التحرّي الفيلولوجي للمعجم القرآني: القراءة السريانيّة الآراميّة والقراءة اليونانيّة وجها لوجه

فئة :  مقالات

التحرّي الفيلولوجي للمعجم القرآني: القراءة السريانيّة الآراميّة والقراءة اليونانيّة وجها لوجه

إنّ الناظر في الاستشراق الألماني الكلاسيكي والمعاصر، ليلفت انتباهه وجود تقليد راسخ فيه، مفاده قصر دراسة الفكر الإسلامي في مختلف جوانبه الخطابيّة واللغويّة والبنيويّة ومضامينه العقائديّة والأخلاقيّة والطقوسيّة على القرآن، سواء في صيغته هذه الشفويّة أو في صورته المدوّنة الثابتة؛ أي المصحف. والعلّة في ذلك، أنّ الفكر الإسلاميّ ينبغي أن يفهم، في نظر أنصار ذلك التقليد، من أوثق النصوص الدينيّة المتاحة للباحثين المتخصّصين في الإسلاميّات، وهو القرآن، وإن كان هذا معنيّا بالدراسة والتحقيق النقديّ.

ولمّا كان هذا الاختيار المنهجيّ ذا فوائد معرفيّة وعلميّة جديرة بالتنويه والتدبّر، فإنّه من باب أولى وأحرى أن ينكبّ الدارسون المنتمون إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة على تفحّص نصّهم التأسيسي الأوّل يتعهّدونه بالدرس والتحليل والفهم بعيدا عن مواقف التمجيد والتقديس من ناحية أو التحامل والطعن من ناحية أخرى.

غير أنّ المتأمّل في واقع الدراسات القرآنيّة في المجال العربي الإسلامي، يتأكّد لديه تخلّف الدراسات القرآنيّة ههنا عن نظيرتها في العالم الغربي، وبالإمكان تشخيص ذلك الواقع من خلال النقاط التالية:

- عدم المواكبة الكافية للدراسات والبحوث المنجزة خارج المجال العربي الإسلامي؛ ففي مجال الترجمة مثلا لم يتمّ نقل كتاب نولدكه (Noldeke) "تاريخ القرآن" (1860) من الألمانيّة إلى العربيّة إلاّ بعد 144[1] سنة، رغم أنّ الكتاب المذكور مثّل عند الدارسين الغربيّين منعطفا بارزا في تاريخ الدراسات القرآنيّة الحديثة. أمّا في مجال الدراسات، فإنّ هناك على سبيل المثال سلسلة من المقالات المهمّة كتبها جيمس أ. بلاّمي (James A. Bellamy) حول القرآن لم يلتفت إليها الدارسون العرب والمسلمون.[2] وفضلا عن ذلك، فقد تبيّن لي، بعد اطّلاعي على الأرصدة الرقميّة لمكتبات كلّ مؤسّسات التعليم العالي بالجامعة التونسيّة (بالرجوع إلى موقع بيروني Biruni)، عدم وجود أيّ عدد من مجلّة الدراسات القرآنيّة (Journal of Quranic Studies)، وهي مجلّة علميّة مرموقة تصدر ثلاث مرّات في السنة منذ 1999.

- غياب جيل من الباحثين والأساتذة الجامعيّين العارفين باللغات القديمة المستخدمة في تحرير القرآن وكتابته، وفي مقدّمتها اللغة السريانيّة الآراميّة.

- غلبة المبادرات البحثيّة الفرديّة، على قيمة بعضها، على البحث الجماعي ضمن فرق بحث متخصّصة (وحدات بحث أو مخابر بحث). ولا شكّ في أنّ العمل الفردي الجاد يستغرق عدّة سنوات من العمل والجهد المتواصل. من ذلك أنّ المرحوم عبد الله صولة أنجز أطروحة دكتوراه دولة بعنوان "الحجاج في القرآن" على امتداد 20 سنة تقريبا[3]، مثلما تطلّب إنجاز أطروحة دكتوراه دولة أخرى 18 سنة أنجزها حافظ قويعة بعنوان: "المتخيّل الأخرويّ العربيّ الإسلاميّ: الجنّة في القرآن أنموذجا".[4]

- انقطاع السند المعرفي بين المهتمّين بالدراسات القرآنيّة، وتحديدا في مبحث المعجم القرآني. فكريستوف لوكسنبارغ (Christoph Luxenberg) غير مطّلع بشكل كاف على كتب آرثر جيفري (Arthur Jeffery) في الموضوع المذكور. ويوسف الصدّيق بدوره غير مطّلع على ما كتبه لوكسمبارغ في المعجم القرآني.

ويبدو أنّ الدراسات القرآنيّة في العالم الغربي هي أيضا تعاني من بعض مظاهر التقصير المذكورة أعلاه، وحسبنا ههنا، أن نورد شهادة فراد دونر (Fred (Donner) الأستاذ بجامعة شيكاغو الأمريكيّة، حين قال في مطلع الألفيّة الثالثة للميلاد: "إنّ حقل الدراسات القرآنيّة حاليّا في فوضى ويفتقر إلى الإجماع".[5]

والجدير بالملاحظة، أنّ هذه الفوضى موجودة رغم انعقاد عدّة ملتقيات دوليّة متخصّصة في الدراسات القرآنيّة، نذكر منها بالخصوص:

- مؤتمر جامعة بون (Bonn) (المعهد الشرقي) بألمانيا بعنوان: "القرآن نصّا" (The Quran as Text) 1993[6]، ومن المداخلات التي قُدّمت فيه نذكر: "محمّد: القرآن وضغوط التاريخ"، "ملاحظات حول مخطوطات القرآن المبكّرة بصنعاء"، "المجادلات المسيحيّة تجاه القرآن"، "الكلام والوحي في علم الكلام الكلاسيكيّ/قديما".

