حوار مع الشاعرة إيمان عبد الهادي: الشعر يعتني بي، وهو أيضا يضطهدني...

فئة :  حوارات

حوار مع الشاعرة إيمان عبد الهادي: الشعر يعتني بي، وهو أيضا يضطهدني...

عندما تواصلتُ مع "إيمان عبد الهادي" لكي أُجري معها هذا الحوار، كانت الشمس قد أَذِنَت بالأُفول؛ عندما أشرقت الشمس كانت الإجابات قد أُنْجِزَت. فما بين شمس غاربة في الخارج الفاني، وشمس مُشرقة في الداخل الأبدي، الحضور الأقوى هو للجمال والنور، وإِنْ قُورِبَ معرفياً.

هنا ليس ثمة مسبار تراتبي لمراقبة الزمن؛ فالزمن زمن دائري بلغة أهل العرفان، والأَشْكلات التي تستوجبها مقولات كهذه لا يُمكن أن يُجاب عنها إلا شِعرًا.

"إيمان عبد الهادي" تُمارِس هَهُنا (في هذه الحوارية) نوعاً من الختل البديع، وفي كثير من الأحيان تبدو متهربة وهاربة، وقادرة على الجري السريع، حتى وهي تجلس على طاولة مطبخها وتُعِدُّ ساندويشات الصّباح؛ تماماً مثل الأيل السريع في مشهد سينمائي بطيء!

مبدئيًا، قرأت لإيمان ديواني شعر: الأول موسوم بـِ (فَلْيَكُنْ) والثاني بـِ (مسألة الشاعر). ومؤخرًا قرأت أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه (حصلت عليها مؤخرًا من جامعة اليرموك الأردنية)، فَبَدت صاحبة عقلية جميلة؛ فهي من جهة معنية بالجمال (وهذا تستنطقه شِعرًا)، ومن جهةٍ أخرى معنية بالمعرفة (وهذا تستنطقه أبحاثًا ودراسات).

ذ. معاذ: بين جدليتين كبيرتين؛ جدلية العقل وجدلية القلب، كان ثمة خيار من قبلك بردم الهوّة بينهما بالكلمة، سواء أمارستِ دور الشاعرة أو دور الناقدة من خلال أطروحتك لرسالة الدكتوراه حول النص والتأويل. هل تُقرِّين -إن لم يكن على مستوى الوعي فعلى مستوى اللاوعي- أنْ لا هوَّات في التكوين الذرِّي للإنسان؛ إنما هو ( كُلّ) واحد وما ممارساته في هذه الحياة إلا تجلّيات مُتعدّدة الحيوات؟

الشاعرة إيمان: بين الجدليتين تقفُ حالةٌ بشريّةٌ غائمة، كأنّما على مفترقِ طُرق، ثمّةَ وجودٌ مخاتل لأنّهُ يقتربُ ويتباعدُ في الآنِ عينهِ، وما هو الآن؟ فالزّمن كذلكَ _في هوّةِ الجدليتينِ_ محضُ خدعة! إذن، فلأطلِق على ذلكَ اسمَ: (السّرّ)، انسجامًا مع الضدّية التي تنطوي عليها دلالةُ السّرّ، بما هو إظهارٌ وإخفاء، كما جاءَ في لسانِ العرب. والتفاتاً إلى القاسم المشتركُ بين العقلِ والقلب، فإنّ كليهما يؤلِّفُ نصّهُ، أو أنَّ كليهما يؤلّفانِ النّصَّ ذاتَه، في النّقدِ والشعر؛ كلا الإجرائين يتمخّضُ عن نصٍّ إبداعيٍّ كذلك، وأظنُّني كنتُ مغرمةً دائماً بتردادِ كلمةِ النّصِّ داخلَ النّصّ، تلكَ كلمةٌ ستطاردني حتّى مماتي. حتّى القبرُ قد يغدو نصّاً، ليسَ حسبُ ضمن الصّيغةِ المجازيّة؛ فالمكان أيًّا كانت صفتُهُ يحملُ تلكَ الظّرفية التي تجعلهُ _من حيثُ هو مكان_ قادرًا على الشّرحِ ومنحِ الهويّة،كما هو قادرٌ على الاحتواء.

