عندما حارب المغاربة من أجل الصليب: قراءة في كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو" لمؤلفته الإسبانية (ماريا روسا دي مادارياغا)

فئة :  قراءات في كتب

عندما حارب المغاربة من أجل الصليب: قراءة في كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو" لمؤلفته الإسبانية (ماريا روسا دي مادارياغا)

كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو" لمؤلفته الإسبانية (ماريا روسا دي مادارياغا) الخبيرة في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية خلال التاريخ المعاصر، والذي ترجمته الدكتورة كنزة الغالي، ضمن سلسلة ضفاف الصادرة عن منشورات الزمن سنة 2006 في حوالي 300 صفحة من الحجم المتوسط، يندرج هذا الكتاب ضمن المؤلفات المهمة التي تطرّقت لمرحلة حسّاسة من التاريخ الإسباني المعاصر، وهي فترة حكم الجنرال الإسباني فرانسيسكو فرانكو الذي استطاع القضاء على اليسار الإسباني بعد معارك مسلّحة ضارية، والتي لعب فيها المغاربة دوراً حاسماً.

إنّ قراءة هذا الكتاب من شأنها إعطاء بعض التفسيرات للانطباعات التي يحملها الإسبان عن المغاربة خصوصاً جيل الفترة الاستعمارية، انطباعات ترتبط بفترة تواجد المغاربة أو "المورو" - بتعبير إسبان تلك المرحلة- بإسبانيا في صفوف قوات فرانكو لمواجهة اليسار الإسباني خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وما رافق ذلك من عنف وتقتيل عرفته مجموعة من المناطق الإسبانية، ومن جهة أخرى إماطة اللثام عن الدوافع الحقيقية التي جعلت المغاربة يلتحقون بجيش الجنرال فرانكو، وعمّا إذا كان التحاقهم قسرياً أم طوعاً واقتناعاً بالفرنكوية، لكنّ أبرز مفارقة يمكن الوقوف عندها في الكتاب هي تركيز الخطاب الفرنكوي على أواصر الأخوّة التي تجمع المغربي المسلم بالإسباني المسيحي، وعلى ضرورة التحالف من أجل مواجهة الشيوعيين "الملاحدة" خلال الحرب الأهلية التي امتدت ما بين1 يوليو 1936حتى 1 أبريل 1939م، مما جعل الجنود المغاربة يتحوّلون إلى مدافعين عن المسيحية في مواجهة المدّ اليساري.

قسّمت مؤلفة الكتاب ماريا روسا عملها إلى تسعة فصول، استعرضت فيها وجهات النظر الإسبانية المختلفة للمغرب وأسلوب التعاطي معه، وسعت إلى إبراز ظروف تكوين الجيش المغربي التابع لإسبانيا، ومن جهة أخرى استعرضت الاضطرابات الداخلية التي كانت تعرفها إسبانيا، والتي ستؤدي إلى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، واستعانة الجنرال فرانسيسكو فرانكو بالمغاربة بعد استغلال عنصر الدين كركيزة أساسية لاستقطابهم، مبرزة تأثير هذه الحرب على صورة المغربي لدى الإسبان.

المغرب ... ملاذ الأزمات الإسبانية:

لم يكن يمثّل المغرب بالنسبة لإسبانيا إبّان موجة المدّ الإمبريالي، مجرّد بقعة جغرافية تريد إسبانيا ضمها إلى ممتلكاتها لاستعادة أمجاد مملكة ما وراء البحار فقط، بل شكّل المغرب مطلع القرن التاسع عشر لإسبانيا فرصة لاستعادة قوتها ومكانتها بين الدول الأوربية التي تتنافس من أجل تعزيز مكانتها وقوتها الاقتصادية العالمية، خصوصاً أنّ الليبرالية الاقتصادية التي انتعشت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أفسحت المجال للقوى الأوربية المهيمنة من أجل استباحة باقي بلدان المعمورة الضعيفة وجعلها حدائق خلفيّة تنهل منها احتياجاته الاقتصادية وتصرف فيها أزماتها المختلفة، لقد كان المغرب بالنسبة لإسبانيا ذلك البلد الذي جعلت منه متنفساً لأزماتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، فهو بلد الفرص الذهبية لرجال الجيش من أجل تسلّق سلّم الرتب العسكرية وتعليق النياشين، وهو الوجهة التي يمّم إليها السياسيون الإسبان شطر الرأي العام الإسباني كلما أحسّوا أنّ حصار الغضب الشعبي يضيق حولهم، وبذلك أصبح المغرب العامل الحاسم في العديد من محطات إسبانيا التاريخية خلال مطلع القرن المنصرم.

