العنصريَّة الدِّينيَّة عند العَرَب

فئة :  مقالات

العنصريَّة الدِّينيَّة عند العَرَب

اختصَّ الله سبحانه وتعالى كلَّ أمَّة من الأمم برسول مكلَّف بالدَّعوة إلى هدايتهم، وتوحيد العبوديَّة لله عزَّ وجلَّ، وقد نصَّ القرآن الكريم على ذلك في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: "وَلَقَدْ بَعَثنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" (النَّحل 36)، ومنها قوله تعالى أيضًا: "وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ" (فاطر 24). وأيَّد كلَّ رسول بدلائل وبراهين على صحَّة تكليفه، وصدق دعوته، وأنزل معهم كتابًا فيه التَّشريع الذي يضبط الحياة البشريَّة، وينظِّم علاقات النَّاس فيما بينهم، فقال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" (الحديد 25).

ولي العربُ بدعًا من هذه الأمم، فكان لهم نصيب من الرِّسالة ببعثة محمَّد، صلى الله عليه وسلم، "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ" (البقرة151)، استكمالاً لحكمة الله في الأرض، واستجابة لدعوة سيِّدنا إبراهيم وبَنِيْه إسماعيل ويعقوب، عليهم السَّلام، في قوله تعالى: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ" (البقرة 129).

ولا شكَّ في أنَّ الإسلام، وهو دين الله في الأرض الذي ارتضاه سبحانه وتعالى لعباده إلى قيام السَّاعة، إذ قال: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً" (المائدة 3).

إلا أنَّ الفهم الخاطئ لـلإسلام لدى العرب، وهو فهم ناتج عن تأصيلٍ بعيدٍ عن القرآن الكريم نفسه، وبعيدٍ عن تشريع الله سبحانه وتعالى، جعل من العصبيَّة الدِّينية شعارًا لهم، ورمزًا لرايتهم التي يظنُّون أنَّهم من خلالها يدافعون عن هذا الدِّين، في حين أنَّهم يطعنون به، ويجعلونه عرضةً للاندثار، من خلال موت القيم الإنسانيَّة التي جاء بها، وتغيير الأحكام الشَّرعيَّة التي دعا إليها، إضافة إلى "تسييسه" من قبل الولاة والسَّلاطين والحكَّام، واستجابة من يدَّعي العلم إلى هذا "التّسييس"، ولم يبقَ من هذا الدّين إلا الاسم، والرِّسم؛ أي القرآن الكريم.

وقد يرى بعضهم ممَّن أثَّرت فيهم هذه العصبيَّة، والتي أسمِّيها "العنصريَّة الدِّينيَّة" أنَّنا نتهجَّم على الدِّين وأهله، وهو أمر بعيد كلَّ البُعد عن المراد، وإنَّما القصد محاولة فهمه بما يتوافق مع القرآن الكريم نفسه، وما دعا إليه الأنبياء والرُّسل من قبلُ، بل إنَّ هذه العنصريَّة قد بيَّنها القرآن الكريم نفسه، وبيَّن حال من ادَّعاها، أي العنصرية، كما فعلت اليهود والنَّصارى الذين زعموا أنَّهم أحبُّ النَّاس إلى الله، فكذَّبهم وردَّ مقولتهم، وبيَّن أنَّهم بشرٌ كسائر النَّاس مَّمن خلق في قوله تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (المائدة 18).

وقد أشار القرآن الكريم أيضًا إلى نوع من أنواع "العنصريَّة" التي وقعوا فيها، كادِّعائهم أنَّ "الآخرة" مختَّصة بهم دون سائر النَّاس، على نحو ما نراه اليوم عند بعض "الطَّوائف" التي تزعمُ أنَّها "الطَّائفة المختارة"، أو "الفرقة النَّاجية" وأنَّهم هم وحدهم من سيدخلون "الجنَّة" فقال تعالى: "قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة94). إلا أنَّ العرب لم يدَّعوا أنَّهم "أبناء الله"، أو "أحباؤه" كما فعلت بعض الأمم السّابقة كـاليهود والنَّصارى، ولم يزعموا أنَّ "الجنَّة" خاصَّة بهم فقط، بل تجاوزوا ذلك وادَّعوا ما هو أكبر وأعظم عندما جعلوا دين الإسلام دينًا خاصًّا بهم، وأنَّه الدِّين الذي أنزله الله عليهم، واختصَّهم به دون النَّاس، وأنَّه بدأ فقط مع بعثة محمَّد، صلى الله عليه وسلم، فبلغت "العنصريَّة الدِّينيَّة" ذروتها لديهم، فضاعوا هم أمَّةً، وأضاعوا الإسلام دينًا.

لكنَّ التدبَّر في آيات القرآن الكريم يبيِّن لنا وبوضوح كذب هذه الدَّعوى، وأنَّها افتراء وبهتان كبير، كان له الأثر الكبير في حال العرب الذي نراه اليوم، من قتلٍ، وتشريدٍ، وتنكيلٍ في شتَّى بقاع الأرض، فقد وضَّح القرآن الكريم أنَّ الإسلام هو دين الله في الأرض منذ أن خلق الله آدم، عليه السَّلام، وتتابع عليه الأنبياء والرُّسل فيما بعدُ. ومن هذه الآيات قوله تعالى، إشارة إلى إبراهيم وبنيه، عليهم السَّلام: "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (البقرة 132)، وقوله تعالى: "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة 133). ومنها قوله تعالى إشارة إلى سيِّدنا عيسى، عليه السَّلام: "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آل عمران 52). وقوله تعالى أيضًا: "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ" (المائدة 111). ومنها قوله تعالى إشارة إلى أهل الكتاب: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آل عمران 64).

