حوار مع الدكتور يوسف صديق: المجتمع ليس بحاجة لمؤسسات دينية، وإنما هو بحاجة إلى تنشئة دينية...

فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور يوسف صديق: المجتمع ليس بحاجة لمؤسسات دينية، وإنما هو بحاجة إلى تنشئة دينية...

المجتمع ليس بحاجة لمؤسسات دينية، وإنما هو بحاجة إلى تنشئة دينية...


عرفت المؤسسة الدينية في العالم الإسلامي مخاضات عديدة على مر التاريخ، خاصة في عصرنا الحديث، ونظرًا لمجموعة من التغيرات التي مست مختلف الحقول داخل مجتمعاتنا العربية، ومنها الحقل الديني، برزت أزمة المؤسسة الدينية والإشكالات المحيطة بأدوارها والمهام المنوطة بها، والتحديات الجديدة وخاصة المرتبطة بالحركات الدينية الصاعدة، بالإضافة للفضائيات الدينية...إلخ. وفي الإطار الحديث عن ذلك نستضيف الدكتور يوسف صديق، أستاذ علم الاجتماع بكلية علوم التربية من جامعة محمد الخامس السويسي الرباط – المغرب، متخصص في سوسيولوجيا التنظيمات والمؤسسات. حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس، وحصل على دبلوم الماجستير تخصص تدبير الموارد البشرية بمعهد الدراسات السياسية بباريس، وعلى دبلوم الدراسات المعمقة في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا بجامعة دوبروفانس في فرنسا، وهو رئيس مرصد التحولات الاجتماعية، وأستاذ زائر بمدرسة التدبير جامعة ليون في فرنسا، وعضو مؤسس لمجلات علمية كالمجلة المغربية للعلوم الاجتماعية والسياسية ومجلة EMULATIONS ببروكسيل.

خديجة براضي: منذ تكليف الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالدعوة إلى الإسلام وحتى يومنا هذا، هل تضمنت التعاليم الإسلامية وساطة بين الخالق والمخلوق، تلك الوساطة المصطلح عليها اليوم المؤسسة الدينية؟

د. يوسف صديق: أكاد أجزم، أولاً، بأن الإسلام يختلف عن باقي الديانات، بسبب طريقة تعامله مع مبدإ الخضوع للتعاليم الدينية؛ فليس في الإسلام وساطة، وكل شيء فيه مرتبط بمسألة مهمة وهي التقوى، والتقوى ذات مساس مباشر بالعلاقة بين الخالق والمخلوق، ولا يمكنها أن تمر عبر أية وساطة كانت، ولاسيما إذا ما أصبحت هذه الرسالة عبارة عن مؤسسة تخضع الأفراد لمجموعة من الطقوس، وآليات مشروعة أو غير مشروعة؛ فالإسلام ينبذ ذلك في تعاليمه ويرفض الوساطة والعلاقة بين المسلم وباقي الفاعلين الآخرين.

ففي الحقل الديني هي علاقة غالبًا ما تكون تعاقدية تكاملية، ولا تكون في أية حالة من الحالات علاقة إخضاع أو مراقبة، وبالتالي معاقبة بالمفهوم المبسط الذي نعرفه اليوم للأسف.

خديجة براضي: هل يعتبر وجود مؤسسة دينية رسمية في المجتمعات الإسلامية ضرورة حتمية في الحياة العامة؟