الآن، لا أظنُّ أنَّ ثمّةَ فرقاً بينَ النّصّ الأدبيّ والنّقديّ من جهةِ الاجتراحِ والإيجاد؛ وأما من جهةِ الإبداعِ المتفوِّق، فأنتمي إلى مدرسة الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، وأومن بلا جدوى أيّة محاولةٍ لتعريف الشّعر مطلقًا.

ومن قبيل المُصادفة مبدئيًّا، ولاحقًا من قبيل اليقين، كانتمفردةُ النّصِّ بوصفها كلمةً لها عوالمها: مسرّاتُها وخطاياها! حاضرةً داخلَ النَّصِّ كذلكَ باسمها الحقيقيّ، أو باسمِ الشّهرةِ _إن شئتَ_ هكذا دونَ مواربة، (النّصُّ) داخلَ النّصّ، حتى أنني كنتُ أتحسّسُ غيابها أحياناً، إن وردت بصورةٍ مغلّفة، (فالقربُ حجاب)، وكانت واحدةً من تجلّياتِ محاولةِ إخفاءِ النّصّ، هو أنّ أطروحتي للدّكتوراه كانت موسومةً قبلاً بـــ (اللانصّ)! فنحنُ بحاجةٍ لأن نقولَ جملةً فارغة قبلَ أن نخلِّقها ملآنةً بالمستحيلاتِ النّصيّة؛ بحاجةٍ لتلمّسِ الظلامِ قبل الإسرافِ في إضاءةِ الشّرفاتِ التي لا تُطلُّ على أحد؛ بحاجةٍ أيضاً لمحوِ اللغة، قبلَ الامتلاءِ بذلكَ الحسدِ على الآخرينَ الذينَ قيّدوها، إذ (الكتابةُ قيد)؛ لقد كنتُ مغرمةً _دائماً_ بتردادِ كلمةِ (نصّ)، لأنني شعرتُ _وقد أكونُ مخطئة_ أنّها قاسمٌ مشتركٌ لي مع الكون برمّته، من جهةِ أنّها تمنحني موقعاً في الكونِ، وتذوّبُ الحواجز بين المجسّدِ والدّالة، فكيف بالإمكانِ أن أثقِ أنّ بوسعنا دونَ كلماتٍ الإحاطةُ بالجمالِ، ووصفُ القبح، ليس للإنسانِ موقعٌ في حياةٍ لا(نصّ) فيها.

ذ. معاذ: كتعقيبٍ أول على سؤالي الأول؛ تبدو لي عناوين دواوينك الشِعرية (وإنْ كانت في مرحلة التواري) مُثيرة للتساؤل (التساؤل الاستفساري، لا التساؤل الاستنكاري بطبيعة الحال)، أكثر مما هي مثيرة للتأمل؛ (فَلْيَكُن) و (مسألة الشاعر). العنوان الأول يبدو من خلال تفكيك بنيته عنواناً صوفياً بمعنى أو بآخر أو عنواناً تثبيتياً لحالةٍ داخلية استسلامية، في حين يبدو عنوان (مسألة الشاعر) كعنوان مُضادّ لعنوان (فَلْيَكُن)، لناحية أنه يُؤَشْكِل الحالة الخارجية للشاعر، ويدفعه إلى الشروع في تبنّي علاقة تفكيكية للمُناط به وجودياً في هذا العالم؟ وهل في الجانب الوجداني شيء عاقل أو قابل للعقلنة والتأطير المنطقي؟

الشاعرة إيمان: فقط لأنّكَ تحدّثتَ عن مرحلةِ التّواري، ظننتُ دائماً أنَّ للشعرِ عينينِ مظلمتينِ. هكذا يتراءى لي حينَ أكتبُ، كانتا فجأةً _بوصفهما فكرةً مجرّدة_تمتلئانِ بنور لدنّيّ من جرّاءِ اللغة، وكأنّ إخراجَ الفكرةِ الهاجسةِ إلى الوجودِ يملأ محجري الشّعر المطفأين، كأنّهُ لا وجودَ للأفكار خارج اللغة؛ يبدأُ الشّعرُ دنيويّاً وغامضاً، لكنّ أخرويتَهَ _تأخذُ فجأةً مساراً روحيّاً وشاسعاً، وإن دونَ دليلٍ محدّد_.

