الولايات المتحدة والإخوان المسلمون

فئة :  قراءات في كتب

الولايات المتحدة والإخوان المسلمون

الولايات المتحدة والإخوان المسلمون

خاسرون في لعبة التشهير

كتبه: أليكس إدوارد وبراين جبسون ترجمة: ياسمين عزيز


- أهمية الدراسة:

تتناول الدراسة بالتحليل رؤية الكاتب لمستقبل العلاقات المصرية الأمريكية بعد ثورة يناير 2011م، كما يحاول شرح الاستراتيجية الأمريكية تجاه الأحداث، وحقيقة التحالف بين الإدارة الأمريكية وجماعة الإخوان المسلمين بتحليل تاريخ العلاقات بين الطرفين منذ ثورة يوليو 1952م، حيث كانت علاقة أمريكا بالإخوان المسلمين مدفوعة بالمصالح الأمريكية في مصر، ومع بداية الحرب الباردة، والتدخل السوفييتي في أفغانستان 1979 م سعت الولايات المتحدة لاستخدام الإخوان المسلمين كأداة في الصراع مع موسكو.

والدراسة في مجملها، تطرح وجهة نظر تبدو مغايرة لما هو شائع حول طبيعة التحالف بين إدارة أوباما والإخوان المسلمين، وتأتي أهميتها من حيث التحليل التاريخي الممنهج لطبيعة العلاقات بين الطرفين، وصولا لأحداث الربيع العربي، وكيف أخذت الولايات المتحدة على حين غرة بالأحداث العاصفة في تونس ومصر، على عكس ما هو شائع من أن الإدارة الأمريكية كانت تعمل من وراء الكواليس لإسقاط نظام مبارك، إن الكاتب يرى أن الولايات المتحدة كانت بطيئة في الاستجابة للأزمات التي تكشفت بسرعة شديدة.

- سرد موجز لتاريخ الولايات المتحدة مع الإخوان:

يبدأ الكاتب دراسته بسرد موجز لتاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والإخوان منذ بداية حقبة الخمسينيات، حيث كان للولايات المتحدة اتصالات دورية بالإخوان، بناء على إدراكها للمشهد السياسي في القاهرة وظروف العلاقة مع عبد الناصر؛ فعندما قام الضباط الأحرار بعزل الملك فاروق في 1952، تحالف الإخوان المسلمون في البداية مع النظام الجديد، الذي وعد بتلبية رغبتهم في نظام حكم منصف متوافق أيضا مع الفكر الإسلامي. وفي هذه الآونة، سعت حكومة إيزنهاور لتأسيس علاقات جيدة مع مصر، بوصفها أكبر دول العالم العربي من حيث التعداد السكاني، كما أنها تتمتع بالموقع الاستراتيجي المتميز الذي توفره لها قناة السويس، ومن ثم فقد سعت لكسب كل منابع القوة الرئيسة في مصر بما فيها الإخوان المسلمون.

- الرئيس إيزنهاور يلتقي بالعلماء المسلمين، ومن بينهم سعيد رمضان:

يواصل الكاتب السرد والتحليل لتاريخ العلاقات بين الإدارة الأمريكية والإخوان؛ ففي عام 1953م قام وفد من العلماء المسلمين، ومن بينهم سعيد رمضان زوج ابنة مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا بزيارة الولايات المتحدة لحضور ( ندوة للثقافة الإسلامية) في جامعة برينسنتن، وهو المؤتمر الذي علق عليه "روبرت دريفوس" صحفي التحقيقات، ومؤلف كتاب لعبة الشيطان كيف أن الولايات المتحدة قد أطلقت العنان للإسلام الأصولي، مستشهدا بوثيقة من الوثائق التي رفعت عنها السرية تشرح الهدف من المؤتمر، فيقول :" من الظاهر يبدو المؤتمر كممارسة تعليمية محضة، وهذا في الحقيقة كان الانطباع المطلوب إعطاؤه، لكن الوثيقة تقر أن الهدف كان جمع الأشخاص الذين يؤثرون بشكل كبير في تشكيل وجهة النظر الإسلامية في مجالات، مثل التعليم، والعلوم، والقانون، والفلسفة، وبالتالي، حتما السياسة" .

