بسّام الجمل: المتخيّل الدّيني: المناهج والغايات (الجزء الأول)


فئة :  حوارات

بسّام الجمل: المتخيّل الدّيني: المناهج والغايات (الجزء الأول)

د. نادر الحمّامي: نجدّد حواراتنا الفكريّة مع الأساتذة والباحثين والمفكّرين، ونسعد اليوم بأن ندعو أحد أبرز الجامعيّين الباحثين في الحضارة العربيّة والإسلاميّة، الأستاذ بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بجامعة صفاقس بسّام الجمل، وهو أحد الأساتذة الذين تفخر بهم الجامعة التّونسية استناداً إلى مجمل الأعمال التي قدّمها خلال السّنوات الماضية، والتي لا يتّسع المجال لعرضها كلّها، ولكن نؤكّد أنّها مثّلت إضافة في حقول معرفيّة مخصوصة تقارب التّراث الإسلامي مقاربات منهجيّة تفيد من أهمّ ما وصلت إليه العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة الحديثة والمعاصرة؛ سواءً ما كان في مجال الدّراسات القرآنيّة أو في مجال المتخيّل والأنثروبولوجيا الرّمزيّة، وكذلك في مجال الفكر الدّيني، لذلك نرحّب به ترحيباً خاصّاً ونشكره جزيل الشّكر على قبوله أن يكون ضيفنا اليوم في هذا الحوار، مرحباً بك أستاذ بسّام الجمل بيننا في هذا الحوار.

د. بسّام الجمل: شكراً جزيلاً أستاذ نادر

د. نادر الحمّامي: ليس أفضل من تقديم الأساتذة من خلال أعمالهم، لذلك ننطلق مع الأستاذ بسام الجمل من العمل الأساسي الذي قدّمه في اختصاصه الدّقيق في الجامعة التّونسية، وهو بحثه حول ''أسباب النّزول علماً من علوم القرآن'' الذي قدّمه لنيل شهادة الدّكتوراه، والذي يمكن القول إنّه يفتح مجالاً رحباً أمام باحثين آخرين في العلوم القرآنيّة، ومن بين ما قدّمه أيضاً كتابه حول ''الإسلام السنّي'' الذي صدر ضمن "سلسلة الإسلام واحداً ومتعدّداً"، وقد بيّن فيه أنّ هناك تعدّدا في المجال السنّي من خلال البحث في المرجعيّات التي تخترقه. أمّا المجال الذي نشط في إطاره واهتمّ به كثيراً في السّنوات الأخيرة، فهو "وحدة البحث في المتخيّل" بكليّة الآداب بصفاقس، التي كان قد أسّسها الأستاذ فرج بالرمضان، ليواصل الأستاذ بسّام الجمل العمل على منواله، وهو يترأّس اليوم هذه الوحدة البحثيّة المهمّة والنّاشطة بصورة دوريّة في قراءات الكتب والنّدوات والأيّام الدّراسيّة. وقد صدر له ضمن هذا السّياق البحثي العام، بحث نظريّ مهمّ بعنوان: "من الرّمز إلى الرّمز الدّيني: بحث في المعنى والوظائف والمقاربات"، تلته دراسة تطبيقيّة، انطلقت من هذا الكتاب، بعنوان: ''ليلة القدر في المتخيّل الإسلامي''، قبل أن ينشر بحثا آخر مهمّاً وجديراً بالمتابعة بعنوان: ''جدل التّاريخ والمتخيّل: سيرة فاطمة'' الذي يمثّل نموذجاً تطبيقيّاً للبحث في المتخيّل. هذه المجالات البحثيّة عموماً هي ما سنهتمّ بها في حوارنا اليوم، ولكن بما أنّني قد عرفت الأستاذ بسّام منذ وقت طويل وتعلّمت منه، فإنّني أعرف أنّه انطلق في إطار بحثيّ آخر أقرب إلى مجال النّقد الأدبي منه إلى البحوث الحضاريّة، لذلك أودّ أن أسأله؛ ما الذي أتى بك من البحث في حماسة أبي تمّام إلى البحث في الحضارة العربيّة الإسلاميّة؟

