حين تخيّر لعبة السياسة الإيديولوجية على المعرفة

فئة :  مقالات

حين تخيّر لعبة السياسة الإيديولوجية على المعرفة

حين تخيّر لعبة السياسة الإيديولوجية على المعرفة فتصيّر "الصحيفة" دستورًا


يمكن القول بنوع من التبسيط، إنّ الهدف من السياسة تمكين مجموعة اجتماعيّة معيّنة من إدارة شأنها العام، في سبيل تحقيق قيم المشروع المجتمعي الذي تواطأت عليه؛ وإنّ هذا الهدف حوّل السياسة إلى علم يحاول محاصرة الواقع الاجتماعي بكلّ تعقيده، ليقدّم له نوعا من الوصفة العقليّة التقنيّة، القادرة نظريّا على توفير الشروط الكافية لتحقّق الخلاص الأرضي. كان أفلاطون وأرسطو من أوائل من قدّموا تفكيرًا نظريًّا في السياسة، يحوّلها من مجرّد ممارسة إلى موضوع تفكير نظري؛ أي إلى علم. ومنذ ذلك العمل التأسيسي، لم ينفكّ التفكير السياسي يتطوّر بحسب تطوّر المعرفة البشريّة، لينتقل تدريجيّا من مرحلة ذاتيّة تأمّليّة هيمنت عليها المعرفة الفلسفيّة أو الدينيّة بالظواهر السياسيّة، إلى مرحلة علميّة موضوعيّة تميّزت بالتفريط النسبيّ في الأسس الفلسفيّة، في اتجاه إنزال تدريجي للمسألة السياسيّة إلى مسألة تقنيّة، يمثّل النجاح فيها مقياس الصواب.

والحقّ أنّه تطوّر لا يمكن أن ينتهي، ولا يتوقّع أن يبقى سمة للفترة الوضعيّة في التاريخ المعاصر التي وجهها تنظير كونت وسنبسر بين كثيرين؛ فدون تعريفات دقيقة للواقع لا يمكن أن نتوقّع من السياسة أن تؤدّي دورها المطلوب، هذا إن لم تؤدّ أصلا إلى تضييع المشروع المجتمعي، وإرباك الإجماع الحاصل حوله.

تستحضر هذه البديهيّات، بالنظر إلى واقع الخطاب السياسي الراهن، زمن الثورة العربيّة المعاصرة، وإلى محتواه العلمي التعريفي للواقع، خلف دوافعه الإيديولوجيّة المنطقيّة. فلئن كان معقولا ومقبولا أن يستند كلّ خطاب سياسيّ إلى خلفيّات إيديولوجيّة ما، تشكّل تمثّله الخاص لطريق الخلاص الجماعي، فإنّه ما عاد مقبولا، لا سيما في دول الرعاية الأبويّة التي يمثّل فيها رجل السياسة نخبة المجتمع وقيادته الكاريزماتيّة، أن يبتلع هذا التمثّل من قبل الإيديولوجيا، حتّى تغيب معها أدنى شروط المعرفة العلميّة بالواقع.

قد يبدو للناقد الصارم لمجمل الخطاب السياسيّ المتداول في الراهن التونسيّ، أنّ هذا الحكم منطبق على شتّى تيّاراته المتنازعة، ولكنّه يتّضح بقوّة في خطاب التيّار الإسلاميّ بينها. وليس في الأمر غرابة، بما أنّه الوحيد بينها جميعا، الذي يجد مرجعه في ماضٍ سحيقٍ أبعد من أن يكون قادرًا على أن يعقد صلة بالحاضر، ما لم يقع التحرّي الفلسفي الدقيق في البحث عن نواته اللاّزمنيّة. فكلّ تعثّر في إدراك تلك النواة، هو فراغ في التأصيل المعرفيّ، يستوجب ملأه بالمخاتلة الإيديولوجيّة. إنّ في طول الفترة الزمنيّة الفاصلة بين المرجع والواقع الحالي، ما يمنع بداهة تحقيق الصلة به. ليس المقصود هنا، الدفاع عن الموقف اللاّتراثي الرافض لأيّ تواصل وجداني، على الأقلّ مع الماضي، إنّما المنتقد طبيعة هذا التواصل الذي يجري بتجاهل واضح لأهمّ هذه الفواصل المقسّمة للتاريخ؛ نقصد الفاصل الإبستمولوجي الذي يصيّر التاريخ أنساقا متراكمة، لكنّها متجاوزة لبعضها البعض، في تلك العمليّة المعرفيّة الدقيقة المطوّرة لوعي الإنسان بحياته، وبقدرته على توجيهها، المسمّاة قطيعة إبستمولوجيّة. ليس المنتقد في هذا الخطاب السياسي غياب الوعي فيه بتاريخيّة المعرفة البشريّة، واحتفاظه برؤية العصور الوسطى إلى الزمان "الحقيقي"، باعتباره عودة إلى الماضي، أو بعثا له؛ بل المنتقد هو التغافل المتعمّد عن الفاصل المعرفي الأكيد بين سياقين معرفيين لكلّ آليّاته ومنطقه الخاص، والسعي إلى مزج السياقات، في تعلّق واضح بالأيديولوجيا على حساب المعرفة.