- مؤتمر معهد الدراسات الإسلاميّة (التابع لجامعة برلين الحرّة) تحت عنوان: "القرآن في سياقه" (The Quran in Context) 2004[7]، ومن المداخلات المقدَّمة فيه: "مصادر تاريخ ديانة ما قبل الإسلام"، "الإسلام صيرورة"، "الإسلام في محيطه العربيّ"، "قراءات القرآن للمزامير"، "مشروع المصحف العثمانيّ: خطوة من أجل قَوْنَنة النصّ القرآنيّ".

- مؤتمر جامعة نوتردام (بولاية إنديانا الأمريكيّة) بعنوان: "نحو قراءة جديدة للقرآن" (أفريل 2005)[8]، حيث قُدِّمت فيه مداخلات قيّمة منها: "البحث الأحدث حول بناء القرآن"، "التأثير اللاّهوتيّ المسيحيّ على القرآن"، "مريم في القرآن: إعادة تقديمها"، "اللغة السّريانية في القرآن: نظريّات المسلمين التقليديّة (الكلاسيكيّة)".

إنّ هذا التأطير التأليفيّ لواقع الدراسات القرآنيّة في العالميْن العربيّ الإسلاميّ والغربيّ، يسمح لنا بتدبّر أهمّ ضوابط البحث الفيلولوجيّ ومقتضياته[9]، ومن ذلك أنّ الباحث في المعجم القرآنيّ مدعوّ إلى أن تكون له معرفة دقيقة باللّغات القديمة وبالعائلات اللغويّة، وما قام بينها من علاقات معقّدة تعكس مسالك شتّى من التأثّر والتّأثير والاشتراك والاقتراض. وتترجم هذه المعرفة عمليّا ببيان المعجم المدروس في تلك اللغات رسمًا ونطقًا ومعنًى. ثمّ إنّ البحث الفيلولوجي يدرس تاريخ الكلمة لا معناها؛ أي إنّ دراسة ماضي الكلمة لا يقود بالضّرورة إلى معرفة معناها في الوقت الراهن. فالذي يذهب إليه أندرو ريبين (Andrew Rippin) أنّ الإيتيمولوجيا لا تحدّد المعنى، ولكنّها تكشف عن التحوّل والإبداع[10]. ولكن على الرغم من أهمّية هذا الرأي، فإنّه ينبغي تنسيبه لأنّ التعرّف على الأصول الفيلولوجيّة للكلمة، يساعد على فهم معناها أو معانيها الممكنة لحظة جريانها في سياق الاستعمال والتعرّف إلى مقام التلّفظ بها أو إنتاجها.

وفضلا عن ذلك، فإنّ المقاربة الفيلولوجية تؤمن بتفاعل اللغات وتطوّرها وتغيّرها، وهو تغيير يحدث بسبب عوامل عديدة، منها اختلاط النّاس وتغيّر شواغلهم واستخدام أكثر من لغة في مقام تلفّظي واحد.

ثمّ إنّ المنهجيّة الفيلولوجية تتجنّب إسقاط التّصنيفات اللّغوية الحديثة والمعاصرة على ما مضى من الزمان. من ذلك أنّ "لسان العرب" لابن منظور (تـ 711هـ/1311م) يستخدم لدى دارس القرآن لفهم المعجم القرآنيّ، رغم أنّ القرآن أسبق من "لسان العرب" ومن كلّ المصادر التي استقى منها موادّه اللّغويّة.

ولتجنّب مثل هذا الإسقاط، فإنّ دارس القرآن يحتاج إلى أن تكون له معرفة بتاريخ اللّغات. ولنا أن نشير ههنا إلى أهمّ ما يمكن أن يقال عن العربيّة أوّلا، وعن السّريانيّة الآراميّة ثانيّا.

إنّ تاريخ العربيّة الذي يمكن تأكيده بوثائق مادّية (النّقوش خاصّة) يعود إلى حوالي 800 سنة قبل الميلاد، مع التنبيه إلى أنّ اللّغة العربيّة لم تصبح لغة مكتوبة ومعتبرة كإحدى وسائل التواصل إلاّ حوالي سنة 600 قبل الميلاد، وهذا يعني أنّ تاريخ العربيّة زمن هجرة الرسول إلى المدينة يقدّر بـ 1200 سنة. ولا شكّ في أنّ عدّة لهجات مرتبطة بالعربيّة سبقت تشكّل اللّغة القياسيّة.

والذي يذهب إليه الدارسون المتخصّصون في تاريخ اللّغات، أنّ الخطّ العربيّ هو حصيلة تطوّر أصاب الخطّ الآراميّ النّبطيّ، وهو تطوّر تمّ بسبب علاقة القبائل العربيّة بملوك الحيرة الذين كانوا خاضعين وقتئذ للحكم الرومانيّ، فضلا عن كون ذلك التطوّر حصل بفعل "الإرساليات المسيحية" (بداية من القرن الرابع للميلاد)، وهو ما يفسّر كتابة النصوص المسيحيّة حينئذ بالنبطيّة والآراميّة. ثمّ أنّ عديد العرب أصبحوا مسيحيّين. وهنا يذكر الدارسون مثال الملك اللّخمي النعمان الذي تخلّى عن وثنيته واعتنق المسيحيّة مع قبيلته حوالي سنة 593 للميلاد.

بالإضافة إلى ما سبق قوله في هذا الباب، فإن علماء الفيلولوجيا في العالم الغربي وجّهوا جهودهم إلى دراسة العربيّة منذ القرن السابع عشر للميلاد، ومردّ هذا الاهتمام إلى أهمّية العربيّة في فهم عبريّة التوراة من جهة اشتراك اللغتيْن في الساميّة. ومن أشهر الأعمال المنجزة في هذا الصدد "معجم كاستل" الذي ظهر سنة 1669 على يد المستشرق الانجليزي إدموند كاستل (Edmund Castell) (تـ 1685م)، وهو معجم متعدّد اللغات، إذ يبحث فيه المؤلّف عن مرادفات الكلمة ذاتها في العبريّة والآراميّة والسريانيّة والأثيوبيّة والعربيّة والفارسيّة.

