الفقه المالكي في بلاد الغرب الإسلامي: تاريخه، نشأته ومراحله

فئة :  مقالات

الفقه المالكي في بلاد الغرب الإسلامي: تاريخه، نشأته ومراحله

الفقه المالكي في بلاد الغرب الإسلامي*:

تاريخه، نشأته ومراحله


يتناول موضوعي في هذه الندوة الحديث عن الفكر المالكي في الغرب الإسلامي: منطلقاته وموجهاته، وبما أن هذا الموضوع يحمل في طياته جانبين مهمين؛ جانب تاريخي وجانب تشريعي، سيكون الحديث عن الفقه المالكي في محورين أساسيين.

المحور الأول: في التعريف بالمذهب والكلام عن نشأته ومراحل تطوره، ومدارسه وعوامل انتشاره في الغرب الإسلامي بشقيه الأندلس والمغرب العربي. والمحور الثاني: في أصول المذهب وقواعده، ومصطلحاته، ومنهجه، وعلاقاته بالمذاهب الأخرى.

المحور الأول: التعريف بالمذهب

لما كان المذهب في اللغة مصدراً ميمياً على وزن مفعل[1]، يطلق على الذهاب ومكانه وزمانه؛ فقد نقل في عرف الاستعمال الفقهي إلى الأحكام الاجتهادية الظنية التي ذهب إليها إمام من الأئمة، فجعل بذلك اسماً للمسائل التي يستنبطها المجتهد، أو يستخرجها أتباعه من قواعد نصوص كلامه.

يقول العدوي: المراد بمذهبه: ما قاله هو وأصحابه على طريقته، ونسب إليه مذهباً؛ لكونه يجري على قواعده، وأصله الذي بني عليه مذهبه.

ومن المعروف والمسلم به، أن أصحاب الإمام مالك قيدوا ما أطلق، وخصصوا ما عمم من الآثار، كما أن المتأخرين من الفقهاء حصر المذهب على ما به الفتوى، وهذا من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم.

مراحل تطور المذهب: لقد مر المذهب المالكي بعدة أطوار ومراحل نجملها في خمس، تأتي كالتالي:

مرحلة النشأة والتأسيس: ففي هذه المرحلة كانت الانطلاقة من المدينة النبوية على يد المؤسس إمام دار الهجرة مالك بن أنس الذي عمل على تمهيد الطريق لمن جاء بعده، وذلك بتأصيل الأصول، وتقعيد القواعد، ورسم خارطة المنهج العام الذي سلكه أتباعه من بعده، فإشاراته إلى مداركه الفقهية، ومصادره التي يرجع إليها هي الوسائل التي اتخذها الأصوليون من أصحابه معالم يهتدون بها، وقواعد يبنون عليها الفروع الفقهية الجزئية.

إن أصول الإمام مالك استقرائية تبعاً لمنهجه في استخراج الأحكام الشرعية، وطريقته الاجتهادية التي سار عليها في الاستنباط الفقهي، إضافة إلى ما ورد في موطئه من فتاوى وأحكام، وما كان ينقل عنه من روايات وأجوبة، فاستخلص أصحابه من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه؛ لأن مالكاً رحمه الله لم يحدد هذه الأصول بنفسه، ولم يدونها بطريقة ممنهجة مثلما فعله المؤلفون الأصوليون كالشافعي مثلا الذي ألف في الأصول كتابه المشهور الرسالة.

مرحلة التفريع: والمراد بالتفريع هنا بناء الفرع على أصله، واستنباط حكمه منه، وذلك في رواية المذهب فقط، وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع مالك وتلامذته، آخذين بمنهجه في الإفتاء في الحوادث والوقائع؛ فقد كان أصحابه يربطون المسائل بأصوله وقواعده، ويقيسون ما لم يرد عنه نص على ما ورد فيه النص من مذهبه.

وقد بدأت هذه المرحلة من نهاية القرن الثاني الهجري حتى منتصف القرن الثالث الهجري، وفيها توسع نفوذ المذهب وامتد خارج المدينة نحو العراق ومصر وإفريقية والأندلس على يد أتباعه من تلامذته الذين تكونت بهم وعلى أيديهم المدرسة المالكية.

