التاريخ كصيرورة: أنماط الإنتاج في التاريخ العالمي

فئة :  قراءات في كتب

التاريخ كصيرورة: أنماط الإنتاج في التاريخ العالمي

كتاب "التاريخ كصيرورة" للمفكر الماركسي سلامة كيلة الصادر عن دار التنوير سنة 2011 يناقش أنماط الإنتاج في التاريخ العالمي مقدّماً نقداً للنظرية الماركسيّة حول ما يعرف بأنماط الإنتاج.

حدّد الباحث في مدخل الكتاب المنطلقات التي حكمت البحث راصداً مفهوم نمط الإنتاج والعناصر التي يتشكل منها، وركّز على وسيلة الإنتاج التي يعتبرها عنصراً محورياً في نمط الإنتاج دون تجاهل لكليّة البنية التي تشكّل النمط.

يعرّف الباحث دراسة "كُليّة البنية" بأنها دراسة المستويات الأربعة التي يتشكّل منها الواقع بتميزها وترابطها، حيث من الضروري النظر إلى طبيعة العلاقة المتشكلة بين المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وبينهما وبين المستوى السياسي، وفهم مسألة الإيديولوجيا وموقعها في مجمل البنية، والمنطلق الثاني متعلق بترابط وتميز أنماط الإنتاج، حيث قوانين الجدل المادي محوريّة. ويشير الباحث إلى أنه حاول أن يبدأ من العالم كما هو، وليس من منطقة ذات خصوصية لا يمكن تعميم قانون منها على باقي العالم.

في الفصل الأول "مقدمات نظرية"، ينقد الباحث بشدة دور ما أسماه "المنطق الرائج" الذي يرى في الماركسية ومقولات ماركس وآرائه نظرية مكتملة لا يجوز تعديلها أو الإضافة عليها، لتصبح سمة البحث الماركسي في كونه يهدف إلى شرح قانون ماركس المبلور والمكتمل والإسهاب في توضيحه، وفي التأكيد على وجوده وصحته معاً، ومن ثم قصقصة التاريخ لكي يتوافق مع هذا القانون، فينسى المنطق الماركسي الرائج هدف البحث العلمي، وهو الوصول لتصورات علمية، وبالتالي تأكيد هذه الفرضية أو تلك، بل تتحول الفرضية لمنهج تستمدّ شرعيتها فقط من قائلها (سواء ماركس أو أنجلز أو لينين أو غيرهم)، ومع هذا التحول يجري تطويع الواقع لأنّ نتيجة البحث يجب أن توافق هذه المقدمات. وهنا يختلط النسبي بالمطلق، وهي إحدى المقولات الماركسية، لتتحول الماركسية إلى مطلق مقدّس عند أتباعه.

يفسّر الباحث سبب تمسّك اليساريين بنظرية المراحل الخمس (مشاع ثم عبودية ثم إقطاع فرأسمالية وأخيراً شيوعية) بأنه يحمل هوى ورغبة لدى هؤلاء في استمرار ودعم تطوير النظام الرأسمالي، ويرى إمكانية مراكمة وعي مادي بالأساس ينهل من الإضافات العلمية التي لم يستطع ماركس الاستفادة منها، ويؤكد على ردّ الإقطاع إلى مجموعة من الظواهر، مثل ملاك الأرض واقتصاد طبيعي وتفكك قومي، وأنّ الرأسمالية تعني الرأسماليين والاقتصاد السلعي والتوحيد القومي، وبالطبع سيؤدي تحديد نمط الإنتاج إلى تحديد طبيعة النظام السياسي بطبقته الحاكمة ومعارضيه، ولا يعدو البحث في الوقائع سوى "تكميل الصورة"، وكذلك الأمر في نمط الإنتاج الآسيوي الذي يفترض دولة مركزية وشعباً خاضعاً خانعاً، وبذلك وصل الحال على يد الماركسية الرائجة إلى تبسيط مخل للتاريخ، وفي بضعة سطور يسهل تلخيص تاريخ العالم.

ويفسّر الباحث لجوء ماركس إلى مفهوم "نمط الإنتاج الآسيوي" كمحاولة للخروج من دائرة المركزية الغربية رافضاً تعميم نتائجه عن المجتمعات الغربية على الشرق، ولكنه لم ينجح بالكامل في الخروج من مدار تلك التبعية، فاعتمد على قراءات استشراقية غربية بالأساس.