د. بسّام الجمل: لقد اشتغلت حول أبي تمام في إطار شهادة الكفاءة في البحث، ثم انتقلت إلى مجال الدّراسات الحضاريّة، وكان السّبب وراء ذلك درس من دروس التّبريز التي تابعتها بكلية الآداب بمنوبة؛ وهو تحديداً درس الأستاذ عبد المجيد الشّرفي، الذي كشف لي عدّة مجالات وآفاق واسعة للبحث، رأيت فيها مهجتي ووجدت نفسي مشدوداً إليها شدّاً، وقد جعلني ذلك أفكّر كثيراً في الانتقال، واقتنعت بعد ذلك بجدواه وقيمته الفكريّة والمنهجيّة، وأذكر أنّني في درس من دروس التّبريز، وقد كان ذلك في منتصف التّسعينيات من القرن الماضي، اخترت الاشتغال على عرض يخصّ كتاب "أسباب النّزول" للواحدي النيسابوري (398هـ - 468هـ)، وقد بحثت في الآيات التي اهتمّ الواحدي بأسباب نزولها، وقدّمت ذلك العرض ونسيت الأمر، لأجد نفسي في بداية الألفيّة الثّانية أختار الاشتغال في مستوى أطروحة الدّكتوراه حول هذا الموضوع، وكان هذا ما حملني على أن أغير اتّجاهي المعرفي.

د. نادر الحمّامي: هل كان مجرّد تغيير اتّجاه معرفي أم أنّه كان عن وعي مسبق؟ فتلك الحدود الفاصلة بين الشّعر والنّقد الأدبي من جهة، والتّفسير وأسباب النّزول من جهة أخرى، قد تكون واهية أحياناً، إذا ما نظرنا إلى التّقاطعات بين المصنّفات القديمة على اعتبار أنّها نتاج البنى الذّهنيّة ذاتها، وهو ما سيؤثّر لاحقاً في التّقاطع بين المتخيّل والرّمزي الذي ينتمي كلاسيكيّا إلى مجال الأدب والشّعر لينتقل إلى مجال ما يُضمّن على أنّه جدّيّ وصلب مثل الدّين.

د. بسّام الجمل: نعم، فهذه الاختصاصات المعرفيّة متولّدة من ذهنيّة واحدة تقريباً، وهي في إطار منسجم العناصر، ولذلك فالتّقاطع موجود وقائم بالضّرورة، فالفصل بين العلوم إجرائيّ، وهو من باب التّخصّص فحسب، ولكن في العمق المعرفي هناك منوال واحد يقع الاشتغال عليه. هذا ما يسّر لي الانتقال في البحث إلى الدّراسات الحضارية، ولعلّ ذلك يعود إلى سبب آخر أيضاً، وهو أنّ الدّراسات الحضاريّة تنفتح على مجال رحب من الإبداع والتّفكّر المحسوب والدّقيق، مع ضوابط واسعة، وقد أردت الاشتغال في مجال يسمح لي أكثر بالتّفكّر في قضايا التّراث والتّاريخ والمؤسّسات الثّقافية والاجتماعية والأبنية المعرفيّة، وقد وجدت ذلك كلّه حاضراً بقوةّ في الدّرس الحضاري في الجامعة التّونسيّة، فانجذبت إليه رغم شغفي الكبير في مرحلة الأستاذيّة بمجال النّقد الأدبي، وأنا لا أزال أحتفظ في مكتبتي، إلى الآن، بعدد كبير من الكتب التي كنت أهتمّ بها في مجال النّقد الأدبي ونقد الشّعر، مثل كتابات تودوروف (Tzvetan Todorov) (1939-2017) وغيره، ولكن وجدت نفسي أثري معرفتي وأوسّع فيها بالانتقال إلى مجال الدّراسات الحضاريّة، وقد أفادني ذلك كثيراً، ففي المعرفة لا شيء يضيع، وربّما نقرأ اليوم شيئاً نظنّ أنّه ليس ذا قيمة أو أنّه غير مفيد أو غير مهمّ، ولكن نتبيّن مع مرور الوقت والأيّام أنّه كان مهمّاً جدّاً وأنّ كلّ ما نقرأ يظهر ويطفو يوماً ما على السّطح من خلال ما نكتب وما نفكّر فيه.