مرحلة التطبيق: وهي مرحلة النظر فيما أنتجه طور التفريع الفقهي الذي سبق الاجتهاد في تحقيق المناط في الوقائع الطارئة المستجدة، ومما يميز هذه المرحلة كونها اهتمت بدراسة المسائل والقضايا التي ضمتها مدونات جامعة أنتجتها مرحلة التفريع؛ فقد عكف الفقهاء في عصر هذه المرحلة على الموازنة والمقارنة بين مختلف تلك الوسائل رابطين الأصول بالفروع، ملحقين الشبيه بالشبيه، والنظير بالنظير، ضابطين مواقع الاتفاق والاختلاف بين تلك الأقوال المأثورة عن الفقهاء السابقين، وفي بعض الأحيان قد يجتهدون في المسائل التي لم يرد فيها حكم عن طريق القياس مما سبب وقوع خلاف بين المتأخرين والمتقدمين.

مرحلة التنقيح: وهي مرحلة تنقيح أقوال المذهب، واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية، وأهم تطور سجل في هذه المرحلة ظهور حركة نقدية على أقوال المتقدمين، بقصد إخضاعها للنقد والتمحيص بطريقة مغايرة لما كان سائداً في السابق، مما تولد عنه نهج جديد في ميدان نقد الفقه، ومن أبرز هذه الحركة النقدية الإمام اللخمي الذي كان له تأثير واضح فيمن جاء بعده، حتى قيل أنه مزق الفقه المالكي كل ممزق؛ كما أشار له الشاعر الأديب:

لقد مزقت قلبي سهام جفونها ** كما مزق اللخمي مذهب مالك[2]

ولقد سار على نهج اللخمي في هذه الطريقة من الفقهاء المالكيين المازري وابن بشير وابن رشد الجد والقاضي عياض، وغيرهم ممن سلك مسلكه في طريقة نقد الفقه، فنقحوا ما أمكنهم تنقيحه من المسائل الفقهية، ونبهوا على ما وجدوا فيها من صحة وضعف.

5ــ مرحلة الجمع والاختصار: وقد جاءت هذه المرحلة بعد استقراء المناهج، والنظر في الفروع الفقهية تخريجاً وتطبيقاً وتنقيحاً، وما قام به أعلام المذهب من اجتهادات، كما تعتبر أيضا فترة بروز المختصرات ككتاب ابن شأس، ومختصر ابن الحاجب وابن عرفة وخليل بن إسحاق. فقد أصبح المتأخرون في هذا الطور دائرون في فلك المتقدمين، عاكفين ومنكبين على ما انتهى من أقاويل وآراء من سبقهم، لا يخرجون عن دائرة الشرح والتعليق والاختصار والتلخيص.

أما فيما يخص مدارس المذهب المالكي، فهي باختصار:

مدرسة الحجاز: وتعتبر المدرسة الأم، كما تمثل الاتجاه الأثري في المذهب ومن أشهر رموزها ابن نافع، وابن كنانة، والإخوان ابن الماجشون ومطرف بن عبدا لله ومحمد بن مسلمة، ويتميز هذا التيار بتقديم الأحاديث الشريفة على العمل وآثار الصحابة والتابعين. وقد أيد هذا التيار من المصريين ابن وهب، ومن الأندلسيين ابن حبيب.[3]

مدرسة العراق: ومن أبرز رجالاتها من الفقهاء القاضي إسماعيل، وابن القصار، والقاضي عبد الوهاب، وابن الجلاب، والشيخ أبوبكر الأبهري.[4]

المدرسة المصرية: احتلت هذه المدرسة مركز القيادة بين المدارس المالكية بزعامة ابن القاسم، واعتمدتها مدرستا إفريقية والأندلس اعتماداً كلياً، كما كانت سماعات ابن عبد الحكم، ومرويا ته عن مالك وأشهب وابن القاسم ذات حظوة عند الفقهاء المغاربة، وخصوصا مدونة سحنون.

