كتاب "صناعة الفتوى وفقه الأقليات"، للشيخ عبد الله بن بية


فئة :  قراءات في كتب

كتاب "صناعة الفتوى وفقه الأقليات"، للشيخ عبد الله بن بية

كتاب "صناعة الفتوى وفقه الأقليات"، للشيخ عبد الله بن بية

أهمية الكتاب

صناعة الفتوى فقه الأقليات، للشيخ عبد الله بن بية، مركز الموطأ، ط.1، 2018م، كتاب يقربنا من موضوع غير مسبوق، في الثقافة الإسلامية: لأنه ارتبط بواقعنا اليوم، وهو واقع سارت الأقلية تعيش فيه إلى جانب الأكثرية، خاصة وضع المسلمين خارج ديار الاسلام: إذ اقتضى الأمر فقها جديدا، يستجيب لقضايا الجاليات المسلمة خارج، العالم الإسلامي، من جهة الأحكام في مختلف النوازل الفقهية التي ترتبط بواقع الغرب.

أهمية الكتاب أنه يقرب مختلف المختصين والدارسين من فقه النوازل، وهو من النزول أي الحلول: لأنها مسألة يجهل حكمها تحل بالفرد أو المجتمع: فالنوازل هي وقائع تنزل بالناس فيتجهون إلى الفقهاء بحثا عن الفتوى، فهي تمثل جانبا من الفقه، متفاعلا مع الحياة المحلية لمختلف المجتمعات. وفقه النوازل علم قديم تم استعماله إلى جانب الفتاوي والأجوبة، فالحديث عن النوازل في حد ذاته حديث عن الفتوى.[1]فنقول أفتاه في الأمر: أي أبانه له، فالفتوى هي الإجابة. ولأهمية الفتوى وفقه النوازل، فقد حظيت النوازل الفقهية باهتمام المستشرقين منهم "روبير برينسفيك" و"جاك بيرك" الذي يرى أن النوازل هي المؤطر القانوني للنشاط الاجتماعي والاقتصادي في العالم الإسلامي.[2] أما صيغة "صناعة الفتوى" التي عنون بها الكتاب، فإنها تعني الدقة والتركيب والانتقال من المفرد إلى المركب.

ينتمي الكتاب إلى مجال الكتب والمؤلفات التي تعنى بموضوع الفقه، والأحكام الفقهية، ويتميز بلغة واضحة، ولا شك في أنه خلاصة لكثير من التعاريف والقواعد الفقهية: فالقارئ للكتاب لن يجد صعوبة في الاقتراب من الحمولة المعرفية لمجال الفقه الإسلامي، فيما يخص الأحكام، والفتوى، وحكم النازلة...كما أنه كتاب يميل إلى الاجتهاد والتجديد في فهم مختلف قضايا الفقه الإسلامي، وبالأخص فيما اتصل بواقع المسلمين في الغرب.[3]

يضم الكتاب قسمين: الأول صناعة الفتوى: تتبع فيه المؤلف موضوع الفتوى منذ زمن الصحابة، وزمن تشكل المذاهب الأربعة للفقه الإسلامي، وقد استحضر الكثير من الفتاوى التي يمكن أن نستفيد منها في التعامل مع مقتضيات الزمن الراهن.

القسم الثاني: فقه الأقليات: توقف فيه المؤلف مع تعريف فقه الأقليات، ومقاصده. وقد توقف المؤلف عند القواعد الكبرى لفقه الأقليات، وهي: قاعدة التيسير، وقاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وقاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة، وقاعدة العرف وتحقيق المناط، وقاعدة النظر في المآلات، وقاعدة تنزيل المسلمين منزلة القاضي: وذلك بتولي المراكز الإسلامية في الغرب، مختلف قضايا الأقلية المسلمة. توقف المؤلف توقف عند بعض من القضايا منها: قضية الولاء والبراء بين الدين والمواطنة، فهو يعتبر الولاء دوائر فبإمكانها أن تتواصل وتتفاعل بدلا من أن تتصادم وتتقاتل، فالولاء للدين لا يطرد الولاء للمواطنة، لأن الولاء للمواطنة لا يلزم معه الخروج من الدين.[4]

ويرى عبد الله بن بية، أن القيم الكبرى للعلمانية المحايدة تعتبر قيما إيجابية من: احترام المعتقدات، والحياد بين مختلف الأديان، والاعتراف بالحقوق الإنسانية الفردية والجماعية: إذ تسهر الدولة على حمايتها، الحق في الاختلاف والتنوع، حق التحاكم أمام المحاكم لاستخلاص الحقوق، الدفاع ضد العدوان. وكل هذا لا يتنافى مع القيم الكبرى التي تدعوا إليها الديانات السماوية، وخاصة الدين الإسلامي الذي يحث على المحبة الأخوة الإسلامية. وقد يفسد البعض العلمانية ويحرفها عن أصلها، لتكون أداة للتسلط على المعتقدات.[5] توقف المؤلف وعند قضية حجاب المرأة: إذ يرى بأن الستر واجب لغيره، وكشف شعر الرأس حرام، لأن شعر المرأة عورة كسائر جسدها على الصحيح.[6]

