" الدولة المستحيلة: الإسلام، والسياسة، وأزمة القيم الحداثية" لوائل بهجت حلاق

فئة :  قراءات في كتب

" الدولة المستحيلة: الإسلام، والسياسة، وأزمة القيم الحداثية" لوائل بهجت حلاق

وائل بهجت حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام، والسياسة، وأزمة القيم الحداثية، جامعة كولومبيا للنشر بالولايات المتحدة، 2013، ص 256

عنوان الكتاب (الأصلي):

Wael B. Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament, Columbia UP: 2013, 256 pp


صدرمؤخرًا للأكاديمي الفلسطيني الأمريكي المعروف وائل حلاق كتاب متميز بعنوان"الدولة المستحيلة: الإسلام، السياسة، وأزمة القيم الحداثية"، ليلخص فيه ما وصل إليهمن خلال أعماله السابقة المعروفة التي جعلت منه مرجعًا لدارسي الفقه والقانون الإسلاميين، وخاصّة في العالم الأنجلوفوني. ومن إصدارات الكاتب السابقة: "الفقه والنظريات الفقهية في الإسلام الكلاسيكي والوسيط" 1995، "تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام" (1997) ترجمة أحمد موصللي (2007)، "نشأة الفقه الإسلامي وتطوره" (2005 ترجمة رياض الميلادي 2007)، و"السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفكر الإسلامي"، ترجمة أحمد موصللي (2007).

جاء الكتاب في سبعة فصول، كانت على النحو التالي:

1- مقدمات

2- الدولة الحديثة

3- الفصل بين السلطات: سلطة القانون أم قانون السلطة؟

4- القانوني والسياسي والقيمي

5- الذات السياسية ومحصنات الذات الأخلاقية

6 - محاصرة العولمة واقتصاد القيم

7- المجال الرئيس للقيم

نلخّص بداية الفكرة الأساسية التي يحملها الكتاب في نقاط ثلاثعوض نقطة واحدة، يلي ذلك تفصيل نقطتين منهابأمثلة يسوقها الكاتب، ونختم بتساؤلات موجزةنصوغها نحن انطلاقًا من الفكرالإسلامي المعاصر والحياة السياسية في سياق "الربيع العربي". هذا رغم أنالكاتب يؤكد أن فكرة الكتاب ليست وليدة أحداث الربيع العربي، كما أنها ليست وليدة شعور بالنوستالجيا (الحنين) لعالم مثالي مستحيل. (ص 12)

أما الفكرة الأولى التي يطرحها الكتاب هي أن الحداثة الغربية تعيش أزمة قيم عميقة تتجلى في مفهوم الدولة الحديثة وما يتبعها من نتائج لا قيمية على كلّ المستويات. والفكرة الثانية هي أنّ"الدولة الإسلامية" مفهوم لا قاعدة له في التجرية الإسلاميةالتاريخية، بل هو مفهوم تمّإسقاطهعلى الفكر الإسلاميّ خطأ، ومن ثم كان عنوان الكتاب: "الدولة [الإسلامية] المستحيلة". وحاصل هاتين الفكرتين هو (الفكرة الثالثة)، أولاً، الدعوة إلى إعادة النظر في مفهوم القيم في الدولة الحديثة، لتخرج من استلابها لذات المواطن الحداثي الذي انتزعت منه ذاتيته الوجودية، وأعدمت قيمته الإنسانيّةلحساب السلطة والدولة، وثانيًا الدعوة إلى إعادة الاعتبار بشكل إبداعيّ جديد لقيم الشريعة الإسلاميّة كنموذج قيمي يفوق ما وصلت إليه الدولة الحديثة. وبناء عليه، وعوض الدولة الإسلامية، يستعمل الكاتب مفاهيم كالحكامة الإسلامية [Islamic governance] (ص.13)، والخلق الإسلامي [ethic Islamic] (ص 49)، والخلق القرآني Quranic ethic] (ص 88)، وخلق الشريعة [Sharia ethic] (ص10 ) للتدليل على أن الشريعة ميزت التاريخ الإسلامي بأخلاقها التي تعطي أولوية للفرد والجماعة كقيم عليا، على عكس ما تفعل الدولة الحديثة ومؤسساتها بالفرد. ويخلص الكاتب إلى أنّ مفهوم الدولة الحديثة مناقض تمامًا لأخلاقيات الإسلام. إنّهما منهجان مختلفان في جوهرهما (ص 75). "إنّ أيّ تصور لدولة إسلامية حديثة هو في جوهره مناقض لذاته" (ص 9-11). "إنّهما [أي مفهوم الدولة الإسلامية والدولة الحديثة] نموذجان على طرفي نقيض" (ص 75-110).