أمّا الآرامية، فإنّ تاريخها يعود إلى حوالي 550 قبل الميلاد. وقد كان الأنباط يستعملون هذه اللّغة في كتاباتهم لمدّة 600 سنة فضلا عن تكلّمهم بلهجة عربيّة قديمة. وقد عثر بجنوب سوريا على أقدم نقش معروف إلى حدّ الآن محرَّر بالآرامية، وهو مؤرّخ بسنة 328 للميلاد، ويمكن اعتبار السريانيّة صيغة متطوّرة من اللغة الآراميّة. وهذه التسمية يستعملها جلّ الدارسين المعاصرين. أمّا تسمية الآرامية، فقد أشاع استعمالها أبو الفرج بن العبري (تـ 685هـ/1286م) في كتابه المعروف "تاريخ مختصر الدول". وعلاوة على ذلك، نجد الصيغة المزدوجة "السريانيّة الآراميّة" وقد استعملها بالخصوص كلّ من كريستوف لوكسنبارغ (Luxenberg) وأندرو ريبين (Rippin) في ما كتباه من بحوث ودراسات عن لغة القرآن. ومعلوم أنّ السريانية تتكوّن من اثنتين وعشرين حرفا[11]، وهي تكتب من اليمين إلى اليسار، ونجد في السريانيّة الشرقيّة اليوم سبع حركات.[12]

وبات من المؤكّد اليوم أنّ السّريانيّة الآرامية هي اللغة الوسيط التي تمّ فيها انتقال الألفاظ اليونانيّة إلى العربيّة، إذ لا يوجد اليوم دليل واحد يثبت حصول عبور مباشر من اليونانيّة إلى العربيّة.

وفي هذا السياق، يرجّح بعض الدارسين معرفة الرسول وبعض كتّاب الوحي بالسريانية الآرامية وذلك بالاستناد إلى المعطيات الثلاثة التالية:

- ما يقوله علماء تفسير القرآن عن الآية "ولقد نعلم أنّهم يقولون إنّما يعلّمه بشر، لسان الذي يُلحدون إليه أعجميّ، وهذا لسان عربيّ مبين" (النحل 16/103). ويُروى أنّ هذا الذي يعلّم الرسول هو يسار بن فكيهة أو جابر الحضرمي.[13]

- ترجيح فرضيّة اطلاع الرسول على الإنجيل المجمّع المعروف بـ "الدياطسرون" (Diatessaron) (تعني الكلمة حرفيّا: "من خلال الأربعة")، وقد كُتب بالسريانية خلال النصف الثاني من القرن الثاني للميلاد. وقد لاحظ الدارسون أنّ القرآن يستعمل صيغة المفرد "إنجيل" وليس صيغة الجمع، أضف إلى ذلك جَمْع الآية 29 من سورة الفتح 48 بين فقرتَيْن وردَتا في إنجيلَيْ مرقس (4/26) ومتَّى (12/23).

- معرفة زيد بن ثابت (تـ 44هـ/644م) بالسريانيّة قبل هجرة الرسول إلى يثرب. ولكن في نصوص السيرة النبويّة، تمّ قلب هذه الفرضيّة بالقول إنّ معرفة زيد بالعبريّة وغيرها من اللغات كانت بعد الهجرة، وأنّه تعلّم تلك اللغات بأمر من الرسول نفسه.

والحقّ أنّ هناك عدّة شواهد دالّة على تأثّر القرآن ببعض القواعد والتعابير السريانية الآراميّة من نحو ما ورد في الآية: "وقطّعناهم اثنتَيْ عشر أسباطا" (الأعراف 7/160)، بينما الأصل في الاستعمال حسب القاعدة العربيّة هو: "اثنتَيْ عشر سبطا" ومن مثل ما جاء في الآية: «ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا» (الكهف 18/25) والأصل في العربيّة: "ثلث مائة سنة".

إنّ مثل هذه الشواهد التي لاحظها العلماء المسلمون قديما، كانت من الدواعي التي دفعتهم إلى وضع مؤلّفات (أو تخصيص أقسام منها) تضمّنت قائمات في الألفاظ الدخيلة في القرآن. ولنا أن نذكر ههنا كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى (تـ 210هـ/825م)، وكتاب "المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم" لأبي منصور الجواليقي (تـ 540هـ/1144م). وقد ألّف جلال الدين السيوطي كتابين في هذا الموضوع؛ أحدهما بعنوان "المتوكّل فيما ورد في القرآن باللغة الحبشيّة" وفيه لاحظ أنّ في القرآن 17 كلمة يعود أصلها إلى السريانية، وذلك من مجموع 108 كلمة دخيلة على القرآن. أمّا الكتاب الآخر، فهو "الإتقان في علوم القرآن" وتحديدا في الفصل 38 منه ومداره على: "فيما وقع بغير لغة العرب"، حيث أورد فيه 117 كلمة معرّبة في القرآن قام بتعيينها "بعد الفحص الشديد سنين" على حدّ عبارته[14]. وقد نبّه المؤلّف إلى وجود كلمتيْن سريانيتيْن هما "ربّانيون" و"رهوًا"، وكلمة واحدة يونانيّة هي: "سريّا" (مريم 19/24).