ويواصل الكاتب تحليله لعقد مثل هذا المؤتمر عام 1953، حيث كانت القوة الأساسية الدافعة لسياسة الولايات المتحدة هي مكافحة الشيوعية، وهو اتجاه الإخوان نفسه، مستشهدا بـ " إيان جونسون" الصحفي الفائز بجائزة بوليتزر، ومؤلف (جامع في ميونخ)، والذي يشير إلى أن رمضان كغيره في جماعة الإخوان المسلمين قد عارضوا الشيوعية بشدة لرفضها للدين، وهذا بدوره جعل منه حليفا طبيعيا للولايات المتحدة. ويبدو أنه كان هناك هدف آخر للمؤتمر، وهو جس نبض الإسلاميين كجماعة الإخوان لمعرفة إمكانية جعلهم حلفاء نافعين لأمريكا في الحرب الباردة، وهو ما أكد عليه "تالكوت سيلي" - دبلوماسي أمريكي كان قد أرسل للشرق الأوسط- لـ "دريفوس" حين قال: "لقد فكرنا في الإسلام السياسي، ليكون بمثابة ثقل موازن للشيوعية. لقد رأينا فيه قوة معتدلة وإيجابية، وانطلاقا من هذا لم يكن من الغريب أنه عقب المؤتمر قام أستاذ من أساتذة جامعة برنستن مع مسؤول كبير في مكتبة الكونجرس بتنظيم زيارات للموفدين الخمسة عشر بمن فيهم رمضان للبيت الأبيض في 23 سبتمبر، حيث التقوا بالرئيس "إيزنهاور"، ووقفوا لأخذ صورة في المكتب البيضاوي".

لكن سرعان ما توترت العلاقة بين الإخوان المسلمين وناصر بعد التعاون الذي تم في بداية الأمر، كما يوضح دريفوس، فإن الإخوان رأوا في ناصر علمانيا كريها تخلى عن الإسلام، وكان لديه ميل شديد للتعاون مع الشيوعية، هذا الاعتقاد اتجه بهم إلى ناحية لندن وواشنطن. هذا الاختلاف في الرؤى كان يبشر من البداية بالشقاق بين ناصر والإخوان، خاصة بعد أن رفض تلبية مطالبهم، ووصل التوتر بين الطرفين إلى ذروته في 26 أكتوبر 1954 عندما قام أحد أفراد جماعة الإخوان بمحاولة فاشلة لاغتيال عبد الناصر، وكنتيجة لذلك أعلن النظام اعتبار جماعة الإخوان جماعة محظورة، وقام باعتقال الكثير من قادتها، وإعدام آخرين منهم "سيد قطب" المنظر الرئيس للجماعة في 1966 م.

أما عن سعيد رمضان، فقد هرب إلى سويسرا بعد الحملة على الإخوان في 1954 م، وأنشأ المركز الإسلامى في جنيف، والذي سيقوم فيما بعد بدور محوري في أنشطة الإخوان الدولية، ثم ذهب بعد ذلك إلى ألمانيا الغربية، وكانت أنشطته مجهولة إلى حد كبير حتى يوليو 2005 ، عندما كتب جونسون مقاله في جريدة وول ستريت، مستندا إلى بحث أرشيفي يشير إلى أن رمضان قد عمل مع CIA (المخابرات المركزية الأمريكية) ؛ ففي مقاله يكشف جونسون أن الإخوان قد شكلوا نظاما للعمل مع منظمات المخابرات الأمريكية، لكن بعد فترة قصيرة فقدت أمريكا سيطرتها على الحركة، على الرغم من ذلك، وكما جاء بوثائق ألمانية، فإن أمريكا حثت جوردان على استخراج جواز سفر دبلوماسي لرمضان وتكفلت بمصاريفه، ويؤكد الأرشيف السويسري أيضا، أن رمضان قد عمل لحساب الولايات المتحدة، حيث ورد في إحدى الوثائق أن:" سيد رمضان هو عميل للمخابرات الإنجليزية والأمريكية." لكن بعد رفض ألمانيا الغربية في ديسمبر 1963 السماح لرمضان بالاشتراك في حملة الدعاية الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي، فإن الأدلة على تورط المخابرات المركزية الأمريكية مع رمضان قد نضبت بعض الشيء .

