السلطة الأيديولوجية وتحطيم الإنسان: ثلاثة نماذج أدبية من ثلاثة دول شمولية

فئة :  مقالات

السلطة الأيديولوجية وتحطيم الإنسان: ثلاثة نماذج أدبية من ثلاثة دول شمولية

ثمة خيط رفيع - مثل خيط العنكبوت السّرِّي الذي يتخذه لنفسه، فيسير عليه بحريةٍ تامة - يجمع بين ثلاثة أعمال أدبية مرموقة؛ أحدها قادم من عمق البيئة السعودية، ألا وهو (فسوق) للروائي "عبده خال"، والثاني قادم من إيران، وهو (أن تقرأ لوليتا في طهران) للروائية "آذر نفيسي"، والثالث قادم من الصين، وهو (بجعات برية) للروائية "تونغ تشانغ"[1]. ولو قُدِّرَ لـ"عبده خال" و"تونغ تشانغ" و"آذر نفيسي" أن يلتقوا لضحكوا ضحكة حزينة، تنمّ عن إشكال كارثي عاينوا تفاصيله وعملوا على بلورة معالمه، بطريقة أدبية جميلة وماتعة. إنهم، وباختصار، يرقصون على جثّةٍ ميتة، ويحوّلون هذه الرقصة إلى مشهد جاذب وملئ بالأحاسيس العذبة واللذاذات الغاشمة.

أيام "ماوتسي تونغ" - مؤسّس الصين الحديثة - تمَّ تحويل الصين إلى معمل كبير، أُهْدرت فيه حيوات الناس، وتحت وطأة جملة من القوانين - التي أصبحت مُقدّسة بين ليلة وضحاها- صار هذا (حلالٌ) وهذا (حرام)!

وفي إيران، تحديداً الجمهورية الإسلامية الإيرانية[2] تمَّ اعتبار دولة الشاه دولة كافرة وغارقة في أوحال الرجس والضلال، يجب تطهيرها بجملة من القوانين الجديدة التي تضع كل شيء ضمن إطار (الحلال) أو (الحرام)!

وفي المملكة العربية السعودية، تمّ تأثيم الوجود الإنساني واعتباره خطأ وجوديًا، وتصحيحه يتطلب خضوعًا صارمًا لنظام كهنوتي لا يرى في الحياة إلا (حلالاً) أو (حراماً)!

إن الصيغة المبدئية التي تجمع بين هذه الأنظمة الشمولية، وإن اتخذ أولها طابعًا دنيويًا، والثاني والثالث طابعاً دينياً[3]، هي صيغة بنيوية؛ فالأرضية التي يُبنى عليها البناء الاستعبادي هي أرضية مشتركة، وما اتخاذ القانون الديني أو المدني إلا ذريعة لإسباغ هالة مقدسة تُشَرْعِن للدولة ومنطلقاتها الأيديولوجية، لا سيما فيما يتعلق باستباحة الإنسان، وتعطيل كل ملكاته وحيواته التي لا تتفق والنهج الأيديولوجي الجديد. فالشبكة التحتية لكلّ الأنظمة الشمولية هي شبكة واحدة، وإنْ تجلَّت الصيغ الخارجية في قالبٍ ديني أو دنيوي،؛ فالأهمية القصوى هَهُنا هي التدمير والتخريب، فسواء أكان الله هو الحاضر في الخطاب القانوني تحليلاً أو تحريماً، أو كان الزعيم الأوحد، فإن الغاية واحدة، ألا وهي إحكام السيطرة على الشعوب وقولبتها في قوالب على مقاس السلطة الحاكمة، إذ يصير الحضور اللاهوتي أو الناسوتي حضورًا تدعيميًا للشخص الحاكم؛ فالسند الأخروي أو السند الدنيوي هو لتدعيم سلطة قائمة، وليس لتحقيق عدالة الأرض أو السماء ضمن هذه الممالك الشمولية.

وفي النماذج الروائية التي أتيتُ على ذكرها أعلاه، إدانة واضحة - بما يتجاوز مرحلة الصراخ السياسي التي سادت الأنظمة الشمولية إلى مرحلة الإمتاع الجملي، وخلق نوع من اللذة الهائلة في الذات المُتلقية، حتى وهي تبكي أو تذرف الدمع على مشاهد قاسية ومؤلمة - لهذه السلطة (سواء أكانت سلطة دينية أو دنيوية)، بصفتها سلطة عمودية تُلغي كل الأفقيات والآفاق، التي من شأنها خلق حالة من الإثراء والثراء المعرفي والثقافي، والحضاري بالتالي.

