كتاب "اليهود وأكاذيبهم" مارتن لوثر ( -1546م)


فئة :  قراءات في كتب

كتاب "اليهود وأكاذيبهم" مارتن لوثر ( -1546م)

كتاب "اليهود وأكاذيبهم" مارتن لوثر ( -1546م)

سياق الكتاب

كتاب "اليهود وأكاذيبهم" من تأليف مارتن لوثر ( -1546م) ترجمة محمود النجيري، مكتبة النافذة، مصر، الطبعة الأولى 2007م. الحديث عن الكتاب، وهو كتاب مؤسس لمجموعة من القناعات والمواقف التي لها ما بعدها، من تصورات وقناعات ارتبطت بالمذهب البروتستانتي في أوروبا ونظرته لليهود، يتطلب منا الحديث بشكل سريع عن مارتن لوثر رائد الإصلاح الديني في أوروبا.

يعد مارتن لوثر من أبرز رجالات الإصلاح الديني في أوروبا، وتتجلى أهم قاعدة أساسية بنى عليها مشروعه الإصلاحي، في دعوته للكنيسة إلى العودة إلى الكتاب المقدس بشقيه (العهد القديم والعهد الجيد) بدل التركيز على الشق الثاني منه (العهد الجديد) ودعوتها إلى التخلي عن تدخلها في علاقة الناس بالخالق، وأن تكف عن بيع صكوك الغفران للناس؛ وقد عارض لوثر أن يبقى القسيس دون زواج، لذلك تزوج وكان له أطفال. لقد أثرت دعوة لوثر الإصلاحية كثيرا في تفكير الأوروبيين وحياتهم خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، مما كان سببا في الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، وكانت سببا كذلك في نشوب كثير من الحروب بين مناصري فكرة الإصلاح ومعارضيها، وقد سُميت دعوة لوثر وحركته بالبروتستانتية؛ بمعنى الاحتجاج ضد فكرة معينة، وهناك معنى آخر للبروتستانتية يرتبط بالإشهاد على عقيدة أو إيمان البروتستانتي (يُشهد الناس على إيمانه). ويُعرف البروتستانتي اليوم بكونه ذلك الشخص الذي يتبع إحدى الكنائس التي تؤسس عقيدتها على مبادئ الإصلاح الديني.

يعود بنا الكتاب إلى أجواء القرون الوسطى في أوروبا، حيث كانت للدين مكانته القوية في عواطف الناس في تصوراتهم لأنفسهم وللعالم، ويعكس طبيعة الصراع المرير الذي كان حينها بين المسيحيين واليهود، وكيف كان المسيحيون يتصورون اليهود ومستقبلهم داخل أوروبا، كما يبرز الكتاب عمق الخلاف الذي كان بين من يؤمن بالمسيح ومن يكفر به. أما عن الهدف الذي يسعى إليه لوثر من وراء هذا الكتاب، فيتمحور حول كشف ماهية اليهود تبعاً لتصور المسيحيين بكونهم يدعون كذبا وأنهم أبناء الله، وهم خير من الناس جميعا، ولا يلتزمون بالوصايا العشر، وبالتالي حرفوا الكتاب المقدس... فمن هذه الجهة، لم يأت لوثر بجديد، ولكن ما جاء به يرتبط بدعوته رجال الدين المسيحيين إلى أن يحسنوا التعامل مع اليهود، بهدف تقريبهم من الديانة المسيحية وتحبيبها إليهم، ولكن موقف لوثر هذا موقف مبني على مصلحة مفادها العمل على مسيحية اليهود، فضلا على كون القراءة المباشرة للكتاب بشقيه (العهد القديم والعهد الجيد)، جعلت لوثر يتبنى مواقف مخالفة للكنيسة المسحية في نظرتها وتعاملها مع اليهود، وقد اعتبرت دعوته حينها انقلابا على مواقف الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تنظر إلى اليهود على أنهم حملة لدم المسيح عيسى بعدما صلبوه، لكن أقوال لوثر وتصوراته حول اليهود، هي مواقف وتصورات مزدوجة تجمع ما بين النظر إليهم كطائفة وديانة مخالفة للمسيحية والمسيحيين، وهذا موقف ارتبط بأول حياة لوتر، ليعود في آخر حياته بعد أن يئس من تحويل اليهود إلى مسيحيين، إلى تبني مواقف تجاه اليهود تشبه ما تقول به الكنيسة في حقهم حينها.