ينتقل الكاتب سريعا إلى حقبة السبعينيات، فعندما توفي ناصر في 1970، اتبع خليفته أنور السادات منهجا مختلفا تماما في الحكم، حيث وجد السادات نفسه أمام معارضة الناصريين والشيوعيين له وعدم موافقتهم على سياساته، مما يعني أن الحليف المنطقي للسادات في البلاد أصبح هو الإخوان المسلمون، وتبعا لذلك، بدأ في إطلاق سراح أعضاء الجماعة الذين كان قد تم اعتقالهم في عهد عبد الناصر تدريجيا، لكن أيا كان حجم الدعم الذي حصل عليه السادات من مبادراته، فقد أصبح كل هذا أثرا بعد عين، عندما وقع اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.

لم تتسبب اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في تحطيم العلاقة بين السادات والأخوان فحسب، لكنها رسخت أيضا اتجاها متزايدا داخل الحكومة الأمريكية، يرى أن الإخوان ليسوا فقط عقبة في طريق السلام، لكن أيضا يشكلون خطرا على المصالح الأمريكية. يبدو أن هذا قد تأكد في سبتمبر 1981، عندما اندلعت اشتباكات طائفية في القاهرة دفعت السادات لشن حملة أمنية لفرض النظام، وفي السادس من أكتوبر، وبعد شهر فقط قامت الجماعة الإسلامية باغتيال السادات في عرض عسكري.

ثم يصل الكاتب إلى عصر مبارك الذي تساهل في البداية مع الإخوان، حيث لم يكن يملك قاعدة دعم سياسي واحتاج للإخوان، ليتمكن من تحقيق مصالحة وطنية، وكان هذا واضحا في إطلاق مبارك لسراح العديد من المسجونين السياسيين الذين كان قد تم اعتقالهم بعد أحداث سبتمبر 1981، وإن ظل حريصا على عدم الاقتراب أكثر من اللازم من الإخوان المسلمين، لكنه سمح لهم بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية كمستقلين، وعندما حققوا نجاحا كبيرا في انتخابات 1987، حيث حصلوا على 36 مقعدا، حرض مبارك القضاء على إعلان بطلان النتائج، وكرد فعل لذلك، وجهت الجماعة اهتمامها إلى النقابات التجارية، حيث لاقت دعما كبيرا، وهذا بدوره أدى لحملة أخرى في منتصف التسعينيات، عندما أدخلت الحكومة معايير جديدة تتيح إضعاف سلطة المسؤولين المنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين في بعض النقابات، وحققت السيطرة على أخرى ببساطة عن طريق تعيين مراقبين للحكومة فيها.

ويمضي الكاتب، ليشرح الدور الذي لعبته جماعة الإخوان خلال حقبة الثمانينيات إبان الحرب، وبالتحديد في أفغانستان بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان في 1979. خلال هذه الفترة، عملت الـ CIAوالمخابرات الباكستانية جنبا إلى جنب مع جماعة الإخوان المسلمين في باكستان الملقبة هناك بجماعة الإسلام لإبقاء الجيش الأحمر السوفييتي مقيدا داخل الحدود الأفغانية، وبالرغم من النقد الموجه للإدارة الأمريكية، أنها بذلك قد أطلقت العنان للإسلام الأصولي، مما أدى لتكوين (القاعدة)، فهناك عدد من واضعي السياسات الأمريكيين المهمين مازالوا يرون أن هذا العمل قد حقق نجاحا كبيرا. فبعد أعوام من ذلك، سأل صحفي من جريدة "نوفل أوبسرفاتور"السيد "زبيجنيو برزيزينسكي" مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي، إذا كان قد شعر بالندم على عملية أفغانستان، فأجابه : الندم على أي شيء؟ العملية السرية كانت فكرة ممتازة. ما هو الأكثر أهمية في التاريخ العالمي؟ طالبان أم انهيار الإمبراطورية السوفييتية ؟ بعض المسلمين المحتدين أم تحرير وسط أوربا، ونهاية الحرب الباردة؟