إن "ماوتسي تونغ" حالَ بالتقادم، بعد أن كان مجرّد إنسان تحرّري ومُتعاطف مع قضايا الإنسان الصيني المُسْتلَب، المُضطْهَد، إلى إله دنيوي، خلق أيقونته اللاهوتية –رغم أنه ابن دنيا ولا علاقة له بالآخرة والأنظمة الدينية- وتسامى فوق الحالة البشرية، وصار ينظر إلى الآخرين من علٍ. وفي غمرة الانشغال بالتعالي، صار البقية - ما عدا الذات الماوتسية المُطْلَقة- محض هوامش، لا معنى لوجودها من عدمه، لذا حِيكَت كنزة ألوهته على عجل، وصار واجبًا قوميًا ليس فقط تقديس هذا الإله الدنيوي، إنما - أيضًا - عبادته، وقراءة نصوصه وعباراته بتوقيرٍ شديد.

إنَّ الإله الماوتسي هو حجّة - في الحياة الدنيا - على الإنسان الصيني أو ضدّه، وتلك التعاليم –التعاليم الماوتسية- بديل حصري ووحيد عن كل الآداب والفنون الزائفة التي يمكن أن تأتي من أيّ ذاتٍ أخرى. وتحت وطأة حضور لاهوتي غاشم للإله ماوتسي تونغ، أحرقت أعمال كُتّاب مهمين في الصين، وصُودرت أعمال وأحرقت أخرى، وصار يُنظر بنوعٍ من التحقير لكلّ من ينادي بأية قيمة لأي فنّ أو أدب غير مُدعّم بحجج ماوتسية!

لقد أفاضت "تونغ تشانغ" في وصف التردّي –ضمن قالبٍ روائي بديع و ماتع- الثقافي والإنساني أيام "ماوتسي تونغ"، والأضرار البالغة التي لحقت بعموم الثقافة الصينية أيام حُكمه، لا سيما أيام ما أطلق عليه بــــــــ (الثورة الثقافية).[4]

وبالمثل أفاضت "آذر نفيسي" في وصف المعاناة التي لحقت بعموم الثقافة الإيرانية بعد تولّى الخميني – الذي جاءت به الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979- سدّة الحكم المُطْلَق في إيران، والضيم الذي لحق الإنسان بشكل عام، وهدر لطاقاته وإمكاناته، بما يتلاءم ورؤية الخميني الذي، وبحسب تعبير "آذر نفيسي"، "أخفقَ في تحقيق حلمه، ودمَّرَّ الواقع"! فالشخص الورع، التقي، حالَ مع مرور الوقت وتسارع الأحداث إلى شخص حالٍّ –ضمن عملية جذب صوفي عنيف- في النص الديني؛ فقد صار الخميني هو النص بعينه، وما يصدر عن الخميني وكأنه صادر عن العلي القدير! وبموجب هذا الواقع الجديد، استحدثت جملة من القوانين والأشرعة التي حُدّدت بموجبها أولويات الحياة؛ فهذا (حلال) يجوز مسّه والاقتراب منه، وذاك (حرام) يمنع منعًا باتًا الاقتراب منه.

إن المفارقة العنيفة في هذا التوجّه، هو أن منظومة الحلال والحرام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تمثلت - بحسب آذر نفيسي - في شخصية الخميني، ومن ورائه أجهزة الدولة بكاملها، الذي أراد صياغة إيران الحديث وفقاً لرؤى حُلمه، وليس وفقاً للنهج الإلهي؛ فالحلال هو حلال الخميني، والحرام هو حرام الخميني أيضًا، وعلى الشعب أن يقبل بهذه الوقائع كمسلّمات لاهوتية لا تشوبها شائبة، أو أن عذابًا شديدًا سيناله، ليس فقط في هذا العالم إنما في العالَم الآخر أيضًا.[5]

أما في العربية السعودية، فقد تمَّ الاستعانة بشبكة هائلة من الفتاوى، ليس فقط لتمرير الرؤى الأحادية للسلطة الحاكمة، إنما - أيضًا - لتثبيتها ومنحها حضورًا قويًا وهائلًا، يتجاوز الإمكان البشري إلى مرحلة الحماس الإلهي، لذا تصير تعاليم وقوانين السلطة الحاكمة تعاليمًا نازلة من أعلى، ومطبوعة بطابعٍ قُدسي يُحرَّم الخروج عليه. وفي هذا المجال لا يخفى على أحد حجم الإنفاق السعودي على الإعلام الديني الذي يُروِّج لثقافة الحلال والحرام، والتضييق على الناس، وإحالة حياتهم إلى جحيم دنيوي؛ فكلّ من خالف منهجهم (وبالضرورة أن ذلك النهج لا يتفق مع كثير من الرؤى الإسلامية الأخرى، والتي تنطلق من ذات المُسلّمات اللاهوتية التي تنطلق منها العربية السعودية)، مصيره جحيمان: جحيم في الدنيا، وجحيم في الآخرة.