لوتر الموقف المزدوج من اليهود

أهم العناوين الأساسية التي تطرق إليها الكتاب في وصفه وحديثه عن اليهود هي كالتالي: النعمة لكم والسلام من الله، تحريف اليهود للكتاب المقدس، اليهود يدنسون اسم السيد المسح، اليهود يكفرون بالإنجيل. تتضمن مجمل هذه الفصول عناوين تؤكد في مجملها التصور القديم لنظرة المسيحيين لليهود؛ فالكتاب يكشف الملامح العامة لليهود كحبّهم للمال وتعاظمهم بالباطل، وادعائهم القداسة وامتلاك الحقيقة المطلقة، ويمكن إجمال موقف لوثر وتصوره عن اليهود في قوله: "كنت قد قررت أن لا أكتب أكثر، لا عن اليهود، ولا ضد اليهود، لكن منذ أن علمت أن هؤلاء الناس الأشرار الملعونين لا يتوقفون عن الدعاية لأنفسهم ومحاولة كسبنا نحن المسيحيين أيضًا؛ فإنني نتيجة لذلك سمحت لنفسي بنشر هذا الكتيب للإعلام بأنني سأكون من الآن فصاعدًا بين أولئك الذين يقاومون مثل هذه النشاطات السامة لليهود، ولكي أنبِّه المسيحيين أن يكونوا على حذرهم منهم"[1] موقف لوثر هنا يرتبط بآخر حياته، وهو موقف لا يختلف عن موقف الكنيسة المسيحية في القرون الوسطى، ولكن موقف لوثر من اليهود في شبابه يختلف عن الموقف التقليدي المسيحي حينها.

فبالعودة إلى كتاب لوثر بعنوان: "عيسى ولد يهوديا" سنة 1523م، نجد فيه مواقف تختلف عن الموقف التقليدي؛ فهو يرى أن اليهود هم أبناء الله وأن المسيحيين هم الغرباء، ويعتبر الكثير من الكتاب والمؤرخين أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية والفعلية للمسيحية اليهودية، رغم أن مارتن لوثر في آخر أيامه كتب الكتاب الذي نحن بصدده "اليهود وأكاذيبهم" وعبّر فيه عن خيبة أمله من اليهود وأقر بالفشل في استقطابهم لعقيدته الجديدة، وهو يرى أن دخول اليهود في الدين المسيحي لن يتم إلا عبر عودتهم إلى القدس؛ فعودة المسيح هناك كفيلة بدخولهم في الدين المسيحي، وهذا طموح مستقبلي قد يتحقق في نظر لوثر بطرد اليهود من العالم المسيحي، [2] قوله: "غريبة الغرائب أننا إلى اليوم لا نعلم السبب في حلول اليهود بيننا، وأي شيطان جلبهم إلينا. فنحن لم نأت بهم من بيت المقدس، وفوق كل ذلك لا أحد منا يأخذ بحُجُزاتهم اليوم ليقيموا عندنا وفي أرضنا، فالطرق السريعة مفتوحة لهم إلى أي مكان يريدون أن يرحلوا إليه، ويمكنهم الانتقال إلى بلدهم في أي وقت يشاؤون. وإذا هم اختاروا الرحيل عنا، فنحن مستعدون أن نقدم إليهم حسن المعونة، حتى نتخلص منهم؛ فهم عبء ثقيل علينا في وطننا، بل هم أشبه بالوباء والطاعون، وما رأينا منهم إلا النكبات!"[3] وبهذا يكون لوثر من جهة يكره اليهود، ومن جهة ثانية يرى فيهم آمال المستقبل لظهور وعودة المسيح، فضلا على أن هذا النص يعكس طبيعة واقع المركزية الغربية على المستوى السياسي في نظرتها لليهود ولإسرائيل في الشرق الأوسط.

