المرأة واللغة بين السيكولوجيا وعقلية فارس القبيلة


فئة :  قراءات في كتب

المرأة واللغة بين السيكولوجيا وعقلية فارس القبيلة

بمتابعةٍ من مُؤلِّف الكتاب "عبد الله الغذامي" على موقع التواصل (تويتر twitter) ناقشت مجموعة (انكتاب) القرائية كتاب اللغة والمرأة في مكتبة "عبد الحميد شومان" في العاصمة الأردنية عمَّان، بحضور لفيف من المهتمين بالشأن الفكري.

وقد افتتحت الجلسة بنبذةٍ عن الكاتب والكتاب والموضوعات الرئيسة التي تناولها الكتاب بحثاً وتفصيلاً. ثمّ تلاها فتح باب النقاش والحوار حول الكتاب ومنعرجاته، وقد انصبتّ الحوارات في عموميتها على وضع المرأة في العالم العربي، لا سيما تلك المرأة الأديبة أو التي تشتغل في الحقل الإبداعي؛ فالنماذج التي تعامل معها "عبد الله الغذامي" هي نماذج نسوية، وهذا ما وشت به العنونة بدءاً عبر اختلاق علاقة بين اللغة والمرأة، ومحاولة الاقتراب من مقاربات جديدة لهذه العلاقة الإشكالية.

وفي الحوار التفاعلي على موقع تويتر كان للتغريدات أن تأخذ حيزاً من الجلسة الحوارية الواقعية؛ فقد جرى تبادل لوجهات النظر بين مؤلِّف الكتاب ومحاوريه، بما ضمن فاعلية من نوع ما، كانت غائبة إلى وقت قريب عن المشهدية الثقافية العربية، فالكاتب العربي يُنظِّر من وراء الجُدُر، بعيداً عن أي أفقٍ تفاعلي (بما يضمن تغذية راجعة لما يكتب) بينه وبين القرَّاء.

هذا، وقد أقرّ البعض بقدرة الغذامي على خلق مقاربة جيدة بين اللغة والمرأة، لا سيما أنه اختار نماذج أدبية تدعم وجهات نظره؛ ففي مقاربته الأساسية للغة قال: إنها منتج ذكوري وتجلياتها هي تجليات ذكورية، وفي محاولة من المرأة- الأديبة العربية لأخذ دور ما لها ضمن هذه التوليفة الحياتية الجديدة؛ فقد عمدت إلى تقليد هذا المنتج الذكوري، حتى وهي تحكي أو تسرد قصصاً عن بنات جلدتها، إذ لم يتغير شيء في التعامل مع المرأة حتى أثناء ممارسة الفعل الكتابي، إذ لم تستطع المرأة الأديبة من بلورة نسق لغوي أنثوي بامتياز.

في حين أخذ البعض على الغذامي مسألة العسف في تناول مثل هذه القضية، على أساس أن اللغة قائمة أساساً على فكرة التزاوج بين الذكورة والأنوثة، والكتابة؛ الكتابة الإبداعية سواء أكتبت من قبل ذكر أم أنثى هي محاولة لإعادة تأويل العالَم والنظر إليه نظرة جديدة، حيث يصار إلى اعتبار هذه الكتابة كتابة إبداعية بحقّ وحقيق.

طرف ثالث، اعتبر أن الغذامي مارس عقلية الفارس؛ فارس القبيلة، فهو وإن كان يُريد أن يجترح مقاربة للغة قائمة على أنثويتها وإمكان تفجير دواخلها الناعمة، إلا أنه كان يمارس هذه المقاربة من عقل ذكوري صِرف، فهو فارس القبيلة الذي يريد أن يقدّم حلاً للمرأة من منطلق عقل ذكوري. ومقارباته في كتابه آنف الذكر هي مقاربات سيكولوجية تستحضر الفارس الذي يركب على ظهر فرس عربية أصيلة، ويريد تحرير الحرائر والنساء من سجن اللغة الذي أنشئ لإبقائهن أسيرات للرجل على الدوام.