د. نادر الحمّامي: أودّ أن أبني على اسم علم ظهر في كلامك الآن وأقصد تودوروف، الذي ترجم أعمال الشّكلانيين الرّوس إلى اللّغة الفرنسيّة، ومهّد بذلك لنشأة البنيويّة التي كانت ركيزة من ركائز الدّرس الأنثروبولوجي، وباستقرائي لبحوثك حول المتخيّل الدّيني، أرى أنّ من بين هواجسك المعرفيّة، في مقالاتك كما في كتبك، أنّك تحاول دائماً الوصول إلى قسم تأليفي يركّز على الآليّات أو الأسس العامّة التي تقف وراء بناء ذلك المتخيّل، ومن هنا كان الأثر الأنثروبولوجي الرّمزي في مقاربتك لنصوص التّراث، وأنت تراها مقاربة محصّنة علميّا تنأى عن مقاربات أخرى تعتبر أنّها قاصرة مثل المقاربة الإيمانيّة أو التّمجيديّة أو الوضعانيّة أو التّاريخانيّة أو غيرها من المقاربات، لذلك ألمس هذه القيمة الكبرى التي تعطيها إلى الأنثروبولوجيا وبالخصوص الأنثروبولوجيا الرّمزية التي تقف وراء المؤسّسات والمصنّفات.

د. بسّام الجمل: لقد كان ذلك هاجسي في أغلب ما كتبت، وحين أختار عيّنات للدّراسة التّطبيقية أحاول دائماً أن أنفذ من خلالها إلى وجود أبنية أو نسق ما، وأن أختبر تلك الأبنية من خلال نماذج تطبيقيّة، فعندما اشتغلت على سيرة فاطمة مثلاً، انطلقت منها باعتبارها عيّنة لأختبر من خلالها العلاقة الجدليّة المعقّدة والمركّبة بين التّاريخ والمتخيّل الدّيني؛ أي كيف تقوم تلك العلاقة، وما هي أسسها وخلفيّاتها ومبرّراتها، وهل هي تنطلق من التّاريخ إلى المتخيّل، أم من المتخيّل إلى التّاريخ أم أنّها تسير في الاتّجاهين معاً. وفي سبيل تفهّم هذه القضيّة استفدت كثيراً ممّا كتبه جاك لوغوف (Jacques Le Goff) (1924-2014) حول المتخيّل في العصر الوسيط الأوروبّي (l'imaginaire médiéval)؛ وقد حاولت في كتابي ''ليلة القدر في المتخيّل الإسلامي'' أن أخلص إلى التقنيّات والآليات التي وظّفت في إنتاج المتخيّل الإسلامي، ومع ذلك فأنا لا أقدّم فيها قائمة نهائيّة مغلقة، فهي تبقى متاحة للإضافة والتّعديل والتّنسيب ولمزيد تجويد النّظر فيها، وقد كان ذلك دأبي في مقالات أخرى...

د. نادر الحمّامي: أذكر ههنا مقالك ''في المتخيّل الدّيني'' الذي كان ضمن الأعمال المهداة إلى الأستاذ عبد المجيد الشّرفي، وأعتقد أنّه كان زبدة ما درست تطبيقيّاً حول المتخيّل بصورة عامّة، وأنّه من أهمّ ما كتبتَ في النّقد النّظري، لأنّه يبيّن الوظائف الكبيرة للمتخيّل الدّيني، وأنت تراجع نفسك بنفسك من خلال البحث في تلك الوظائف وكيفيّة إنتاج المعنى من خلالها.

