حرّيّة المعتقد والضمير في الدستور التونسي الجديد: صراع المرجعيّات

فئة :  مقالات

حرّيّة المعتقد والضمير في الدستور التونسي الجديد: صراع المرجعيّات

في مساء يوم الأحد 26 يناير 2014 صادق أعضاء المجلس الوطني التأسيسي التونسي على الدستور الجديد، دستور الجمهوريّة الثانية، وذلك بعد أكثر من سنتين عرف فيها المجلس مظاهر شتى من التجاذبات والصدامات والتوافقات والمناورات والتنازلات وحتى ممارسة العنف اللفظي والجسدي. وقد حاز الدستور التونسي، رغم كلّ ذلك، على ثقة نوّاب الشعب التونسي بأغلبيّة واضحة (200 صوت مـن مجموع 216).

والحقّ أنّ هناك عددا من فصول الدستور - لمّا كان في طور المشروع- هي التي كَثُر حولها الخلاف بين النوّاب فيما بينهم وبين جمعيّات المجتمع المدني والجماعات الدينية بكلّ ألوانها السياسية واتجاهاتها المذهبيّة المعلنة أو الضمنيّة. ومن هذه الفصول، نذكر بالخصوص الفصل الثاني. وبعد مخاض عسير وُلد على الصيغة التالية: "تونس دولة مدنيّة، تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القانون. لا يجوز تعديل هذا الفصل". إذ ليس من السهل أن يتمّ إقرار مبدأيْ "المدنيّة" و"المواطنة" في مجلس تأسيسي ثلث نوّابه من ذوي انتماء ديني /سياسي معيّن. ولكن ممثّلي المجتمع المدني استعملوا كلّ وسائل الضغط المتاحة، حتى يُثبّتوا في الدستور ذلك التلازم المهمّ بين "المدنيّة " و"المواطنة".

وقد رأينا ههنا، الوقوف على مختلف ردود الأفعال التي اقترنت بصياغة الفصل السادس من الدستور، فنسعى إلى تفهّم تلك الردود من حيث خلفيّاتها المنطوق بها أو المسكوت عنها، مثلما نروم دراسة استتباعاتها والنتائج المترتّبة عليها.

يندرج الفصل المذكور ضمن الباب الأوّل من الدستور، ومداره على "المبادئ العامّة". وعندما تمّ التصويت الأوّل على هذا الفصل في جلسة يوم 2014/1/12 كان نصّه يحمل الصيغة التالية:

"الدولة راعية للدين، كافلة لحريّة المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينيّة، حامية للمقدّسات، ضامنة لحياد المساجد ودُوَر العبادة ـ عن التوظيف الحزبي، ويُحجّر التكفير والتحريض على العنف".

ويمكن إرجاع ردود الفعل على هذا النص إلى موقفين كبيرين:

-موقف منوّه بمضمون هذا الفصل، إذ رأى فيه أصحابه تكريسا للحريّة الدينيّة وتفعيلا بقوّة الدستور للآية "لا إكراه في الدين" (البقرة 256/2) أو للآية "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29/18)، بل إنّ هذا الفصل يمنع بوضوح الدعوات التكفيرية. ويرى أنصار هذا الموقف أيضا أنّ محتوى هذا الفصل ينسجم إلى حدّ كبير مع مضمون الفصل الثاني من الدستور، لأنّ من أبسط مبادئ أو شروط المواطنة أن يتمتّع الفرد داخل الدولة المدنيّة بكلّ حقوقه السياسيّة وحرّيته الفكريّة والدينيّة. وليس من الغريب أن ترتفع داخل قبّة المجلس الوطني التأسيسي بعض الأصوات لتذكّر بأنّ الدستور، أيّ دستور، يهتمّ فقط بتنظيم شؤون الحياة والمعاش ويجعل الحياة الجماعيّة ممكنة ومنظّمة، ولا يهمّه بالمقابل النظر في الأمور الأخرويّة من مثل الكلام على التكفير.

-موقف معترض جملة وتفصيلا على مضمون الفصل المذكور. وقد اتّخذت هذه المعارضة أشكالا شتّى من التعبير، إذ انتظمت في عدّة مدن تونسيّة (مثل صفاقس والقيروان، وهما على التوالي من معاقل حزب حركة النهضة وتيّار أنصار الشريعة) مسيرات مناهضة لما جاء في ذلك الفصل، بل انتظمت وقفات احتجاجيّة يوميْ 17 و18 يناير أمام مقرّ المجلس الوطني التأسيسي. وفضلا عن ذلك قُدّمت قراءات، بل قل تأويلات لهذا الفصل من هؤلاء المعارضين له. من ذلك أنّ رئيس "الجمعيّة الوسطيّة للتوعية والإصلاح" دعا إلى إلغاء الفصل لتعارضه مع الشريعة الإسلاميّة ومبادئ الدين الحنيف، وهو يرى أنّ هذا الفصل يُجيز الكفر بصفة علنيّة تحت حجاب الدولة. واستغلّ "تيّار المحبّة" مضمون الفصل السادس للقول بأنّ الدستور التونسيّ" مُعادٍ للإسلام وللمسلمين"، بل هو دستور أسوأ من دستور بورقيبة (1959). وغير بعيد عن هذا الموقف، دعت "حركة وفاء"، القريبة من الإسلاميّين، إلى ضرورة حذف عبارة "حريّة الضمير" بدعوى أنّ وجودها في الفصل السادس يُتيح المجال لغير المسلمين للقيام بطقوسهم وشعائرهم الدينيّة. وفي خضمّ هذه الأجواء المعادية لحرّيّة الضمير والمعتقد الواردة في مشروع الدستور، يخرج وزير الشؤون الدينية على الناس، في ندوة صحفية يوم 22 يناير 2014، ليقول بوضوح بأنّ الفصل السادس" صِيغ بطريقة مستعجلة". وكان من الداعين إلى إعادة صياغته برمّته.