حينَ أبدأ بالكتابة، يكونُ ذلكَ شيئاً دافقاً على سجيّتِه، فجأةً يتحوّل الشّعرُ إلى فعلٍ (مكارثيّ)، أيُّ انتقادٍ لتكوينهِ أو حذفٍ لأجزائهِ، يصبحُ جريمةً وفقَ قانون الذّات؛ كذلكَ فإنّكَ إن لم تضف إليه ما هو عجائبيٌّ وهائل، فإنّهُ يُقصيكَ عنوة.

أنطلقُ في معظمِ ما أكتب من سؤالِ الوجودِ والكينونة؛ فالشّعريّةُ استدلالٌ من حيثُ هيَ حَيرةٌ دائبةٌ كذلك. وأظنّ أنّ خياري لتحقيقِ هذهِ الأسئلة، بعيداً عن قدرةِ الشّعرِ على الإجابةِ عنها أم لا؛ هو الخيارُ العرفانيّ بالتّصوّفِ داخلَ النّصّ، وأنا أعني أنها مسألةٌ متعلّقةٌ باللغةِ فقط، وليسَ بالشّعائر أو الاعتقاد؛ فالحلولِ الكهنوتيّ في شطحاتِ ابن عربي والحلّاج، وانحرافاتِ سبينوزا، قذفَ بي إلى الانحيازِ اللغويّ حلوليّاً. لا أدري إن كنتُ نجحتُ في الإبقاءَ على التّوازنِ بين المعقول والمحسوس، بينَ الكلمة والفعل، لكنّي أظنّ أنّ المحمولَ الشّعريّ يمكنهُ النّهوضُ بعبءٍ فكريّ، ومقولةٍ فلسفيّةٍ، وتأويليّةٍ عميقة؛ وهذا ما أنطلقُ منهُ ابتداءً من السّؤالِ، وليسَ انتهاءً بالدّهشة. لقد آمنتُ حتّى هذهِ اللحظةِ، أنّ الشّعرَ اجتراحٌ لرؤيةِ الذّاتِ في الغير؛ الذّاتُ مرئيّةً في الأفكارِ والأحلامِ والأشخاصِ والأشياءِ، هكذا على التّوالي.

ذ. معاذ: وكتعقيبٍ ثانٍ على السؤال الأول، في أطروحتك للدكتوراه رأيتُ شخصية مختلفة لكِ؛ شخصية الباحثة الجادة، الصارمة، الخاضعة للشرط العلمي ضمن سياقه التراتبي، المنطقي، العاقل؟

متى تُمارسين عقلانيتك، ومتى تشعرين بضرورة كسر قانون المنطق والخروج على المألوف؟ وهل تشعرين بثنائية الاتصال والانفصال فيما يتعلق بـ (الداخل) و (الخارج)؛ الداخل الخاص، والخارج العام؟

الشاعرة إيمان: إنَّ التّوكيدَ على أنَّ الإنسانَ هو داخلٌ وخارج، يجعلُ الإيحاءَ الشّعريّ _حينَ يكونُ ذلكَ الإنسانُ شاعراً_ أقّل ثقةً وأكثرَ خطورة، يبدو الشّعرُ _ وهذا ما لم تسألني عنهُ، فقد سألتني عن النّقد_ صوتاً غريزياً أو إجابةً عفويّة عن البواعثِ النّفسيّة المختلفة، وحينَ أتحوّلُ إلى قراءةِ شعري أو شعرِ غيري أو غير ذلكَ من الأجناس الأدبيّة؛ أي حينَ أمارسُ النّقد، أتمثّلُ عقلانيّتي، وأسخّر مستويات الذهنِ المتغيرة، ورغائبَ العقلِ المستمرة، لكي لا أكونَ موضوعيّة!

