سؤال النهضة والنقد العربي المعاصر... النسق الأول

فئة :  مقالات

سؤال النهضة والنقد العربي المعاصر... النسق الأول

السؤال الذي اختاره شكيب أرسلان عنوانا لكتابه (لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟)، هذا السؤال جرى اعتباره على أنه يمثل سؤال النهضة في المجال العربي المعاصر، وبعد صدور هذا الكتاب نال تقريظاً وترحيباً وتقديراً، إلى جانب ذلك، ظهرت بعض الآراء والمواقف الناقدة له.

وعند النظر في هذه الآراء والمواقف التي وقفت عليها، يمكن تصنيفها من ناحية العلاقة ما بين سؤال الكتاب ومادته، إلى ثلاثة أنساق، في هذه المقالة سنتناول النسق الأول.

ويتحدد هذا النسق في الآراء والمواقف التي نظرت إلى الكتاب مادة ونصّا، ولم تلتفت إلى سؤاله نظراً وتأملا؛ بمعنى أنها فصلت ما بين مادة الكتاب وبين سؤاله، واتجهت إلى مادة الكتاب، بدون الاقتراب من سؤاله، فخرج السؤال الذي حمل عنوان الكتاب، من دائرة النقاش والنقد.

وفي هذا النطاق، يمكن الإشارة إلى نمطين من الملاحظات، هما:

أولا: ملاحظات رشيد رضا

جرت بين محمد رشيد رضا وشكيب أرسلان مناقشات داخلية متبادلة، حول بعض القضايا والأفكار الواردة في إجابة أرسلان قبل طبعها في كتاب، أفصحت عنها الرسائل المتبادلة بينهما، التي جمعها أرسلان ونشرها لاحقاً في كتاب (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة).

في هذه الرسائل المتعلقة بإجابة أرسلان، دوّن رشيد رضا عددا من الملاحظات التي قصد منها التنبيه والتصويب، ومن أبرز هذه الملاحظات:

1ـ اعتبر رشيد رضا أن أرسلان أظهر حالة من اللين في الرد على من ينكر أنه كان للإسلام حضارة، وأنه اكتفى بأن الإسلام قد أفاد الحضارة الشرقية وأيدها.. والواقع أن الحضارة الشرقية كانت عند ظهور الإسلام في طور الانحلال والزوال، وأن المسلمين لم يلبثوا بعد تمكن ملكهم أن أحيوا العلوم والفنون الميتة ونقحوها، وأوجدوا حضارة جديدة إسلامية.

2ـ وجد رشيد رضا أن أرسلان، بالغ في تبرئة الديانة النصرانية من التأثير في إضعاف مدنية اليونان والرومان، والقضاء عليهما، بمثل ما برأ به الديانة الإسلامية. وفي اعتقاد رشيد رضا أن ما في الأناجيل من المبالغة في التزهيد في الدنيا، وحرمان الأغنياء من دخول ملكوت السماوات، كان له تأثير عظيم في القضاء على تلك المدنية، وكذلك سيرة الأحبار من باباوات وبطاركة وفهمهم للدين.

3ـ أخذ رشيد رضا على أرسلان، إيجازه في مسألة هوية النهضة أهي دينية أم قومية؟ معتبراً هذه المسألة أولى بالإطالة، وطالبه بإعادة النظر في رأيه، لافتاً نظره لبعض النقاط هي:

أ_ إن الكلام في نهضة المسلمين عن حجج القرآن أقوى مقنع لهم للقيام بها، وأعظم مؤثر في أنفسهم على اختلاف أقوامهم.

ب_ إن إقناعهم بالنهضة من طريق الدين، لا ينافي قيام كل منهم بما يرقي أنفسهم وأوطانهم، وإن كان فيهم من لا يدين بدينهم ممن قد سبقوهم في النهضة الدنيوية... فكان سبب تخلف المسلمين عنهم، جهلهم بأن دينهم يدعوهم إلى أن يكونوا السابقين لغيرهم.

