تقديم كتاب: «من أجل تاريخ للمتخيَّل» للوسيان بُوَا

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب: «من أجل تاريخ للمتخيَّل» للوسيان بُوَا

تزايد الاهتمام بمبحث المتخيّل منذ النّصف الثّاني من القرن العشرين، وتعدّدت البحوث المهتمّة بهذا المبحث تعدُّداً ملحوظاً، ولعلّ ذلك راجع إلى سببين رئيسين؛ يتعلّق السّبب الأوّل بطبيعة المبحث. فالمتخيّل مجال معقّد ومتشعّب، وما زالت مصطلحاته ومفاهيمه غير دقيقة، بل ما زال الباحثون غير متّفقين على تعريف واضح لمفهوم المتخيّل. أمّا السّبب الثّاني فعائد إلى مختلف وجهات النّظر الدّارسةِ للمتخيّل. فمبحث المتخيّل تتجاذبه علوم مختلفة، وكلّها ترغب في إلقاء الضّوء على آليّات اشتغال المتخيّل الإنسانيّ وقوانينه. ولهذه الأسباب وغيرها، بات المتخيّل حقلاً بحثيًّا سلّط الباحثون عليه اهتمامهم علّهم يهتدون إلى إدراك أعماق الفكر الإنسانيّ.

وإذا كانت مفاهيم «المتخيّل» و«المخيّلة» و«الخيال» يُنظر إليها في التّراث الفلسفيّ القديم وفي الفكر اللاّهوتيّ، وحتّى زمن هيمنة العقلانيّة الوضعيّة نظرة ريبةٍ، وتُعَدّ مجالاً للزّيف والخطأ، فإنّه يمكن أن نعتبر أنّ «غاستون بشلار» (Gaston Bachelard) أوّل مَن أحدث قطيعة أبيستيمولوجيّة في مقاربته للمتخيّل. فقد أعلنت كتبه «التّحليل النّفسيّ للنّار» و«الماء والأحلام» و«الهواء والأحلام» و«الأرض وأحلام الرّغبة» و«الأرض وأحلام الرّاحة» عن برنامج طموح غايته تبيّن «هرمونات» إنتاج المتخيّل والبحث عن قوانين اشتغاله. ولقد كان لهذه الأعمال الأثر الكبير في تغيير طريقة التّفكير وإيلاء هذا المبحث أهمّية كبرى. لذلك سعى تلميذه «جيلبار ديران» (Gilbert Durand) في كتابه المُتميّز «البُنى الأنثروبولوجيّة للمتخيّل» (Les structures anthropologiques de l’imaginaire) إلى تحديد مفهوم واضح ووظيفيّ للمتخيّل. فقسّم المتخيّل إلى نظامين: نظام نهاريّ ونظام ليليّ، وقد صنّف ضمن كلّ نظام مجموعة من «النّماذج الأصليّة» (Les archétypes) و«الشّيمات» (Les schèmes) والرّموز (Les symboles). ولقد كان همّ «ديران» البحث عن «كلّيّات» المتخيّل الإنسانيّ.

وإذا كان البحث الأنثروبولوجيّ قد أولى عناية إلى الكلّيّات، فإنّ المؤرّخ كان يسعى إلى ربط هذه البنى بالأطر التّاريخيّة. فاختلفت وجهات النّظر وطرق مقاربة هذا المبحث. وقد تجلّى هذا الاختلاف بين مدرستين في دراسة المتخيّل. مدرسة أولى رائدها «جيلبار ديران» تعتقد في ثبات البنى واستمراريّتها، ومدرسة ثانية يتزعّمها المؤرّخ«جاك لوقوف» (Jacques Le Goff) تؤمن بالاختلاف وتغيّر البنى. وضمن هذا الإطار الأبيستيمولوجيّ، يتنزّل كتاب «لوسيان بوّا»(1) محاولاً الاستفادة من النّظرة الأنثروبولوجيّة والتّاريخيّة على حدّ سواء.