صارمة؟ نعم، وقد أقرأ أكثر من عشر ساعاتٍ _مثلاً_ وبطرائق شتّى، من أجلِ كتابةِ سطرٍ واحد قد لا يفلحُ في صنعِ علامته الفارقةَ في هذا العالمِ الطّافحِ بالآثار والأسرارِ والأحداثِ الفعليّة النادرة، إذن: أيّنا ذلكَ المجرّدُ من هواجس الجدّيّ، ويقينيّةِ المتعَب، والمضطلعُ بتفسيرِ التّفسير؟

إنّ كلّ ذلكَ لا يُشعرني بالفُصام، وأظنُّ أنّ الازدواجية مسألةٌ صحيّة أحياناً، وهي لا تُخيفني؛ الشّعرُ يعتني بي، وهو أيضاً يضطهدني، إنّه يجعلني أشعرُ دائماً أنني أصغرُ منه؛ فالمرءُ لا يمكن أن يكونَ فكرة، ولا لغةً محضة، وقد قيلَ في الفلسفةِ الطّاويّة: (الرجل العظيميفضل أن يكون فكرة بدل أن يكون كتاباً)وخارجَ سياقِ العظمةِ؛ فإنّ اللحمَ الآدميَّ الخارجيّ الكثيف يضغطُ باحتياجاتِهِ على الدّاخل، وقد يفتِّتُ الهيولى، لأنّ الصّورة الهلامية عن التّكوين لا يمكن أن تحتفظَ بسرّها اللامع، مع كلّ ذلكَ العنف الذي يغلِّقُ أبوابَ الجسدِ على الحلم، أعرفُ أنّكَ لم تعنِ هذا (الداخل والخارج)، لكنّ الأفكار بمعناها الأنطولوجي تمتلكُ حصانةً ضدّ الموت، وضدّ أن تكونَ إجابةً حدّيةَ عن سؤالٍ متقَن.

ذ. معاذ: مشاركتك الأخيرة في برنامج أمير الشعراء في دولة الإمارات العربية المتحدة، هل هو إقرار من قبلك بأنك (شاعرة) قبل أي شيء آخر؟ وفي سياق موازٍ، هل تعتبر مشاركة الشاعرة في ذلك كنوعٍ من الإقرار بالدور الوجودي للشاعر في إمكان تغيير العالم، أم لتحسين وضعه المالي أو لتحقيق شهرته...إلخ؛ أم إن الأمر علائقي أكثر منه إفرادي، فالمهمة تتجاوز مرحلة التأطيرات والتحديدات المُسبقة؟

الشاعرة إيمان: بخصوصِ اعترافي بكوني شاعرة، إذن ما الذي أفعلهُ هنا في هذا الحوار؟ ! أظنّ أنّ شرعيةَ اتخاذِ قرار نهائيّ هيَ بالانفتاحِ على ما نحبّ، أن تتمكّن من كتابةِ ما يُشبهكَ، غير أنّ اعترافكَ بنفسكَ لا يكفي من أجل حياةِ النّصّ، إنّهُ كافٍ فقط من أجلِ حياتِكَ أنت، هل أقرّ بأنّني شاعرة؟ طبعاً حتماً! ودونَ ذلكَ، كانَ يمكن أن أكونَ شجرةً مائلة أو ظلّاً _هذا ليسَ كلامَ إنشاء مرةً أخرى_ أتحسّسُ ذلكَ في باطني، وحينَ أكتب، أشعرُ أنني دائمةُ الخضرة.

منذ بدايةِ حياتي، وأنا أنظرُ إلى الكتابةِ بوصفها لغزاً، لست مضطرةً إلى انتظارِ انقضاءِ حياتي، لأتأكّد من أنّ الطّريقَ والطّريقةَ، كلتاهما كانتا متاهةً في ذمّةِ اللغة. منذُ زمنٍ بعيدٍ تطلّعتُ إلى جمعِ الخواتم، فتحوّل ذلكَ لاحقاً إلى هواية. مؤخّراً اكتشفتُ أنّهُ أبعدُ من ذلكَ، فهو فطرةٌ قارّةٌ في المؤنّث (أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ). الشّعرُ مسألةٌ ذاتيّةٌ كذلك، تقومُ بفعلِ التّطويقِ، ليسَ للأصابع وإنّما للرّوح؛ فعلٌ مبهمٌ ومستغرقٌ وشموليٌ وفاتِك، لذلكَ تمنيتُ التّخلّي عنهُ، ولم يحدث أبداً. لقد تمنّيتُ أن ألفتَ العالم بأضوائي، بينما أعيشُ في الظلّ، وتمنيتُ أن أصل دونَ أن أمشي الطّريق، وأن تتنزلَ الحكمةُ اللدُّنّيّةُ عليَّ كاملةً، كما تتنزّلُ القصيدة دونَ أوجاعٍ ومكابدات. لو حصل ذلك، كان سيكونُ مصيراً متفرّداً، ولكنّهُ دونَ معنى!