ج_ إنهم يربحون بالجمع بين النهضتين الدينية والدنيوية بهداية الإسلام، بقاء تعاطف شعوبهم وأقوامهم الكثيرة، وتوادهم وتعاونهم، وفي ذلك من القوة الروحية والاجتماعية والسياسية ما لا يخفى، وأعظم شعوبهم ربحا من هذه الخطة الشعب العربي.

د_ ما في الإسلام من الوقاية، من مفاسد الحضارة المادية وأخطار النزعات البلشفية وغيرها.

هـ_ الفوائد الأخرى المذكورة، وهي صيانة الأمة من الإلحاد وإباحة المنكر والفساد.

ثانيا: ملاحظات فهمي جدعان

اعتبر الدكتور فهمي جدعان، أن شكيب أرسلان أحد الدعاة العمليين النشطين للجامعة الإسلامية، والذي كرس جل جهوده السياسية في الفترة ما بين الحربين، للقضايا العربية الخالصة، ولم يتخط نشاطه الإسلامي بالإجمال، دائرة الكتابات الصحفية النظرية، فهو رجل المسائل السياسية بالدرجة الأولى، في أبعادها العربية والشرقية والإسلامية، وكان من أولئك المثقفين الذين حاولوا أن يطبقوا مبادئهم النظرية عمليا بالكتابة والعطاء والجهاد، وظل يتردد ما بين الفكر السياسي والفكر الديني والفكر الأخلاقي.

ووجد الدكتور جدعان، أن أرسلان بعد أن شهد سقوط الدولة العثمانية، والذي كان واحداً من أنصارها العرب المخلصين، وبعد الحرب الإيطالية الليبية، وبعد وقوع الأقطار العربية تحت الاحتلال الفرنسي والبريطاني، بدا له أن الانحطاط الذي أصاب العرب المسلمين، يرجع في جوهره إلى علل أخلاقية.

وفي نطاق هذه العلل الأخلاقية، صنف جدعان كتاب (لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟)، واعتبر أن أرسلان عدد فيه الرذائل الأخلاقية التي وجهت المسلمين نحو الهاوية، وبعد تتبع هذه الرذائل الأخلاقية، سجل الدكتور جدعان في كتابه (أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث)، الصادر سنة 1979م، بعض الملاحظات الناقدة، التي يمكن ضبطها وتحديدها في النقاط الآتية:

1ـ في نظر جدعان أن مختلف أسباب التأخر التي أشار إليها أرسلان، ليست عللا حقيقية، بقدر ما هي أعراض للعلة الحقيقية.

2ـ من الواضح عند جدعان، أن أرسلان قد لمس في تحليلاته جانباً مما سبق أن أشار إليه من قبل عبدالرحمن الكواكبي (1265ـ1320هـ/1848ـ1902م)، في كتابه (أم القرى)، لكن أرسلان يبدو أكثر قربا من الكواكبي، من جهة الإشارة إلى الوقائع الملموسة، والأمثلة المحسوسة، المستقاة من حياة الأقطار العربية والإسلامية.

3ـ يرى جدعان أن أرسلان على الرغم من منطلقاته الفكرية المثالية التي لم تجد لها فرصة للتطبيق العملي، فضلت بعيدة عن كل أثر اجتماعي شامل، وباتت محصورة في مشروع فردي، وفي حدود الإشكالية القديمة للنهضة، كما تجلت في القرن التاسع عشر.

4ـ يضع جدعان تحليلات أرسلان في إطار ما يسميه التفكير العلي الأحادي، الذي يقارب النهضة والتأخر على أساس علة التعلم والتربية والتعليم المدعومين بالأخلاق، وأن حدة هذا النمط من التعليل في نظر جدعان لم ينحسر إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك حين لاحظ بعض المفكرين أن التعليل الأحادي لا يكفي، وأنه ينبغي على العكس من ذلك بناء النهضة والتقدم على أساس تعدد العلل.