ونروم في عملنا هذا، تقديم كتابه لما رأينا فيه من طرافة في المواقف وجدّة في مقاربة المبحث.

يمتدّ كتاب «من أجل تاريخ للمتخيّل» على مائتين وثلاث وعشرين صفحة، ويتضمّن توطئة في ثلاث صفحات، وسبعة فصول، حملت العناوين التّالية: «البنى والمناهج»، و«أنظامان للمتخيّل؟» و«ترسيمة ثنائيّة الأقطاب: جهنّم والجنّة» و«لعبة الغيريّات» و«الهروب» و«المتخيّل التّاريخيّ»، و«أساطير سياسيّة». وختم المؤلّف كتابه بخاتمة مكثّفة، امتدّت على ثلاث صفحات.

أكّد المؤلّف، منذ مقدّمة كتابه اهتمام الباحثين المتزايد بمبحث المتخيّل؛ فهذا الحقل البحثيّ تتجاذبه عدّة اختصاصات من أنثروبولوجيا وتاريخ وعلم نفس... وقد رأى أنّ المكتبة الفرنسيّة لا تخلو من أعمال علميّة جيّدة، بحثت في عديد وجوه المتخيّل. غير أنّ هذه الأعمال، وإن أرست تقاليد في دراسة المتخيّل في مختلف تجلّياته، فإنّ الحاجة أصبحت أكيدة إلى تأسيس نظريّة في تاريخ المتخيّل، وهو لا يزعم كتابة تاريخ من هذا القبيل، وإنّما هو يسعى إلى تأسيس اللّبنات الأولى لهذا المشروع مستفيداً من البحوث المتخصّصة في هذا المجال من جهة، ومعوّلاً على بحوثه الخاصّة من جهة أخرى، فهو يرى أنّ كتابة تاريخ للمتخيّل يمثّل أحدَ السّبل المهمّة للنّفاذ إلى أعمق أعماق الفكر الإنسانيّ(2).

ومن أجل إنجاز مشروعه، سعى في الفصل الأوّل «البنى والمناهج» إلى مراجعة التّعريفات السّائدة للمتخيّل من جهة، ونقد المقاربات المغلوطة من جهة أخرى. وقد أقرّ من البداية أنّ هذا المبحث شائك، عصيّ على الدّرس، لأنّ كلّ طرف يُنْكِر نصيبه من المتخيّل ولا يرى في إنتاجاته ورؤاه متخيّلاً، وإنّما المتخيّل كامن في إنتاجات الآخر ورؤاه. فالكلّ متّفق على حقيقة مغلوطة ”لنا الحقائق وللآخر الأساطير“. ويُضاف إلى هذه النّظرة «المتخيّلة» تعريفاتٌ تحتاج إلى مراجعة أكيدة. فقد نظر الباحث في جملة من التّعريفات للمتخيّل وخصّ نقده لتعريفين: تعريفٍ أوّل لـ«إيفلين بتلجيون» (Evelyne Patlagean) وتعريفٍ ثانٍ لـ«جاك لوقوف» (Jacques Le Goff). ورأى أنّ هذين التّعريفين يقومان على تعارض بين مفهوم المتخيّل ومفهوم الحقيقة المتعيّنة. فكانت هذه التّعريفات مرسّخة لنظرة ثنائيّة فاصلة بين المتخيّل والواقع؛ أي بين مجال الزّيف والوهم ومجال الحقيقة المتعيّنة. لذلك يقترح «بُوَّا» تجاوز هذه الرّؤية الثّنائيّة واقع – متخيّل ليصبح المتخيّل متمازجاً مع الحقيقة الخارجيّة. ومن ثمّة، فإنّ لكلّ متخيّله، فالمتخيّل أضحى بُعْداً من أبعاد الإنسان يتجلّى في كلّ إنجازاته. فالإنسان كائن رامز تحرّكه أحلامه ورغباته ومخاوفه واستيهاماته. لذا يتجلّى المتخيّل في مختلف إنجازات الإنسان ومشاريعه، وإن لبست هذه المشاريع لباس العقلانيّة.