د. يوسف صديق: أكاد أقول بأن وجود مؤسسة دينية في الحياة العامة في المجتمعات الإسلامية يسيء للإسلام نفسه، لأن قوة الإسلام تكمن في بساطته وبساطة علاقاته، تلك العلاقات التي يسعى إلى ترسيخها داخل المجتمع، وهذه البساطة، في الوقت نفسه، من أصعب الدرجات التي يمكن تحقيقها داخل إطار ديني أو مرجعية دينية، فبقدر ما تكون هناك بساطة يكون التماسك الديني قوي، وبالتالي يعطي إمكانية للدين أن يصبح قاسمًا مشتركًا في العلاقات العامة. وعلى العكس من ذلك، كلما ترسخت قوة المؤسسات الدينية وحاولت احتكار المشروع الديني أو المجال الديني، عبر العلاقات الدينية المنحصرة في أماكن وطقوس ومعتقدات؛ فالإسلام دين يخرج عن هذا الإطار، بل على العكس من ذلك، فإن قوته تكمن في سلاسته وفي عدم ارتباطه بمؤسسات دينية تخضع الناس أو تكرههم على الاعتقاد بطريقة أو بأخرى .

خديجة براضي: هل يعني ذلك أننا لسنا بحاجة لمؤسسة دينية داخل المجتمع؟

د. يوسف صديق: أظن أن المجتمع ليس بحاجة لمؤسسات دينية، وإنما هو بحاجة إلى تنشئة دينية، وهناك فرق بين هذين الأخيرين؛ فإشكالية المؤسسة الدينية أنها تحاول الهيمنة، وترسيخ قراءة دينية خاصة للتعاليم الإسلامية وثمة اختيار سياسي استراتيجي في تلك القراءة، اختيار إيديولوجي وربما مصلحاتي، أو يهم مصلحة فئة اجتماعية معينة تخضع المؤسسة الدينية فيما بعد لأهوائها، أو لمصالحها عن طريق هذا الغطاء الديني، فيتم إخضاع الناس وبسط سلطتها عليهم تحت يافطة أو شعار ديني، وأنا أظن بأننا لا نحتاج إلى هذا النوع من المؤسسات.

خديجة براضي: نظرًا لمجموعة من الطفرات في خضم التغيرات التي جلبها ما يسمى بــ"الربيع العربي " ،هل يمكنكم أن تصفوا لنا وضعية المؤسسة الدينية في العالم العربي ككل؟