بل إنَّ الله قد أمر العرب في كتابه العزيز أن يسيروا على دين من سبقهم، وهو الإسلام في أكثر من موضع في القرآن الكريم، فقال تعالى: "قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (آل عمران 84)، ثمَّ أصدر سبحانه وتعالى الحكم الأزليَّ على وجوب اعتناق هذا الدِّين فقال: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (آل عمران85). وقد ترتَّب على هذه العنصريَّة نتائج خطيرة، ما يزال العرب يعيشون آثارها حتى الآن، إذ وصل الأمر إلى القتل بـالسِّكِّين تحت ذريعة إحياء الدِّين، ولعلَّ من أهم هذه النتائج:

أولاً: احتكار ما اتَّفقوا عليه من أركان الإسلام؛ من توحيد وصلاة وزكاة وصيام وحج، وحصر ذلك بهم دون الأمم الأخرى، وقد وردت هذه الأركان في أحاديث صحيحة، كما في "صحيح مسلم" برقم 20: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". لكنَّ حقيقة هذه الأركان الخمسة أنَّها ليست خاصَّة بـالعرب، أو بـمحمَّد، صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا يزعمون خلاف ذلك، في محاولة لتحريف الدِّين الذي ارتضاه الله لعباده، ومنحهم خصوصية تميزهم من غيرهم من النَّاس والأمم؛ لأنَّ القرآن الكريم يردُّ هذا الزَّعم ويفنِّده، ويثبتُ أنَّ هذه الأركان هي ثابتة لهذا الدِّين الذي هو الإسلام قبل بعثة النَّبي، محمد صلى الله عليه وسلم. إذ نجدُ كثيرًا من الآيات التي تشير إلى ما نورده ونميل إليه، فـالصلاة والزَّكاة أمْرٌ من الله سبحانه وتعالى لـبني إسرائيل كما في قوله تعالى: "وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ" (البقرة 43)، وقوله تعالى أيضًا: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ" (البقرة 83). وأمْرٌ إلى موسى عليه السَّلام، كما في قوله تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" (يونس 87)، وهو الأمر منه سبحانه وتعالى إلى أمَّة محمَّد، صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: "وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (البقرة 110). وكذلك الحال في أمر الصِّيام إذ يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة 183)، ومثله في أمر الحجِّ كما في قوله تعالى: "وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ" (الأنفال 35).

ثانيًا: التَّفريع الطَّائفيّ والمذهبيّ الذي نتج عن العنصريَّة الأمّ، إذ ظهرت طوائف من العرب أنفسهم ممَّن تدَّعي أنَّها صاحبة الحقّ في امتلاك هذا الدِّين، وأنَّها على "المحجَّة البيضاء"، وأنَّ غيرها من الطوائف ضالَّة أو مبتدعة أو كافرة، وغير ذلك من الأوصاف التي حاولت كلُّ طائفة منها أن تجْهَد في ابتكارها، فوجدنا الشِّيعة والخوارج والسُّنَّة والصَّوفيَّة والسَّلفيَّة وغيرها ممّا لم يُنزِّل الله به سلطانًا، وترى كلُّ طائفة منها أنَّها "الفرقة النَّاجية"، وأنَّها تمتلك مفاتيح الجنَّة، وأنَّ من ينتمي إليها فقط ناجٍ من النَّار. ويتضح من خلال القراءة التَّاريخيَّة لنشوء هذه الطَّوائف أنَّ يدَ السِّياسة هي التي أصّلتها، وجعلت من الدِّين مطيَّة لها في الوصول إلى أهدافها ومكاسبها، التي غالبًا ما تكون استئثارًا بالسُّلْطة، وانفرادًا بها، حتى اقتتلت هذه الطَّوائف فيما بينها إلى الآن، وما يحدث في بعض البلاد العربيَّة حاليًا، لا يخرج في جوهره عن هذه اليد الخبيثة.

وتجاوزَ الأمر التُّعدُّدَ الطَّائفيّ ليصبح مقرونًا بتعدُّد مذهبيّ، كان الأئمة الأربعة عنوانه، إذ يرفض أتباع مذهب منها الأخذ بالمذهب الآخر، وقد يصل الأمر بينهما إلى القتل والتَّنكيل والتَّشهير، على اعتبار العنصريَّة المذهبيَّة لدى كلِّ طرف، بل إنَّ بعض البلاد العربيَّة كـالمغرب مثلاً تُلزمُ شعبها باتِّباع المذهب المالكيِّ، ومنع انتشار المذاهب الأخرى، في وجه آخر من وجوه "العنصريَّة المذهبيَّة".

إنَّ الإسلام، في المحصلة، بريء من هذه "العنصريَّة" بأشكالها كافَّة: الدِّينيَّة والطَّائفيَّة والمذهبيَّة، ولم تكن موجودة لولا جهل من يدَّعي أنَّه من أهل العلم، ولولا اعتماده على النَّتائج التي أصَّلها السَّابقون، دون العودة إلى الأصل الذي بنوا عليه نتائجهم، والبحث فيه، ودراسته، وتدبُّره ليعلم صحَّته من عدمها.