وإذا كانت إحدى الأفكار الرئيسة التي يقوم عليها كتاب (المرأة واللغة) تقارِب المرأة ضمن سياق اتباعي للغة الذكورية، فالنساء الأديبات حتى وهُنَّ يُمارسن الفعل الكتابي من حيث هن إناث، إلا أنهن يمارسنه من أرض ذكورية فحولية، لذا لا تعدو أن تكون كتاباتهن تكراراً لأطر ذكورية، والفرق هذه المرة أنَّ من كرَّس هذه الأطر هي المرأة وليس الرجل.

إذا كانت إحدى الأفكار قائمة على هذه الفكرة، فثمة أفق تحرّري من هذه الأطر، فمثلاً استطاعت أحلام مستغانمي أن تجعل من الرجل موضوعاً ـــ في الوقت الذي كان يعتبر في أغلب الأحيان ذاتاً ـــ في روايتها "ذاكرة الجسد". ومن قبل استطاعت شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) أن تمارس دوراً مقارباً فيما يتعلق بـِ "شهريار"، رغم أن الصورة عن المرأة بقيت إلى حدّ ما كما أخضعتها اللغة الذكورية الفحولية.

لكن ثمة سؤال يبقى مطروحاً بإزاء مثل هذه المحاولات، أعني تلك المحاولات التي تحاول اجتراح مخارج لأزمةِ العلاقة التواصلية والإشكالية في الوقت ذاته بين الرجل والمرأة، ليس فقط في العالَم العربي وحده، إنما في العالَم أجمع، ألا وهو:

هل مِنْ مُبرّر قوي لإيجاد شروخات معرفية بين الرجل والمرأة، لا سيما بين أولئك الذين يشتغلون في الحقل الأدبي؟. وهل ثمة ضرورة لفصل الأدب إلى قسمين: أدب ذكوري وأدب نسوي؟.

إذا كان "غوستاف فولبير" قد قدّم رؤية روائية توضيحية لـ (مدام بوفاري)، كذلك إذا كان لـ "تولستوي" أن يقدّم رؤية كشفت عن مشاعر أنثوية حميمة كما لو أن كاتبة هذه الرواية امرأة وليس رجلاً، كذلك إذا بانت رواية (ذاكرة الجسد) لـِ "أحلام مستغانمي" وكأنها رواية تستوضح دواخل العقل الرجولي رغم أن كاتبتها أنثى، إضافة إلى كثير من النماذج الأدبية التي ردمت الهوة بين الذكورة والأنوثة في مقارباتها الأدبية.

إذا كان الأمر كذلك، فأولى بدعاة المقاربات الإبيمستولوجية للوضع الثقافي عموماً، وللأدب خصوصاً محاولة النظر إلى الإبداع كإبداع صرف بعيداً عن أية تصنيفات لا تخدم المشهدية الثقافية لا في عموميتها ولا في خصوصيتها؛ فالإبداع حالة إنسانية عابرة للذوات الذكورية والأنثوية، ولا يمكن الانتقاص من قيمة نص أدبي لأنه مكتوب من قبل أنثى، في ذات الوقت الذي لا يمكن أن يُمجَّد نص أدبي، لأنَّ كاتبه رجل. فكل ما يحاكي ما هو إنساني لا يمكن النظر إليه إلا ضمن سياقية إبداعية دونما نوايا مسبقة تفترض تمجيداً لهذا وإقصاء لذاك، على أسس جنسوية. في نهاية المطاف لا يمكن النظر إلى المشهدية الثقافية في إطارها الوجودي إلا ضمن نسقية إنسانية شاملة لطرفي المعادلة الإبداعية : الذكر والأنثى؛ فاللغة ابتداء نوع من التزاوج بين المفردات، بصرف النظر عمَّن يكتب بها، والناتج بالضرورة يحمل هذه الصفة التزاوجية التلاحمية، بين ذكر وأنثى، سواء أكان المُنْتَج الأدبي مُنْتجَاً ذكورياً أو أنثوياً.