الألوهية بين قصور الأباطرة وعقول الفلاسفة

فئة :  مقالات

الألوهية بين قصور الأباطرة وعقول الفلاسفة

هل كان الوصول إلى معرفة الله نتاجًا بدهيًّا يؤدي إليه ذلك الدافع الموضوعي لتفسير الوجود، بالإضافة إلى دافع آخر ذاتي لتأكيد هذا الوجود وكينونته؟ وهل يمكن القول، إن الإنسان تمكن من الوصول إلى وجود الله، واستشعار هذا الوجود من حوله وفي دواخله دون الحاجة إلى الأديان؟

يمكن القول، إن ثمة حاجة إلى كائن أسمى، وهى حالة يواكبها قلق معرفي، ويصاحبها عجز عن تحقيق التماهي الكامل مع العالم بمكوناته، وفي ظل التطوراتالمجتمعية بكل ما صاحبها من تباين في الدوافع السلوكية، وتعدد في الأنماط السيكولوجيةPsychological Types ،أصبحت تلك الحاجة أكثر إلحاحًا، مع الرغبة المتنامية في تجاوز إشكاليات النفس والوجود، والتطلع إلى عالم القداسة المفارق، كان الإنسان في أمس الحاجة ليس للإعلان والتدليل على وجود الله فحسب، وإنما للشعور باهتمام الله به ورغبته في خلاصه، ومن ثم حدث هذا التماس المقدس بالعالم الإلهي.

لقد جسدت الأديان تلك الحالة بشكل واضح، وحلت إشكالية الوجود الإنسانى من خلال التأكيد على وجود الله بصفته احتياج، واهتمام الله بالإنسان وعالمه بوصفه المجال المناسب لتأصيل هذا الوجود، وتأكيده بشكل يتجاوز قوائمالطقوس والشعائر إلى الأسس المعرفية المرتكزة علىطبيعة الله بوصفه باعثًا للخير، وهو ما يأتي متسقًا مع تلك الروح الكامنة في الذات البشرية. ومن ثم كان ظهور الله في التاريخ حقلاً دلاليًا مشحونًا بكل ما يعبر عن قدرته اللامتناهية، ليغدو فاعلاً رئيسًا تلاقت عنده الأحداث، وتوزعت من خلاله الأدوار .

لكن الله في عالمه المفارق، لم يكن يشبع ذلك الاحتياج لـ إله أكثر قربًا، يشعر بأوجاع الإنسان ويتعاطف مع قضاياهم، كانت الحاجة ملحة لإلهيحنو ويصفح، ويذهب إلى أقصى مدى ممكن لأجل الإنسانية، وهنا انطلقت الألوهية نحو فضاءات تسبغ على المقدّس سمات بشرية تجعله أقرب إلى البشر. ويمكن القول إن المسيح قد أغلق الهوة التي تفصل الإنسان عن الإله، والذي يمثل هنا كائنًا ساميًا تتجلى في ذاته قيم الحب والخير، ويصبح ملاذًا لأحلام البائسين، ويبدو البعد الرومانسي لفكرة الإله في المسيحية في أسمى معانيه الإنسانية من حيث كونه إلهًا محبًا، تؤرقه خطايا البشر؛ فيقرر الفداء تمهيدًا لتحقيق الخلاص.

وحيث تلاقى العالمان، وضاقت المسافات إلى أقصى حد ممكن؛ حيث أصبحت تجسد الرب علامة فارقة تغيرت معها الصورة القديمة للإله المتعالي، الذي أسبغ نعمته على البشرية كلها وليس على طائفة بعينها، كانت الفرصة مواتية لتكريس علاقة ذاتية أكثر قربًا بين الإنسان والله، علاقة حرة يبدو فيها الإنسان حاضرًا بكل احتياجاته في هذا العالم؛ حيث لم تكن هناك حاجة لوساطات من أي نوع، وقد نزل الرب من عليائه ليتجسد بشرًا.