د. يوسف صديق: لا بد من القول بأن ما يسمى "الربيع العربي" هو مجموعة من الحركات الاجتماعية والسياسية غير المتجانسة، تهدف في نهاية الأمر إلى تغيير الوضع القائم، وتغيير هذا الوضع القائم له العديد من الدوافع والمحفزات منها ما هو تنظيمي، ومنها ما هو اجتماعي، واقتصادي وسياسي وكذلك سيكولوجي. وقد كان الرابط الديني داخل المجتمعات الإسلامية موضوع نقاش حاد على المستوى السياسي، لأن الشرط الديني هو شرط أساسي لخلق مؤسسات لها مشروعية متجذرة داخل مجتمعات لها معتقدات دينية راسخة. تكمن المسألة هنا فيما يسمى "الربيع العربي" الذي لم يقدم لنا قراءة حديثة وحداثية للشرط الديني، ثم إن الشرط الديني لازال للأسف موضوع صراع سياسي مضمر بعض الأحيان، وأحيانا أخرى واضح يخترق مجموعة من المستويات والأوساط والفئات. هذا التعامل مع المسألة الدينية بنوع من المصلحية الضيقة على المستوى السياسي أو الثقافي أعطى الانطباع بأن الدين هو قاسم مشترك أكيد، يمكن إخضاعه بين عشية وضحاها لكل الأهواء السياسية، والمصالح إلى غير ذلك. وفي ذلك خطر على الدين نفسه وعلى هذا الاعتقاد الديني السائد. ثم إن القراءة التي نقوم بها للمسألة الدينية هي قراءة إكراهية دائمًا، وكأننا نقول بأن الدين جزء من الإكراهات العامة التي تحيط بتطور المجتمع. أنا أظن على العكس من ذلك، أنه لا يمكن اليوم تحديث أي مجتمع من المجتمعات الإسلامية دون إعادة قراءة المنظومة الدينية بطريقة أو بآليات جديدة ومتجددة، ولهذا أرى بأن كثيرًا من الإيديولوجيات التي عبرت الفضاء العربي الإسلامي منذ عقود من الزمن لم تستطع النفاذ إلى عمق المجتمع، لأنها كانت تعتبر بأن الدين هو جزء من تلك الإكراهات التي يجب محاربتها ويجب التصارع معها، وأنا كسوسيولوجي، أظن بأن الدين مورد رمزي عميق، وقوي، وكبير بالنسبة لكل الحركات التي تريد أن تحدث المجتمع وتطور آليات اشتغاله وتفتح له آفاقًا رحبة داخل هذا الفكر الكوني، ثم إنه من أكبر المشكلات التي نعيشها هي القراءة التبسيطية للدين، وترامي مجموعة من أشباه المثقفين والمحللين والدعاة على المسألة الدينية. فالإسلام في نهاية المطاف، دين بسيط مبسط، يعطي إمكانية هائلة للتأويلات والاجتهاد، وإلا لما كان بإمكانه أن يتأقلم مع الأزمنة والأمكنة كلها. وفي تلك القدرة التي جاء بها الإسلام، وهي قدرته على التأقلم، وعلى التطور، والانفتاح على مختلف الفئات والأمكنة والحضارات، لأن هذا الانفتاح فيه نوع من التبسيط، فالإسلام هو السهل الممتنع، إذ يعطيك هذا الانطباع، نظرًا لتلك العلاقة التي ينسجها بين الخالق والمخلوق، ولكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن تبحر فيه وفي تعقيداته وفي عمق مشروعه المجتمعي دون أن تتمكن من الآليات والمناهج، والمعارف اللازمة لذلك. وهنا أعود بكم لإشكالية الحكمة والشريعة عند "ابن رشد"، إذ لا يمكن التعاطي مع القواعد الفقهية، ومع المشكلات الفقهية ومع مستجدات العصر دون أن يكون هناك حد أدنى من المستوى المعرفي، ومن المدارك والمناهج، ومن الحكمة، والتبصر، التي تمكن هذا الشخص الذي يريد أن يبحر في هذا العالم، من استلهام مقاصد الإسلام الشريعة دون أن يتمكن من فهم الرسالة في عمقها وليس في ظاهرها، ويعني في معالمها العامة، لأنه لكي تبحر في هذا العالم يجب أن تتمكن منه، يجب أن تكون قادرًا على التعمق من أجل التبسيط، بمعنى أنه كلما تعمقت في الشأن الديني استطعت أن تبسط وتتعامل ببساطة مع الحياة العامة للناس، وهنا تكمن جدلية الشأن الديني في العالم الإسلامي، فهو بسيط وعميق، وهنا تتجلى خصوصيته والتي للأسف لم تفهم على أساس أنها عمق، وتربية وبيداغوجية تمكن هذا الدين من الانتشار، ومن التأقلم مع أزمنة وأمكنة مختلفة.

خديجة براضي: إذا أخذنا نموذج المغرب، وكونكم اشتغلتم حول موضوع الحركات الاجتماعية وخاصة حركة 20 فبراير في المغرب. هل كانت للمؤسسة الدينية مساهمة في تغيير الوضع القائم؟