المدرسة المغربية: تفيد المصادر التاريخية أن المذهب المالكي لم تطأ أقدامه بلاد الغرب الإسلامي، إلا بعد مذهبي الإمامين أبي حنيفة والأوزاعي، ويرى بعض المؤرخين أن أول المذاهب الفقهية دخولاً إلى الأندلس والمغرب هو مذهب الأوزاعي وفقا لما أشار إليه العالم المؤرخ أحمد المقري بقوله: (واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي). وهذا لا ينافي دخول المذهب الحنفي في وقت مبكر طبقاً لما يقول القاضي عياض في ترتيب المدارك: (وأما إفريقية أي تونس وما وراءها، فقد كان الغالب عليهم في القديم مذهب الكوفيين إلى أن دخل علي بن زياد تــ 183هـ، وابن الأشرس ت 170هـ، والبهلول بن راشد ت 183هـ وبعدهم أسد بن الفرات ت213هـ وغيرهم).[5]

أما المغرب الأقصى، فلم يصل إليه المذهب إلا متأخراً على يد دارس بن إسماعيل بفاس سنة 307هـ. وكان أهل المغرب قبل ذلك على مذهب أبي حنيفة، إلا أن المذهب المالكي قد ساد وانتشر، وأصبحت له الغلبة في النهاية، وهو ما أشار له القاضي عياض: (لم يزل المذهب المالكي يفشو إلى أن جاء سحنون ت 240هـ فغلب في أيامه وفض حلق المخالفين، واستقر المذهب بعده في أصحابه في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا).

وفي الأندلس، يعود الفضل في دخول المذهب وانتشاره عل يد زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون ت 193هـ، الذي أول من أدخل كتاب الموطأ إلى الأندلس، كما كان تلميذه المشهور يحي بن يحيى الليثي هو الذي رسخ وثبت المذهب وأرسى دعائمه، ولا فرق بين هذه المدرسة والمدرسة المغربية، بل تعتبر امتداداً لها، خاصة وأن علماء الأندلس قد هاجر الكثير منهم إلى المغرب.

وتعود صلة الشناقطة الموريتانيين بالمذهب المالكي منذ القرن الخامس الهجري حينما وفد عبد الله بن ياسين الجزولي ت 451هـ على قبائل الملثمين في الصحراء، وأسس رباطه الذي يعتبر لبنة المدرسة الأولى في القطر الشنقيطي الموريتاني. ومن المعروف، أن دولة المرابطين أخذت منذ تأسيسها بالمذهب المالكي، ووطدت أركانه، وعممته في جميع أنحاء البلاد التي حلت بها. كما بلغ الفقه المالكي أوجه وذروته في القرن التاسع الهجري، حيث تغلبت النزعة الفروعية المذهبية، مما جعل الفقهاء يبتعدون عن استنباط الأحكام من القرآن والحديث، ويكتفون بالمشهور حجة ودليلا، وخاصة عند ما دخل المختصر الخليلي البلاد المغاربية، حيث نال حظوة لا مثيل لها عند الفقهاء، وكاد يقضي على ما قبله من المختصرات الفقهية، واشتهرت تلك المقالة المروية عن بعض متأخري المالكية، وهي: (نحن خليليون إن ضل ضللنا، وإن اهتدى اهتدينا).[6]

فالحاصل أن المغاربة أصبحوا كلهم مالكيين، وفي المالكية قاسميون وفي المدونة خليليون.

أسباب وعوامل انتشار المذهب: لقد عرفت بلاد الغرب الإسلامي بشقيها الأندلس وقطر المغرب العربي المذهب المالكي منذ أربعة عشر قرنا، واعتبروه أساس البناء الثقافي والحضاري، ومن الطبيعي أن يطرح حول هذا الاهتمام غير العادي، والإقبال الواسع على هذا المذهب من الأندلسيين والمغاربيين على حد سواء أكثر من سؤال، ويضع أكثر من علامة استفهام عن سبب هذا التمسك الكبير بهذا المذهب، وسيكون الجواب عن هذا الاستفسار راجع للعوامل التالية:

أولاً: عوامل ترجع إلى شخصية مؤسس المذهب: فالإمام مالك عالم دار الهجرة وفقيهها، قد انتهى إليه علم أهل المدينة، وبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، وعرف عنه تمسكه الشديد بالسنة الصحيحة، وتشبثه بآثار الصحابة والتابعين، فقد جمع بين الحديث والفقه والرأي والأثر، والموطأ خير شاهد على ذلك، إضافة إلى الحديث الصحيح الذي ورد في عالم المدينة: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل شرقاً وغربا؛ فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة)[7]. وكان ابن عيينة، يقول: كنت أقول هو سعيد بن المسيب، حتى قلت كان في زمانه سليمان بن يسار وسالم بن عبد الله وغيرهما، ثم أصبحت أقول اليوم إنه مالك، لأنه لم يبق له نظير في المدينة.