ليس المتخيّل نقيضاً للواقع وتحريفاً له، وإنّما هو يتمازج مع «الحقيقة الواقعيّة». إنّ هذه الرّؤية تُخوّل لنا دراسة قوانين اشتغاله. غير أنّ دراسة المتخيّل –في نظر المؤلّف- تكاد تسقط في ثنائيّة أخرى. وتتمثّل هذه الثّنائيّة في اختلاف وجهات النّظر بين المقاربة الأنثروبولوجيّة والمقاربة التّاريخيّة. فإذا كانت المقاربة الأنثروبولوجيّة، تسعى إلى البحث عن البنى الثّابتة للمتخيّل في الفكر الإنسانيّ، فإنّ المقاربة التّاريخيّة تسعى إلى إبراز الاختلافات، وتؤكّد أثرَ الخصائص الثّقافيّة والتّاريخيّة في إنتاج المتخيّل. وللخروج من هذا المأزق، يرى المؤلّف أنّ مبدأين أساسيّين يتحكّمان في المتخيّل؛ يتمثّل المبدأ الأوّل في قولة وردت في سفر الجامعة (L’ecclésiaste): ”لا جديد تحت الشّمس“. أمّا المبدأ الثّاني، فيتمثّل في قولةٍ لـ«هيرقليطس» (Héraclite): ”كلّ شيء يسيل“ أو ”كلّ شيء يتحوّل“. فبنى المتخيّل ثابتة تتغيّر بمقتضى الحال وشروط العمران. ومن أجل تأكيد فكرته يضرب المؤلّف على ذلك مثلين، هما الظّاهرة الكلّيّانيّة وفكرة نهاية العالَم. ويَرى أنّ هاتين الظّاهرتين تنتميان إلى ما هو مشترك إنسانيّ لكنّ تجسيدهما التّاريخيّ يختلف من عصر إلى عصر ومن مصر إلى آخر. فالبناءات جديدة ولكنّ الموادّ قديمة.

ومن ثمّة، فإنّه يقترح الاستنجاد بمفهوم «النّماذج الأصليّة»؛ فتاريخ المتخيّل هو تاريخ البُنى الأصليّة(3). وقد حدّد ثماني بُنى أصليّة قادرة على تغطية ما هو مهمّ في متخيّل منغرس في المسار التّطوّريّ للتّاريخ.

1. الوعي بحقيقة متعالية: يمثّل الاعتقاد في حقيقة غير مرئيّة ومتعالية بنية أصليّة في الفكر الإنسانيّ؛ فالإنسان يحتاج إلى الإيمان بحقيقة مّا مهما تكن هذه الحقيقة متعالية. والغاية من ذلك إعطاء معنى للعالَم وللوضع الإنسانيّ. وإذا كانت هذه البنية الأصليّة تتجلّى في مجال المقدّس باعتقاد الإنسان في «الإله» بمختلف التّجلّيات التي اتّخذها في التّاريخ، فإنّ العصر الحديث –الذي يدّعي نزع الأسطرة عن العالَم- قد أحلّ حقائق متعالية أخرى، مثل العلم والأمّة والعرق والمجتمع الرّاقي... ومن ثمّة، ”فما دام الإنسان إنساناً فإنّه سيبقى مسيّجاً بحقيقة متعالية وسيظلّ يتخيّل دلالات فيما وراء المظاهر“.(4)

2. القرين: الموت والآخرة: إنّ هذه البنية الأصليّة تعكس تصوّراً مخصوصاً للكائن البشريّ؛ فالجسد المادّيّ للإنسان يقترن بقرين هو النّفس أو الرّوح... ومهما يكن من أمر، فإنّ الجسد المادّيّ يردف بجانب لامادّيّ، بل إنّ هذا العنصر اللاّمادّيّ، ذات أو نفس أو روح يُواصل وجوده، وإن فُصِلَ عن الجسد. ولقد حفّزت هجرة هذا القرين إلى خلق تصوّرات أخرويّة متعدّدة.