لكن السلطة في سعيها المحموم نحو تغذية مكونات وجودها كانت بحاجة إلى خطاب أيديولوجي مزدحم بطروحات غيبية غامضة، يدخل من خلالها وسطاء (رجال الدين)، وبالتالي تصبح السلطة السياسية في حاجة ماسة للحصول على دعم السلطة الدينية بوصفها الطرف الأكثر فاعلية في معادلة الاستبداد؛ فيغدو التحالف ضرورة من ضرورات الواقع، وهو تحالف ظاهري يخفي في طياته كمًا لا بأس به من التناقضات والصراعات، بشكل تتوارى معه القضايا الإنسانية ذات الأولوية؛ حيث السعي المحموم من السلطتين نحوفرض السيطرة على الأخرى، ثم الانطلاق بعد ذلك نحو فرض طقوس التأييد والولاء والتسويغ الدائم لأفكارها المستندة دومًا إلى مشروعية لاهوتية.

نزلت السياسة بالألوهية إلى حيث القصور والعروش، ونصبت الله إمبراطورًا يمنح الوكالة لأمير أو خليفة يحكم باسمه بلا حساب، ويستبد بالرعية كيفما يشاء، هذا النزول بالمطلق إلى حيث النسبية الأرضية أدى بدروه إلى توظيف هذا المطلق لخدمة أغراض السلطة، مما صنع إلهًا أكثر اقترابًا وتقاطعًا مع عوالم البشر، لكنه أكثر طغيانًا مما يحتملون.

ومن ثم أخذ العقل البشري يعمل على الصعود بالألوهية مرة أخرى إلى عوالم المفارقة المطلقة بعيدًا عن ملابسات العالم الأرضي النسبي، وهو ما ترتب عليه التحليق بـ (الله) نحو فضاءات متباعدة؛ حيث أصبح مطلقًا في كل شيء ، أو كما يقول كليمنت الإسكندري في مغامرته الفلسلفية:"هو المبدأ الأول المطلق، وعلة كل الأشياء، وهو الخير، والروح والأب والخالق والرب "، كلها مسميات ينبغي في نظره أن يستخدمها العقل من أجل ولوج عوالم التفكير في الله بلا خطأ، (1) ذلك التفكير الذي يهدف إلى المزج بين الفلسفة التي تقوم على العقل، والإيمان الذي يقوم في نواحيه الغيبية على اللاعقل، وهو ما يتجلى بوضوح في مقولة أوغسطين"آمن كى تعقل(2) فأصبح الله في كماله المتناهى مجهولاً في ماهيته الخاصة؛ حيث لا يمكن إدراكه، لأنه غير قابل للمعرفة، أو كما يقول توما الأكويني :"إن الله لا يمكن أن يكون كذلك إذا أدركناه " . ويخلص إلى القول بتجاوز الله في وجوده اللامتناهيكل ما يمكن أن يقال عنه؛ فيؤكد "أن ذروة معرفة الإنسان بالله هي معرفته بأنه لا يعرف الله"، (3) وهو ما يبدو متسقًا مع فكرة الألوهية المطلقة التي من الصعب أن تتماهى مع كونه ظاهرًا أو محسوسًا قابلاً للإدراك؛ لأنه يصبح في تلك الحالة موجودًا متعينًا.

هذا البحث عن الله المتسامي البعيد عن قصور الأمراء، وجدران الكنائس وتنظيرات رجال الدين جعلته ذلك الكامل المقدس المجهول عند "نيقولا دي كوسا" (4)؛ حيث يصبح الكون كله وما به من كائنات متناهية مجرد صورة لـ "اللامتناهي المطلق"، ويصبح الإنسان بوصفه موجودا متناهيا لا يستطيع استدعاء اللامتناهي في قضاياه المتناهية.

