تقديم كتاب محمد عبد الوهّاب اليوسفي : صورة عثمان وعليّ في "صحيحي" البخاري ومسلم

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب محمد عبد الوهّاب اليوسفي : صورة عثمان وعليّ في "صحيحي" البخاري ومسلم

تقديم كتاب محمد عبد الوهّاب اليوسفي :

صورة عثمان وعليّ في "صحيحي" البخاري ومسلم

(قراءة في الجذور والخصائص والدلالات)


صدرت عن دار الطليعة ببيروت الطبعة الأولى من كتاب "صورة عثمان وعلي في "صحيحي البخاري ومسلم" (قراءة في الجذور والخصائص والدلالات )" للمؤلف محمد عبد الوهاب اليوسفي، وهو باحث جامعي يدرّس بالمعهد العالي للغات بقابس (الجامعة التونسية)، له اهتمام بقضايا الفكر الديني قديما، من أعماله المنشورة عن نفس دار النشر، نذكر خاصة كتابه "جسد الأنثى بين الخطاب الديني والخطاب الإعلامي".

والعمل الذي نقدّم، ههنا، هو في الأصل بحث لنيل شهادة الدراسات المعمّقة أنجزه صاحبه تحت إشراف الأستاذ عبد المجيد الشرفي، وقد تضمّن الكتاب ثلاثة فصول كبرى هي على التوالي:

- المدوّنة: وفيها درس عدد الأحاديث وكيفيّة انتظامها في "صحيحي البخاري (ت.256 هـ) ومسلم (ت.261 هـ) ثم تفحّص خصائصها من جهتي الإسناد والمتن.

- سيرة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب: ومدار هذا الفصل على محورين؛ أوّلهما المتشابه من سيرة عثمان وعلي؛ وثانيهما مميّزات الشخصيّتين المدروستين في طوري صحبتهما للرسول وخلافتهما .

- صورتا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب: الخصائص و الدلالات.

يندرج الموضوع العام للكتاب في اختصاص علمي له تقاليده وتاريخه في الدراسات الغربية الحديثة والمعاصرة، وهو علم دراسة الشخصيّات الدينيّة، وفي مقدّمتها دراسة سيرة القدّيسين، وهو ما يسمّى بالفرنسية (hagiographie)، ومن أشهر الذين كتبوا فيه ميشال دي سارتو Michel de Certeau)) في كتابه المعروف "كتابة التاريخ" وكلود جيليو Claude Gilliot)) في بحثه المشهور "صورة ابن عباس الميثيّة".

إنّ من أبرز الأسباب التي دفعت بالمؤلف إلى اختيار موضوع كتابه أنّه "لم تتمّ دراسة شخصيّتي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب بوصفهما رمزين إسلاميّين، بالمناهج العلميّة الحديثة، ولم تتمّ الإفادة من تطوّر المباحث الإنسانيّة على اختلافها على وجه مرضيّ، حيث إنّ تفكيك سيرتهما لمعرفة جذورهما الأولى وطبيعة بناها وكيفيّة اشتغالها وأهدافها لا يزال بطيئا ويصطدم بعراقيل عديدة" ( ص 8).

وفي ضوء الاختيارات المنهجيّة سالفة الذكر، فإنّ الشاغل الأساسي لدى المؤلّف ليس إعادة كتابة سيرة عثمان وعليّ على نحو ما هو موجود في كتب التراجم ومناقب الصحابة، بل كان شاغله محاورة المادة المتوفّرة عنهما بروح نقديّة بعيدة كلّ البعد عن الإعلاء والتمجيد. وقد نبّه صاحب الكتاب إلى أنّ الذاكرة الجمعيّة الإسلاميّة (السنّيّة والشيعيّة وغيرهما) لا تزال تحتفظ إلى اليوم بصور عن الشخصيّتين المذكورتين تتردّد بين رفعهما إلى مرتبة المثال والأنموذج الذي ينبغي أن يحتذى به من جهة أو الحطّ من شأنهما والتشنيع بهما من جهة أخرى. ولذلك، فإنّ الرهان المعقود من هذا البحث هو دراسة صورة الرجلين كما شكّلها المتخيّل الإسلامي، وذلك بتفكيك مكوّناتها وتعيين مرجعيّاتها وضبط دلالاتها وما تنهض به من وظائف. على أنّ الصورة، ههنا، ليس المقصود بها الصورة في معناها الحسّي، بل الصورة التي تنتجها التمثّلات الجمعيّة أو الفرديّة؛ أي نقد الصورة المرتبطة مرجعيّا بما يُسمّى بـ"الأنموذج الأصلي" (archétype).