3. الغيريّة: إنّ الغيريّة بنية أصليّة في الفكر الإنسانيّ، فهي تتجلّى بدءاً بالاختلاف البسيط إلى الغيريّة الرّاديكاليّة؛ فالغيريّة تستند إلى جملة من الاختلافات، سواء أكانت عرقيّة أم جنسيّة أم دينيّة أم سياسيّة. فعبر منطق الغيريّة يرسم الإنسان صورة للآخر المختلف عنه، وهذه الصّورة هي التي تتحكّم في طرق التّعامل معه.

4. الوحدة: تسعى هذه البنية الأصليّة إلى إخضاع العالَم إلى مبدإ موحّدٍ لتحقيق الانسجام وإعطاء معنًى للوجود.

5. تحيين الأصول: يتعرّف الإنسان ذاتَه عبر أساطيره التّأسيسيّة. فللأصول قيمة رمزيّة كبرى لدى الإنسان؛ فهي التي تلقي الجسور بين الماضي والحاضر، وهي من ثمّة آليّة تفسيريّة من جهة، ووسيلة بها تحافظ المجموعة على خصوصيّتها الذّاتيّة من جهة أخرى.

6. استكناه المستقبل: للإنسان توق لاستكناه الزّمن المستقبل. ولعلّ ذلك قد تجلّى في مختلف الأنشطة الرّمزيّة والسّحريّة التي سعى من خلاها الإنسان إلى كشف ما سيحصل في قادم الأيّام.

7. الهروب: يعدّ الهروب بنية أصليّة ثابتة في الفكر الإنسانيّ، ويتجلّى في موقفين أساسيّين، فيكون الهروب، إمّا نحو الماضي بتمجيد زمن ذهبيّ عاشه الأسلاف، وإمّا نحو زمن المستقبل بفضل الطّوباويّات أو الحلم بمجتمع راقٍ ومتطوّر يَعِدُ بالفردوس المفقود.

8. صراع (أو تكامل) الأضداد: تؤكّد هذه البنية آليّة من آليّات اشتغال الفكر الإنسانيّ القائم على الثّنائيّات؛ فالنّهار نقيض اللّيل، والأسود نقيض الأبيض، والنّور نقيض الظّلمة والخير نقيض الشّرّ، وتتجسّد هذه النّظرة المانويّة في الأديان والفلسفات على حدّ سواء.

إنّ هذه البنى الأصليّة –حسب المؤلّف- لها بُعْدٌ كونيٌّ؛ فهي ثوابت بنيويّة يشترك فيها إنسان الأمس وإنسان اليوم، وهي آليّات يمكن أن ننفذ من خلالها إلى أعماق المتخيّل.

ويُميّز المؤلّف بين نمطين من أنماط المتخيّل؛ فهناك متخيّل مدرك، يُعاش باعتباره متخيّلاً. فنحن ندرك عند مشاهدتنا لشريط سينمائيّ أنّنا في عالَم متخيّل ينتهي بانتهاء الشّريط؛ وهناك متخيّل أساسيّ هو متخيّل مدرك، باعتباره حقيقةً أكثر واقعيّة من الواقع المتعيّن.

ويقترح المؤلّف مراجعة للمصادر التي يستعملها المؤرّخ قصد البحث عن تجلّيات المتخيّل؛ فالمؤرّخ همّه البحث عن صدق الحدث التّاريخيّ، لذلك فإنّه يعتمد نصوصاً معيّنة ويهمل مصادر عدّة. ومؤرّخ المتخيّل مدعوّ إلى البحث في جملة من المصادر كانت من قَبْلُ مهملة. فالنّصّ الأدبيّ والرّسوم والمنحوتات والتّراث الشّفويّ كلّ ذلك يعدّ وثائق لا غنًى عنها تسمح بتبيّن تجلّيات المتخيّل في الفترة المدروسة.