وعلى الرغم من علاقاتها بالجماعات الإسلامية المسلحة في أفغانستان، لكن بالنسبة لمصر ظلت الولايات المتحدة حذرة على ألا تخل بالتوازن الدقيق للقوى فيها، بالشكل الذي يساعد على الحفاظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل بلا مساس. وظل خوف واشنطن من توتر علاقات السلام بين مصر وإسرائيل الحافز المحرك لسياسة أمريكا تجاه مصر، حتى نهاية عهد مبارك .

ويستطرد الكاتب مستشهدا بالبرقيات الدبلوماسية في الثمانينيات والتسعينيات التي أتيح الاطلاع عليها من خلال موقع ويكليكس، والتي تكشف عن أن سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة، قد سعت للإبقاء على تواصل محدود مع الإخوان، بينما في المقابل طلب الإخوان من الدبلوماسيين الأمريكيين الحصول على موافقة رسمية على أية مقابلات قد تتم بينهم في المستقبل، خوفا من الدعاية السيئة أو رد فعل عنيف من الحكومة، فيما بعد أصبح من سياسة الولايات المتحدة أن تقلص الاتصالات الدبلوماسية مع أعضاء الجماعة الموجودين في مجلس الشعب، أو الذين يشغلون مناصب في النقابات المهنية من منطلق الالتزام بحرفية القانون( وإن لم يكن بروحه)، كما تشرح برقية من عام 1999: "نحن ندعوهم بصفتهم رؤساء نقابات وليس أعضاء في جماعة محظورة"، هذه البرقية تعكس أيضا درجة كبيرة من عدم الثقة في نوايا الإخوان ودوافعهم، حيث تلمح في مناسبات عديدة أن الدبلوماسيين الأمريكيين ارتابوا في أن ما يعلنه الإخوان عن التزامهم بتجنب العنف، والديمقراطية وحقوق الأقباط مجرد واجهة دعائية.

وبعد 11 سبتمبر، تبنت إدارة بوش خطة عمل طموحة لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط، على أن نجاح الإخوان في انتخابات مجلس الشعب بمصر في 2005، عندما فازوا بعشرين في المائة من المقاعد تقريبا، مقارنة بنسبة ثلاثة في المائة عام 2000، وانتصار حماس في الأراضي الفلسطينية قبل ذلك بشهور عدة، كان بمثابة إحراج شديد للولايات المتحدة، وأبطأ ذلك من جهودها لفرض الديمقراطية في المنطقة، وكما هو الحال بالنسبة للإدارات السابقة، فإنها عندما تواجه بالاختيار بين المصالح القومية التي قد تفرض الحفاظ على الوضع الراهن، وبين تعزيز الديمقراطية، فإن الخيار الأول يربح دائما .

- "انتقال منظم":