هذا اللاتناهي الإلهي لا يمكن تفسيره بالديمومة أو بالزمان كما يذهب "إسبينوزا"؛ فهو يفعل بنفس الضرورة التي يوجد بها، لأن الضرورة الطبيعية التي يوجد بها هي ذاتها الضرورة التي يفعل بها، وليس لله في رأيه علة غائية؛ فالله لا يوجد من أجل غاية ولا يفعل من أجل غاية. (5)

ولعل "إسبينوزا" يقدم هنا انطلاقًا من مذهب وحدة الوجود تصورًا لـ (الإله) يقترب بعض الشيء مما قال به أفلوطين، من حيث هو إله واحد متوحد في الطبيعة لا يمكن أن يملك عقلاً ولا إرادة، والله هنا كائن غامض ومغاير لشتى التصورات التي أسبغت عليه سمات وصفات إنسانية، حاولت تقديم مفهوم مبسط لخالق أسمى عاقل وقادر على كل شيء، هو ذات تنطوي ماهيته على وجوده، ويتكون من عدد لا نهائي من الصفات اللامتناهية.

ويتفق "مالبرانش" مع "إسبينوزا" في مسألة لا تناهي الله؛ فهو غير متناهٍ في كمالاته وغير متغير، يتصف بالأبدية والأزلية، كما أنه واجب الوجود وحاضر في كل مكان، وبما أنه ذات بلا نهاية، فإن أوصافة بالضرورة لا نهائية؛ حيث اجتمعت فيه كمالات جميع الموجودات. (6)

ويبدو الله في الميتافيزيقا الديكارتية ضمن مبادئ الميتافيزيقا وموضوعها، نظرًا لإسهامه الوظيفي في النسق كله، وبدون الإله لن يكون لليقين وللإحاطة الشاملة وللخصب الاستنباطي الذي تتميز به الميتافيزيقا الديكارتية أي وجود؛ والإله عند "ديكارت" يتمتع بالقدرة اللامتناهية وبالديمومة الأبدية، وهو الذي وضع قوانين موحدة لكل الأشياء، وهو أيضًا الخالق الصادق لقدراتنا العارفة، الذي يستطيع أن يشهد على صحة اعتقادنا الطبيعي بوجود العالم، وعلى معيار الأفكار الواضحة المتميزة التي نحتاج إليها في التدليل البرهاني. وهكذا، فإن "ديكارت" قد تحتم عليه الانتقال فورًا من الذات إلى الله من أجل أن يقيم فلسفة شاملة، ورغم أن الإله اللامتناهي عند ديكارت لا يُفهم حقًا في وجوده الخاص، إلا أنه مع ذلك يستطيع العقل الإنساني أن يكوّن فكرة صادقة كاملة عن اللامتناهي باعتباره الوجود الذي لا تحده الحدود، وهو ما يبدو فهمًا إيجابيًّا للماهية الإلهية من حيث توكيدها لنفسها بشكل مباشر، بالإضافة إلى كونه سلبًا للتناهي. ومع أن الموجود البشري لا يستطيع إدراك هذا التوكيد الذاتي اللامتناهي، إلا أنه يستطيع أن يقرر على الأقل طبيعته، مثلما يستطيع أن يقيس شجرة ضخمة دون أن يكون قادرًا على إحاطتها بذراعيه.(7)

ومع هذا التعالي بمفهوم الألوهية وتحريره من قيود السلطة واستغلال اللاهوتيين، جاءت الأخلاقية الكانطية لتحرر المفهوم من أية محاولة لإقامة الأخلاق على وجود الله، رغم إيمانها به، كما ترفض النظر إلى الله باعتباره أساس الإلزام والباعث على الفعل الأخلاقي، في حين يكون الاعتقاد الأخلاقي في الله لاهوتًا أخلاقيًّا يعترف بالحاجة إلى الله في الحياة الأخلاقية؛ حيث يكون الاعتقاد الأخلاقي في الله قويًا، بينما يبقى الاعتقاد النظري في رأيه ناقصًا، ويقوم الاعتقاد الأخلاقيفي الله بأكمله على مقتضيات القانون الأخلاقي، كما يعبر عنه العقل العملي بوصفه حاجة تتطلع إلى الاقتناع بوجود الله حتى مع غياب البرهان النظري، مما يدل على النزعة الوظيفية الأخلاقية للإله، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الألوهية الوظيفية"، ولم يكن "كانط" يرى في العقائد المسيحية أكثر من رموز مؤثرة أو أساطير وجودية تعمل على تشجيع الفاعل الأخلاقي على مواصلة التمسك بالمثل العليا للقداسة الأخلاقية (8) .