وإذا كان "عبده خال" قد أشارَ ضمنًا - عبر سرد روائي جميل - إلى احتفاظ عامل المقبرة بجثة الفتاة الميتة، فذاك دليل على الوضع الكارثي الذي وصل إليه النظام الشمولي في العربية السعودية؛ فعامل المقبرة هو النظام السادي، والجثّة الميتة هي جثّة المجتمع السعودي المُتفسّخ الماسوشي. فالعلاقة التبادلية بين الحريص على موت الناس، والناس المُقبلون بشغفٍ على الموت؛ هي علاقة (ضد - حياة)، وغير قادرة على إعمار الأرض، والسير قدما ناحية الأمام ولو قيد أنملة، فهي جامدة ومتجمدة ومُجمّدة لحيوات الناس، والناس في ذات الوقت مشاركون في هذه المذبحة الكبرى، من خلال ركونهم وخضوعهم لثقافة الجلاد؛ القبَّار، الحريص على موت الناس، ومنفعلون –انفعالاً حماسياً بصفته يحمل عصًى لاهوتية- بأقانيمه وتمظهراته، ومتفاعلون –تفاعلًا اعتباطيًا على أرض الواقع- مع تجليات ثقافته المميتة، من خلال الاندماج في مساراتها الجمعية، والترويج لها بصفتها الحلّ الأول، والأخير لعموم المشاكل البشرية.[6]

وعليه، فقد أثمرت تلك النماذج الأدبية في مقاربة الوحش الكامن والظاهر في تلك الأنظمة الشمولية، والعامل ليل نهار على قضم حيوات الناس وتدميرها، وإحالتها إلى سباتٍ أبدي دائم. وإذا كان لتلك النماذج أن تُقارِب باطنيًا، فإنها تُدين في كثير من الأحيان ظاهريًا، وإنْ أبقت على مجالٍ للتأويل. وما هذه الإدانة إلا من باب الانتباه إلى الخطر الكبير الذي يتهدّد الإنسان، ليس فقط في ضميره الأخلاقي، إنما أيضًا في عقله النقدي، بصفته أصبح غير قادر على التفاعل مع الحياة بكل ثرائها، فهو محجور عليه ضمن أُطُر تابوتية أُعدَّت سلفًا، وها هو مدعو للشراكة في تهديم صنميتها، والمساهمة الفاعلة في بلورة نسق جديد، من شأنه أن يجعل الإنسان أكثر تفاعلًا مع مقتنيات هذا الوجود.

إنَّ اللذة الاغتباطية التي يمكن أن يُحدثها علم أدبي ممتاز، أثناء ممارسة فعل القراءة أولاً، ومن ثمَّ أثناء الاشتغال تأويلاً عليه، لمن له الأهمية بمكان في دفع الإمكان البشري ناحية أفق تفتّحي خارجي جديد. فالتطوّر الجمالي الحاصل في الداخل، يقينًا سَيُفضي إلى تقدّم وازدهار مثمر.


[1]- معظم هذه الروايات وغيرها، ممنوع تداولها في تلك الدول، حتى أن رواية مثل رواية (بجعات برية) – وبحسب مؤلفاتها- كانت تدخل تهريباً إلى الصين، حتى بعد انتقال الصين إلى مرحلة جديدة من الاندماج العالمي.

[2]- من المفارقات أن ثمة قوتين تتنازعان السلطة في إيران، واحدة دينية ترأسها "الخميني" مع بدايات الثورة في العام 1979، ومن بعده "علي خمنئي". صحيح أن رئيس الجمهورية يتغير بانتظام، لكن رأس السلطة الممثل للثورة وطابعها الديني لا يتغير حتى يموت.

[3]- مع ملاحظة أن ثمة عداء خفي وظاهر بين العربية السعودية وإيران، وإن كانتا تنطلقان في بلورة رؤاهما من ذات الأسس الدينية؛ فالأولى تعتبر نفسها حارسة لمصالح أهل السنة والجماعة، والثانية تعتبر نفسها حارسة لمصالح الشيعة، مع أن التنكيل والترويع في كليهما يطال الكلّ!

[4]- هناك أمثلة روائية عديدة أخرى، منها: (ورقة في الرياح القارسة) للروائية "تنغ هسنغ يي"، ورواية (بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة) للروائي "دي سيجي".

[5]- مثلاً، يكشف تعامل السلطة الدينية مع الروائي "سلمان رشدي" عن وضع الأدب في عمومه - بصرف النظر عن منطلقات الكاتب أو التأويلات التي يمكن أن تفضي إليها أعماله - في صندوق أُعدَّ سلفاً، ليكون كل شيء على مقاس الثورة الإسلامية في إيران.

[6]- من النماذج الروائية السعودية، والتي عملت على نقد الحالة الاجتماعية والدينية: رواية (الآخرون) لـ "صبا الحرز" و(ملامح) لـ "زينب حفني" و (ترمي بشرر) لـ "عبد خال و ثلاثية (الكراديب/ العدامة/ الشميسي) لـ "تركي الحمد".