تتناول الدراسة أحداث الربيع العربي، والشكوك التي أثيرت حول الدور الأمريكي، وما أعقب ذلك من اتهامات للولايات المتحدة بدعم الإخوان المسلمين، وأن المسؤولين الأمريكيين الكبار "متعاطفون" مع تطلعات الإخوان، أو على صلات بالمنظمات الإسلامية، وأن إدارة أوباما مولت حملة مرسى الرئاسية سرا ، حيث يفند الكاتب تلك الأقاويل، مؤكدا أن الولايات المتحدة أخذت على حين غرة تماما بالثورتين التونسية والمصرية ؛ بالرغم من أنه كان هناك علامات على أن اضطرابات قد تحدث في تونس بسبب فساد أسرة بن علي وكبار المسؤولين، لكن لم يكن من المستطاع، أن يتنبأ أي إنسان أن موت "محمد بوعزيزي" الذي أحرق نفسه في 17 ديسمبر 2010 احتجاجا على مصادرة عربة الفاكهة التي يملكها من قبل بعض الموظفين المحليين، سيكون الشرارة التي ستفجر سلسلة الأحداث التي هزت العالم، ولكن واشنطن لم تستوعب التوتر الحادث إلا بداية من 7 يناير، عندما استدعت سفيرها، وعلى الرغم من غرابة التوقيت - الذي يراه الكاتب محض صدفة - فإن وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" سافرت إلى قطر في خضم الأحداث، وألقت كلمة حثت فيها القادة العرب على إتاحة المزيد من الحرية، حيث بات من الواضح أن التقدم في عملية الإصلاح لم يعد حثيثا.

في هذا الوقت، كان الوضع في تونس يتدهور بسرعة، مما دفع "بن علي" إلى التصريح بأنه سوف يترك الحكم في نهاية دورته الرئاسية، لكن ذلك لم يكن كافيا، حيث أعلن الجيش التونسي بوضوح أنه لن يقوم بقمع الثورة بالقوة، فهرب بن على مع أسرته إلى المنفى، مما أصاب حكومة الولايات المتحدة بالصدمة، ولم يمر وقت طويل، حتى قام الرئيس أوباما بتوجيه النقد للمخابرات الأمريكية على إخفاقها في التنبؤ بالثورة في تونس، ووفقا للصحفي الأمريكي "مارك مازيتي"، فإن المسؤولين الأمريكيين قد صبوا نقدهم على التقديرات التي جاءت بها أجهزة المخابرات في يناير 2011 ، والتي استخلصت، بالرغم من المظاهرات المندلعة في تونس، أن قوات أمن الرئيس "بن علي" سوف تدافع عن حكومته، لكن من الواضح أن هذا لم يحدث؛ ففي الواقع كان المسؤولون الأمريكيون صرحاء في تعبيرهم عن دهشتهم من رحيل "بن علي"، ومن ذلك تصريح الأدميرال "مايك مولين" رئيس هيئة الأركان المشتركة في ديلي شو يوم 3 فبراير أن عزل "بن علي" لم يفاجئنا نحن فقط، بل الكثيرين.

ويرى الكاتب أن اهتزاز الحكومة الأمريكية أثناء الثورة المصرية كان أكثر حدة، حيث كانت الأوضاع تتغير بسرعة مع تداعي الأحداث، مما أجبر الولايات المتحدة على محاولة اللحاق بها مرة أخرى، فبعد فترة من التأرجح، كان فيها البيت الأبيض، مثل غيره مجرد متفرج على الأحداث في مصر، استنتج أوباما أخيرا أن مبارك قد قضي عليه، في هذا الوقت غيرت الإدارة موقفها من تحذير النظام من استخدام العنف إلى التحدث عن انتقال منظم بدون التحدث صراحة عن تنحي مبارك، ثم الانتقال مرة أخرى إلى التلميح أنه لابد أن يستقيل، وفي أواخر يناير 2011 بعد إقرار الرئيس المصري بأنه سيظل في منصبه، حتى نهاية سبتمبر أرسل أوباما "فرانك ويسنر" السفير السابق في مصر للقاهرة لتوصيل رؤية الإدارة بوجوب بدء مبارك عملية نقل منظم للسلطة، وفي 5 فبراير قال ويسنر في مؤتمر أمني عقد في ميونخ، كانت كلينتون من الحاضرين فيه : "نحن نحتاج للحصول على إجماع وطني بشأن الشروط المسبقة لما يلي من خطوات، الرئيس مبارك يجب أن يظل في منصبه ليشهد هذه التغييرات "، لكن سرعان ما تنصلت واشنطون في الحال من تصريحاته، خاصة وأن أوباما كان قد أعلن في حديث له عن الأزمة المصرية أن الانتقال المنظم للسلطة يجب أن يكون جادا وسلميا ويجب أن يبدأ الآن.