وقد طرح المؤلّف في الفصل الثّاني سؤالاً منهجيًّا مهمًّا يتمثّل في معرفة هل للمتخيّل نظام واحد أم نظامان؟ لقد عرف الغرب نهضة في مختلف المستويات، سواء الفكريّة أو الاقتصاديّة أو السّياسيّة، خوّلت له أن يحتلّ ريادة مختلف المجالات ويسيطر على العالَم. ويعود سبب هذه النّهضة إلى سيادة العقل والعلم منذ عصر الأنوار. وقد أدّى هذا الأمر إلى ظهور نظرة استعلائيّة. ومن ثمّة اعتقد الغربيّ، أنّه بلغ مرحلة النّضج والاكتمال بعد أن قطع بسلام مرحلة الطّفولة المتمثّلة في الفكر السّحريّ والدّينيّ. وإذا كان الغربيّ قد أدرك هذه المرحلة من الاكتمال، فإنّ الآخر ما زال –حسب تصوّره- قاصراً يغلب على تفكيره الاعتقادات السّحريّة والدّينيّة. فللغرب الحقائق وللآخر الأساطير والسّذاجات.

إنّ هذه النّظرة لا تخلو من أسطوريّة - حسب المؤلّف - لذلك، فإنّه عدّد الأمثلة الدّالّة على حضور عمق متخيّل زمن سيادة العقل وازدهار العلم. ففي بداية النّهضة الغربيّة، سعى العلماء إلى نحت تصوّر علميّ للكون. ولعلّ «نيوتن» كان الممثّل البارز لهذا التّصوّر. فقد سعت الفيزياء إلى فهم كيفيّة اشتغال الطّبيعة قصد إخضاع الكون لقوانين منطقيّة وعلميّة. فَعُدَّتْ أخطاءُ الإنسان أخطاءً فيزيائيّةً(5). وكان طموح الفلاسفة والعلماء أن تُعَوِّضَ الفيزياءُ اللهَ. ديانة جديدة يبشّر بها «نيوتن» ومفكّرو عصر الأنوار. فرغم المظاهر العلميّة الصّرف، فإنّ في هذا التّصوّر الأبيستيمولوجيّ متخيّلاً وحلماً بالسّيطرة على الطّبيعة في مبادئ موحّدة.

وتقدّم لنا الفلسفة مثالاً ثانياً يحضر فيه البعد المتخيّل رغم الصّبغة العقلانيّة. قامت الماركسيّة، باعتبارها فكراً ثوريًّا نقيضاً للإيديولوجيّات المتجمّدة، فحاربت الفكر الدّينيّ المتكلّس وهدّمت أسس البرجوازيّة المتسلّطة. غير أنّ هذا الفكر الثّائر على كلّ أنواع الأساطير لم ينج من فخّ الأساطير.فالمجتمع الشّيوعيّ الذي بشّرت به الماركسيّة النّظريّة أو التّطبيقيّة على حدّ سواء، لا يمكن أن يكون إلاّ من الطّوباويّات، فهو بمثابة الفردوس المفقود. فليست الماركسيّة من هذا المنظور إلاّ أَلْفَانِيَّة معلمنة (Millénarisme sécularisé).

هذه الأمثلة وغيرها كثير، قد أمعن المؤلّف في تحليلها وانتهى إلى حضور بنى متخيّلة رغم المظاهر العقلانيّة. فليس هناك بكلّ تأكيد أنظمة للمتخيّل متعدّدة، وإنّما هناك نظام واحد. فالمتخيّل أعدل الأشياء توزّعاً بين البشر.