د. يوسف صديق: لنتفق أولاً على المفاهيم، فالمؤسسة الدينية في المغرب هي مؤسسات عديدة. فهناك محاولة متكررة من طرف الدولة من أجل احتكار المجال الديني، ومن أجل توجيه هذا المجال لمصلحة النظام القائم، ولكن إلى جانب هذا المشروع هناك سلطة مضادة تقوم بها الجماعات الإسلامية، من أجل رفض وتغيير وتوجيه المشروع الديني، باتجاه التغيير الاجتماعي وزعزعة التوازنات القائمة والقيام بتنشئة دينية تمكّن في نهاية المطاف من جعل الفاعل الديني هو فاعل أساسي في التغيير السياسي. إذن هذه المعادلة العامة التي نعيشها اليوم، تعني أن المجال الديني هو مجال للصراع بين السلطات، وبين مشروعيات إذا ما حاولنا فهم المشروعية الدينية للدولة، فهي ترتبط أساسًا بإمارة المؤمنين، وتحاول الهيمنة على أهم سلطة دينية، وهي التي تسمى "وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" في المغرب، بالإضافة إلى المساجد، إذ ثمة محاولات حثيثة لإخضاع المساجد الى تصور منسجم، هو ما يسمى اليوم في الخطاب الرسمي بـ"الدين المغربي"، وهو تدين أقرب ما يكون إلى التصوف ببساطته، يرفض كل التيارات المؤثرة القادمة من الشرق إلى غير ذلك، ولكن الآليات التي اعتمدت عليها الدولة من أجل بسط وشرعنة مشروعها الديني، وشرعنة سلطتها السياسية عن طريق المشروع الديني، كانت إلى عهد قريب آليات متجاوزة، تآكلت هياكلها، لأنها كانت تعتمد على الخوض في نقاشات جد ثانوية بالنسبة للمسلم المعاصر، ولم تتمكن المؤسسة الدينية بالمفهوم الرسمي من التفاعل مع التطور السوسيوثقافي الذي عرفه المجتمع المغربي منذ السبعينيات، فكما نعرف، كانت التلفزة المغربية تبث ركن المفتي، والإذاعة الوطنية تبث برامج دينية تتحدث عن نواقض الوضوء، فبالنسبة للشاب هي مسائل مهمة ولكنها ليست حاسمة في مشروعه الحياتي اليومي، ثم أصبح للمجتمع ديناميكية خاصة، وكان يحتاج إلى من يؤطر تلك الديناميكية على المستوى الديني، فلجأ الناس إلى ما يسمى بسياسة دينية تعتمد على القرب، فخرج من الأحياء الشعبية رواد يقدمون فتاوى، ويعطون أراء دينية تستلهم مجمل أفكارها وطرقها من مذاهب أخرى. ولم تعد الرؤية السائدة نفسها بأن المذهب المالكي يمكن أن يفسر ويقدم جميع الحلول للمشاكل المستعصية، فأصبح الشارع يرتبط دينيًا برواد السلفية، بمجموعات دينية "كالعدل والإحسان" إلى غير ذلك، ويبحثون داخل تلك المشاريع المحلية على حلول لمشاكلهم الاجتماعية، والحياتية، لأن الإنسان في المغرب، بل في العالم الإسلامي، يحتاج إلى غطاء ديني متأقلم مع حاجاته، يعطيه إمكانية التعايش مع أوضاع مختلفة عن الأوضاع التي ينقلها التلفزيون الرسمي. وهنا كان التصارع بين مشروعيات دينية، لأن ما يسمى بالحركات الاجتماعية الدينية اليوم، هو أساسًا حركات اجتماعية خلقت إطارًا ولبوسًا دينيًا من أجل شرعنة عملها وحركيتها. إذن هنا ننتقل إلى المستوى العميق في التحليل السوسيولوجي للتنظيمات، فإلى أي حد يستطيع الشرط الديني أن يؤسس لديناميكية اجتماعية إيجابية أي ما يسمى بـ "التغيير الإيجابي في الدراسات الأمريكية". وكيف يمكننا أن نتعامل مع هذا الشرط الديني من أجل خلخلة بعض التوازنات المعيقة للتقدم، وتلك التوازنات التي في كثير من الأحيان مبنية على تقاليد وليس على تعاليم دينية. إذن، فهذا هو صلب النقاش حول المسألة الدينية في المغرب.