ثانياً: ملاءمة المذهب المالكي لطبيعة المغاربة في بلاد الغرب الإسلامي وسائر أقطار المغرب العربي؛ لأنه مذهب علمي مقيد بالواقع، ويأخذ بأعراف الناس وعاداتهم؛ فهو فقه عملي أكثر من نظري، ويتماشى مع طبيعة الفطرة في بساطتها ووضوحها، وأهل المغرب بطبيعتهم يميلون إلى البساطة والوضوح في كل القضايا والأمور، ناهيك أنه نشأ بالمدينة المنورة التي هي مأرز الإيمان ومصدر العلوم الإسلامية، ومنها تفرعت إلى باقي الأمصار الإسلامية، كما اكتسبت المدينة محبة خالصة في قلوب المغاربة.

ثالثاً: قوة رجال المذهب وجلالة المنتسبين إليه من فطاحلة الفقهاء؛ فبقدر ما يكون أتباع المذهب أقوياء متضلعين في العلوم، ولهم قدرة فائقة على استنباط العلوم بقدر ما شاع المذهب وساد وانتشر.

رابعاً: مناهضة فقهاء المالكية لفقهاء الحنفية؛ لكون هؤلاء الأخيرين كانوا يتساهلون في إصدار الأحكام الشرعية، كتخليل النبيذ مسايرة للترف الذي كان يعيشه الحكام الأغالبة، وكالقول بخلق القرآن الذي مال إليه أيضا الأغالبة وتبعهم فيه بعض فقهاء الأحناف، وهي مسألة امتحن فيها سحنون من المالكية، مما شجع المغاربة وجعلهم يميلون إلى الفقه المالكي، كما مالوا عن الشافعية؛ لأن الشافعي أخذ عن مالك وخالفه، وعزفوا عن المذهب الحنبلي؛ لأنه كان يأخذ بالخبر الضعيف، ويقدمه على القياس.

خامساً: تشابه البيئة في كل من القطرين: الحجاز وبلاد الغرب الإسلامي، وهو ما أكده ابن خلدون الذي يرى أن البداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، فكانوا إلى الحجاز أميل لمناسبة البداوة.[8]

سادساً:رحلة المغاربة إلى الحجاز غالبا لأداء مناسك الحج والعمرة والزيارة.

سابعاً: دعم الحكام من الملوك والسلاطين للمذهب المالكي، وحمل الناس عليه.

المحور الثاني: في أصول المذهب، وقواعده، ومصطلحاته

من المعلوم أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وأصوله هي الأدلة الإجمالية التي تنبني عليها أحكامها، وكانت نشأة أصول الفقه المالكي في شكل مجموعة من الردود، ظهرت بعد وفاة مالك، رد بها أصحابه على بعض خصوم المذهب، فكانت هذه الردود نواةً لتأصيل المذهب المالكي، ومن أبرز خصوم المالكية فقهاء الشافعية الذين قاموا بحملة كبيرة ضد المذهب المالكي، مما جعل آراء المذهب الشافعي ندباً في القطر المالكي، وتجذب بعض فقهاء المالكية إليه كابن عبد الحكم الذي تأثر بأقوال الشافعي، حتى أن بعض مؤرخي الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي ذكر ابن عبد الحكم في عداد الشافعية، ولم يكن محسوباً عنده من المالكية، كما واجه المالكية أيضاً صدامات فكرية أشد من الأولى مع الظاهرية التي زاحمت المالكية في الأندلس، وعارضتها بأقصى العنف، وكان رائدها آنذاك أبو محمد علي بن حزم الظاهري الذي حاول بلسانه الذرب أن يهدم كل الأصول المالكية حجراً حجرا، لكن المالكية لم يبقوا مكتوفي الأيدي ولا مكممي الأفواه، بل شمروا عن سواعدهم مدافعين عن مذهبهم وإمامهم، وجرت لهم مع ابن حزم مناظرات مشهرة كان رائدها أبو الوليد الباجي الذي ألف في الرد على ابن حزم والظاهرية، وهذه المناظرات جددت عند المالكية ضرورة إبراز أسس مذهبهم، وعرض آرائهم في الأصول، وذلك ما قام به أبو الوليد الباجي في كتابه القيم المعروف ب(إحكام الفصول في أحكام الأصول).