أمّا الفصل الثّالث، فقد وضع له المؤلّف عنوان «التّرسيمة الثّنائيّة الأقطاب جهنّم والجنّة». وقد سعى من خلاله إلى كشف صورة جهنّم في المتخيّل المسيحيّ الغربيّ. لقد اعتقدت جلّ الشّعوب بالجزاء الأخرويّ، غير أنّ تجلّيات هذا الجزاء تختلف من ثقافة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر. فرسمت الأديان التّوحيديّة على وجه الخصوص صورة لجهنّم تجمع فيها بين المصير القاتم للكافر وصورة التّعذيب، إلاّ أنّ تغيّر البنى الاجتماعيّة والثّقافيّة في الغرب المسيحيّ قد غيّرت من صورة الجزاء الأخرويّ. فحضر في العصر الوسيط مفهوم «المِطْهَر» (Le purgatoire). ويتمثّل المِطْهَر في كونه فضاءً بَيْنِيًّا بين الجنّة والنّار، فهو فضاء تطهيريّ يتخلّص فيه بعض الآثمين من خطاياهم ويخوّل لهم هذا الاختبار التّطهيريّ التّمتّع بنعيم الجنان. أمّا في القرن العشرين، فقد رأى المؤلّف تغييراً واضحاً في تصوّر المسيحيّ للنّار. إنّ إلغاء عقوبة الإعدام والإيمان بحقوق الإنسان ومنع التّعذيب قد أثّر في تصوّرات المعتَقِد. فما عاد يمكن تصوّر إله يعذّب عبادَه.

والحاصل أنّ التّصوّرات الأخرويّة قد تأثّرت بما حقّقه الإنسان من تطوّر في مجال حقوق الإنسان نتيجة إقرار حرّية الأفراد. فلم يعد المتخيّل بنية ثابتة متعالية على الزّمن ومتجاوزة له. وإنّما المتخيّل تُؤَثِّرُ في إنتاجاته البنى التّحتيّة.

وقد خصّص المؤلّف الفصل الرّابع لدراسة «لعبة الغيريّات»، فصورة الآخر المختلف تمرّ حتماً عبر مِرْشَح المتخيّل. فتمثّل الآخر يكون دوماً تمثّلاً متخيّلاً، وقد ضرب المؤلّف على ذلك مثال الصّين. إنّ نظرة الغرب للصّين عرفت العديد من التّغيّرات. فقد كان يُنظر إلى الصّين، باعتبارها مصدرَ ثراء، فهي أرض الذّهب والفضّة والجواهر. وتغيّرت النّظرة زمن التّوسّع الاستعماريّ الغربيّ، لتُصبح الصّين مجرّد إمبراطورية للبرابرة، غير أنّ هذه النّظرة قد طرأ عليها تغيير كبير في المنتصف الثّاني للقرن العشرين، وهو تغيّر ناجم عن النّجاح الاقتصاديّ الهائل للصّين. وبذلك أصبحت مثالاً يُحتذى، بل أصبحت رمز النّجاح الاقتصاديّ.

إنّ صورة الآخر ليست ثابتة، بل هي متغيّرة بتغيّر علاقة الإنسان بالآخر. ويتجلّى الآخر المختلف من خلال لباسه وعاداته وأكله. ولعلّ أبرز فكرة يميّز بها الأنا ذاته عن الآخر هي فكرة «المركز» (Le centre). فكلّ شعب يعتقد في أنّه يحتلّ مركز الكون. أمّا الآخر، فإنّه يسكن الأطراف أو الأدغال. إنّ فكرة المركز التي حلّلها بعمق «ميرسيا إلياد» (Mircea Eliade) تضع حدًّا جغرافيًّا بين الأنا والآخر. فأن تحتلّ المركز يعني أنّك قطب الكون، وأنّ خطابك وثقافتك يجب أن يَعُمَّا الأطراف.

إنّ لعبة الغيريّة لا تتجلّى في رسم صورة الآخر المختلف جغرافيًّا، بل هي تتجلّى أيضاً في تصوّر الآخر المختلف داخل الفضاء ذاته. فالغريب والأقلّيات والمهمّش ومريض فقدان المناعة... كلّ هؤلاء يدخلون في عِداد الآخر المختلف. وتظهر لعبة الغيريّة أيضاً في الأنظمة الفلسفيّة. فصراع الطّبقات في الفكر الماركسيّ ليس إلاّ مظهراً من مظاهر لعبة الغيريّة. فالبرجوازيّة تعتبر البروليتاريا خطراً ماحقاً يهدّد كيانها والبروليتاريا تَرَى في البرجوازيّة طبقة مستغلَّة تنتهك حقوق العامل.