ويمكن لنا في ضوء ما سبق التعريج على نماذج من المناهج المتّبعة في التحرّيات الفيلولوجيّة من الدارسين المحدَثِين والمعاصرين وما استخلصوه من ملاحظات واستنتاجات. ولنبدأ بأقدم دراسة في هذا الباب وهي لألفونس مينغانا (Alfons Mingana) (تـ 1937) بعنوان "التأثير السريانيّ على أسلوب القرآن"[15]. فقد بيّنت هذه الدراسة هيمنة المعجم السرياني على لغة القرآن بنسبة وصلت إلى 70%، بينما توزّعت بقيّة النسب على الحبشيّة (5%) والعبريّة (10%) واليونانيّة القديمة (10%) والفارسيّة (5%). والحقّ، أنّ الدارس لم يبن عمله على مستندات في البحث علميّة أو على بحث في الإحصاء دقيق يمكن الاطمئنان إليه.

أمّا آرثر جفري (Arthur Jeffery) (تـ 1959)، أستاذ اللغات الساميّة، فقد ذكر في كتابه "المعجم الدخيل في القرآن"[16] 314 كلمة دخيلة على المعجم القرآني رتّبها حسب حروف المعجم في العربيّة. وقام منهجه على الخطوات الثلاث التالية: أُولاها رصد معنى الكلمة الدخيلة في عدد من كتب التفسير القرآنيّ (خاصّة تفاسير الطبري والزمخشري والبيضاوي) ومن كتب علوم القرآن (خاصّة "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي)؛ وثانيتُها، تعيين معنى الكلمة لغة في المعاجم العربيّة، مثل "لسان العرب" لابن منظور و"المعرّب" للجواليقي؛ وثالثتهُما، ضبط أصول الكلمة موضوع الدرس في السريانيّة الآراميّة والعبريّة وذلك بإثبات رسمها وتعيين دلالتها.

غير أنّ هذا التمشّي المنهجيّ الذي أقام عليه "جفري" بحثه يبقى محدودَ الجدوى، رغم ما فيه من مكاسب جزئيّة. وعلّة ذلك أنّه لا يمكن الاستدلال على مرجعيّة لغويّة لنصّ ما بالتعويل على ما أُلِّفَ لاحقا (تعيين معنى كلمة قرآنيّة بالرجوع إلى "لسان العرب" مثلا).

وهذا الخلل المنهجيّ لم يسلم منه أيضا كريستوف لوكسنبارغ في كتابه الذي أثار جدلا واسعا بين الدارسين، وهو بعنوان "قراءة سريانية آراميّة للقرآن: مساهمة في فكّ شفرة اللغة القرآنيّة" (الطبعة الأولى بالألمانيّة سنة 2000)[17]؛ فقد درس حوالي 75 حالة وردت في المصحف، وتبنّى فرضيّة وجود ما يُسمّى بـ "قرآن أصلي" استُعملت فيه عدّة تعابير سريانيّة؛ أي إنّ في القرآن فقرات عديدة لم تُكْتَبْ أصلا بالعربيّة، بل كُتِبت بما يسمّيه "لغة مزيج" جمعت بين العربيّة والآراميّة. وقد اتّبع المؤلّف في تحرّيه الفيلولوجي المراحل الأربع التالية:

- تعيين الألفاظ القرآنيّة الغامضة في معانيها، سواء لدى الباحثين الغربيّين (خاصّة من تولّى منهم ترجمة القرآن من العربيّة إلى لغة أخرى) أو لدى الباحثين المسلمين.

- البحث عن معنى الكلمة، موضوع الدرس، في تفسير الطبري بما أنّه يلخّص مجمل التأويلات التي احتفظ بها إلى آخر القرن الثالث الهجري/التاسع للميلاد.

- إذا لم تكن مختلف التأويلات الواردة في التفسير المذكور مقنعة، فإنّ معنى الكلمة يطلب من "لسان العرب" لابن منظور.

- إذا لم يتمّ الظفر بالمعنى بعد استيفاء المراحل الثلاث السابقة، فإنّه يلتفت إلى الأصل السرياني الآرامي المحتمل للكلمة استنادا إلى معيار "المجانسة اللفظيّة" (Homonyme) بين الكلمة في القرآن والكلمة ذاتها في السريانيّة الآراميّة.

ويعمد لوكسنبارغ في مرّات عديدة إلى تغيير حروف بعض الكلمات مع المحافظة على رسم الكلمة قبل الإعجام، وهو بذلك يستعيد صورة المصاحف الأولى، ويبدّل أحيانا مواقع الحروف في الكلمة موضوع البحث الفيلولوجي، بل ويغيّر كلمات برمّتها.

والحقّ أنّ التحرّيات الفيلولوجية التي أنجزها لوكسنبارغ بالشكل الذي ذكرنا للتوّ، كانت سببا مباشرا في أن توجّه إليه عدّة نقود من بينها اختياره المنهجيّ المقلوب بتعويله على "لسان العرب" في فكّ غموض معنى الكلمة القرآنيّة، ومنها أنّ ردّه غموض بعض الكلمات القرآنيّة إلى أخطاء في الرسم، وفي ضبط القراءة المناسبة تعليل لا يمكن قبوله، إذ من المستبعد أن يذهل العلماء المسلمون عن أخطاء محتملة من هذا القبيل طيلة ما يزيد عن أربعة عشر قرنا، ومنها أيضا طغيان النزعة التخمينية على بحثه الفيلولوجي، فضلا عن عدم استفادته من حصيلة جهود قرنين من الدرس الفيلولوجي بما أنّه لا يبني عمله على البحوث السابقة في هذا الباب.

أمّا يوسف الصدّيق، فإنّه تعرّض إلى المعجم القرآنيّ في مواضع شتّى من كتابيه "القرآن: قراءة أخرى[18]... ترجمة أخرى" و"لم نقرأ القرآن البتّة"[19]، والذي ثبت لدى المؤلّف أنّ في القرآن "بعدا هلّينيّا" أو "عمقا هلّينيّا" لم ينتبه إليه المفسّرون القدامى والدارسون المحدَثُون والمعاصرون. وهذا "البعد" أو "العمق" حاضر بقوّة في المعجم القرآنيّ وفي الاستعارات والتغييرات الطارئة على القَصَصِ القرآنيّ وتحديدا في المرويّات التي مدارها على أهل الكتاب.