ونعطي أمثلة على كل واحدة من الأفكار الثلاثة السابقة لمزيد من التوضيح:

أولاً: يقدم حلاق نقدًا قاسيًا للحداثة الغربية ولمفهوم الدولة الحديثة مستدلاً في طرحه -إمّا اختلافًا أو اتفاقًا- بكبار فلاسفة الغرب في العصر الحديث، على اختلاف مرجعياتهم ومذاهبهم الفلسفية والدينية، أمثال إمانويلكانط، وفريدريك هيجل، وفريديريك نيتشه، وماكس فيبر، وكارل شميت، وثيودور أدورنو، وميشال فوكو، وجون رولز، وبيير بورديو، وتشارلز لارمور، وجون كراي، ومايكل وولتزر، وتشارلز تايلر. يلخّص الكاتب نقده للحداثة وتمظهرها في مفهوم الدولة الحديثة في أنّها غيّرت سلطة الإله كما كانت رائجة في العصر ما قبل الحداثي إلى سلطة الدولة والمؤسسات، لدرجة أنّها أصبحت إلهًا بدورها، "إنّ الدولة أصبحت إله الآلهة...لا إله إلاّ الدولة". (ص 30)

ومن الممكن أن نوجز نقد حلاق للدولة في خمس نقاط كما يحدّدها هو؛ أوّلاً: الدولة الحديثة نتاج تاريخي في ثقافة معيّنة هي ثقافةأوروبا وأمريكا الشمالية، ومنبتها والنهضة الأوروبية وعصر الأنوار والثورة الصناعية والعقلانية. وللحضارة الإسلاميّة مساهمة في ذلكالتنوير الأوّليّ (ص 24). "إنّ تاريخ الدولة هو الدولة ذاتها" (ص 25). ثانيًا: إنّ الدولة الحديثة تصنع سيادتها بناء على االميتافيزيقا التي تكون من خلالها مجموعة مجردة تسمى "الأمة"، وهي التي يتوجّب على كلّ فرد ينتمي إليها طاعتها كما لو كانت إلهًا (ص 25-29). ثالثًا: تبني الدولة كيانها على أساس التشريع الذي تصوغه الأغلبية الغنية في معظم الأحوال، والقانون الذي به يطوّع الفرد والجماعة، والعنف الذي تمارسه لإنجاح هذه السيادة، وليس العنف هنا جسديًا، بل أكثره نفسي داخلي تمارسه عبر ميتافيزيقاها الخاصّة (ص 29-30). رابعًا: تبعًا لذلك، يصبح الفرد ﺂلة في دواليب البيروقراطية الإدارية التي تزيد في فصل الفرد عن جماعته الأوّليّة، لتصنع منه مواطنًا لا يفكّر إلاّ في الدولة الإله (ص 30-32). خامسًا: ينتج مما سبق هيمنة الدولة ثقافيًا عبر تسييس الثقافة، لتوحيد الدولة الوطنية، وبذلك يندثر التعدد الثقافي الذي لا يخدم ميتافيزيقا الدولة الواحدة وسلطتها (ص 33-35). ولأنّ الدولة الحديثة تخدم نفسها وحسب، فإنّ الكاتب، مثلاً، لا يرى أيّ فصل كبير بين السلطات الثلاث، ويعطي نموذج الولايات المتحدة للتدليل على ذلك؛ فالبيروقراطية التي تشتغل بها السلطة التشريعية وغلاء مصاريف المحاماة لا تخدم الفرد المتوسط الدخل والفقير هناك. كما أنّ عمق البيروقراطية أصبح صعب المراقبة (ص 41-42). وما أحدثته الدولة الحديثة بهذه المميّزات هو أنّها فرّقت بين ما هوكائن وما يجب أن يكون [Is/Ought] فصارما تنتجه وما تستهلكه لا يولي لقيمة القيمة قيمتها، لأن الإنسان في نموذجها أصبح آلة، لا قيمة في حد ذاته. ولا يستغرب حلاق من كون الحداثة لم تنجح كمشروع عالمي يسوق نفسه كقيمة ودليل،وذلك لأنّها قد تمنعالتعدد والاستقلالية وكل تفكير يضعف سلطتها.ولم تنشر الدولة الأوروبية الحديثة لا العدل ولا المساواة ولا التقدم، بل كرست مزيدًا من العنف والفقر والاستعمار. (ص4 )