أميرُ الشعراءِ كانت (رحلة)، المتعيّن فيما قبلها وما بعدها وأثناءَها هو الشّعر، لم يتغيّر شيء: ذهبتُ وأنا إيمان ورجعتُ وأنا إيمان!

وقد جرت مشاركتي في أمير الشّعراء وفق سنن (السّبحانيّة)، ولم يكن فيها _ في بداياتها على الأقلّ_ أيّ فعلٍ مقصود؛ كلُّ ما في الأمر أنّ أحد الأصدقاء أكّد على أهميّة المسابقة، وحاول إقناعي بالمشاركة، وقالَ إنّهُ سيرسلُ قصيدةً لي إلى الموقعِ بالنيابةِ عنّي إن لم أفعل أنا،لم يكن لديّ موقف رفضٍ إزاء المشاركة، كما لم يكن لديّ ما يمكنُ أن أسمّيه هاجساً حتميّاً وإصراراً، شعرتُ أنّ الأمورَ تسيرُ بمنطقٍ قدريّ. وكنتُ قد صرحت لقناةِ أبوظبي التي استضافت برنامج أمير الشّعراء، بأنّ المسابقة هي حجرُ نردٍ كبير، إنّ اليانصيب وليس القصيدة الممتازة أو عدد الأصوات الهائل _أزعمُ أنني حزتُ الاثنينِ معاً_ هو ما يحدد تأهّلك أم لا، بل الحظّ إلى جانب الجغرافيا والإيديولوجيا وأشياء أخرى.

لا أخفيكَ أنني ذهبتُ وأنا أتطلّعُ إلى تغيير العالم، إلى إضافةٍ جماليةٍ قد تكون فائضةً عن حاجةِ الشعر والخيال، ولكنها تنطوي على مجازفةٍ ما، تطلّعتُ _وقد كانت فكرةً ساذجة_ إلى تغيير العالم، ليسَ عن طريقِ المسابقة _لا تقومُ المسابقاتُ بعملٍ مشابه_ وإنّمّا عن طريقِ الشّعر. لكنني أيضاً سأفشي لكَ سرّاً: ليسَ بوسعِ الشّعرِ أن يُغيّر العالم! ولا في مكنتِهِ _وإن كانَ أحد تطلّعاتِهِ_ أن يمسّ قانوناً واحداً في أقانيم الوجود؛ يمكنُ للشّعرِ أن يكونَ أيقونةً في "الفاترينا"، أو أن يكونَ مصكوكةً ثمينةً في المتحفِ؛ لاحقاً حينَ يموتُ الشّاعر وتمرُّ على أحفورتِهِ آلافُ السّنين، سيتطلّع العالمُ إلى ميراثِهِ بخشوع، لكن قد تدورُ أيضاً شكوكٌ حولَ وجودِهِ أصلاً، كالأسئلةِ التي تحاصرُ هوميروس الشّاعر العبقريُّ الأوّل في القرن الثامن ما قبل الميلاد، أو الشّاعرة لويز لابيه من القرن السّادس عشر. يمكنُ للشعر كذلكَ أن يخلقَ ثورةً، أن يكونَ وقود الحرب، أن يقذفَ بجيشٍ متحمّسٍ إلى التّهلكةِ أو الفوز، يمكنهُ أن يجعلَ أحداً يبدّلُ تسريحةَ شعرِهِ إلى الخلف مثلاً لدى قراءتِهِ قصيدةً تراثيّة (رجعيّة)، يمكن أن يبدّل نوعَ طعامِهِ، يصبِحُ نباتيّاً، لأنّهُ قرأ قصيدةً عن رثاءِ الأعضاء! ربما يفكّر _في إحدى لحظاتِ المزاج_ اقتناءَ حيوانٍ أليف، لأنَّ البشَرَ أشقياء وهالكون! بوسعه جعلُ أحدٍ يقدِمُ على الانتحار، ثمّ يتمُّ إنقاذُهُ بقصيدةٍ أخرى معاكسة! هذا كلّ ما في وسعِ شاعرٍ أن يقومَ به، لكنّهُ لا يغيرُ العالم، ولا يسحقُ العالمَ من بابٍ أولى، على طريقةِ أدونيس التي أكرهها من كلّ قلبي؛ محقُ الكونِ من أجل ابتنائهِ على طريقةِ الشّاعرِ المتألّه!!