تمثّل المرأة الآخر؛ فهي تختلف عن الرّجل جسداً. لذلك رسم الرّجل لها صوراً مختلفة، فهي حسب «أرسطو» ”كائن ناقص“ وقد ارتبطت في الفكر الدّينيّ بالشّيطان. فصورة المرأة / الشّيطان لم يتراجع تأثيرها إلاّ إثر الحركات النّسويّة وتغيّر أنماط الإنتاج. ورغم ذلك، فإنّ صورتها الحاليّة لا يمكن إلاّ أن تمرّ عبر المتخيّل، إذ يسهم الفنّ والإشهار والسّينما في رسم صور متعدّدة يُدرك بها الرّجل المرأةَ.

عالَج المؤلّف في الفصل الخامس بنية أصليّة هي الهروب؛ فالهروب يمثّل جملة الآليّات التي يوظّفها الإنسان في الخروج من وضعيّتة المأساويّة. فالإنسان يصنع دوماً آليّات تخوّل له تجاوز حدود إمكاناته. وتتجلّى تقنيات الهروب أوّلاً في الحنين إلى عصر ذهبيّ يتّسم بالطّهر والخير المطلق والانسجام الحاصل بين الفرد والمجموعة من جهة، وبين الفرد والكون من جهة أخرى. إنّ هذا العصر الذّهبيّ هو عصر الأسلاف تخضع فيه دورة الحياة لأسطورة العود البدئيّ التي حلّلها «إلياد» (M. Eliade) بعمق. إنّ تحيين الأصول يسمح للإنسان باسترجاع لحظات الصّفاء والطّهر. وتتجلّى ثانياً في الهروب إلى الأمام بحثاً عن عالَم مثاليّ عبر تأسيس مدينة فاضلةٍ أو إيديولوجيّات معلمنة، مثل النّازيّة والفاشيّة والشّيوعيّة. إنّ سِرَّ هيمنة الإيديولوجيا النّازيّة يتمثّل في ترويجها انتصار الجنس الآريّ؛ فهذا الجنس قادر في اعتقادها على خلق إنسان وعالَم جديدين.

والحاصل، أنّ الهروب باعتباره بنية أصليّة يوضحّ أنّ في رحم كلّ ثقافة تظهر نزعتان متناقضتان: نزعة أولى نكوصيّة يشدّها الحنين إلى ماضٍ تَلِيدٍ، ونزعة ثانية وثّابة نحو المستقبل.

لا ينفصل الفصل السّادس عن الفصل السّابع، بل هما متكاملان. فالبحث في المتخيّل التّاريخيّ يستدعي وجوباً إثارة الأساطير السّياسيّة. إنّ رهان البحث في هذين الفصلين معقود على استجلاء حضور المتخيّل في مجال الكتابة التّاريخيّة من جهة، ومجال السّياسة من جهة أخرى. لقد أعلن «ديران» في كتابه «البنى الأنثروبولوجيّة للمتخيّل» أنّ ”التّاريخ مجال المتخيّل“. وقد أثار هذا التّصريح حفيظة المؤرّخين. فالمؤرّخ الوضعيّ خاصّة، كان همّه استجلاء الأحداث التّاريخيّة وتخليصها من شوائب المتخيّل. لكن هل يمكن فعلاً كتابة الحدث التّاريخيّ كما وقع؟ يُميّز «بُوا» بين التّاريخ كما وقع والتّاريخ، باعتباره خطاباً يسرد أحداثاً وقعت في لحظة تاريخيّة، وهو يعلن أنّه لا يمكن حتماً نقل الخبر بدقّة مهما كان النّقل موضوعيًّا. ومن ثمّة، لا يُمكن للتّاريخ إلاّ أن يكون مجالاً للمتخيّل. ولعلّ الدّليل على ذلك قيام الخطاب التّاريخيّ على بنية أصليّة هي بنية صراع الأضداد. فمنذ «هيرودوت» (Hérodote) تأسّست الكتابة التّاريخيّة على الصّراع. ومن أشكاله الصّراع بين عالَم البرابرة وعالَم المتحضّرين، والصّراع بين العالَم الإسلاميّ والعالَم المسيحيّ، والصّراع بين الخير والشّرّ... فالطّريقة في الكتابة التّاريخيّة، إنّما تعكس بنية أصليّة تتمثّل في صراع المتناقضات.