وقد نبّه المؤلّف إلى أنّ شاغله الأساسيّ في ما كتب ليس مجرّد رصد مظاهر استعارة الثقافة الإسلاميّة، من خلال مثال القرآن، لصور أو لمعجم لغويّ سليل ثقافة يونانيّة قديمة، وإنّما شاغله في المقام الأوّل هو الاستدلال على وجود "أصل مشترك" جامع بين الثقافتيْن اليونانيةّ والعربيّة الإسلاميّة. ومن ثمّ لم يَرَ يوسف الصدّيق نفسه معنِيًّا بإعداد مسرد بالألفاظ القرآنيّة الدخيلة أو التي لها اشتراك دلالي مع اليونانيّة القديمة.

والمهمّ بالنسبة إلينا أنّ هذه "القراءة اليونانيّة" للمعجم القرآني تعتبر جديدة بالنسبة إلى البحث الفيلولوجي المُجْرَى على القرآن. ومن ثمّ، فإنّ هذه المقاربة الجديدة نضعها موضع اختبار؛ أي يمكن نظريّا وعمليّا إثباتها أو تنسيبها أو نقضها. وعلى كلّ تبقى هذه المقاربة مُغرية للدارسين المعاصرين، لأنّها تفتح أُفُقًا جديدا في التحرّي الفيلولوجي.

إنّ ما عرضنا له آنفا من مقدّمات نظريّة ومن ضوابط منهجيّة تخصّ التحرّيات الفيلولوجيّة المُجْرَاة على النصّ القرآني، تساعدنا دون ريب في التعامل مع عدد من النماذج التطبيقيّة مستمدّة من بعض سور المصحف وآياته، ومن شأن ذلك كلّه أن يوقفنا على مدى أهمّية المقاربة الفيلولوجية للمعجم القرآنيّ واضعين القراءتيْن السريانيّة الآراميّة واليونانيّة وجها لوجه.

-سورة الكوثر 108

قراءة المصحف

القراءة السريانيّة الآراميّة

القراءة اليونانيّة

1- إنّا أعطيناك الكوثر

2- فصلّ لربّك وانحر

3- إنّ شانئك هو الأبتر

1- إنّا أعطيناك (فضيلة) الثبات

2- فصلّ لربّك وثابر (على الصلاة).

3- إنّ خصمك (الشيطان) لهو الخاسر

1- We have given you the(virtue of) constancy.

2- So pray to your Lord and preservere (in prayer)

3- Your adversary (the devil) is (then) the Loser

1- إنّا أعطيناك الطهر

2- فصلّ لربّك وانحر

3- إنّ شانئك هو الأبتر

1- We have given you the Kawtharthis (Purification)

منطلق البحث في هذه السورة صعوبة واجهت المفسّرين القدامى، مفادها أنّهم لم يقفوا على مبرّر مقنع لاستعمال حرف (الفاء) المفيد للنتيجة في بداية الآية الثانية من السورة المذكورة. فأيّة علاقة بين مَنْح الكوثر من جهة والصلاة والنحر من جهة أخرى؟ خاصّة أنّ الكوثر أُوِّلَ في أغلب الأقوال على أنّه نهر في الجنّة وُعِدَ به الرسول.[20]

ولئن لم يدرج السيوطي كلمة "كوثر" في باب "ما وقع في القرآن بغير لغة العرب"[21] فإنّ لوكسنبارغ أدرج الكلمة المعنيّة، وغيرها من الكلمات في سورة الكوثر، ضمن الدخيل السرياني الآراميّ في القرآن، واقترح القراءة التالية[22]:

-الكوثر: يعني "الثبات"

-أنحر: وأصلها السرياني الآرامي "أنجر" ومعناها "ثابر".

-شانئك: وأصلها "سانيك" بمعنى "خصمك" أو "عدوّك"

-الأبتر: بمعنى "الخاسر"

أمّا يوسف الصدّيق، فقد توسّل بدليل على أنّ كلمة "كوثر" دخيلة وليست عربيّة، مفاده أنّه لا يوجد في اللّغة العربيّة فعل ثلاثيّ صحيح على وزن "فَوْعَلَ (مِثْل: "كوثر". وقد أفضى به التحرّي الفيلولوجي للكلمة إلى اعتبارها يونانيّة الأصل ومعناها الطهر (Khatharsis). وفي إحدى اللهجات اليونانيّة تُوجد صيغة أقرب من صيغة "كوثر"، وهي: khawtharsis [23]. ومن ثمّ أمكن ليوسف الصدّيق أن يتجاوز الإشكال الذي كان في البداية من استعمال حرف الفاء المفيد للنتيجة، لأنّ عمليّة التطهير عادة ما تكون مشفوعة بأعمال طقوسيّة، مثل الصلاة والنحر.

-الكهف 18/9

القراءة ”السريانيّة الآراميّة“

(أطروحة: Sydney Griffith)

تصويبات (Bellamy) + (Luxemberg)

قراءة المصحف

أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والكتاب (= لوحات دليل) كانوا من آياتنا عجبا.