مع حلول 3 فبراير، كانت إدارة أوباما قد اقتنعت بأن مبارك قد انتهى، وحاولت الضغط عليه لتسليم السلطة لنائبه المعين حديثا، حيث كانت الخطة أن يتولى سليمان الرئاسة، ويقوم بتشكيل حكومة انتقالية، ويمضي قدما في الإصلاحات من أجل إنشاء ديمقراطية نموذجية، لكن الأحداث لم تسر في هذا المجرى.

هنا أدركت الولايات المتحدة حتمية مشاركة الإخوان في المشهد السياسي، وبالتالي لابد من وجود علاقات مع الإخوان المسلمين، وكما أشارت النيويورك تايمز في عددها الصادر بتاريخ 4 فبراير"، لو أتيح للمصريين انتخابات نزيهة وحرة، وهو هدف إدارة أوباما، فسيضطرون للتعاطي مع إمكانية اشتمال الحكومة المصرية على أعضاء من جماعة الإخوان"، هذا الإدراك للوضع عمق أبعاد المشكلة الموجودة بالفعل لدى الولايات المتحدة، وهي: الصراع بين القيم الراسخة لدى أمريكا من الإيمان بالديمقراطية، وبين الصالح القومي الذي يتطلب ضمان الاستقرار في مصر، الذي يمثل جانبا محوريا من استراتيجية الشرق الأوسط.

عندما وصلت أنباء سقوط مبارك إلى واشنطن، قام أوباما بإلقاء حديث تلفزيوني قال فيه:" لقد بين المصريون أنهم لن يقبلوا بأقل من ديمقراطية حقيقية في تدبير أمورهم... لقد كانت القوة الأخلاقية للالتزام بالخط السلمي لا للإرهاب أو القتل الطائش هي التي غيرت وجه التاريخ مرة أخرى."

ويصل الكاتب إلى نتيجة مفادها، أن الرئيس أوباما وباقي حكومة الولايات المتحدة أخذوا على حين غرة بسقوط مبارك، على الرغم من أن أمريكا لها بعض النفوذ على مصر وجيشها بفضل برنامج المساعدات الضخم، لكنها قد أثبتت، أنها بعيدة تماما عن دور صاحب القوة المطلقة الذي يمسك بخيوط الدمى، ويسحبها من وراء الستار.

- لعبة التشهير:

يحلل الكاتب قدرة المخابرات المركزية الأمريكية على الانتشار الكبير، والقدرة على التحكم في الأحداث في الشرق الأوسط، في ظل ما هو متواتر من شائعات تتحدث عن مؤامرة تقودها الولايات المتحدة في العالم العربي، وهو ما يعكس عمق القلق من الدور غير الواضح للقوى الخارجية في حياة مواطني هذه المنطقة، ثم يتطرق لتحليل مقدار النفوذ الذي تمارسه فعلا المخابرات الأمريكية، مؤكدا أن الإجابة ليست سارة، سواء لهؤلاء الذين يلقون بتبعات العلل التي تنتشر في الشرق الأوسط كالوباء على واشنطن، أو لهؤلاء الذين يأملون في أن أمريكا بإمكانها استخدام نفوذها لمعالجتها كلها، ويمضي مؤكدا أنه على الرغم من ضخامة ميزانية المخابرات المركزية الأمريكية التي وصلت لحوالي 80 بليون دولار عام 2011، فإن المخابرات المركزية، وغيرها من وكالات المخابرات الأمريكية، ليست كلية السلطة أو النفوذ، وليست بأي حال من الأحوال ترى وتعلم كل الأشياء؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الثورات ضد مبارك وبن علي تهز العالم العربي، كانت المخابرات المركزية الأمريكية، ووكالة المخابرات التابعة لوزارة الدفاع وأجهزة مخابرات أخرى منشغلة بالانسحاب من العراق، وبالحرب الدائرة في أفغانستان، وكلاهما بالمناسبة قد كشف نقاط الضعف الخطيرة في النظام الأمريكى في نواحي جمع المعلومات والتحليل، كان عملاء أمريكا أيضا منشغلين بإحباط مؤامرات القاعدة، عقب مقتل أسامة بن لادن، ومراقبة الحرب الدائرة في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن، وملاحظة جهود إيران لحيازة وتطوير تقنياتها النووية، فضلا عن إعادة توجيه وتخطيط الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأقصى في ضوء تزايد قوة الصين.