ولا يقلّ الخطاب السّياسيّ أسطوريّة عن الخطاب التّاريخيّ. ففي ثنايا هذا الخطاب تنكشف جملة من البنى الأصليّة والرّمزيّة. فالسّياسات الثّوريّة الرّاغبة في خلق إنسان وكونٍ جديدين ليست إلاّ ألفانيّات معلمنة تبحث بواسطة بنية الهروب إلى إقناع النّاس بصدق الدّعوة. أمّا خطاب القائد المنقذ، فهو تحوير وتحريف للبطل المخلّص في الرّموز الدّينيّة، المسيح، المهديّ المنتَظَر...

والخلاصة أنّ الخطاب التّاريخيّ والسّياسيّ يتّخذ أدوات قديمة، لينحت منها أساطير جديدة تكشف عند التّفحّص عن عمق متخيّل ثاوٍ في أعمق أعماق الذّات الإنسانيّة.

إنّ مجال المتخيّل لامتناه، فهو يوجد في كلّ مجالات الإبداع الإنسانيّ. فالمتخيّل يرافق المغامرة الوجوديّة للإنسانيّة فيتلبّس بفكر الإنسان وأعماله. فهل يمكن للمتخيّل من ثمّة أن يكون نسقاً تفسيريًّا متكاملاً به نفهم ما غمض من الظّواهر الثّقافيّة والسّياسيّة والتّاريخيّة؟ ذا هو السّؤال الذي طرحه المؤلّف في خاتمة كتابه. فإذا حصرت الماركسيّة آليّات تفسير العالَم في البنى التّحتيّة والفاعليّة الاقتصاديّة، أفلا يكون المتخيّل قادراً على أن يقدّم لنا آليّات فهم النّشاط الإنسانيّ؟

لا مناص من التّأكيد أنّ المتخيّل قادر –شأنه شأن أنساق أخرى- على توضيح المغامرة الإنسانيّة. ويبقى من الضّروريّ عدم السّقوط في فخّ الحتميّة. فالتّاريخ يظهر بمثابة شبكة معقّدة. ويعدّ المتخيّل عنصراً من عناصر هذه الشّبكة، وهو بذلك قادر على فهم عناصر عدّة من التّاريخ. فلفهم أفضل للتّاريخ يجب الاستناد إلى مقاربات عدّة يمثّل المتخيّل أحدها، كما يجب الاستناد إلى عناصر أخرى، بإمكانها اكتشاف ما لم يتكمّن المتخيّل من اكتشافه.

والحاصل، أنّ المتخيّل يمثّل سبيلاً من بين عدّة سُبُل قادرة على إنارة المغامرة الإنسانيّة وتوضيحها.


[1]- Lucian BOIA, Pour une histoire de l’imaginaire, Vérité des mythes, Collection dirigée par Bernard Deforge, Paris, Les Belles Lettres, 1998.

لوسيان بوا، وُلِد سنة 1944، يدرّس التّاريخ بكلّيّة التّاريخ في بوخاريست، متخصّص في دراسة الفكر الأسطوريّ، له عدّة أعمال في هذا المجال. نذكر منها:

- L’exploration imaginaire de l’espace, La découverte, 1987

- La fin du monde, une histoire sans fin, La découverte, 1989

(2)- Lucian Boia, Pour une histoire de l’imaginaire, p. 9

(3)- Lucian Boia, Pour une histoire de l’imaginaire, p. 17

(4)- Ibid., p. 31.

(5)- Lucian Boia, Pour une histoire de l’imaginaire, p. 61.