ولنا أن نسأل بعد هذا كلّه عن الدواعي التي يمكن أن تفسّر هذين الموقفين المتقابلين تقابلا تامّا؛ إذ الصراع بينهما هو عند الفحص صراع مرجعيّات من جهات شتّى هي: التشريع، وروح القوانين، والتأويل. وهذه المرجعيّات مشدودة إلى رهان أساسي يجلوه السؤال التالي: أيّة دولة نريد؟ هل هي الدولة المتبنيّة للرؤية العلمانية التي تدافع عن لائكيّة الدولة (الفصل بين الدين والسياسة)؟ أم هي الدولة الدينيّة التي تراقب الضمائر وتضع يدها عليها، ومن ثمّ تصنّف رعاياها إلى مؤمنين وغير مؤمنين؟

إنّ أسباب الصراع بين الموقفين سالفَيْ الذكر صنَعتْها أحوال السياسة وروّجتها التوظيفات الإيديولوجية من هذا الشقّ أو ذاك. وقلّما تمّ النقاش حول مضمون الفصل السادس من منطلق معرفيّ وفكريّ صرف؛ ذلك أنّ الكلام على حرّية المعتقد والضمير هو من مقتضيات الدولة المدنيّة الحديثة والمعاصرة، مثلما تجسّدت في التاريخ في الفضاء الغربي عموما ومنذ وقت مبكّر. ويمكن أن نذكر ههنا أنّ الميثاق الوطني الفرنسي La charte constitutionnelle (المعروف بـ "الشَرْطَة" حسب ترجمة رفاعة الطهطاوي) الصادر في 04 جوان 1814 أقرّ في مادّته الخامسة حريّة المعتقد ودافع عنها بوضوح تامّ.

وبالمقابل كانت الأحزاب القائمة على أساس دينيّ أو الجمعيّات الدينية الناشطة في المجتمع المدني المرخّص لها أو غير المرخّص تخشى أن تفقد، بحكم ما ورد في مضمون الفصل السادس، سلطتها المادّية أو الرمزيّة أو الاعتباريّة التي تمارسها على قطاعات مهمّة من المجتمع التونسي. وقد عبّرت صراحة عن تخوّفها من أن ينسلخ عدد من المسلمين التونسيين عن دينهم، وهو من الحقوق التي كفلها لهم الدستور، بالرجوع إلى الفصل المذكور، دون الخشية من أن يقع تكفيرهم (ورود عبارة "يحجر التكفير" في نصّ الفصل). وهذا التخوّف في ما نرى مبالغ فيه وكأن عامّة الناس منشغلون بمراجعة عقائدهم وأشكال تديّنهم وانتماءاتهم الدينيّة، وذلك على حساب شواغلهم الدنيويّة، وشؤون معاشهم اليوميّة.

وجليّ أنّ كفّة هؤلاء "المتخوّفين" من مضمون هذا الفصل هي التي رجحت في الأخير عند إعادة صياغته في المرّة الأخيرة، وهي صياغة اعتُمِدت في نصّ الدستور في نسخته النهائيّة. إذ حُذفت منه عبارة "يحجّر التكفير"، وتمّ تفصيل مهامّ الدولة في الإشراف على الشأن الديني. كلّ ذلك يجلوه مضمون الفصل السادس المعدّل، وهو التالي:

"الدولة راعية للدين، كافلة لحريّة المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينيّة، ضامنة لحياد المساجد ودُور العبادة عن التوظيف الحزبي.

تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدّي لها".

ومهما يكن من أمر، فإنّ دسترة "حرّيّة المعتقد والضمير" في المثال التونسي يُعتبر مكسبا كبيرا في مفتتح تاريخ الجمهوريّة الثانية بصفة خاصّة وفي تاريخ الدول العربيّة والإسلاميّة المعاصر. وليس من باب الصدفة أن نوّهت دول أوروبيّة بهذا المكسب، باعتبار عراقتها في التجارب الديمقراطية. وخير شاهد على ذلك أنّ الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند ركّز في كلمته التي ألقاها بمناسبة احتفال تونس، يوم 07 فبراير 2014، بصدور الدستور على أهميّة فصل "حرّيّة الضمير".

وختاما، فإنّ إقرار حرّيّة المعتقد والضمير في الدستور التونسي الجديد لا يتعارض مع روح القرآن ومبادئ الإسلام على نحو ما بيّنا سابقا، وذلك بعيدا عن مقالة علماء الإسلام القدامى والمحدثين القائلة بأنّ آيات التخيير في المعتقد منسوخة حُكْما. ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا ومنفتحا على كلّ ممكنات الإجابة هو التالي: هل ستستلهم الدول العربيّة والإسلاميّة من التجربة التونسيّة لإقرار حرّيّة المعتقد والضمير في دساتيرها؟