في إحدى القصائد المنسوبة إلى يعقوب السروجي (ت 521 هـ) عن أصحاب الكهف أو ”نائمي أفسس السبعة“ نقرأ المقطع التالي:

فيلسوفان من أبناء الأمراء كانا هناك

واعتقدا أنّ الربّ سوف يقيمهم

صنعا لوحات دليل ووضعاها بجانبهم

كتبا عليها أسماء أبناء النور

والسبب الذي جعل هؤلاء الفتية يختبئون في الكهف

رقيم: اسم مفعول في السريانيّة ويعني الكتاب (من رقم)

أم حسبت أنّ أصحاب الكهف الرقود كانوا من آياتنا عجبا

”أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا“

مدار البحث الفيلولوجي في هذه الآية على كلمة "الرقيم" خاصّة في ضوء اختلاف أقوال المفسّرين في تعيين معناها: وذهبوا في ذلك مذاهب شتّى من نحو القول: إنّ الرقيم هو اسم كلب أهل الكهف أو اسم جبل أو قرية أصحاب الكهف أو اسم الوادي الذي فيه الكهف.[24]

ويبدو أنّ التصويبات العديدة التي أدخلها "بللاّمي" (Bellamy) ولوكسنبارغ (Luxenberg) على كلمة "الرقيم" لتصبح في نظرهما "الرقود" فيها الكثير من التعسّف، ومن ثمّ بدت لنا غير مقنعة بالمرّة؛ فهما يصطنعان الصعوبات والأخطاء، ثمّ يقومان بالتصويب دون تقديم الحجج الدامغة في هذا الباب.

وبالمقابل، بدت لنا قراءة "سيدني غريفيث" (S. Griffith) مقبولة إلى حدّ كبير استنادا إلى الرواية المسيحيّة لقصّة أهل الكهف. فالرقيم إذن، كلمة سريانيّة ومعناها "لوحات دليل". وما تجدر الإشارة إليه ههنا، أنّ ما توصّل إليه "غريفيت" بالحجج والبحث الفيلولوجيّ قد توصّل إليه السيوطي قبله بعدّة قرون، ولكن دون أيّ تحرٍّ علميّ في الموضوع، إذ اعتبر أنّ "الرقيم" هو "اللوح بالروميّة (...) أو هو الكتاب".[25]

-الدخان 44/54 – الطور 52/20

قراءة المصحف

القراءة ”السريانيّة الآراميّة“

”وزوّجناهم بـحور عين

وزوّجناهم تحت أعناب بيض كالبلّور

(سنريحهم تحت دوالي أعناب بيض كالبلّور)

« We will make it confortable for the under white, crystal-(grapes) »

ملاحظة:

عبارة (الحور العين) وردت في قصيدة لأفرام السرياني (ت 373م) بعنوان ”الفردوس“، حيث قال مشخّصا دوالي الكروم:

”من يمسك عن خمرة الأرض، فإليه كروم الفردوس تحنّ، كلّ منها [=أيّ الدوالي] تناوله عناقيد من الأعناب..“

في المتخيّل الشعبي: فُهِم تشبيه الدوالي بالنساء فهما حرفيّا حقيقيّا: الرسول أخذ هذه الصورة في معناها الحقيقي، وكذلك فعل معاصروه.

الحور: من اللفظ السرياني (حيوارا) أي أبيض، وهو صفة للأعناب (أشهر ثمار الجنّة)

عين:من السريانيّة (عينا) وتعني: مظهر/لون/بهاء/إشراق.

في كتاب ”رؤيا باروخ“ (في نسخته السريانيّة نجد التعبير التالي: ”كورا دي إنبين“)

لقد بيّن التحرّي الفيلولوجيّ الذي أنجزه لوكسنبارغ، أنّ عبارة الحور العين لا تعني الجواري الحسان، مثلما اعتقد ولا يزال يعتقد المسلمون إلى يوم الناس هذا، بل تعني عناقيد العنب، وما الكلام عن الحور العين في القرآن إلاّ مجرّد تشبيه الدوالي بالنساء حسب ما ورد في إحدى قصائد أفرام السرياني (تـ 373م). واقتضت القراءة السريانيّة الآراميّة التصرّف في قراءة عبارة "وزوّجّناهم" في اتّجاه قراءة مغايرة، وهي "وَرَوَّحْنَاهُمْ".

وهذا المثال الذي وقفنا عليه هو أشهر مثال تداوله قرّاء كتاب لوكسنبارغ، بل وصار من أسباب شهرته وذيوع صيته. وقد استُغِلَّ المثال المذكور في وسائل الإعلام الغربيّة للقول بأنّ المسلمين الذين يحلمون بوجود الحور العين في الجنّة لن ينالوا غير عناقيد من العنب.

والحقّ أنّ الدارسين افترقوا في تقدير تخريج لوكسنبارغ لعبارة "الحور العين"؛ فهناك من انتصر له وأيّد بحثه الفيلولوجيّ، وهناك من اعترض عليه وناقشه بشكّ. وفي مقدّمتهم ستيفان فيلد (Stephan Wild) ودليله في ذلك أنّ القرآن يشير صراحة إلى وجود "قاصرات الطرف" (ص 38/52) و"أزواج مطهّرة" (مثلا البقرة 2/25) في الجنّة[26].

-الحروف المقطّعة في فواتح السور

نماذج من الحروف المقطّعة

تأويل المتشابه من أوائل السور

(السيوطي، الإتقان 3/ 21-30 )

الـم (البقرة 1/2) – (آل عمران3/ 1)

أنا الله أعلم

المص (الأعراف 7/ 1)

أنا الله أفصل/ أنا الله الصادق

الر (يونس 10/ 1)

أنا الله أعلم وأدفع

كهيعص (مريم 19/ 1)

كاف، هاد، أمين، عزيز، صادق

حم (غافر 40/ 1)

ن (القلم 68/ 1)

(حاء) اشتقّت من الرحمن

(ميم) اشتقّت من الرحيم

مفتاح اسمه تعالى: نور وناصر

لسنا في حاجة إلى عرض اختلاف أقوال العلماء المسلمين من مفسّرين وعلماء قرآن في تأويل الحروف المقطّعة الواردة في فواتح عدد من سور القرآن، وحسبنا الإحالة على قول ابن كثير بشأن تلك الحروف بعد أكثر من سبعة قرون من تثبيت المصحف: «لم يُجمع العلماء فيها على شيء منها، وإنّما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعَليْه اتباعه وإلاّ فالوقف حتى يتبيّن هذا المقام».[27]