ثانيًا:بناء على الفكرة الأولى أعلاه، يرى الكاتب أنّه إذا اختار المسلمون نموذج الدولة الحديثة كما تعرفها أوروبا، فإنهم يختارون نموذجًا أقلّ تقدّمًا ونجاحًا من الذي عاشوه لمدة اثني عشر قرنًا (ص 72). إن إسقاط مفهوم الدولة الحديثة على التاريخ الإسلامي هيمحاولة لجمع متناقضين (ص 75). وإنالشريعة لا يمكن فهم مقصدها إلا بالنظر إلى كلّ جوانبها. لقد كانت أكثر ديمقراطية وعدلاً من الدولة الحديثة (ص 72)،لأنها كنمط حياة لم تكن تطمح إلىالتسيّد والسلطة أولاً، لأن السلطة الوحيدة هي الإله الواحد، وثانيًا:لأنها كانت تربّيالفرد أوّلاً لخدمة قيمته الإنسانيّة كخليفة في الأرض ولخدمة الآخر. إن قوانين الشريعة كانت مسخرة لخدمة الإنسان، وليس لخدمة الدولة وسلطتها. لا ينفي حلاق إنّ خلق الشريعة لم يكن دائمًا مطابقًا لخلق القرآن، لأنّ بعض التجاوزات كانت تحدث هنا وهناك من الأقطار الإسلامية الواسعة (ص 88-89).

ييستعيرالكاتب مصطلح"محصّنات الذات الأخلاقية" [moral technologies of the self] من ميشيل فوكو، ليعبّر عن الأخلاق التي ما تزال متجذّرة في نفسيّة المسلمين، رغم محاولات الدولة الحديثة فصل الدين عن الدولة وركنه في المجال الخاص للفرد. هذه المحصّنات الأخلاقية بقيت قويّة لأنّها متعلّقة بالشعائر الدينية، خاصّة أركان الإسلام الخمسة التي يشير إليها الكاتب واحدة تلو الأخرى، ليدلّل على معانيها الأخلاقية التي تربّيها في الفرد. ويخلص حلاق إلى أنّ الشريعة كنموذج أخلاقي كان ناجحًا في الماضي ويمكن أن يجدد نشاطه بشكل مبدع آخر،لأنّه كان يربّي الفرد أولاً على معنى القيم بمختلف مستوياتها، فردية وجماعية وكونية، من أجل فعل الخير(ص 110-138). ويعرج في تحليله وأمثلته على معنى العقل وفي كونهوسيلة للوصول إلى الغايات الكبرى من قانون الشريعة، من أجل العمل الصالح،وليس فقط لأن الفرد يجب أن يعامل الآخر كما يحبّهو أن يعامل، بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يستريح أخلاقيًا [داخليًا] مما قد يفعله من سوء، وما قد ينجم عنه من نتائج (ص 5-164). لذلك، فالشريعة أخلاقية في نموذجها بقوانينها، ولا شريعة بدون قانون (ص 83). وإنّ القرآن يتحدى الإنسان بتشريعاته من أجل فعل الخير،وإنهيهتم بالقانون كوازع أخلاقي أولاً ولا يفرق بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. (ص 83-84)

الغرض من هذا البسط هو الوصول إلى الفكرة التي مؤداها أنّ الهدف من تشريع القوانين في الشريعة هو تكوين فرد ذي قيم تسمو على أيّة سلطة أخرى. ولم تكن هذه القيم تكرس للدفاع عن سلطة الأمير أو الخليفة أو القاضي أوالمفتي الذي كان إجمالاً مستقلاً برأيه لا يعترف بسلطة أكبر من سلطة الإله، فكان القاضي، مثلاً، يصل إلى منصبه عن طريق سمعته العلمية، لا عن طريق إخلاصه لسلطة ما. كما أنّه كان قريبًا من الناس، يعرف قضاياهم، ويفتي لكلّ محتاج حسب حالته، وكان ذلك بدون مقابل. زد على ذلك أنّ التعليم كان بيد الأوقاف ورجال العلم وليس بيد السلطة الحاكمة، وبما أنّ العلماء في وقتهم كانوا كذلك رجال دين وفقه، فانّ تعليمهم كان كذلك تعليمًا قيميًا، على عكس التعليم في الدولة الحديثة التي - من خلاله- تحاول بسط سلطانها وتكوين الفرد الذي لا يفكر بدون سلطة الدولة. إنّ المجتمع المدني الإسلامي هو الذي كان حريصًا على قيمه وعلى غرسها في الأفراد أولاً. هذه بعض الأمثلة التي يستقيها الكاتب من التاريخ الإسلامي، ليؤكّد أنّ الإسلام لم يعرف معنى الدولة بمفهومها الحديث، بل عرف فصل السلطات وحكامة إسلاميّة ركيزتها أخلاق القانون. (ص 56)