خديجة براضي: نعيش اليوم ثورة فكرية نتج عنها ميلاد قيم جديدة، تتسم في قيم الحرية، والمساواة، وحرية المعتقد، في نظركم هل لهذه القيم أن تحد من سلطة المؤسسة الدينية التي تتبنى عكس هذه القيم الحديثة؟

د. يوسف صديق: كما قال علي بن أبي طالب هذا الكتاب حمال أوجه؛ فتأويلات الإسلام بقدر ما يمكنها أن تشجع المجتمع وتدفع به إلى الانفتاح على القيم الحداثية، وهي قيم ليبرالية بالأساس، يمكنه كذلك وعلى العكس من ذلك أن يعود بالمجتمع إلى ماضيه الغارق بالبساطة وفي الخصوصية. نحن اليوم نعيش أمام إكراهات، الإكراه الأول وهو تلك الجاذبية الأكسيولوجية القيمية التي تقوم بها المجتمعات المعاصرة، على باقي المجتمعات، فلا يمكن أن نعيش قريةً معزولةً عمّا يجري في العالم، فالتكنولوجيا التي نشتغل بها اليوم وأشكال الحياة، وأشكال احترام حقوق الإنسان وكل ما يرتبط بذلك المشروع ليس فقط على مستوى الخطاب، ولكن على مستوى الممارسة، هذا هو الفرق بين النموذج الغربي والنماذج الأخرى. النموذج الغربي يعطيك ارتباطًا قويًا مباشرًا بين الخطاب المهيمن والممارسة اليومية التي يعيشها المواطن؛ بمعنى كيفما كانت عيوبه فهو إطار منسجم بين الأفكار التي يحملها والممارسات التي يخولها لأفراده، هذا بشكل عام مع بعض الخصوصيات التي تهم أقطارًا دون أخرى. على العكس من ذلك، هناك نماذج تظن بأنها قادرة على التصارع مع هذا النموذج، بدون اقتسام مجموعة من القيم والمعاييرالاجتماعية وتظن بأنها يمكن أن تساعد الناس على تحقيق المزاوجة الممكنة بين الانتماء إلى مشروع فكري قيمي، إلى غير ذلك وفي الوقت نفسه أن تعيش خارج الإكراهات اليومية التي تقض مضجع الإنسان في العالم الإسلامي، وعلى رأسها الحرية. المشكلة هنا بالنسبة لقراءة تقليدية للمؤسسة الدينية تظن أن جميع القيم الحديثة وعلى رأسها الحرية هي قيم ضد المشروع الذي تقوم عليه المؤسسة الدينية، وهذه القراءة هي قراءة مؤدلجة، لأنها تعتبر أن الإسلام لا يمكن أن يقوم إلا على الإخضاع، وهذا بالنسبة لي قراءة تبسيطية للإسلام وتعاليمه، وتصوراته العميقة، فالإسلام لا يمكن أن يقوم إلا على الحرية وإذا ما أردتم أن نقوم بقراءة لبعض المبادئ التي جاء بها الإسلام، ولتجربة الرسول، صلى الله عليه وسلم، يمكننا أن نجد إلى أي حد لم يكن هناك إخضاع بالمفهوم الذي نعيشه اليوم لمعتقدات الناس، ولتمثلاتهم الدينية، فعلى أية حال الإسلام يرفض "التقية"، ويرفض أن يكون الإنسان لا يؤمن بمبادئ ويعلن ما يخالفها. فليس لذلك علاقة بالإسلام وبمبادئه وفلسفته، ثانيًا لدينا جدلية حقيقية يجب أن نحسمها على المستوى الأكسيولوجي القيمي، هي جدلية الفرد والجماعة، نحن اليوم لا يمكن أن نذهب ضد التوجه العام للتاريخ الإنساني، فكلما تطورت آليات المعرفة وآليات نقل المعرفة كلما تطور الإحساس لدى الفرد بقدرته على المشاركة والمساهمة بفعاليته؛ بمعنى أن الفرد اليوم يجب أن يأخذ مكانه الطبيعي داخل المجتمع الإسلامي بدون أن يكون بعلاقته بالجماعة علاقة تبعية وخضوع. بمعنى أن اليوم لا نحتاج إلى ما كان سائدًا من قبل، إلى توجهات جماعية يعني ترفض الرأي الآخر المخالف، وترفض استقلالية الرأي، وترفض التعبير عن استقلالية الرأي وترفض الفرد وحدةً مستقلةً داخل الجماعة، هذه أشكال توتاليتارية للإسلام. وأنا أظن أننا يمكن أن ننسجم مع جميع القيم الكونية الإنسانية التي مكنت الإنسان من فرض احترامه داخل المجتمع، كفرد مستقل يرتبط أساسًا بأفكاره ومبادئه، واليوم لا يمكن إخضاع الناس وإخضاع آرائهم وتصوراتهم لمبدإ إكراهي جماعي ينطلق من مبدإ أن الجماعة لها مصلحة عامة تتجاوز مصلحة الأفراد.