بالنظر إلى هذا العمق المعرفي المطلوب في شتّى أنشطة الإنسان المسيّرة لحياته، يجوز نقد الخطاب السياسي الإسلامي في طريقة تواصله مع المرجع الذي يستند إليه.

وباتِّباع منهج علم الاجتماع في دراسة الظواهر، بالانطلاق من بعض عيّناتها الواقعيّة في ما يسمّى دراسة الحالة، يمكن بسهولة العثور في الخطابات التعبويّة لقادة حركة النهضة في تونس، على ما يمثّل مستندًا واضحًا لهذه العمليّة النقديّة. وآخر هذه الخطابات، كان لأهمّ قادة هذه الحركة على الإطلاق، راشد الغنّوشي، حين صرّح عقب انتهاء صياغة الدستور التونسيّ لما بعد ثورة 2011 (يوم 31-1-2014)، بأنّ هذا الدستور "هو أعظم دستور منذ دستور المدينة المنوّرة الذي يسمّى الصحيفة التي كتبها النبيّ عليه الصلاة والسلام لمّا هاجر من مكّة إلى المدينة".

يجوز أن توجّه إلى هذه التسويّة غير المعرفيّة شتّى أصناف النقد، من ذلك مثلا الفرق الأكيد إبستمولوجيا بين الصحيفة والدستور، نشأت الأولى في إطار معرفي يدين بالمصدر الإلهي للحتميّة التاريخيّة المشروحة في القرآن، بينما صيغ الدستور - نقصد في التاريخ الإنساني- في سياق معرفي مغاير آمن بدوره بالحتميّة التاريخيّة، ولكنّه اعتبرها عرضة لعمليّة اكتشاف عقلي مستمرّة مصدرها الإنسان. هذا الفرق موجود حتّى في مستوى المقارنة بين الصحيفة والدساتير السابقة عنها في التاريخ، وقد عرفها اليونانيون والرومان؛ وهو متّسع متضخّم، إذا ما نظر للدساتير الناشئة في الفترة الغربيّة الحديثة، بداية بالدستور الإنجليزي العرفي للقرن الثالث عشر، وصولا إلى الدساتير المنبثقة عن الثورات التاريخيّة الكبرى الثلاث؛ فهذه، كأصولها اليونانيّة والرومانيّة، منبنية على تصوّر للمجتمع الإنساني يعدّه نابعا من تعاقد أصلي بين أحرار متساوين في السلطة السيّدة والحقوق الأساسيّة. ولذلك كان وجودها، قبل الأنوار وبعدها، سعيا إلى توفير الضمانة القانونيّة لتلك السلطة، ذات الأصل البشري الإنسانيّ. وما كانت الصحيفة في الواقع بهذا المحتوى، من حيث النظرة للمجتمع والإنسان، ينازعها في هذا المستوى التعريفان الديني والقبلي للإنسان والمجتمع، وبين كليهما كان العرف الجاهلي الحيّ ينافي من بعيد فلسفة الفرد الحرّ، والمجموعة القائمة على تعاقد بين أحرار. كانت المجموعة، في كلا المنظورين الديني والقبلي، تحظى بالأولويّة المطلقة على حساب الفردي، وكان بعدها السياسي يتولّد من مقدار التماهي بين المجموعة وقائدها، الرسول في حالة المجموعة الدينيّة، ورئيس القبيلة في حالة القبيلة. وفي كلتا الحالتين، فإنّ شخصنة السلطة والسيادة وفرديّتها تجعل من القيادة الضمان الوحيد لاستمرار اللحمة السياسيّة. وبقدر ما ينفي هذا الاختلاف السابق عن الصحيفة أهمّ أسس الدسترة، وهي لا شخصنة السلطة ضمانا لديمومتها، في استقلال عن الأفراد والحكومات، فإنّ تكريسها للولاء القبلي داخل الولاء للأمّة الناشئة، عبر تنصيصها على احتفاظ كلّ بطن باستقلاله الداخليّ، سواء في تركيبته السياسيّة أو في نظامه الاجتماعي، واعترافها بتعدّد المشاريع المجتمعيّة، عبر احتفاظها بالتقسيم الديني الذي يفصل بين اليهود من جهة، والمهاجرين والأنصار من جهة أخرى، كما يتجلّى ذلك من انقسام بنودها إلى قسمين يخصّان الفريقين في تمايزهما. كلّ هذه الخصائص تضيف إلى امتناع تسوية الصحيفة بالدساتير في بعدها الإنساني، تعذّر التسوية بينهما في البعد السياسي. فليس غريبا من جهة هذا البعد الثاني، أن يقوّض ذلك التوازن الهشّ الذي اصطنعته الصحيفة، بفعل قوى التفتيت الداخليّة المكبوتة، في أوّل امتحان ديني سياسي، بدءًا بنقض اليهود لعهودهم التي قطعوها للرسول، ممّا كلّف مواطني الأمس أوّل عمليّة إبادة جماعيّة في تاريخ الإسلام، وصولا إلى الخلاف الحاد بين المسلمين أنفسهم، مهاجرين وأنصارًا، بمجرّد وفاة القائد الكاريزماتي الضامن الوحيد لاستمرار العهد ساريًا.