د. بسّام الجمل: صحيح، وما كان لي أن أكتب ذلك المقال لو لم أمرّ ببحوث تطبيقيّة، وقد يظنّ البعض أنّ البناء النّظري يأتي في البداية، ثم تأتي الأعمال التّطبيقية بعده، إلا أنّني أؤكّد عكس ذلك تماماً، فنحن نختبر المادّة المعرفيّة وبعد ذلك نحاول أن نؤصّل لها نظريّا؛ فما كان لي أن أقدّم تعريفاً للمتخيّل الدّيني لو لم أشتغل على نماذج تطبيقيّة وعيّنات متنوّعة، أذكر من بينها مثلاً رمزيّة اليد اليمنى في المتخيّل الإسلامي أو ليلة القدر أو فاطمة، وقد كتبت مقالات عن المسيح الدّجال، وأخرى في حركيّة العقائد الدّينية. وقد أسلمني ذلك كلّه إلى أن أفكّر وأكتب مقالاً نظريّاً حول المتخيّل الدّيني، وقد رتّبته على أقسام أساسيّة، وما لاحظته أنّنا لا نجد تعريفاً جامعاً مانعاً للمتخيّل الدّيني، وإنّما نجد إشارات تعريفيّة للمتخيّل عموماً، من قبيل ما كتبه جيلبار دوران (Gilbert Durand) (1921-2012) من أن "المتخيّل هو الرّأسمال الرّمزي للإنسان العارف (Homo sapiens)"، وما قاله كاستورياديس (Cornelius Castoriadis) (1922-1997) من أنّ "المتخيّل هو القدرة على أن ترى في الشّيء ما ليس هو" كما نجد إشارات لدى ميرسيا إيلياد (Mircea Eliade) (1907-1986) عن المتخيّل الدّيني في تاريخ الأديان. وقد أردت أن أستنبط تعريفاً ينطبق على مختلف الأديان التّوحيدية وغير التّوحيدية وعلى الفلسفات الدّينية التّأمّليّة، ولهذا قلت إن المتخيّل الدّيني هو مجمل المنتجات السّيميائيّة اللّغوية وغير اللّغوية التي يصطنعها الإنسان الدّيني للكلام عن العالم المتعالي والمحايث من أجل الإجابة عن أسئلة البدايات والدّنيويات والأخرويّات، بعضها أو جميعها. وقد كنت حذِراً في هذه الصّياغة لأنّ هاجسي الأوّل كان أن يصلح هذا التّعريف، إن صلح، كي ينطبق على أوسع العائلات الدّينية التي نعرفها، سواء منها الأديان الميّتة أو الأديان المتطوّرة الرّاقية الموجودة اليوم، وهذا جعلني أحدّد أيضاً أهمّ خصائص المتخيّل، وكنت دائماً حريصاً على أن أنوّع الأمثلة وألاّ أكتفي بالمجال الإسلامي، فقدّمت إحالات على الدّيانات المسيحيّة والبوذيّة والهندوسيّة وغيرها، حتى أنسّب الأمور وأختبر الخصائص، لأنّ هناك بين الأديان قاع واحد أو مشترك دينيّ، وهي الفكرة التي أكّد عليها هانس كونج (Hans Küng) (1928) كثيراً. وقد بحثت من ثمّ عن أهمّ الوظائف التي ينهض بها هذا المتخيّل الدّيني والأصول المولّدة له، وأعتقد أنّ هذا أهمّ ما حقّقته في هذا المقال.

د. نادر الحمّامي: ما أعجبني في هذا المقال هو تلك الأصول المولّدة للمتخيّل الدّيني مثل "مقولة الكسل" و"مقولة التّلطيف"، وقد وجدت فيه إضافة فعليّة إلى البعد التّعريفي الذي كان غائباً في الدّراسات حول المتخيّل، فقد كنّا نجد تعريفاً للمتخيّل الأدبي وللمتخيّل السّياسي، ولكن لم نكن نجد هذا التّعريف الدّقيق للمتخيّل الدّيني الذي ينطلق من نواة صلبة. وقد أجريتَ الكثير من المقارنات في بحثك مع أديان أخرى انطلاقاً من المجال الإسلامي، ممّا يوحي بكونيّة المتخيّل الإسلامي، واندراجه ضمن المتخيّل الجمعي (اللاشعور الجمعي) الذي تحدّث عنه كارل غوستاف يونغ (Carl Gustav Jung) (1875-1961) كثيراً. ألا ينفي هذا البعد الكوني خصوصيّة المتخيّل الإسلامي؟