- العم سام:

وفي ختام الدراسة يؤكد الكاتب أن حملة التشهير جاءت نتيجة الخشية من النفوذ غير الواضح لأمريكا من خلف الكواليس، ولعدم شعبيتها بشكل كبير في الشرق الأوسط، لدرجة أن الاتهام بالعمالة لواشنطن، قد أصبح وسيلة شائعة للهجوم على المعارضين، ومصر مثال واضح لذلك، فاتهام مبارك بالعمالة كان موضوعا منتشرا في الحديث بين معارضيه، مبارك بدوره استخدم الأسلوب نفسه عندما احتاج لتشويه معارضيه، على سبيل المثال، فإن برقيات ويكليكس التي نشرت في نوفمبر 2010 تضمنت سلسلة من الرسائل من عام 2005، فيها تقارير لدبلوماسيين أمريكيين في سفارة الولايات المتحدة في القاهرة عن الإشاعات التي تم تداولها عن الإخوان وتلقيهم أموالا من أمريكا. البرقيات أيضا تحدثت عن تقارير صحفية بأن الإخوان كانوا يدرسون إقامة حوار مباشر مع واشنطن بإلحاح من وزارة الخارجية. ما تم استخلاصه هو أن الإشاعات والتسريبات كانت محاولة لتقويض الإخوان كجزء من لعبة إظهار القوة بين الحركة وحكومة مبارك.

أثناء الحرب الباردة، كانت المخابرات المركزية الأمريكية تتطلع لاستخدام الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى ضد الشيوعيين في الشرق الأوسط، كما يشرح واين وايت خبير تحليل المعلومات السابق في مكتب وزارة الخارجية للمخابرات والاستطلاع، والأستاذ بمعهد واشنطن لشؤون الشرق الأوسط (مؤسسة أبحاث مستقلة) يشرح رأيه في هذا الصدد: "أي جهود لقيادة أو توجيه الإخوان المسلمين ستكون نوعا من خداع النفس، فإن الإخوان كان لديهم على الأقل طوال الثلاثة أو الأربعة عقود الماضية شكوك تجاه واشنطن"، كما صرح أيان جونسون أن الاتهامات بوجود علاقات مع CIA طريقة معتادة لتشويه الإخوان عبر عقود طويلة، بداية من ناصر عندما كان من المعتاد الهجوم عليهم بترديد عبارة: إنهم يتعاونون مع الأمريكان( وربما شملت العبارة الصهاينة أيضا) في المؤامرة العالمية، وهناك مسؤولون سابقون في حكومة الولايات المتحدة ينكرون أن الولايات المتحدة قد سعت في أي وقت للتأثير على الإخوان، في الواقع، فإن السكرتير المساعد سابقا لوزارة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ريتشارد ميرفي يقول إنه لا يستطيع تذكر أية اتصالات رسمية خلال مدة خدمته بين CIA والإخوان، بالمثل توم تويتين الذي كان رئيس فرع المخابرات في مصر وليبيا في منتصف السبعينيات، ثم ترقى ليصبح مديرا للعمليات في التسعينيات، أنكر أيضا أن البيت الأبيض قد فوضه لممارسة أي تأثير على الإخوان، يقول تويتين: لو أن مقرري السياسات يريدون اشتراك CIA في أية عملية، فهذا يتطلب وثيقة مكتوبة يطلق عليها ( النتيجة) وهي تحدد الأهداف والحدود والأسباب المنطقية للإجراءات التي قد يتم اتخاذها من قبلCIA ... أستطيع أن أؤكد لكم من موقع مسؤول أنه لم يتم توقيع هذه الوثيقة، ولم يكن هناك حديث عن تعاون مع الإخوان من 1974، وحتى اعتزالي العمل في 1995، ولا أذكر حتى أي ذكر لوجود برنامج كهذا قبل 1974، ومع ذلك يجب أن نفصل بين محاولة السيطرة على جماعة، وبين التجسس عليهم، والذي هو عمل المخابرات. في الواقع وكما يقر محلل استخباراتي آخر: فإن CIA لها مصادر معلومات في بعض المنظمات الإسلامية قد أمدتنا بكم هائل من التقارير السرية عنهم التي حوت معلومات داخلية.