يشير الباحث إلى مركزية مفهوم "نمط الإنتاج" في وعي صيرورة التاريخ وفق مقاييس محددة اقتصادية بالأساس تجعل للتطور معنى محدداً وواضحاً، وتستمد من مبادئ الجدل المادي مؤشرات يمكن قياسها من خلال دراسة نمط الإنتاج. ويلاحظ الباحث، أنّ وسائل الإنتاج المختلفة (الأساسي والثانوي) تتكامل بطريقة ما نتيجة الاعتماد المتبادل فيما بينها في توفير المواد الأولية أولاً، وتلبيتها للحاجات البشرية لمختلف قطاعات المجتمع ثانياً، فتصبح طبقة موحّدة مالكة تمارس استغلالها للعامل والفلاح ولكافة العاملين بتلك القطاعات.

ويستنكر الباحث فكرة الاكتفاء بوعي والاستناد على مبدأ واحد من مبادئ الجدل؛ فسوء فهم مبدأ التراكم يفضي إلى استنتاج إمكانية حدوث التطور دون صراع، ليسهل الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية بدون صراع طبقي، وهذا مستحيل.

يشير الباحث في ختام الفصل الأول إلى استفادة الحضارات ما قبل الصناعية من الخبرات التكنولوجية التي كانت تحتويها المستعمرات؛ فكل دولة ترث ما اخترعه سابقوها من خبرات إدارية وتكنولوجية وعلمية.

في الفصل الثاني "في التاريخ الواقعي" يرصد الباحث في عجالة بعضاً من التاريخ الاجتماعي لأوروبا مستنتجاً أنّ فترة الإقطاع لا تمثل تقدماً في التاريخ الإنساني، بل كانت انحطاطاً وتعبيراً عن تفسّخ حضاري، "فالإقطاع الأوروبي هو النفي السلبي لحضارة روما، ولم يمثل بالتالي نفي النفي الذي تحقق مع الرأسمالية" على حد وصفه.

ويلقي الباحث مزيداً من الضوء على الحضارة الإسلامية من منظور مادي، فيرى أنّ تلك الحضارة تنازعتها ثلاث وسائل للإنتاج: الأرض، والحرفة، والرعي؛ فالرعي كان استمراراً لمرحلة الجاهلية السابقة، والأرض وسيلة الإنتاج الأساسية، لأنها مصدر إعادة إنتاج المجتمع ككل، ويرى الباحث أنّ ملكية الدولة للأرض لم تكن قد تبلورت بعد، والإسلام قد حدّد منذ البدء صيغة واحدة تقوم على الملكية الخاصة، مستدلاً على ذكر القرآن الكريم لكلمة أموال في أكثر من اثنتين وستين آية، مما يفيد أنّ الاقتصاد كان سلعياً، وليس طبيعياً كما يعتقد البعض.

وتأكيداً على خروج نمط الإنتاج العربي الإسلامي عن النمط الإقطاعي التقليدي الغربي يرى الباحث أنّ الأراضي الزراعية لم يُسخّر فلاحوها، بل كانوا أحراراً، ولكن الطبقة الإقطاعية الإسلامية عملت على التضييق على الفلاحين الأحرار للعمل في الأراضي الزراعية.

ويتابع الباحث رصده لحالة الإقطاع الغربي الذي فشل في إنتاج سوق موحدة، وفي ظل غياب تبادل نقدي يكون دعامة للدولة الوطنية، واستعان بالمسيحية كأيدلوجية لتوطيد أركان حكم نخبته.

أما العرب فقد انتقلوا من القبيلة إلى الدولة/ الأمة، بالإضافة إلى كون مكة مركزاً للتجارة بين الإمبراطوريات العظمى حينها كفارس و الروم والحبشة، مما خلق لدى فئات مكيّة وعياً بأنّ العرب يجب أن يرثوا الأرض مسلّحين بوعي فئات مدنية بالأساس، وجوهر مطمحها السيطرة على العالم.

في الفصل الثالث "ملاحظات حول تناول الماركسية لأنماط الإنتاج في التاريخ العالمي" يلاحظ الباحث وقوع ماركس في خطأ تعميم الخاص، حيث عمّم ملاحظاته عن الشرق عشية الاستعمار، والذي يتوافق مع "النمط البدائي" على تاريخ الشرق كله، وعمّم ظاهرة جزئية على الكل في ما أسماه "النمط العبودي"؛ فالعبودية سمة بارزة في اليونان القديمة وروما، وهي لا تنطبق على فلاحي الشرق وكذلك الإقطاع .

سبب تلك الأخطاء في رأي الباحث هو أنّ ماركس كان يلتقط الفكرة الأساسية التي تتعلق بكون التاريخ العالمي هو تاريخ ارتقاء أنماط الإنتاج، ويحاول أنّ يمثل ذلك واقعياً دون أن يمتلك معلومات أساسية تسمح له بفهم التاريخ العالمي.