وعلى هذا، فإن إيمان "كانط" بالله لا يعتمد على البراهين العقلية التي تُستمد من ظواهر الطبيعة؛ لأن العقل في نظره لا يستطيع الوصول إلى حقائق الأشياء في ذواتها Noumena ، وإنما تظل معرفته قاصرة على الظواهر الطبيعيةPhenomena ، وبالتالي فهويرجع هذا الإيمان إلى الأخلاق والضمير، مؤكدًا أن فكرة الله لا يمكن فصلها عن العلاقة بالسعادة والأخلاق "كمثل أعلى للخير الأسمى، لكنه انتهى إلى أن وجود الله غير قابل للمعرفة من الناحية النظرية؛ فالعقل المحض في رأيه يظل قاصرًا عن إثبات وجود الله، وأحال في ذلك إلى ما أسماه بالعقل العملي؛ أي الأخلاق، فالحياة الأخلاقية لا يمكن أن تنمو نموًا كاملاً دون الإيمان بالله، وهو إيمان يتفق مع حاجة كلية كامنة في العقل العملي بطبيعته من حيث هو خاضع للقانون الأخلاقي، ولكن لا يعني ذلك أن الأخلاقية الكانتية تستند إلى الاعتقاد في الله بوصفه أساسها الخاص أو مبدأها المحرك.

إن المجال التداولي الذي تم فيه استلاب الألوهية، جعل المفهوم أسيرًا لحدود ومفاهيم الواقع، ومفردات السلطة وتطلعاتها؛ حيث عملت بالتعاون مع المؤسسة الدينية على توظيف المفهوم، لتكريس الاستبداد، مما جعلنا أمام خطابين: خطاب لاهوتى سلطوي مؤدلج تمثله النخبة الحاكمة، وخطاب إنساني تم إبعاده وتغييبه، بل واستلابه ايضًا؛ فأصبح المجال الدينى مغلقًا لقرون بفعل المفاهيم الناجزة، والقراءة المتعالية والمؤدلجة للنص، مما استدعى تدخل العقل البشري، في محاولة لسبر أغوار التشكيلات الخطابية لمعنى الألوهية، والاستغراق في الاستنطاق الأنطولوجي لبحث مجهولات المفهوم، بعيدًا عن الاستنطاق الأيديولوجي المراد منه تنميط وتوظيف الله، وكذلك البحث في قبليات المعرفة التى تشكل في إطارها المفهوم.

* د.سامح إسماعيل باحث من مصر


(1) ماهر عبد القادر ، حربي عباس : دراسات في فلسفة العصور الوسطى ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 2004،ص 293.

(2) ماهر، نفسه : ص ص ، 17-18.

(3) جيمس كولينز : الله في الفلسفة الحديثة ، ترجمة: فؤاد كامل ، مكتبة غريب بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة ، القاهرة – نيويورك ، 1973 نفسه : ص 267، ص ص 556-557.

(4) نفسه : ص ص 10-16.

(5)إسبينوزا : علم الأخلاق ، ترجمة: جلال الدين سعيد ، دار الجنوب، تونس، د ت ،ص27،ص ص 258-2659.

(6) قاسم الكاكائي : الله ومسألة الأسباب بين الفكر الإسلامي وفلسفة مالبرانش ، دار الهادي ، بيروت ، 2005، ص ص 114-117.

(7) جيمس كولينز : المرجع المذكور، ص ص 88- 90.

(8) جيمس كولينز : المرجع المذكور ، ص ص 266-274.