ذ. معاذ: كاستكمالٍ لهذا السؤال ولكن بعيداً عن أية مسابقات، كيف تنظر "إيمان عبد الهادي"، إيمان الشاعرة، إلى الوجود؟ هل تعتبره مادة قابلة للتأويل وإعادة الإنتاج المعرفي، أم إنه أقرب ما يكون إلى الحالة التأمّلية؛ التأمّلية الجمالية؟

هل تبحثين عن العصافير التي تُغرّد، والفراشات الجميلة، والماء الهاطل من السماء، وما إلى ذلك، وتحاولين إعادة ترتيب هذه العناصر بالكلمات؟ أم إنك تحاولين نسف مقولة المألوف في مثل هذه العناصر، واستشراف استحالة ضمن هذه الإمكانية المألوفة؟

الشاعرة إيمان: لقد رمزت جذوةَ بروميثيوس إلى المعرفة، وحينَ تُسرَقُ النّارُ، تكونُ مضطلعةً من ثمَّ بإضاءةِ الكون. إن سؤال النّظرِ إلى الوجودِ يشبِهُ تلكَ المسألةَ الرّياضيّةَ الأخلاقيّةَ القاسيةَ: لو أنّ رجلاً هالكاً سرَقَ ديناراً وشكّلَ منهُ ثروةً، كم عليهِ لكي يُعيدَهُ؟! إنّهُ سؤالُ التّراكميّةِ العويص، إنني مطالبةٌ الآن بإعادةِ كلّ ما استقبلتُهُ في وجداني، وامتزجَ بلحمِ عقلي ودمِ دورةِ الأفكارِ، إنني مؤلّفةٌ من عددٍ من الكتب، من عدد من الرّجال، وبالتّالي من عددٍ من الحيواتِ اللانهائيّة، التي تتناسخُ بصفةٍ طرديّةٍ وتلقائيّةٍ فيّ؛ وهذا في مجموعه هو الوجودُ الذي أعاينُهُ داخلي، حتّى لو لم يكن حقيقيّاً.

أنظرُ إلى الوجود بوصفِهِ حدثاً لغويّاً وفعلاً لغويّاً، وردَّ فعلٍ لغويٍّ كذلك، وحينَ أكتبُ القصيدة _مرّةً أخرى هذا ليسَ كلامَ إنشاء_ أشعرُ أنَّ الوجودَ كُلَّهُ يُختصَرُ في قصيدة؛ القصيدةُ تغدو وجوداً أو هيَ الوجودُ عينُهُ. وحينَ ذهبَ هيغل إلى أنّ الشّعرَ هو أعلى الخيالات، وكانَ الخيالُ أعلى الذّكاءاتِ أيضاً، لم أكن ألتفتُ لتحقيقِ وجودٍ عبقريِّ أو ما شابه، ذلكَ امتيازٌ سخيفٌ حينَ يُقارنُ بماهيّةِ الشّعر، بما يمنحُهُ الشّعرُ لكينونتكَ الهشّة الضئيلة الطّافية كقشرةٍ على سطحِ الوجود، فجأةً تمنحكَ القصيدةُ عمقاً وأهليّةً وفتنةً في خلاياك، وقلّما تمنحكَ مجداً، وأسماءَ وصفاتٍ وألقاباً بروتوكوليّةً مضافةً إلى ذاتِكَ المتوارية. وكخلاصةٍ على الطّريقةِ الدّيكارتيّة: أنا أكتب الشّعر إذن أنا موجودة.