وقد تبيّن لنا أنّ التحرّيات الفيلولوجية، بشأن الحروف المقطّعة، في الاستشراق الكلاسيكي أو الجديد كانت محتشمة للغاية، ولم تتوصّل إلى نتائج مهمّة. وأقصى ما وقع ترجيحه في هذا الباب أنّ تلك الحروف هي مختصرات لأسماء عدد من الصحابة ممّن كانت بحوزتهم مصاحف شخصيّة قبل أن يتمّ توحيد المصاحف، وإلزام الناس بمصحف إمام على عهد عثمان بن عفّان (حوالي 32هـ/652م).

غير أنّ يوسف الصدّيق، في معرض كلامه على الحروف المقطّعة في أوائل السور، لفت الانتباه إلى أنّ عدّة نصوص يونانيّة قديمة، تبدأ بحروف مقطّعة شبيهة بتلك الموجودة في القرآن، ويعدّ ذلك تقليدا كان يقوم به الكهنة الإغريق يريدون من خلاله إقامة البرهان على أنّ ما يجري على ألسنتهم من حروف فواتح يكمن الكلام برمّته، فضلا عن الوظيفة التنبيهيّة التي تنهض بها تلك الحروف لحظة التلفّظ بها خاصّة ضمن مقام خَطابيّ شفويّ.[28]

ونعتقد أنّ ما ذهب إليه يوسف الصدّيق يمكن تعميق النظر فيه وتطويره في اتّجاه القول بأنّ الحروف المقطّعة قد تُختار اعتباطا ووظيفتها هي تنبيه الرسول إلى أنّ عمليّة تلقّي الوحي ستبدأ حالا. ومن ثمّ فعليْه الانتباه والتركيز في عمليّة التلقّي خاصّة في سياق شفويّ، وينبغي في نظرنا التذكير بذلك الموقف المغمور في الفكر الإسلاميّ، ومفاده أنّ الحروف المقطّعة، مثلما يقول الزمخشري: هي «أوّل ما يقرع الأسماع».[29]

هذه إذن عيّنات من التحرّيات الفيلولوجيّة المُجراة على القرآن، وقد وضعنا فيها القراءة السريانيّة الآراميّة والقراءة اليونانيّة وجها لوجه. وذلك قصد الوقوف على نقاط الائتلاف والاختلاف بين القراءتيْن، وهو ما يؤكّد عندنا أنّ نتائج تلك التحرّيات تبقى، رغم أهمّيتها، نسبيّة ومفتوحة على مختلف احتمالات المراجعة والنقض والتطوير. ولا يعني ذلك أنّ التحرّيات الفيلولوجية منحصرة في القراءتيْن المذكورتيْن فحسب، وإنّما تُوجد قراءات أخرى جديرة بالاهتمام والمتابعة والتقويم، من نحو وجود كلمات قرآنيّة لها أصل لاتينيّ. ويكفي أن نشير هنا إلى الدراسة القيّمة التي أنجزها وليد صالح، وفيها عرّج على ملاحظة ميكائيل كوك (Michael Cook) ومفادها أنّ الرومان كانوا يستعملون الكلمة اللاتينيّة (Strata) للتعبير عن تشييد طريق مستقيم. وانتقل هذا الاستعمال إلى الشعوب التي كانت خاضعة للامبراطورية الرومانية، وهو يعتقد أنّه من كلمة (Strata) اشتقّت الكلمة العربيّة (الصراط) والكلمة الإنجليزية (Street)، مع التنبيه إلى أنّ الصيغة العربيّة بقيت مشدودة إلى السياق الدينيّ، بينما ارتبطت الصيغة الإنجليزية بالعالم الدنيويّ المعلمن.[30]

ما نخلص إليه في خاتمة هذه الدراسة، أنّ الدراسات القرآنيّة في العالم العربيّ والإسلاميّ في حاجة أكيدة إلى الاستفادة من المكاسب المعرفيّة والمنهجيّة التي حقّقتها الدراسات القرآنيّة في العالم الغربيّ والعمل على تقويمها وتطويرها. ونعتقد أنّ ذلك كلّه لن يتحقّق ما لم تتوفّر جملة من الشروط والمعطيات وأدوات العمل الكفيلة بتحقيق هذه الغاية المنشودة، وهو ما نوجزه في النقاط التالية:

- توفير المعاجم المتخصّصة في الدراسات القرآنيّة وتحديدا في المعجم القرآنيّ على غرار معجم كاستيل (Castell) المشار إليه أعلاه.

- إنجاز معجم اللغة العربيّة الكلاسيكيّة؛ أي وضع معجم تاريخيّ ابستيمولوجي لمفردات اللغة العربيّة، وذلك من شأنه أن يساعد على معرفة معاني المعجم القرآنيّ لحظة ظهوره إبّان القرن السابع للميلاد.

- المواكبة الحينيّة لآخر الدراسات والبحوث الغربيّة في موضوع الدراسات القرآنيّة، وذلك عبر الترجمة إلى العربيّة وعرض الكتب والمساهمة في الملتقيات والندوات العلميّة الدوليّة واقتناء الدوريات المتخصّصة في هذا الباب.

- إنشاء وحدات بحث بمؤسّسات التعليم العالي في الدول العربيّة والإسلاميّة تهتمّ بالدراسات القرآنيّة، ومن ضمنها المعجم القرآني.

- التنسيق الوطنيّ والإقليميّ والعالميّ بين مشاريع الدراسات القرآنيّة، وهو ما يقود بالضرورة إلى بناء المعرفة على المنجز في الموضوع لاستيعابه وتطويره.