موضوع الكتاب

فقه الأقليات: مصطلح يقابله مصطلح الأكثرية، وهو غير متداول عند القدماء، المفهوم القديم الشائع للأقلية هو "أهل الذمة"، ولم يذكر في القرآن إلا مرتين، ولا يعنى الأقلية، بل يعنى لغويا من هم في ذمة المسلمين وفى رقبتهم بالرعاية والضمان والأمان، مما ينفى كل اضطهاد داخلي أو عدوان خارجي. فقه الأقليات، مصطلح حديث لم يكن معروفا، وقد نشأ في القرن الماضي، مع قيام الهيئات الإسلامية المهتمة بأوضاع الجالية المسلمة، والمجتمعات المسلمة في بلاد الغرب، وفي مقدمة هذه الهيئات، رابطة العالم الإسلامي، ومنظمة التعاون الإسلامي، التي استعملت كلمة "الأقلية" التي تعني مجموعة بشرية، ذات خصوصيات تقع ضمن مجموعة بشرية متجانسة أكثر منها عددا، وأندى منها صوتا تملك السلطان أو معظمه.[7] وهناك من يتحفظ على مفهوم "فقيه الأقلية" ويرى بديلا عنه "فقه المواطنة" أو" فقه التعيش" أو "فقه التعارف"...

في العصر الحديث، حدث تطور في العالم، حيث أصبح نظام حقوق الإنسان وسيلة لعيش الأقليات بين ظهراني الأكثرية، وبخاصة في ديار الغرب التي تبنت حقوق الإنسان، وكان في الأصل وسيلة للتعايش بين أتباع الكنيستين: البروتستانية، والكاثولوكية، إلا أنه سمح مع الزمن بوجود أقليات إفريقية وآسيوية، نشأت هذه الأقليات لأسباب شتى، أهمها العلاقة الاستعمارية التي أدت إلى نزوح عمال المستعمرات إلى البلاد المستعمرة.[8]

الأقلية مفهوم سياسي وإداري للتمييز بين الأقليات والأكثريات، فكل بلد تعيش فيه مجموعات متنوعة في عروقها أو أديانها أو أصولها، تعيش في بلد لم تنتم إليه إلا بطرائق استثنائية كالهجرة وما إليها، وتعتبر فيه أقلية، فتكون الكلمة مـُركبًا إضافيًا يدل على معرفة بالأحكام الشرعية المتعلقة بتلك الأقلية المسلمة التي تعيش وسط أكثرية غير مسلمة، كاﻷتراك في ألمانيا والعرب ومثلهم في أمريكا.[9] وتعرف الموسوعة العربية العالمية الأقلية بأنها: "مجموعة من الناس تختلف في بعض سماتها عن المجموعة الرئيسة التي تشكل غالبية المجتمع: وتعد اللغة والمظهر والدين ونمط المعيشة والممارسات الثقافية لهذه المجموعة من أهم مظاهر الاختلاف، تهيمن الأغلبية في ظل هذه الأوضاع على السلطة السياسية والاقتصادية، مما يمكنها من ممارسة التمييز، والاضطهاد ضد الأقليات.[10]

وعرفت الأمم المتحدة الأقلية: الإثنية أو الدينية أو اللغوية هي أي مجموعة من الأشخاص تشكل أقل من نصف السكان في إقليم كامل من الدولة، ويتشارك أفرادها خصائص ثقافية أو دينية أو لغوية، أو مزيجًا من هذه الخصائص المختلفة. وبإمكان أي شخص أن ينتمي بحرية إلى أقلية إثنية أو دينية أو لغوية من دون أي اشتراط للمواطنة أو الإقامة أو الاعتراف الرسمي أو أي وضع آخر.[11] مصطلح "الأقلية" مصطلح تعتريه ثغرات، فهو في حاجة إلى مراجعة، لأنه ذو حمولة كمية يقسم الناس طبقا لأعداد الأفراد والفئات بين أكثرية وأقلية طبقا لمعايير بيولوجية فيزيقية مثل اللون أو العرق أو طائفية مثل الدين أو المذهب أو ثقافية مثل اللغة ومنظومة القيم.[12]

الأقلية التي تعنينا، هي الأقلية المسلمة، ففي وعي المسلمين، إن رجعنا لأمهات الفقه والأحكام والمعاملات: أي الشريعة بمختلف مذاهبها، نجد المسلمين ينظرون إلى مختلف مواضيع الشريعة من زاوية أنهم يمثلون الأكثرية، وغيرهم يمثلون الأقلية أي من هم في ذمة المسلمين، من مختلف الطوائف الدينية: إذ يجب المسلمين حمايتهم وضمن أمنهم الروحي. في القرن العشرين وبهجرة وخاصة النصف الأخير منه، هاجر الكثير من المسلمين إلى الغرب (أوروبا- أمريكا- كندا...) ووجدت فئات من المهاجرين أنفسهم، يشكلون أقلية من سكان المجتمع المقيمين فيه أو الذي صاروا فيهم مواطنين.