فيما يتعلّقُ بالعصافير، سأفشي سرّاً آخر، لستُ أبحثُ عنها؛ فقد التقيتها في وقتٍ مبكّر، كنتُ في السّابعة حينَ غرقتُ في بركةٍ عميقةٍ في مزرعةِ جدّي، رأيتُ عصافير فسفوريّة _هل تصدّقني؟_ أتذكّر ذلكَ جيّداً، كانت هذهِ أوّل منازل الآخرة، فجأةً (المفاجآتُ حدثٌ شعريٌّ ضروريّ)، ولأنني كنتُ في السّابعة أمتلكُ جديلةً خرافيّة، كالتي تحدّث عنها ماركيز في (الحبّ وشياطين أخرى)، تمّ انتشالي وسحبي إلى الأعلى بالاستدلالِ الذي منحتهُ خصلة طافية، ورجعتُ إلى الحياةِ _فجأةً كذلك، عشتُ أيّاماً طويلةً من الحمّى كان يمكنها أن تأكلَ عقلي، وأن أصبحَ عاطلةً عن كلّ ما هو بشريّ؛ لعلّها أنشأت داخلي لوثةً من نوعٍ ما: يسمونها الشّعر؛ لعلّ الماء تسرّب إلى المنطقةِ الخاصّة بالهلاوسِ، وأحدثَ بللاً طفيفاً، جعلني ظمآنةً هكذا إلى الأبد؛ إنّهُ ظمأٌ قديمٌ ومنتج وحافلٌ بالشّظف _هذا ما يفسّر التّواري الذي شكّلَ سؤالاً سابقاً_ لأنني في ظرفِهِ القاسي قرّرتُ ألا أدخلَ في الاستسهالِ، وألا أكتبَ شعراً بقامةِ طبشورة، سرعانَ ما يتكسّرُ الكِلسُ، وينحلُّ وينفخُ التلاميذُ على الغبارِ الأبيضِ العالقِ بمراييلهم المدرسية، من جراءِ كتابةِ المعلّمةِ للمسألةِ على اللوح، لا أريدُ أن أكونَ معلّمةً أيضاً ولا واعظة، ولا أن أكونَ مهرّجةً وأكتبَ شيئاً يشبهُ الفقاعةَ من صابونٍ رديء، ولا أن أكونَ صحفيّة وأكتبَ شيئاً فيه الكثير من الإعلاناتِ والقليلُ من الأخبار، الشّعرُ هو شيءٌ غيرُ ذلك.

ذ. معاذ: يبدو سؤالي السابق سؤالاً إكراهياً بطريقةٍ أو بأخرى، فأنا ساعة أطرح موضوعة العصافير والفراشات والمياه والسياقات الناعمة في هذا العالَم، فكأني أُكرهكِ على الإقرار بما هو معروف عن الشاعرات والأديبات في العموم، من معالجة لقضايا ذات أُطُرٍ مُعدّة مسبقاً في الذهن الاجتماعي حول الدور المُناط بالمرأة المُبدعة.

هل ثمة إكراه جمعي يُمارس دوراً يصل إلى درجة البطولة الزائفة، فيما يتعلق بدور المرأة المُبدعة لناحية الإبقاء عليها في مناطق محدّدة ومعزولة، لسهولة استصدار أحكام قيمة على منتجها الإبداعي، وتبرير هذه الأحكام؟

ومن جهة ثانية، هل تُمارس المرأة المُبدعة التجلّي البَعْدي لهذا الإكراه، فتبقى مقارباتها الإبداعية مُقاربات مُتعارف عليها؟

الشاعرة إيمان: نستطيعُ التّعميم _لدى إجرائنا استقراءً ما_ عن أنَّ ثمّةَ سلطة ذكوريّة يقِظة، في مقابل كائنات أنثويّة تعيش السّبات، وإحداهنّ؛ أعني الأميرةَ النّائمة تنتظرُ الزّهرةَ الملقاةَ على عُنقها الهاجع، حيثُ اختنقت حنجرتها، أو القُبلة على الجبين، كأنَّ الرّجل هو من يملكُ حياتَها الآتية؛ هكذا تُستَولَدُ الصّورةُ الاجتماعية والسيكولوجية لكليهما، بهذا الانغلاق! شخصيّاً، لا أثقُ بهذا المشهد، لا أثقُ بأنّهُ بهذا القبح، ولا أثقُ بأنّ على المرأةِ أن تمتلكَ ردّ فعلٍ عنيف وراديكاليّ، (التّحفّظ، والتّمرّد ومن ثمّ تهشيمُ زجاجِ النافذة، فهي تستطيعُ تنفس هواءٍ جديدٍ بفتحها فقط)، لأنَّ أيّ اجتراحٍ للعنفِ السلبيّ سيكونُ ضدّ نفسِها أوّلاً.