النقد الموجه للعلاقات بين الإخوان وأمريكا داخل مصر مستمر كل يوم، خاصة بعد أن سيطرت الجماعة على بعض مستويات الحكم في مصر، فإن معارضيها قد أضافوا باعثا جديدا لتقليص حجمها وتقويض سمعتها. خلال زيارة الوزيرة كلينتون للقاهرة في يوليو، انتقد الكاتب أحمد موسى الرئيس مرسي، وحزب الحرية العدالة لعدم اتخاذهم موقفا تجاه ما يراه تدخلا أمريكيا في الشؤون الداخلية لمصر، وناقش كيف تحولت أمريكا من الشيطان الأعظم بالنسبة للإخوان إلى حليف لهم الآن، مؤكدا أن التواطؤ بين الطرفين مؤامرة تهدف لتقويض دور الجيش المصري.

ثم يتطرق الكاتب إلى تأثير تلك الحملة على الداخل الأمريكي، حيث أصبح هناك نهج مواز، وأثارت بعض الشخصيات العامة مزاعم بخصوص التواطؤ مع الإخوان للهجوم على شخصيات معارضة، والطعن في وطنيتهم، ففي 13 يونيو قدم خمسة أعضاء من الكونجرس، من بينهم ميشيل باتشمان إلى مكتب المفتش العام بوزارة الخارجية تساؤلا عن "هوما عابدين" التي شغلت منصب نائبة رئيس العاملين لوزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" لوقت طويل، وعن السبب في منحها ترخيصا أمنيا، انطلاقا من أن والديها لهم علاقات مع أفراد وجماعات متصلة بالإخوان المسلمين، المزاعم قوبلت بغضب شديد من مشرعين آخرين من بينهم السيناتور "جون ماكين"، الذي تحدث في مجلس الشيوخ ملقيا خطابا جاء فيه: هذه الاتهامات الشريرة لا تستند على منطق ولا أساس ولا وقائع موضوعية، وصف ماكين عابدين بأنها صديقة، وألمح إلى أن هذه الادعاءات تماثل إلى حد بعيد اتهامات جوزيف مكارثي في الخمسينيات أثناء ما سمي بالرعب الأحمر، عندما تم جر مسؤولين من وزارة الخارجية بالذات، ليمثلوا أمام الكونجرس للدفاع عن أنفسهم في مواجهة الاتهام بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي.

وفي النهاية، يرى الكاتب أنه بالنظر إلى الصراع الكامن على السلطة في مصر والمتوقع وجوده مستقبلا، لا يمكن استبعاد أي نوع من الاحتيال السياسي في هذه المرحلة، خاصة مع التأجج الذي تثيره عناصر الإعلام وما يشيعه بعضها من إشاعات ونظريات مؤامرة، هذا يعني أن اتهامات التواطؤ مع أمريكا سوف تظهر مجددا عندما تكون هناك فائدة لاختلاقها، مؤكدا أن الأدلة التي لديه تشير إلى أنه باستثناء مغازلة قصيرة الأمد للإخوان أثناء المراحل المبكرة للحرب الباردة، فإن الولايات المتحدة لم يكن لها أبدا نفوذ على الإخوان .