ثالثًا:انطلاقًا من الفكرتين السابقتين،ومتحدثًا من الخارج كباحث غير مسلم، يرى حلاق أنّ على المسلمين أن يختاروا بين أمرين، إما الانحياز لقانون وضعي حداثي متغير لم يسهم إلاّ في استنزاف الطبيعة واستلاب ذات الإنسان بماديته ونموذجه الاستهلاكي، وإمّا الإبقاء على نموذج الشريعة الأخلاقي الذي لايسوّد أحدًا على أحد، حيث السيادة لله، والطبيعة مسخرة له أصلاً منذ أول الخلق، ليتعامل معها ومع العالم تبعًا لمبدإ المساءلة الأخلاقية [moral accountability] (ص 89). ويؤكد الكاتب أنّه لا يقصد بنموذج الشريعة الذي يتحدث عنه ما هي عليه الآن منذ القرنين الماضيين بعد تواصلها مع الحداثة والدولة الحديثة بعد الاستعمار. إنّ النموذج الإسلامي الأخلاقي الذي يدرسه الكاتب هو ذاك الزمن الممتد من ظهور الإسلام وامتداده لاثني عشر قرنًا إلى ما قبل الاستعمار. إنّ خلق الشريعة الذي يتحدث عنه ليس هو إعادة نفس النموذج البائد ولا النموذج الحالي الذي ليس نموذجًاإسلاميًّا ولا هو نموذج حداثي على النمط الأوروبي. إنّ حالة الشريعة الراهنة كما يتحدث عنها مظهر من مظاهر الأزمة عينها التي يجب إصلاحها بنموذج أخلاقيّ كان ناجحًا لمدة قرون قبل الحداثة، وكان أكثر عدلاً كذلك (ص 10)، لأنّ النموذج الأخلاقي تلوّث بالحداثة اللاأخلاقية وكذلك بالجمود عن الاجتهاد، كما سبق للكاتب أن أشار في كتبه الأخرى، ولذا يتوجّب إعادة إبداع خُلُق الشريعة [acreative reformation of the sharia ] للمساهمة في تصحيح مسار الحداثة (ص 172). ويشير حلاق على الهامش في الختام إلى المشروع الأخلاقي للفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن كنموذج فكري متميز يمشي في نفس اتجاه أطروحته الأخلاقية (ص 169)، ليكون - حسب علمنا ومتابعتنا- ثاني مرجع باللغة الإنجليزية يشير إلى مشروع عبد الرحمن،[1] لكنه قد يكون حسب رأيي أول كتاب يشير اليه من ناحية الفكرة العامة التي يطرحها – أي فكرة الشريعة كنموذج للأخلاق يضاهي بل يفوق حسب حلاق نموذج الدولة الحديثة الأوروبية. إنّ إحياء مشروع الأخلاق الإسلامية منتوج حداثي كالحداثة نفسها، بل يمكن اعتباره مشروعًا لما بعد الحداثة بامتياز (ص. 13). إنّ مشروع خلق الشريعة يضاهي بقيمه مشروع الأنوار [Enlightenment]، بل يمكن اعتباره الآن نموذجًا مهمًا يستفاد منه (ص 13). بهذا الاعتبار يعيد حلاق الشريعة إلى مجالها القيمي الذي يمكن أن تشارك فيه مع العالم من أجل "نهضة قيمية" [moral awakening] (ص 170) لبناء إنسان القيم [homo moralis] (ص 138).