نعم كانت الصحيفة، كما تحدّث عنها محمّد عابد الجابري، ومحمّد سعيد العشماوي، وكما حلّلها خالد بن صالح الحميدي (في كتابه: "في نشوء الفكر السياسيّ في الإسلام من خلال صحيفة المدينة" (1994))، أوّل وثيقة سياسيّة إسلاميّة، تبرز المرونة التي تعاملت بها الدعوة المحمّديّة مع شروطها الثقافيّة، إذ عملت على توسيع الغطاء الديني ليحضن اختلافات المجموعة السياسيّة الجديدة آنذاك، إلى درجة أنّ تعريف الإيمان فيها كان سياسيّا، لا دينيّا. هذا صحيح تاريخيّا، ولكنّ تسويتها بالدساتير تمثّل عمليّة تحريف معرفيّة بالغة الخطورة على واقع الدولة الديمقراطيّة التي يراد بناؤها. لا يمكن مقارنة الصحيفة بالدستور بأيّ حال من الأحوال. ثمّة بينهما، فضلا عمّا ذكرنا، فوارق تتعلّق بكلّ المسافة الفاصلة بين حصيلة الإضافات التحرّريّة الفردانيّة اليونانيّة، والرواقيّة، والمسيحيّة، والأنواريّة، بل وحتّى الإقطاعيّة، لتقييد السلطة وتقسيمها، وحصيلة التفاعل بين المعطى الإسلاميّ والإرث القبلي، لتركيزها في شخص القائد الممثّل للمجموعة على حساب الأفراد. هو الفرق بين مأسسة المعارضة واعتبارها من شروط حسن سير العمليّة السياسيّة في هذا الجانب، واعتبارها بدعة مهدّدة بالفتنة في الجانب الآخر.

قد تفهم الإيديولوجيّة الظاهرة في هذا الخطاب السياسيّ، وتفسّر من منظور علمي الاجتماع والأنثروبولوجيا برغبة السياسي في الاستحواذ على الولاء الأصلي الذي مازالت تكنّه حتّى المجتمعات المعلمنة للأديان، وشحنه بمضامين جديدة سياسيّة تصبح هي محلّ الولاء، حين تتحوّل القدسنة الأصليّة للدين إلى ورع جماعي تجاه مؤسّسات اجتماعيّة، كالدستور مثلا. يمكن نعت هذه الواقعة، باعتبارها لعبا على ما سمّاه كاستورياديس، المتخيّل المهيكل الذي يدرج به الأفراد كينونتهم الاجتماعيّة في أفق بعض المعاني الخياليّة. جرى مثل هذا الأمر، من خلال الأديان المدنيّة التي عوّضت الأديان التاريخيّة عند الإنسان الغربيّ الحديث، وفي أشكال الطوباويات الثوريّة التي تسرّبت منه إلى العرب المسلمين في فترة وهج الإيديولوجيات الثوريّة في العالم العربي، لا سيما فترة إشعاع الإيديولوجيّتين القوميّة والاشتراكيّة.