د. بسّام الجمل: كلّ دين يعتبر أنّ الدّين الذي سبقه ينتمي إلى مجال السّحر، ويرى أنّ عقائده باطلة وأنّها مجرّد بدع وهرطقات، لذلك فالخصوصيّة تبقى قائمة دائماً بين الأديان. ونجد أنّ ماكس فيبير يقول: "إن كلّ دين جديد لا يُكتب له النّجاح إلاّ بغياب شرطين هما الدّين المُهيكل والدّولة"؛ أي أنّ كلّ دين جديد إذا نجم في مجال جغرافي تغيب فيه الكنيسة، باعتبارها مؤسّسة وتغيب فيه الدّولة، فإنّه ينجحُ، والإسلام في العقود الأولى من القرن السّابع الميلادي نجم في إطار هذين الغيابين؛ أي غياب دولة في ظلّ نظام قبلي متعدّد المظاهر، وغياب دين مهيكل أو "ممأسس". ومع أنّني حاولت دائماً أن أتجاوز مسألة الخصوصيّة، فإنّ ذلك لا يعني أنّني لا أعترف بها، فهي تبقى قائمة، ولكن الأديان جميعاً تشترك في المتخيّل، وقد طرح كاستورياديس هذه المسألة في كتاب (L’institution imaginaire de la société) ورغم أنّه ماركسي فقد أكّد أنّ المتخيّل هو محرّك التّاريخ، وأنّ الأبنية الاقتصاديّة والأبنية التّحتية لم تعد هي التي تبني التّاريخ، وهذا قول مهمّ جدّا، ويدعو إلى التّفكر والتّفهّم والمتابعة النّقديّة، كما أنّه تساءل حول سرّ وجود الإله المتعالي وإيمان الإنسان به، وخلص إلى اعتبار أنّ الإنسان كائن دينيّ، وأنّه لم يعد حيواناً رامزاً أو كائناً متكلّماً كما في النّظريّة الأرسطيّة، وإنّما هو كائن يعتقد ويحبّ الاعتقاد مهما كان نوعه دينيّا أو غير دينيّ، وأنّ وراء كلّ دين بناء اجتماعي كامل. ولذلك فأنا دائماً ما أقول هذا وأؤكّد عليه في أغلب ما أكتب، فالاجتماعي هو ما يحتضن الدّيني وليس العكس، بخلاف ما تدّعيه النّظرية الكلاسيكيّة الإسلاميّة أو غير الإسلاميّة من زعم بأنّ الدّيني هو الذي يحتضن الاجتماعي، وأنّه هو الذي يوجّهه، وهذا غير صحيح، فيكفي أن ننظر مثلاً في مفهوم الخلافة الإسلاميّة كما ظهر لدى الماوردي ومن لحقه لنتبيّن عكس ذلك؛ أي أنّ الاجتماعي هو الذي احتضن الدّيني. لذلك، علينا اليوم أن نقلب تلك المعادلة القديمة من أجل أن نحدّ من صلاحيّات رجال الدّين ومن مهامّهم، وحتى نحدّ ممّا يسمّيه السّوسيولوجيّون "مجال التصرّف في المقدّس".

د. نادر الحمّامي: لقد تحدّثت عن كاستورياديس الفرنسي من أصول يونانيّة، وكتابه المهم في هذه المسألة، ولعلّنا نجد لديه الهاجس المعرفي ذاته الذي نجده لدى رودولف أوتو (Rudolf Otto) (1869-1937) حول فكرة المقدّس، مع اختلاف الإجابات بينهما، وربّما نجد ذلك أيضاً في ما توصّل إليه الرّوماني الشّهير في تاريخ الأديان ميرسيا إيلياد. ألا ترى أنّ هذه البحوث كلّها حول المقدّس وحول الدّيني بقيت تدور في فلك البنيويّة، ولم تستطع تجاوزها بالبحث في هذا المشترك بين الأديان الذي ربّما قد ينفي الصّبغة الفرديّة؟

د. بسّام الجمل: ينبغي أن نضع هذه المؤلّفات في إطارها، فجلّ ما كتبه ميرسيا إيلياد كان في الخمسينيات والستّينيات من القرن الماضي، وتلك الفترة كانت تمثّل عصر البنيويّة بامتياز، استنادا إلى ما ترسّخ من خلال السّرديات البنيويّة مع ديسوسير (Ferdinand de Saussure) (1857-1913) والأنثروبولوجيا البنيويّة مع ليفي شتراوس (Levi Strauss) (1829-1902)، فكلّهم فكّروا بهذه الطّريقة البنيويّة التي تقوم على ثنائيّة الطّبيعة والثّقافة بشكل من الأشكال. وأنا أعتبر أنّ البنيويّة أدّت وظيفتها في تاريخ المعرفة وتاريخ الأفكار، وقد ظهرت بعدها مناهج أخرى، مثل الأنثروبولوجيا الرّمزية في ما كتبه غيلنر (Ernest Gellner) (1925-1995)، على سبيل المثال، في كتابه ''مجتمع مسلم''، وما كتبه كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) (1926-2006) في ''تأويل الثّقافات'' في بداية السّبعينيات من القرن الماضي. ولعلّ قيمة الأنثروبولوجيا الرّمزيّة تكمن في أنّها لا تستنطق النّصوص، بل تعتبرها صامتة، لذلك قام هؤلاء بأعمال ميدانيّة، وقد أقام غيرتز، على سبيل المثال، عدّة سنوات في المغرب وأندونيسيا، وكان يتّصل بأهل الإيمان وبأصحاب العقائد وبالأولياء وبمن يزورون مقامات الصّالحين في المغرب.

د. نادر الحمّامي: وقد أقام هؤلاء الدّليل على أنّ الدّين والتديّن هو من إنتاج المجتمع، وهذا ما ركّز عليه أيضا عالِم الاجتماع والإثنولوجي (Ethnologue) يوسف شلحت (Joseph Chelhod) (1919-1994) في كتابه الوحيد بالعربيّة حول ''المقاربات الاجتماعيّة للظّاهرة الدّينية''، فما ينبغي التّفكير فيه أساساً هو أن المجتمع هو الذي يصنع أشكال تديّنه.