فقه الأقليات وواقع الغرب

وفق هذا السياق ظهر مصطلح فقه الأقليات، وقد استقر المجلس الأوروبي على استعمال هذا المصطلح، "ففقه الأقليات"، وهو الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسلم الذي يعيش خارج بلاد الإسلام.[13] والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذا الفقه امتداد لفهم الفقه القديم: أي الفهم الموروث للشريعة؟ أم إنه فقه جديد؟ يرى عبد الله بن بية "أن إضافة الفقه إلى الأقليات لا تعني إنشاء فقه خارج الفقه الإسلامي وأدلته المعروفة، وإنما تعني: أن هذه الفئة لها أحكام خاصة بها نظرا لظروف الضرورات والحاجات كما نقول: فقه السفر..."[14]

القول إن فقه الأقليات امتداد للفقه العام، يخفي من ورائه النية في إسقاط فقه الأكثرية على واقع يشكلون فيه المسلمون أقلية: فمشكلة الكثير من الفقهاء أنهم يرون في الفقه العام هو الطريق الوحيد الذي يعكس مفهوم الشريعة. كان من الأولى التفكير في فهم وفقه وشريعة معاصر تنسجم مع السياق الجغرافي والثقافي للإسلام في الغرب، بدل العمل على تصدير نسخة تاريخية للشريعة، لا تقبل التجديد من جهة المداخل المنهجية والمعرفية في قراءة القرآن ومختلف تجارب الفرق الإسلامية في فهمها للشرعة عبر التاريخ، من أجل مقصد بسط مفهوم جديد للشريعة. فلا يمكن إدراج فقه الأقليات في مدلول الفقه، كما هو شائع الآن: أي فقه الفروع، بل الأولى إدراجه ضمن الفقه بالمعنى العام الذي يشمل كل جوانب الشرع اعتقادا وعملا، فمشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليات القرآن، وغاياته وقيمه العليا ومقاصده شريعته ومنهاجه القويم.[15]

مع الأسف يحضر في أذهان مختلف المسلمين عبر العالم صورة واحدة عن الإسلام، يحملها المسلم معه أينما حل وارتحل وأينما تيسرت له سبل العيش، دون الوعي بأن الإسلام في شريعته يتشكل ويتجدد في استجابة لمختلف الظروف والبيئات الاجتماعية: فالإسلام له القدرة ليستوعب الثقافة الأوروبية ويقدم لنا نسخة عن الإسلام الأوروبي، وليس بالضرورة أن تكون هي نفس النسخة التي تشكلت في المغرب أو في المشرق أو في تركيا أو بلاد فارس...الخوض في هذه الإشكالية يقتضي من صاحبه استيعاب الشريعة الإسلامية في بعدها التاريخي والاجتماعي واستيعاب الفلسفة والفكر الغربي في أبعاده الإنسانية والسياسية والاجتماعية والثقافية، والوعي بتقديم منظومة القيم العليا في القرآن، على ما هو نسبي وعرضي وتاريخي بطبعه.

[1] عبد الله بن بية، صناعة الفتوى فقه الأقليات، مركز الموطأ، ط.1، 2018م، ص ص.24-25

[2] نفسه، 26

[3] نفسه، ص.10

[4] نفسه، ص.419

[5] نفسه، ص.421

[6] نفسه، ص.440

[7] عبد الله بن بية، صناعة الفتوى فقه الأقليات، مركز الموطأ، ط.1، 2018م، ص.256

[8] نفسه، ص.252

[9] طه جابر العلواني، فقه الأقليات، موقع: https://alwani.org/?p=9834

[10] الموسوعة العربية العالمية: مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط2، 1999م، ج 2، ص.435

[11] موقع الأمم المتحدة. https://www.ohchr.org/ar/special-procedures/sr-minority-issues/about-minorities-and-human-rights

[12]حسن حنفي، الإسلام والأقليات، مقال منشور على الرابط: http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/talking_point/newsid_3241000/3241395.stm

[13] عبد الله بن بية، صناعة الفتوى فقه الأقليات، مركز الموطأ، ط.1، 2018م، ص.256

[14] نفسه، ص. 254

[15] طه جابر العلواني، https://alwani.org/?p=11992