خديجة براضي: بروز الدولة الحديثة كجهاز يتدخل في الشؤون الدينية، هل يمكن أن ينعكس على استقلالية هاته المؤسسة في العصر الحديث؟

د. يوسف صديق: أكيد كما قلت سابقًا، فاستغلال الدولة للمسألة الدينية كان دائمًا يفرض شرعنة مشروعها. وفي ذلك تأثير سلبي على دور المؤسسة الدينية التي يجب أن تنتمي أولاً، وأساسًا الى صف المستضعفين، صف المهمشين والمضطهدين الذين يجدون في المسألة الدينية مثارًا للدفاع عن مصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم. عندما نخضع الخطاب الديني والمؤسسة الدينية لأهواء سياسية، بل سياسوية فنحن نجعل من الدين مجرد آلية من آليات ووسائل الإخضاع التي تمارسها الدولة بشكل من الأشكال، وهذا ينطبق على الدولة، وعلى الجماعات الإسلامية التي تستحوذ على الدين لشرعنة مشروعها ورؤيتها لواقع التحولات الاجتماعية والسياسية عند أخذ الدين بعين الاعتبار، وهو موضوع صراع، وتصارع بين قوى مهيمنة، وقوى مهيمن عليها، فنحن نعتبره مجرد آلية من آليات التحول الاجتماعي، في حين أن الدين في تصوري هو مورد أساسي للتحول الاجتماعي والسيكولوجي والقيمي، لأنه لا يمكن تجاوز تغيير وتحديث المجتمعات العربية الإسلامية، بدون تحديث آليات قراءة المسألة الدينية، وبالتالي تحديث واجتهاد على هذا المستوى.

خديجة براضي: ظهرت مؤسسات دينية أخرى عن طريق شبكات الأنترنت تقدم مجموعة من الدروس الدينية والوعظية، بالإضافة إلى الأحكام الشرعية. هل ظهور هذه المؤسسات الإفتراضية جاء نتيجة غياب دور مؤسسة الدين في الواقع؟

د. يوسف صديق: لا أظن ذلك، ولكن كما تعرفون أن الإنسان دائمًا في حاجة إلى تطوير آلياته ومناهجه وموارد معرفته. إن التكنولوجيات الحديثة هي مورد إيجابي يمكن استغلاله إيجابيًا من أجل التفاعل مع المواطنين، والمواطن في العالم الإسلامي قليلاً ما كان يتفاعل مع الخطاب الديني بتلقائية، إذ كان الخطاب الديني ينطلق من الفقيه إلى المواطن، ومن واجب المواطن الانخراط طوعًا أو كرهًا في إطار القالب الذي رسمه له ذلك الفقيه. أما اليوم فثمة تفاعل، هذا التفاعل هو الأخذ بعين الاعتبار الوضع الحقيقي الذي يعيشه هؤلاء الناس داخل مجتمعاتهم، وثانيًا هناك إشكالية الزمن والمكان والطريقة، وهي إشكاليات حسمتها التكنولوجيات الحديثة، حيث إنها سهّلت ومكّنت المواطن البسيط من الانفتاح على الخطاب الديني بطريقة سريعة وفعالة، إذن أنا أظن أن لهذه التكنولوجيا دورا أساسيا وفعالا، ولكن للأسف نحن في كثير من الأحيان، بدون حد أدنى من الحكامة، على هذا المستوى والضبط والترشيد، من دون ذلك سيتم نشر هذا الخطاب الديني بجميع الطرائق الممكنة، إلى غير ذلك بدون الانتماء إلى تصور مجتمعي واضح المعالم. وهنا أظن أن على الدولة فتح الورش الديني على جميع الفاعلين، حتى يتمكن هؤلاء من الانخراط بإيجابية في بناء تصور جديد للمسألة الدينية، بدون التعاطي بشكل تبسيطي مع العامل الديني وسيلة للإخضاع، أو الصراع السياسي.