- العمل على تكوين مكتبة متخصّصة في الدراسات القرآنيّة المستجيبة لمعايير البحث العلميّ الرصين البعيد عن مواقف التمجيد وترديد مواقف القدامى التي تجاوزها الزمن بحكم تطوّر المعارف والمناهج.

- دعوة الباحثين العرب والمسلمين إلى الاستفادة من أرصدة مخطوطات القرآن المبكّرة وإخضاعها للدراسة العلميّة (عبر المقارنة بينها مثلا)، ونحيل على سبيل الذِكْر على موقعيْن متخصّصيْن في هذا الموضوع:

-Quranic Manuscripts Database (QMD)

-Hypertext Quran Projects (HQP)


[1] الترجمة العربيّة أنجزها جورج ثامر، ط 1، منشورات الجمل، ألمانيا 2004

[2] نُشرت هذه المقالات بين سنتيْ: 1973-2002. للاطلاع على عناوينها والمعطيات التوثيقيّة المتعلّقة بنشرها راجع: ديفين ج ستيوارت، ملاحظات حول تعديل القرآن في القرون الوسطى والعصر الحديث، ضمن كتاب: القرآن في محيطه التاريخيّ، إشراف جبرئيل سعيد رينولدز، ط 1، منشورات الجمل، ألمانيا 2012، ص: 361، هامش 25

[3] نشرت الأطروحة سنة 2007 عن دار الفارابي للنشر والتوزيع، بيروت وكليّة الآداب بمنوبة، تونس.

[4] الأطروحة قيد الطبع لدى مؤسّسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث والمركز الثقافي العربيّ، الدار البيضاء.

[5] راجع دراسته: "القرآن في أحدث البحوث الأكاديميّة: تحدّيات وأمنيات"، ضمن كتاب: القرآن في محيطه التاريخيّ، مرجع مذكور، ص: 79

[6] انعقد المؤتمر أيّام 17-21 نوفمبر 1993 وصدرت أعمال المؤتمر عن دار النشر بريل (Brill) في ليدن (Leiden) بهولندا سنة 1996 تحت إشراف Stefan Wild. (الأعمال محرّرة بالأنقليزيّة والألمانيّة).

[7] صدرت أعمال المؤتمر عن دار النشر بريل (Brill) سنة 2010 تحت إشراف الثالوث: Angelika Neuwirth وNicolai Sinai وMichael Marx.

[8] صدرت أعمال الملتقى في ترجمتها العربيّة تحت عنوان: "القرآن في محيطه التاريخيّ"، ترجمة سعد الله السعدي.

[9] عوّلنا في استخراج جانب من الشواهد المدعّمة لكلامنا على ضوابط البحث الفيلولوجي وعلى تاريخ اللغات السريانيّة والآراميّة والعربيّة على عدد من المداخلات التي تضمّنها الكتاب سالف الذكر: "القرآن في محيطه التاريخيّ".

[10] راجع بحثه: "اللغة السريانيّة في القرآن"، ضمن كتاب: القرآن في محيطه التاريخيّ، ص: 365

[11] هذه الحروف هي: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت.

[12] ترسم الحركة في شكل نقطة أو نقطتيْن ويتغيّر النطق بها بتغيّر موضعها من الحروف (أسفل أو فوق).

[13] انظر على سبيل المثال القرطبيّ، الجامع لأحكام القرآن، ط 5، دار الكتب العلميّة، بيروت 1996، ج 10، ص ص 116-117

[14] الإتقان في علوم القرآن، ط1، المكتبة العصريّة، بيروت 1997، ج 2، ص 119

[15] نُشرت الدراسة بالأنقليزيّة سنة 1927 تحت عنوان: Syriac Influence on the Style of the Qur’an

[16] صدر الكتاب في طبعته الأولى بالأنقليزيّة سنة 1938 تحت عنوان: The Foreign Vocabulary of the Quran

[17] اعتمدنا في هذا البحث الترجمة الانقليزيّة للكتاب الصادرة سنة 2002 وهي بعنوان:

The Syro-Aramaic Reading of the Kuran: a Contribution to the Decoding of the Quranic Langage.

[18] صدر الكتاب في طبعة أولى بالفرنسيّة سنة 2002 تحت عنوان:

Le Coran: autre lecture, autre traduction, Editions de l’Aube, France.

[19] صدر الكتاب في طبعة أولى بالفرنسيّة سنة 2004 بعنوان:

Nous n’avons jamais lu le Coran, Editions de l’Aube, France.

[20] راجع الطبري، جامع البيان، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت 1992، ج 12، ص ص 716-719

[21] انظر: الإتقان في علوم القرآن، مرجع مذكور، ج 2، ص ص 105-120

[22] راجع كتابه: The Syro-Aramaic Reading of the Kuran, pp: 292-295

[23] راجع كتابه: Le Coran: autre lecture, autre traduction, p: 62, note: 31

[24] راجع مثلا تفسير ابن كثير، ط 2، دار صادر، بيروت 2004، ج 3، ص 299

[25] الإتقان في علوم القرآن، ج 2، ص 112

[26] راجع دراسته الجيّدة:

Lost in Philology? The Virgins of Paradise and the Luxenberg Hypothesis, in: The Quran in Context, Ed Brill,Leiden 2010;pp:625-647

[27] تفسير ابن كثير، ج 1، ص 37

[28] راجع كتابه: Le Coran: autre lecture, autre traduction, p: 69, note: 5

[29] الكشّاف عن حقائق التنزيل، مكتبة مصر، القاهرة (د.ت)، ج 1، ص 31

[30] انظر بحث وليد صالح:

The Etymological Fallacy and Quranic Studies: Mohammad, Paradise, and LateAntiquity. In: The Quran in Context; pp:649-698