لقد أنجز المؤلّف عدّة جداول إحصائيّة ضبط فيها عدد الأحاديث الدائرة على عثمان وعليّ في "صحيحي" البخاري ومسلم وبيان كيفيّة انتظامها. فقد أورد البخاري 35 حديثا عن عثمان و57 حديثا عن عليّ. أمّا مسلم فقد أورد 15 حديثا عن عثمان و49 حديثا عن عليّ. ويعني ذلك تميّز البخاري بكثرة التحديث في هذا الغرض مقارنة بمسلم. والملاحظ أيضا هو توزّع تلك الأحاديث على عدّة أبواب من مصنّفات الحديث النبوي منها: الفضائل والمغازي والجهاد والآذان. وقد بيّن البحث الإحصائي أنّ البخاري ومسلم اتّفقا فقط على 07 أحاديث خاصّة بسيرة عثمان، بينما اتّفقا على 30 حديثا في شأن سيرة عليّ بن أبي طالب. وانتهى المؤلّف في هذا السياق إلى استنتاجين أساسيّين هما:

- غلبة النزعة الاحتفاليّة على كتابة سيرة عثمان الواردة في "الصحيحين"، وهو ما أنتج صورة "منقوصة" و"مبتورة" عن تلك الشخصيّة بدت مقطوعة الصلة بالتاريخ. ومن ثمّ، فإنّ هناك جانبا مهمّا مسكوتا عنه حول سيرة عثمان جدير بالدراسة والاستقصاء التاريخي والنقدي في الآن نفسه.

- الجوانب المتحدّث عنها بشأن عليّ منتقاة في "صحيحي" البخاري ومسلم؛ أي أنّها خضعت للرقابة الفكريّة من المتكلّمين باسم الإسلام.

وبيّن المؤلّف، من خلال دراسته لأسانيد الأحاديث الخاصّة بعثمان وعليّ، أنّ رواتها لم تكن لهم صحبة طويلة في الزمن مع الرسول ولم يسمعوا منه مباشرة، وهذا الوضع ينطبق على أسماء رواة تلك الأحاديث الأكثر تواترا، مثل عبد الله بن عبّاس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك والمسور بن مخرمة. وفضلا عن ذلك، فإنّ أولئك الرواة انقسموا إلى ثلاث زمر: زمرة تمسّكت بالحياد في رواية الأحاديث (مثل عبد الله بن مسعود) وزمرة انتصرت لعثمان وناهضت عليّا، وزمرة أخرى انتصرت لعليّ وناصبت عثمان العداء. أضف إلى ذلك كلّه أنّ الذين رووا أحاديث سيرتي عثمان وعليّ لم تتوفّر فيهم شروط التحديث مثل العدالة والضبط في الرواية.

وأفضت المقارنة بين سيرتي الشخصيّتين إلى تعيين وجوه الشبه والتمايز بينهما. فمن وجوه الشبه أنّ كليهما شهيد وراو لأحاديث الرسول ومتفقّه في الدين. واستنتج المؤلّف من ذلك أنّ "الأحاديث المتّصلة بالمتشابه من سيرة عثمان وعليّ زمن الصحبة (...) ارتبطت بكلّ ما هو روحيّ في شخصيّتهما متمثّلا، خاصّة في عمق صلتهما بالرسول، وقد غابت أعمالهما في الواقع، أي لقد أُهمل كلّ ما اتّصل بالأبعاد الدنيويّة لعثمان وعليّ على اختلافها، واقتُصر على الجوانب المقدّسة المتّصلة بالدين فقط. فاستحالت سيرتهما منبنية على المعاني من دون ملامسة الأحداث الزمنيّة، نابعة من اللا تاريخي والمتعالي من دون تجذّرها في تربة الواقع". (ص 67)