هذه العمليّة تستثمر أهمّ خاصيّة في الدين وصفها علماء الاجتماع الدينيّ، وهي المتمثّلة في بحث كلّ دين عن إقامة تواصل سلالي، يقوّي شعور الفرد بانتمائه إلى مجموعة توحّد بين مؤمني الماضي والحاضر والمستقبل، حيث تعمل السلالة المؤمنة باستمرار، بصفتها مرجعا خياليّا، تمدّ الفرد بتعريفه التاريخي والاجتماعي، وهي نفس العمليّة التي وصفها بيتر برغر في كتابه الشهير "القرص المقدّس..."، حين تحدّث عن دور الدين في تبرير المؤسّسات الاجتماعيّة، بمنحها حكمًا أنطولوجيًّا، وتنزيلها في إطار مرجعيّ مقدّس وكوني.

لكنّ المشكلة في هذه الأدلجة، الممارسة على السياسي أنّها قد تتسبّب، في مستوى أثرها على الوعي العاميّ، في تغليف العالم الاجتماعيّ الذي هو منتوج إنساني إبداعيّ بأسرار من أصول غير بشريّة. وهذا يكرّس الوهم بأنّ المؤسّسة الاجتماعيّة تجلّ لبنية الكون الإلهيّة، وتجسيد لحتميّة إلهيّة حاكمة فيه مسبقا، ممّا يقود إلى الاستلاب الذي يفقد فيه الفرد الوعي بالعلاقة الجدليّة بينه وبين عالمه، فينسى أنّه مشارك في إنتاجه، بل قد يضاعف من استلابه الأصلي لأصحاب السلطة، فيستبدل أصحابها القدامى بمتولّيها الجدد. وقد جاءت الثورة في الأصل لنزع كلّ أشكال الاستلاب.

فإذا كناّ في وضع ديمقراطيّ نريد فيه تأسيس الفرد الواعي بوجوده المستقلّ، كما نبغي فيه، في ظلّ الوضع التعدّديّ الذي تقحمنا فيه العولمة قسرًا، التعايش بين بنى مصداقيّة عديدة، لا مجال بينها لأيّ قول، بما في ذلك القول الدينيّ، أن يدّعي امتلاك الحقيقة؛ فهل يجوز الاستمرار في تكريس الوهم، بالاندراج في حتميّة تاريخيّة تجعل دستور تونس القرن الحادي والعشرين كـ"دستور" صحيفة المدينة، تماما كما تجعل دولتها خلافة من نسل الخلافة الراشدة، وقد تجعل قادتها الجدد بالاستتباع من نسل قائد الأمّة الأوّل.

في الغرب المجاور لنا، الذي يتعيّن علينا الالتفات إلى تجربته، سلك الدين كالمجتمع، كالسياسة، مسيرة نزع السحر؛ فصارت جميعها تمثّل بنى مصداقيّة منسّبة، ولم يبق توظيف الأديان التاريخيّة في لعبة السياسة يمنحها السبق والأولويّة في تحريك المتخيّل الاجتماعي، بينما عندنا نحن العرب المسلمين، مازال الفرد ينظر إلى نفسه بصفته معطى، وينكر دوره وتجربته الذاتيّة في إنتاج العالم. فإمّا أن نجعل الدين مساهمًا في نزع الاستلاب عن الفرد، فنصيّره عاملا مؤصّلا للحريّة التي ثارت من أجلها مجتمعاتنا تحت مسمّيات الكرامة والعدالة، وإمّا أن نستبقيه عامل استلاب ثانٍ، إلى جانب السياسة، فنردمه تحت غلاف استبدادي جديد، هو غلاف الدين المؤدلج المسيّس.