فضاء جغرافي واحد (افريقيّة-تونس) وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ للفضاء دورا في رسم صورة الإسلام وفي فهمه، حيث تُؤثّر المرجعيّة التّاريخيّة لكلّ فضاء في الأفراد وفي تصوّرهم للدّين، وهو ما يُؤكّد أطروحة "الإسلام واحدا ومتعدّدا" وقيمة هذا البحث تتمثّل في أنّه يطرح مداخل جديدة لفهم الدّين، باعتبار الحاجة المُتزايدة لإعادة القراءة والمُراجعة. فلو كانت قراءة ما سليمة وراسخة لما وُجد العنف المُقترن بالدّين اقترانا وكأنّه تلازميّ.

الفصل الثّاني: الزّواج الإباضي والقرابة في بلاد المغرب الإسلامي

تجاوز حسين الخليفي الحديث عن الزّواج للحديث عن القرابة في ضرب من التوسُّع من المركز إلى الشُّعاع، أو بعبارة أخرى الانتقال من الظّاهرة إلى استتباعاتها. فعمد إلى التّصنيف، ومنهجيّة التّصنيف تخدم الباحث في استقراء الظّاهرة والعناصر المُكوّنة لها، ومن ثمّ كانت القرابة على ضربين: قرابة باعتبار المُصاهرة، فالمرأة أو الرّجل عندما يرتبط كلّ منهما بالآخر بموجب عقد زواج تنشأ علاقة قرابة بين كلّ فرد والأصل النّابع منه أي الارتباط بعائلة الزّوجة أو بعائلة الزّوج وهذا شكل من أشكال القرابة. أمّا الضّرب الثّاني، فهو القرابة الدمويّة أو ما يُعرف بالنّسب الّذي يكون، إمّا أبويّا أو أموميّا نسبة إلى الأمّ.

والتّنبيه على النّسب الأموميّ تعبير عن استجابة لواحد من أهمّ محرّكات فكرة البحث. فهذا البحث خوض في انتظام العلاقات داخل مجتمع من الأقليّات؛ أي حفر في ما هو هامشيّ مقارنة بالمركز الّذي يغلب من حيث العدد ومن حيث السّلطة والغلبة العدديّة والسّلطويّة، تنجرّ عنها كتابة تاريخ قد يُقصي ما هو هامشيّ، لكونه قليلا لا يصلُح في اعتبار من يكتب التّاريخ، لأن يكون موضوعا يُنظر وحتّى إن ذُكِر فَبِمِقدار وضمن خطّة عمل مفادها تغليب الأنا.

ضمن هذه الرُّؤية، يُمكن القول إنّ الحديث عن النّسب الأموميّ هو أيضا بحث في الهامش ومحاولة من الباحث حسين الخليفي لتصحيح مسار كتابة تاريخ الاجتماع البشري في إطار زماني ومكاني مُحدّدين، إذ "ارتبط النّسب الأمومي بعلوّ مكانة الزّوجة في المجتمع الإباضي وقوّة شخصيّتها كما تمتّعت بنوع من التّمكين الاجتماعي، سواء في المُجتمع أو في إطار مُؤسّسة الزّواج"[29].

ولقد مثّلت قضيّة النّسب قضيّة ذات أهميّة قُصوى في المجتمع الإباضي، إذ يُحرص على إثبات صحّته ونقائه أو نفيه، حتّى إنّ الفقهاء الإباضيّين شدّدوا على مسألة الإجهار بالحمل خاصّة في حالات الترمّل. كما خاضت كتبهم في جدل حول مدّة الحمل ليصلوا في هذه الحالة إلى التّبرير الخُرافي "خرافة الطّفل المحشوش" الّتي قِيل في شأنها إن الطّفل قد يبقى مُدّة طويلة في بطن أمّه، وتصل هذه المُدّة حسب ما أفادنا به الكاتب إلى سبع سنوات على أقصى تقدير[30]. وهذا التّبرير يكشف لا فقط عن بنية ذهنيّة تعتمد على الخُرافة في تفسير الظّواهر، بل تُظهر أيضا حرصا على مكانة المرأة وعلى سُمعتها الّتي هي انعكاس لسُمعة العائلة وسُمعة المجتمع بصفة عامّة. فالأقليّة مُطالبة في حفظ بقائها على خلق كلّ العوامل الّتي تُسهم في تأكيد الوحدة، إذ الوحدة شرط البقاء والاستدامة.