د. بسّام الجمل: ولهذا، فغيرتز نفسه يقول إنّ علماء الأنثروبولوجيا الرّمزية يرون الإسلام من تحت وليس من فوق؛ أي أنّهم لا يرونه من خلال النّصوص لأنّ النّصوص لا تتكلّم، فإذا أردت أن تفهم الدّيانات في مجالها الحي والمركّب وفي اتّصالها بأحوال العمران وفي تلبّسها بنفسيّات البشر، فينبغي أن تعايش هؤلاء؛ أي أن تمارس تلك التّجربة عن قرب وبشكل مباشر، حتى تفهم لماذا يقوم المتديّنون بالاحتفالات الدّينية مثلاً، فلا شكّ في أنّ هناك أسباباً معيّنة تكمن وراء ذلك، وهؤلاء قد لا يجيبونك حين تسألهم عنها لأنّهم لا يعرفونها، وإنّما هم يمارسون تلك الاحتفالات من باب التّقليد الدّيني الرّاسخ والعادات التي درجت على اتّباعها المجموعة التي يعيشون ضمنها. ولكن علماء الأنثروبولوجيا يقومون بقراءة تلك الاحتفالات الدّينية الجمعيّة، ويستنتجون أنّ دورها الأساسي هو تبديد قلق الإنسان الدّيني وغير الدّيني.

د. نادر الحمّامي: القلق في دراساتك يرتبط بأمرين وجوديّين أساسيّين، كأنّهما أصل هذه الأديان، هما سؤال المصير وسؤال البدايات، وهما سؤالا الدّين الحقيقيّان.

د. بسّام الجمل: نعم، وأنا أرى أنّ المتخيّل سيبقى قائماً، باعتباره أساساً للأديان مادام هناك زمان وما دامت هناك حقيقة الموت، لأنّ أسئلة الإنسان الكبرى هي هذه، ولأنّ الإنسان في بحث متواصل عن المعنى وراء ما لا يستطيع أن يفسّره من ظواهر، لذلك فوجه الاختلاف بين الأديان والعلم أنّ العلم قد يجد من الظواهر ما لا يستطيع الإجابة عنها، ولكن الأديان في المقابل تقدّم إجابة مطمْئنة حول جميع تلك الظّواهر، والإنسان يرتاح لذلك تماماً، ويقتنع أنّ تلك الإجابات توفّر له المعنى، وهذا ما يطلبه، لأنّ رغبته من الوجود هي أن يعيش في عالم منظّم، وأن يقف على المعنى من ورائه، وإذا تحقّق له ذلك فهو يكفيه.

د. نادر الحمّامي: لذلك أنت تضع عناوين من قبيل "من الرّمز إلى الرّمز الدّيني بحثاً في المعنى والوظائف"، فهذا المتخيّل لم يعد زائفاً كما في الفلسفة الوضعانيّة، طالما أنّه ينتج المعنى، وهو جدير بالدّراسة، لأنّ على أساسه تتشكّل المجتمعات كافّة. ولعلّ ذلك ما دفعك إلى الاهتمام بالمتخيّل الدّيني، ولكنّك اهتممت أيضاً بمجال علوم القرآن، من خلال أطروحتك لنيل شهادة الدّكتوراه التي نظرت فيها في علم أسباب النّزول، وأقدّر أنّ ما قادك فعلاً إلى المتخيّل هو الفصل الأخير من هذه الأطروحة الخاص بعلاقة المتخيّل بأسباب النّزول، فكأنّك مزجت بين المتخيّل من ناحية وأحد العلوم التي تعتبر من المستندات التّاريخية لدراسة تاريخ القرآن من ناحية أخرى، ممّا كوّن لديك أسّين مهمّين؛ أوّلهما علوم القرآن، وثانيهما المتخيّل. وهكذا، فإنّ ربط المتخيّل لديك بمسألة علوم القرآن لم يكن من باب التّعسّف، وإنّما هو من باب المعرفة الأكاديميّة والعلميّة، ولذلك سننطلق في الجزء الثّاني من حوارنا بالنّظر في هذه العلاقة التي انطلقت منها، ليكون ذلك باباً شارعاً للحديث عن اهتمامك بعلوم القرآن في الإبستمولوجيا الإسلاميّة قديماً وحديثاً.