بعد عرض محتوى الكتاب الذي حددناه في ثلاث نقاط، نختم كذلك بثلاث نقاط أخرى نبغي من خلالها الانفتاح على بعض الإشكالات الكبرى التي تطرحها فكرة حلاّق. أولاً:إنّ الحديث عن أخلاق الشريعة واعتبارها نموذجًا [كان] ناجحًا ولكنه يمكن إعادة تشكيله كنموذج ليقيّم الحداثة الغربية لدرجة رفعها إلى مستوى يضاهي، بل يفوق فكر الأنوار الأوروبي في زمن اختلط فيه معنى الإسلام بالإرهاب واللاديمقراطية قد يغير الكثير في الدائرة الأكاديمية الغريبة التي لا تفكر إجمالاًإلا داخل نموذجها الحداثي. وهذا لا يعني على الإطلاق أنّ حلاقّهو أوّل من فتح نقاشًا كهذا. ما نريد قوله هنا هو أن الكتاب يتحدى الحداثة الغربية أوّلاً وينتقدها من داخلها، وثانيًا يغذيها من تراث كانت وما تزال تزدريه لأنّه ديني، وماضوي، ولامعقول من منظورها. وثالثًأ، يشترط حلاق إعادة إبداع خلق الشريعة من أجل نهضة أخلاقية، وهذا شرط يتوجّه به إلى المسلمين، وهو ليس سهلاً على الإطلاق.

منذ قرنين من الزمن والمسلمون يتحدّثون عن ضرورة الإصلاح والنهضة، فلم يجدوا طريقًا لذلك بعد، لأنّ الحداثة فرضت نفسها بقوة، وهي تجثم على الموروثات ما قبل الحداثية، ولا تريد لها الإحياء، لأنّ ذلك يهدّد السلطة-الإله الذي يحرّكها. وتعطى الحرية والمساواة لمن يسلّم ذاته للدولة الحديثة ومؤسساتها، وليس لمن يرتوي بالحرية والمساواة من أجل التحرر من سلطة الدولة إلى سلطة أكثر رحابة وسعة كسلطة الإله الواحد من المنظور الإسلامي. لقد تغذّى الفرد المسلم ببعض الحداثة، وخاصة في صورها الاستعمارية والإدارية والتكنولوجية التي لا يستطيع الانفكاك منها، لدرجة أنّ العامّة أصبحت تظنّ أنّ الحداثة وما تجلبه من تقدّم مادي لا تخالف الشريعة ومقاصدها في شيء، فأصبح الفرد يعيش متناقضات القيم التي تربيها شريعته ومنجزات الحداثة المادية وما تتيحه له. إنّ هذا المزيج من الحداثة والقيم يشوّش على الفرد والمجتمع بشكل عام لدرجة تغيب فيها القدرة على التحليل والاستيعاب من أجل الاختيار، اختيار سلطة الإله وقيم الشريعة، أو اختيار سلطة الدولة الحديثة ومنجزاتها التي تسرّ الناظرين. إنّ قرنين من الزمن أنتجا فردًا يمكن أن نسميه شبه مسلم، لأنه لم يحدّد بعد المسار الذي يريده. وما التطرف الإسلامي وفشل الإسلام السياسي قبل وخلال ما يسمّى بالربيع العربي إلى حدّ الآنإلاّ نموذج لهذا الاضطراب والتردّد الداخلي بين عالمين وبين سلطتين؛ سلطة الإله، وسلطة الدولة.

والنقطة الثالثة التي نختم بها، تخص كيفية إعادة تشكيل أخلاق الشريعة؛ أيّ منهج وأية مدرسة يجب على المسلمين اتباعها لمباشرة هذا المشروع الحضاري؟ ويترك حلاّق الجواب للمسلمين، لكنّميولاته بادية.إنّ استدلاله بالغزالي وتمكّنه من الفقه والفلسفة والتصوف واستدلاله - على الهامش- بطه عبد الرحمن الذي يميل بدوره إلى مدرسة الغزالي الفكرية-الأخلاقية، وعدم استدلاله بغريم الغزالي وبغريم طه عبد الرحمن - أي ابن رشد و تلميذه المعاصر محمد عابد الجابري، على التوالي- يجعلنا نظن أنّ حلاق يميل إلى المدرسة الأخلاقية التي لا تجعل العقل وحده مركز كلّ السلطات، ومنبع الأخلاق. إنّ ديمومة الأخلاق وقيمتها نابعة من العقل والشرع معًا. إنّهما في الأصل غير متضادين ولا منفصلين، كلاهما يصبو إلى فعل الخير، حسب هذه المدرسة، ولو اختلفت المناهج. كماأنّ هذه المدرسة لا تفرّق بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. إنّ الإيمان يتبعه عمل. والقانون والأخلاق يمشيان على خط واحد، وهوأمر لم يتوافق عليه كليّة المسلمين ماضيًا وحاضرًا.