هذه أطروحة تتدعّم بمجرّد النّظر في مواقف الإباضيّة من قضيّة الزّنا وشُروط الحكم فيها. فالمعلوم أنّ الإسلام حرّم الزّنا لكن في المجتمع الإباضي، نجد أنّ "تُهمة" الزّنا لا تنطبق على فاعلها أو فاعلتها إلّا متى توفّرت شروط هي في التّفكير الإباضي تُعبّر عن نوع من التّخفيف والتّسامح، ولا يُمكن أن يقبلها العقل. وهذه الشّروط تتراوح بين تشريعيّة؛ أي ضرورة حضور أربعة شهود، وهي عمليّة شبه مستحيلة، وبين ما هو خرافي، فخرافة الطّفل المحشوش باطلة علما وعقلا، وبين سلوك تضامنيّ يُعدّ شائعا في المجتمعات الإباضيّة في بلاد المغرب الإسلامي الّتي تتضامن مع الفئات الاجتماعيّة المُهمّشة كالمغتصَبة والزّانية والهاربة.

على هذا الأساس، تتأكّد أطروحة الحفاظ على الوحدة حذرا من التّلاشي، إذا اعتبرنا أنّ الفئة الغالبة هم المالكيّة والفئة المغلوبة هم الإباضيّة. وقضيّة الغلبة تقتضي الصّراع، وهو موجود بالتّعبير الأرسطي "بالفعل" و"بالقوّة" وحتميّة أن يفرض الغالب على المغلوب أن يكون على شاكلته مسألة خاض فيها ابن خلدون وبيّن قواعد عملها.

خاتمة:

إنّ ما يُمكن الخروج به من قراءة كتاب "النّكاح لدى إباضيّة المغرب من القرن الثّاني إلى القرن السّادس هجري للباحث حسين الخليفي هو أنّ الكتاب يُعدّ، رغم كونه كتابا في التّاريخ ذا قيمة في مجال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. فهو يُفكّك منظومة الزّواج لدى الفرقة الإباضيّة مُرتبطا بمجال تاريخ ومكان مُحدّدين؛ أي بلاد المغرب الإسلامي بين القرنين الثّاني والسّادس للهجرة، وفي هذا تجاوز لقلّة الدّراسات الّتي تُعنى بالمغرب الإسلامي في الوقت الّذي تكثُر فيه دراسات مُشابهة تتعلّق بالمشرق باعتباره المركز.

إنّ هذا التوجّه في البحث والتّدقيق الّذي تُثبته منهجيّة العمل المُتأسّسة على التّنويع في المصادر من كُتب ومخطوطات والتّنويع في آليّات المُقاربة بالاعتماد على الإحصائيّات والرّسوم البيانيّة والاستئناس بالمُقاربات الأنثروبولوجيّة، يُثبت أنّ قضايا الفرق الهامشيّة في الإسلام هي قضايا مازالت تحتاج إلى الدّراسة العلميّة، خاصّة وأنّ احتلالها مرتبة الهامش وصفة الهامشيّة راجع إلى ضرب من الكتابة التّاريخيّة الّتي يكتُبها المُسيطر، سواء أ كان سلطة سياسيّة أو سلطة دينيّة، رغم أنّ الفصل بينهما هو فصل منهجيّ ليس غير، إذ إنّهما مُتماهيان مُتشاركان في الأهداف وبذلك يكون البحثُ ضربا من تصحيح الكتابة التّاريخيّة ونقدها منهجا ومُحتوى وضربا من الإبانة عمّا خفي في حيّز مكانيّ هو الآخر قلّما يُنظر إليه في الدّراسات. وهذا ما التزم به الباحث حسين الخليفي من خلال مراجعته للقضايا الّتي يهتمّ بها علم التّاريخ من جهة، ومن خلال الاهتمام بما يقلُّ الاهتمام به في تاريخ الفرق والمذاهب والمُجتمعات من جهة أخرى.