ويمكن إجمال أصول الإمام مالك فيما يلي:

1ــ الكتاب.

2ــ السنة.

3ــ الإجماع.

4 ــ القياس.

5ــ عمل أهل المدينة.

6ــ خبر الآحاد.

7ــ سد الذرائع.

8ــ المصلحة المرسلة.[9]

أما فيما يتعلق بالمدارس الفقهية المغربية؛ فنقول بأن الفقهاء المالكيين ساروا في اتجاهين رئيسين:

الاتجاه الأول: يميل إلى التقليد المحض، وعدم الخروج عن زاوية المذهب مكتفياً برأي إمامه كفاه مؤونة أتعاب البحث واستفراغ الجهد والوسع والطاقة في استخراج الأحكام الشرعية في استدلاله، فكل ما استنبطه من فروع كان له أصل ومدرك، حتى ولو لم نطلع عليه، وقد سادت هذه النزعة المذهبية عند ما قوي المذهب، واستغنى الناس بمختصراته ومتونه عن كتب الآثار، وخاصة عندما أقفل باب الاجتهاد، وهذه النزعة التقليدية نجدها تتجسد في قول الشيخ محمدن بن أحمد وفال:

وأهل مغرب عليهم يمنعوا ** غير الإمام مالـك أن يتبـعـوا

لفقد غـيـره وكــــل خـــارج ** عن نهجه فهو من الخوارج[10]

كما نجد أيضاً، العالم الأصولي المجدد، سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الذي يعتبر رائد التأليف في فن الأصول لا يميل إلى ترك التقليد، بل يرى أن المقلد يحظر عليه الاجتهاد واستنباط الأحكام الفقهية من المصادر الشرعية كما جاء في قوله:

من لم يكن مجتهداً فالعمل ** منه بمعنى النص مما يحظل[11]

الاتجاه الثاني: وهو اتجاه يميل إلى الانفتاح والتبصر، فهو وإن كان يقر بأنه من أتباع المالكية، إلا أنه لم يتعامل مع النصوص المالكية بالتقليد والانغلاق والجمود، بل تعامل معها بما هو أوسع وأعمق من ذلك، ومن أشهر أعلام هذا الاتجاه الإمام اللخمي الذي خالف مذهبه المالكي في جملة من الآراء في عدة مواضع، حتى عد ممزق المذهب كما أشار إلى ذلك أحد الأدباء بقوله:

لقد مزقت قلبي سهام جفونها ** كما مزق اللخمي مذهب مالك

ولقد سار على هذا النهج أيضا من المالكية ابن العربي الذي كثيراً ما يخالف الرأي المالكي إذا ظهر عنده دليل يخالفه، ومما خالف فيه المالكية مسألة تأمين الإمام، حيث يرون أن التأمين خاص بالمأموم أو المنفرد، كما هو أيضا نهج القرطبي المفسر الذي اعترض على المالكية في بعض المسائل الفقهية منها قراءة المأموم الفاتحة جهرا مع الإمام. وقد خالف ابن رشد الجد مشهور المذهب المالكي في مسألة القبض في الصلاة، حيث يرى مشهر المذهب كراهة القبض، بينما يرجح ابن رشد ندبه وسنيته، وهو أيضا رأي مجموعة من حذاق المالكية كالقاضي عياض والباجي وابن العربي.

لم يكن الفقهاء المالكيون في موريتانيا بمنأى عن هذا الاتجاه، إذ يوجد منهم تيار يميل إلى التبصر ونبذ الجمود وترك التقليد الأعمى، كما يدعو إلى الأخذ بالقرآن والسنة وتقديمهما على مشهور المذهب، كما يتجلى ذلك في بعض المسائل الفقهية، والتي منها أيضا مسألة القبض، حيث نجد العلامة الفقيه الشيخ محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي يميل إلى العمل بالقبض ويصرح بندبه وسنيته، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة مع رواية عن الإمام مالك:

وندب القبض لدى الثلاثــــة ** وعــنـد مالـك على رواية[12]

إلى أن يقول:

فاقبض على سنة صاحب الردا ** فمالـنا إلا إتـبـــاع أحـمــــدا

ومن أنصار المدرسة الأصولية الفقهية من الفقهاء الموريتانيين الشيخ لمجيدري بن حبل الذي كلن يقدم الراجح من دليل الكتاب والسنة على مشهور المذهب المالكي، حيث يقول:

لو كنت بدعيا لما كان صواب عندي الأخذ بالصحاح والكتاب

وبرز في المدرسة الأصولية أيضاً النابغة الغلاوي الذي استهر بدفاعه عن الحق بالقرآن والسنة والإجماع في نظمه المشهور: (بوطليحية):

وقد أشرنا للأصـول انتبهـوا ** لتلـك والفــروع لا تشتـبه

بالذكر والسنة والإجمـــــاع ** بعد شهود القطع والسماع

واشتهر أيضا في هذا المنحى، حبيب الله بن الأمين الشقروي الذي انفرد بآراء خارج المذهب كقوله: إن وقوع الطلاق دفعة واحدة لا يكون إلا طلاقاً واحداً، مما جعله يواجه هجوماً كبيراً من طرف الفقهاء المعاصرين له.[13]

ومن رموز المدرسة الأصولية الموريتانية الشيخ سيديا بابا الذي عرف بنصرته للسنة والدفاع عنها، والدعوة إلى ترك التقليد كما هو واضح في كتابه القيم (إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين) وتتجلى النزعة الأصولية لدى كثير من الفقهاء المغاربة الآخرين في كل من أقطار المغرب العربي، مثل مدرسة الكتانيين والغماريين في المغرب، ومدرسة آل عاشور متمثلة في الشيخين الكبيرين: الشيخ محمد الطاهر ونجله الشيخ محمد الفاضل، وكذلك المدرسة السنوسية في الجزائر وليبيا التي قامت بدور عظيم في نصرة السنة وإحيائها والعمل بها.

قائمة المصادر والمراجع:

-السنن لأبي داوود، تحقيق الدعاس، تاريخ 1990 م

-المدارك في ترتيب أصحاب الإمام مالك، للقاضي عياض طبعة وزارة الأوقاف المغربية.

-الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، لأحمد ابن أمين العلوي الشنقيطي، الطبعة الأخيرة سنة 1989م

-المدخل إلى أصول الفقه المالكي، محمد المختار ولد أباه، طبعة دار ابن حزم سنة 2011م

-مقدمة تحقيق كتاب الكفاف، لمحمد مولود ولد احمد فال، طبعة 1994م

-القاموس المحيط لمجد الدين الفيروزبادي، طبعة دار الملايين.


*- هذا نص المداخلة الذي ألقي في ندوة: "الفقه والواقع: إشكاليات النص والسياق" التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بالتعاون مع المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية، يومي 30 ـ31 يناير 2014م بمدينة نواكشوط، موريتانيا.

[1]- الفيروزبادي، القاموس المحيط، مادة (ذهب)، طبعة دار الملايين – بيروت.

[2]- محمد المختار ولد أباه، مدخل إلى أصول الفقه المالكي، طبعة دار ابن حزم – بيروت 2011 م، ص 150

[3]- القاضي عياض، كتاب ترتيب المدارك، جزء 1، ص 170

[4]- المصدر نفسه.

[5]- القاضي عياض، كتاب المدارك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك، جزء 1، ص 160

[6]- ابن حامد، حياة موريتانيا، الجزء الثقافي، طبعة الشركة التونسية للتوزيع، سنة 1991م، ص 25

[7]- أخرجه أبو داوود في سننه جزء 3، ص 145

[8]- ابن خلدون، كتاب المقدمة، ص 140

[9]- ولد أباه، مدخل إلى أصول الفقه، مصدر سابق، ص 152

[10]- الخيل النحوي، بلاد شنقيط المنارة والرباط، طبعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس سنة 1989، ص 330

[11]- ابن الحاج ابراهيم، نشر البنود على مراقي السعود، طبعة وزارة الأوقاف المغربية سنة 1980م

[12]- مقدمة تحقيق كتاب الكفاف لمحمد ملولود بن احمد فال، الجزء الأول، ص 120

[13]- ابن الأمين الشنقيطي، كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، الطبعة الأخيرة سنة 1989 م، ص 370