خديجة براضي: سؤال نختم به هذا الحوار الشيق، من خلال كل هذه التحولات المعرفية والاجتماعية التي شهدتها الدول العربية الإسلامية، كيف تقيمون بشكل مبسط دور المؤسسة الدينية، وهل في نظركم هذه المؤسسة في حاجة إلى إعادة النظر في وظيفتها؟

د. يوسف صديق: أولاً نحن نتحدث عن مشروع فيه مؤسسات دينية، هذه المؤسسات إذا ما حولت التحليل بالطريقة الكلاسيكية، فنحن سنتحدث عن المفهوم الرسمي للدين، وهو السائد، لأنه يشمل جميع الآليات ووسائل الإعلام، والإخضاع، والتنشئة الدينية الممكنة والقائمة، هذا جانب، ولكني كباحث سوسيولوجي، أقرأ الدينامية الدينية على مستويات متعددة، بما فيها ما هو غير رسمي وهو المهيمن، لأن الشق غير الرسمي هو الأكثر قربًا وفعالية على مستوى التنشئة الدينية للمواطن البسيط، ولا يمكن تصور مجتمع يقوم بثورة دينية أو ثورة في قراءته للمنظومة الدينية، بدون إشراك هذه الفئات البسيطة التي كانت لسنوات مهمشة، لا يمكن تصور ذلك، لأن هذه الفئات البسيطة التي همشت لسنوات عديدة، هي في نهاية المطاف من يحدد المعالم الأساسية للدولة عن طريق الانتخابات، هذا في التصور العام رسميًا على المستوى النظري. أما على مستوى الواقع، فأظن أن كل ما يجري اليوم على المستوى الديني فيه شق إيجابي، لأنني أعرف تمام المعرفة أن الانتقال إلى مستوى أعلى وأرقى في قراءة الشأن الديني لن يمر إلا عن طريق هذه الفوضى المنظمة التي نعيشها، هذه الفوضى المنظمة، جاءت نظرًا للانحسار الهام الذي عاشته علاقة الإنسان المواطن مع قنوات المأسسة الدينية الرسمية، إذن هذا الانفتاح وهذا التضخم، هذا الكم الهائل من المحاولات للنفاذ إلى المؤسسة الدينية بأي شكل من الأشكال جعلها أمام مشهد غير متجانس من الرؤى، والأفكار، والتصورات، والقراءات الدينية، وجعلنا أمام فئات وفئوية دينية، وهذا يظهر في المساجد مثلاً، ففي المسجد نفسه تجد الناس الذين يرتدون لباسًا يحيل إلى منظومة دينية معينة، تجد فقيهًا، وهو يعطي درسًا دينيًا بالجلباب الرسمي، وطربوش أحمر، ولكن كلهم يخضعون لقواعد اللعبة. أنا أظن في نهاية المطاف سنتجاوز هذه المرحلة وسنصل بها إلى مرحلة البناء الديني العقلاني والمتجدد، وبالنسبة لي، هذه المسألة حتمية، وهي وعي وفهم قدرة الدين على التأثير إيجابيًا في مسارنا ومسار أمتنا.

خديجة براضي: نشركم أستاذ صديق على هذا الحوار الشيق والمفيد، على أمل لقائكم في حوار فكري مستقبلاً.