ومعنى هذا أنّ التحدّي الأخلاقي الأوّل الذي يواجه المسلمين هو اختيار المدرسة التي يريدونها نموذجًا لحياتهم: الغزالي أم ابن رشد؟ عبد الرحمن أم الجابري؟ أم أنّ الحداثة الغربية لها ما لها من إيجابيات - لم يذكرها حلاق- ويمكنها أن تساعد المسلمين على بناء نموذج يمزج الاثنين؟ وهل هذا ممكن في الفكر؟ وكيف يمكن إسقاطه على الواقع؟ أليست حالة بينبين، هي التي يعيشها المسلمون اليوم، وتدلّ على اضطراب عقلهم وتردّده في الفصل والاختيار؟ ومن يقوم بهذا الاختيار أصلاً؟ ألم تقوض الدولة الحديثة فكرة الشريعة والسلطة الدينية عن طريق الإصلاحات الإدارية التي لم يعد فيها القاضي، مثلاً، مستقلاً، ولا المدرسة، ولا حتى دار الإفتاء التي أصبحت تابعة لرئيس الدولة الحديثة بشكل من الأشكال؟ كيف يمكن للمسلمين إعادة إصلاح نموذج الشريعة الأخلاقي لتفادي أزمة الدولة الحديثة. مع العلم أنّ البلاد الإسلامية أصبحت شبه دول حديثة لا تستطيع فكّ علاقاتها مع الدول الحديثة الكبرى التي تؤثّر في العالم؟ أم أنّ على المسلمين المروربخطوات الغرب نفسها، ببناء الدولة الحديثة أوّلاً، وبعد ذلك سيسهل بناء الفرد الأخلاقي والدولة الحديثة الخلاّقة،لأنّ محصّنات الذات الأخلاقيّة لن تموت من ذهن ونفسية المسلم الذي يعيش ويعرف الآن أنّ الدولة الأوروبية الحديثة لا أخلاقية في تصوّراتها الميتافيزيقية السلطوية؟ فإلى أيّ مدى قد يراهن المسلمون على أنّ محصّنات ذاتهم الأخلاقية لن تتغيّر مع الزمن؟ أليست قيد التغيير؟


[1]- حسب متابعتي باللغة الانجليزية، أعتقد أن الكتاب الأول التي تطرق لمشروع طه عبد الرحمن، للكاتبة نيلي لحود في كتابها باللغة الانجليزية الفكر السياسي في الإسلام – قراءة في مسارات فكرية الصادر سنة 2005 عن "روتلاج" للنشر بلندن ونيويورك. وقد أشارت الكاتبة إلى بعض أفكار طه عبد الرحمن حول "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" و"الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" بالخصوص، جاء ذلك في صفحتين ونصف – ص 36-39-، حيث تخلص إلى قولها أن طه يبني فلسفته العربية على القضية العربية الفلسطينية في صراعها مع الكيان الإسرائيلي وبذلك ترى أنه سقط في تبسيط مفهوم الفلسفة وعالميتها وبذلك تم تسييسها حسب قولها. لا تشير إلى مشروعه ككل ولذلك سقطت في تبسيطه. أما وائل فانه لا يناقش طه بل يشير إليه فقط في الهامش كمشروع رائد للأخلاق. نتمنى أن يكون حلاق بصدد الاشتغال عليه بشكل أكثر عمقا؛ أما الفرق الآخر بين العملين، فيمكن في أن حلاق له وزن أكبر وإشارته لطه ولو هامشية فإن لها وزنها، أما نيلي فان الكتاب الذي أشارت فيه إلى طه عبد الرحمن ليس رائجا ولو أنه صدر سنة 2005، وليس لا ذا منهجية عالية ولا تحليل عميق يحيط بفكر طه عبد الرحمن في عمومه قبل تخصيصه.

الكتاب الأصلي للكاتبة نيلي لحود.

Nely Lahoud, Political Thought in Islam: A Study in Intellectual Boundaries, London and New York, Routledge Curzon, 2005, pp. 194