 

[1] يقول الكاتب: "اهتمّت بعض الدّراسات الّتي اطّلعنا عليها والّتي اشتغلت على الحركة الإباضيّة في بلاد المغرب الإسلاميّ أساسا بالمسائل المذهبيّة والعقائديّة والاقتصاديّة وطوبومونيا المواقع الإباضيّة، مهملة بذلك تاريخ البُنى الاجتماعيّة الإباضيّة كالعائلة ونظام القرابة والزّواج. وذلك ربّما لاعتقاد هؤلاء الباحثين أنّ هذه الإشكاليّات هي من صلب اختصاص الأنثروبولوجيّين، وليست من تخصّص علماء التّاريخ. ولذلك نطمح من خلال هذا البحث إلى محاولة سدّ الثّغرة الّتي لاحظنا وجودها في المكتبة التّاريخيّة وفي الدّراسات الّتي اشتغلت على تاريخ الزّواج الإسلاميّ بصفة عامّة وتاريخ الإباضيّة في بلاد المغرب بصفة خاصّة" (حسين، خليفي، النّكاح لدى إباضيّة المغرب (القرن الثّاني - القرن السّادس هجري)، ط1، تونس، دار آفاق-برسبكتيف للنّشر، 2018، ص14-16)

[2] حسين، خليفي، المرجع نفسه، ص17

[3] المرجع نفسه، ص30

[4] المرجع نفسه، ص28

[5] حسين، خليفي، المرجع نفسه، ص30

[6] حسين، خليفي، المرجع نفسه، ص31

[7] قال تعالى: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ" (المائدة، 5، الآية 5)

[8] حسين الخليفي، المرجع نفسه، ص32

[9] المرجع نفسه، ص37

[10] المرجع نفسه، ص41

[11] يذكر الكاتب أنّ بعض المشائخ سخطوا على أبي مرداس مُصاهر السّدراتي، وهو من الطّبقة الثّانية من عُلماء المغرب، لأنّه تغيّب عن حضور صلاة الجُمعة بسبب انشغاله بزوجته سيّما وأنّه حديث العهد بالزّواج" (المرجع نفسه، ص43)

[12] هو أن يُزوّج الرّجل وليّته لرجل ويُزوّجه الآخر ابنته ويجعلان صداق هذه بصداق هذه، وهو نكاح انتشر قبل ظهور الإسلام ورغم تحريمه في عهد الرّسول إلّا أنّه لم ينقطع.

[13] المرجع نفسه، ص56

[14] النكّار هي فرقة إباضيّة أنكرت إمامة عبد الوهاب بن رُستم حتّى أضحت تُلقّب بصنيعها.

[15] المرجع نفسه، ص59

[16] المرجع نفسه، ص60

[17] المرجع نفسه، ص74

[18] كمثال على ذلك يستدلّ الباحث بحادثة مفادها أنّ زوجة أبي عامر التّصراري كانت مُنشغلة بالاحتطاب عندما وسوس لها الشّيطان أنّ زوجها يتغذّى مع زوجته الثّانية وأنّهما جعلا لها لقمة عشائها في "البرمة" فامتقع لونها وتغيّر حالها. (الخليفي، المرجع نفسه، ص76)

[19] المرجع نفسه، ص77

[20] النّور، 24، الآية32

[21] المرجع نفسه، ص82

[22] المرجع نفسه، ص83

[23] للمزيد من الاطّلاع على أهمّ الصّفات الّتي تشترك فيها المرأة مع هذين الحيوانين، يُنظر في البابين "المرأة النّاقة" و"المرأة الفرسة" من كتاب: خليل، عبد الكريم، العرب والمرأة: حفريّة في الإسطير المُخيّم، ط1، مصر، سينا للنّشر، 1998، ص 31 وص67

[24] الكوثر، 108، الآية2

[25] حسين، الخليفي، المرجع نفسه، ص91

[26] هي نشاط تعاوُني يضمّ مجموعة من النّساء يجتمعن في مكان ما لمساعدة إحدى النّساء في إنجاز عمل كجني الثّمار أو غزل الصّوف وغيرها ....

[27] المرجع نفسه، ص99

[28] المرجع نفسه، ص101

[29] المرجع نفسه، ص107

[30] المرجع نفسه، ص108