والأدبُ مرتبطٌ بجنس مبدعِهِ بالضرورة، فالنساءُ لا يكتبنَ ما يكتبهُ الرّجال، إلّا على سبيل التّقليد أو استدعاءِ الفحولةِ النّصيّة. إذن، ما الذي تعرفُهُ المرأةُ عن نفسِها؟ والمرأةُ المبدعة ما الذي تعرفُهُ عن إبداعِها الخاصّ. قد تجهلُ بعضَ الأديباتِ ما الذي يعنيه (الأدب النّسويّ) مثلاً، قد تظنّ أنّه يقتصرُ على ما تكتبُهُ المرأة، وإن كانَ الإكراهُ المُمارسُ على المرأة هو ممارسةٌ داخليّة؛ فإنَّ الاضطهادِ الخارجيّ _بالمقابلِ_ وطرحِ (المساواة) بوصفها حلاً جذريّاً، سيسطّحُ الأمر. وأظنّ أن جعلَ المرأةِ والرجل (واحدا)، هو إيديولوجيّةٌ مفتعلة وجاحدةٌ بأصلِ التّمايز، إنّها لا تتركُ خياراً للتأمل، وتباين الذهنياتِ والوجداناتِ، وتضادِ الميولِ العميقة. وأنا في حياتي كامرأة شاعرة، لا يمكنني الاطمئنانُ إلى ديناميكيّة الأشياءِ وصخبها المتواتر من حولي. ثمّةً خوفٌ وشعورٌ بفقدانِ الحريّةِ إزاء التّكنولوجيا، وإزاء الغسالة الأتوماتيكيّة للصحونِ، ومحضّرة الطّعام،كيفَ يمكنني الخروج عند انقطاعِ التيّار من بابٍ مغلقٍ يعملُ بالكهرباء، كيفَ يمكنني ابتداعُ المجاز، وترتيبُ زمني وفق جدولِ أعمالٍ يخصّ الرّوح، إن كانت الحياةُ البراجماتيّة قادرةً على زلزلةِ الضّوء الدّاخليّ ومحوِه،كيفَ يمكنني الهربُ من السّلطةِ البلاستيكيّة التي تمارسها عليّ (الأشياء)؟

إن الكتابةَ هي ردّ فعلٍ ضدّ ذلكَ التّشيّؤ التّدريجيّ المغلّف بأوراقِ "السّولفان".

هكذا كانَ الشّعر يُفضي وينأى، فأينَ هي مركزيّةُ الحياة؟ ربّما أنني بحثتُ عنها داخل القصيدة، لأنّ الزّمن لا يتورّع أثناءها عن التّضاعف، وأنا أردتُ أن أعيش حيواتٍ إضافيّةً، وأن أسخرَ من بؤس الكائن الضئيل الفاني؛ ربّما أن هذا هو كلّ ما في الأمر!

أخيراً:

أردتُ أن أشكركَ على هذهِ المقابلة، التي جعلتني متوترة ومغتبطة وممتنّة أيضاً. ثمّةَ فرحٌ قاسٍ انتابني وأنا أقرأ أسئلةً، هي بمثابةِ إجاباتٍ أيضاً، نسبةً إلى أسئلةٍ أخرى؛ إنّها تصلُحُ أن تكونَ ورطةً من نوعٍ جميل، ولا نملكُ إزاءها القدرة على التّراجع، وربّما لإقدامي هذا؛ فقد جعلتني في هذا الحوار أبدو (مقاوِمةً) بمعنًى ما! وأظنّني اجترحتُ إجاباتٍ لا تلتزم بالأسئلة؛ فهي تنطلقُ منها، لكنها تجيبُ عن غيرها، وهذه هي مهمّةُ الإلهام.