أمّا على مستوى وجوه التمايز بين الرجلين، فقد لاحظ المؤلّف أنّ عثمان تميّز عن علي في فترتي الصحبة والخلافة بكونه من المبشّرين بالجنّة. ثمّ إنّ له حضورا اجتماعيّا متميّزا جعله من المقرّبين من الرسول ومن الذين يسمع صوته ويؤخذ برأيه. وتفرّد أيضا في فترة خلافته بجمع القرآن. وبخصوص ما يميّز عليّا، فقد ذكر المؤلّف، تعويلا على المصادر الإسلاميّة، قوّة إيمان ابن عمّ النبيّ ونزول الآية 19 من سورة الحجّ 22 فيه، وهو أوّل المسلمين ورودا على الحوض في اليوم الآخر.

والحاصل ممّا تقدّم "أنّ سيرة عثمان وعليّ، وفق منهج البخاري ومسلم، كانت وليدة ظروف معيّنة تعود في مجملها إلى فترات من الزمن متأخّرة وبعيدة عن فترتهما التاريخيّة التي عاشاها، كما أنّها نتيجة لأحداث جرت عليها عمليّات متنوّعة كالقولبة والانتقاء والحذف والزيادة والتحويل (...) وقد انجرّ عن ذلك، اختفاء صورتي الرجلين الحقيقيّتين وضياعهما في نسيج محبوك، وقد حلّت مكانهما صور أخرى ترتدّ إلى جذور متنوّعة ولها خصائص معيّنة حبلى بالمدلولات الصادرة، في أغلبها، عن واقع القرن الثالث هجري" (ص 110).

وفعلا، فإنّ الاستنتاج السابق شرّع للمؤلّف الخوض في صورتي عثمان وعليّ كما تمثّلهما الضمير الإسلامي وحرص على ترويجهما بالرواية وشدّهما إلى مرجعيّة حديثيّة. من ذلك أنّ الصورة التي أُنتجت عن عثمان كرّست مثاليّة فترة خلافته وتوفيقه في سياسة الدولة الإسلاميّة، بينما تثبت شواهد التاريخ وأحداث الواقع عكس ذلك تماما. أمّا صورة عليّ، فهي في الحقيقة صورتان: صورة معبّرة عن الأنموذج الكامل والمثال المتعالي (خاصة قبل تولّي الخلافة) وصورة أخرى مشوّهة وباهتة تشكّلت عنه ابتداءً من ممارسته السلطة السياسيّة إثر مقتل عثمان.

وأقام المؤلّف البرهان على أنّ من أهمّ الدلالات التي يمكن استخلاصها من الصورتين المرسومتين عن عثمان وعليّ أنّ الضمير الإسلامي تعمّد إخفاء جوانب مشينة من سيرتي الرجلين، مثلما حصلت في الواقع التاريخي من نحو تصرّف عثمان مع بيت مال المسلمين وتعيين أقربائه في مناصب الدولة، ومن قبيل تكفير الخوارج لعليّ بعد قبوله التحكيم، وأيضا لعنه على المنابر على امتداد حكم ستّة خلفاء من بني أميّة.

ومهما يكن من أمر، فإنّ الفوائد التي يمكن غنمها من هذا الكتاب جمّة وداعية إلى التفكّر في قضايا مهمّة بالنسبة إلى التمثّلات الدينيّة التي نسجت حول شخصيّتي عثمان وعليّ. والحقّ أنّ المؤلّف استطاع التعامل مع المادّة الحديثيّة والروايات الدائرة على الشخصيّتين المدروستين بطريقة تفهّميّة نقديّة رصينة. فقام باستقرائها وتحليلها على نحو جعله ينتقل بشأن سيرتي عثمان وعليّ من مستوى "المنطوق به" إلى دائرة "المسكوت عنه".