فأبرز الأخطاء التي وقع فيها لوثر في نظرته لليهود ومستقبلهم قوله إن بيت المقدس بيت لليهود؛ وقال بتهجيرهم إليه؛ [4] بالرغم من أنه يصفهم بكونهم لا صلة لهم بالله ولا بالتوراة ولا بفلسطين؛ وبهذا القول يكون لوثر قد فتح ثغرة في زمانه بدأت تتسع وتكبر من بعده؛ ففكرة تهجير اليهود إلى القدس التقطتها الصهيونية فيما بعد، وبنت عليها تصورا إيديولوجيا في قراءة نصوص الكتاب المقدس مثلا: القول بالأرض الموعودة بناء على ما جاء في سفر التكوين "وفي ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهدا، وقال: "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات - أرض القينيين، القنزيين، القدمونيين والحثيين والفرزيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين"[5]، والذي يجعل من هذه القراءة أكثر حضورا هو اعتقاد البروتستانت بأن عودة المسيح ترتبط وتتحقق بعودة اليهود إلى أرض الميعاد أي القدس كما قال لوتر، فعندما يعود سيتكفل بإدخالهم في دين المسيحية، فمسيحية اليهود كانت حلم يحلم به لوثر في شبابه، وتبعا لهذا الترابط المصلحي، قد تشكل ما بعد لوثر عبر الزمن، نوع من الحلف والتقارب المصلحي في الاعتقاد بين تصورات المذهب البروتستانتي والكثير من طوائف الديانة اليهودية، والذي ساعد على انتشار هذا الطرح هي مقولة الإصلاح الديني التي تبناها وعمل من أجلها لوثر، وليس من العجيب أن نجد اليوم مقولة لوثر "المسيح ولد يهوديا" لها أثر كبير في التقريب بين المسيحيين البروتستانت واليهود في الغرب، لكونها مقولة تبعد النصوص التي تتهم اليهود بقتل المسيح؛ فاليهود أدركوا جديدا قيمة الفكرة التي قال بها لوثر وبكونها تفتح آفاقا جديدة في نظرة المسيحيين لليهود وللديانة اليهودية، خاصة البروتستانت منهم. ففي سياق التحالف بين اليهودية الصهيونية، وبين البروتستانت نفهم قول الرئيس الأمريكي مؤخرا: "حتى ولم توجد إسرائيل لأوجدناها". أما الكتاب الذي نحن بصدده، فقد تم تجاهله "اليهود وأكاذيبهم".

والقارئ للأحداث والوقائع المتصلة باليهود واليهودية في أوروبا خاصة في القرنين 19 - 20، ستتضح له طبيعة استثمار ما هو ديني في سياق ما هو سياسي بالتعاطي مع مشكلة اليهود في أوروبا؛ فالقول بالأرض الموعودة كان حلا مثاليا للمسألة اليهودية في الغرب؛ وذلك بالتخلص الكامل من مواطنيه اليهود والعمل على تهجيرهم إلى بيت المقدس. أما بلاد المشرق على طول التاريخ لم تعرف شيئا اسمه المسألة اليهودية، [6] ففي سياق الحضارة الإسلامية عاشت كل الأديان والطوائف بما فيهم اليهود جنبا إلى جنب مع المسلمين، وهذا وضع وأمر بديهي ومعروف حتى في وقتنا الحاضر.

أهمية الكتاب

قد يطرح البعض السؤال لماذا هذا الكتاب الذي يعود في فحواه إلى القرن 16م، الجواب هو معرفة طبيعة تطور الافكار والمواقف والتصورات عبر الزمن، بهدف فهم الجذور التاريخية والأبعاد الدينية المؤثرة في تشكل المركزية الغربية في نظرتها لليهود واليهودية والصهيونية، فضلا على معرفة طبيعة التحولات التي طرأت على المسيحية البروتستانتية في تعلقها باليهود ودورهم الوظيفي من أجل عودة المسيح، وهذا يعني أن الصهيونية تعود جذورها إلى المذهب البروتستانتي الذي تفرعت عنه المسيحية المتطرفة في الغرب، والتي تؤمن بعودة المسيح، وهو ما أدى إلى ظهور اتجاه يمكن وصفه بالمسيحية الغربية الصهيونية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

[1] مارتن لوتر؛ اليهود وأكاذيبهم (-1546م) ترجمة محمود النجيري، مكتبة النافذة، مصر، الطبعة الأولى 2007م ص.51

[2] نفسه؛ ص.157

[3] نفسه؛ ص.113

[4] نفسه؛ ص.13

[5] 15: 18-21: سفر التكوين

[6] نفسه؛ ص.14