ولم يكن المغرب مسرحاً للعمليات السياسية والعسكرية الإسبانية التي تحقّق أهداف السياسيين والعسكريين الإسبان فحسب، بل انتقل المغاربة ليحسموا أحد أعنف وأخطر الحروب في تاريخ إسبانيا على الإطلاق، وهي الحرب الأهلية الإسبانية التي جعلت جنرالاً دموياً اسمه فرانسيسكو فرانكو يقحم المغاربة فيها عنوة أو بحجج مختلفة لحسم صراع كاد يعصف بوحدة إسبانيا ويعيدها إلى عهد الممالك المتفرقة، لقد دافع المغاربة عن فرانكو باستماتة، وكانوا من خلال دفاعهم عنه يحاربون الشيوعيين الملحدين، ظناً منهم أنهم يؤدون رسالة تخدم الإسلام والمسيحية اللتين أصبحتا متآخيتين في خطابات العسكريين الفرانكاويين، فكيف إذن شارك المغاربة في هذه الحرب ؟ وما هي صورة "المورو" الجديدة لدى الإسبان؟ وهل كان تركيز فرانكو على القيم الحضارية المشتركة بين الإسلام والمسيحية قناعة لديه أم مجرد دغدغة لشعور المغاربة من أجل ضمان أكبر عدد من المجنّدين؟

المغرب ... سلّم الترقي العسكري الإسباني:

كانت المسألة المغربية محط نقاش ساخن بين الفرقاء الإسبان الذين انقسموا إلى خندقين كل منهما يدافع عن طرح معيّن بخصوص طريقة التعامل مع المغرب، وهما تحديداً الأفريقانيون والائتلافيون، وقد مثل الأفريقانيون التيار الذي اهتمّ بالمغرب في إطار إنجاز دراسات وأبحاث حول كل ما له صلة بإفريقيا خصوصاً خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث ستبرز مجموعة من الشخصيات في هذا الإطار، مثل خواكين كوستا و كوميرسيندو دي أثكارتي، وكان هدف هذه الحركة هو توطيد وتنشيط الحركة الاقتصادية والثقافية بين المغرب وإسبانيا، ولم تكن هذه الحركة في البداية تعتمد على الاستراتيجية الحربية في تصورها، بل على العكس سعت إلى تغلغل سلمي عن طريق التجارة والثقافة (ص 25).

ومباشرة بعد سنة 1912 عند بداية الترشيحات والطلبات للذهاب إلى المغرب، تكاثر عدد الأفريقانيين العسكريين الذي عبّروا عن رغبتهم في الذهاب إلى المغرب بحكم معرفتهم بتقاليده ولهجته، رغم أنّ هذه المعرفة لم تكن تتجاوز عند الكثيرين منهم، تعلّم بضع كلمات من اللهجة المغربية، حسب ماريا روسا دي مادارياغا مؤلفة الكتاب.

تزايد حماس الأفريقانيين العسكريين للقدوم إلى المغرب بشكل كبير بعد أن أعلن الجنرال الإسباني لوكي سنة 1910 أنّ التفوق في المجال العسكري يشكل السبيل الأمثل للترقي في الرتب العسكرية، وبما أنّ إسبانيا فقدت آخر مستعمراتها في أمريكا وآسيا سنة 1898، فإنه لم يبق أمام العسكريين الإسبان سوى المغرب من أجل تحقيق طموحاتهم في الترقي العسكري، هذه النظرة إلى المغرب كان يعارضها الدكتاتور بريمو ودي ريبيرا) محام وسياسي إسباني، يحمل لقب نبيل، هو مؤسس الكتائب الإسبانية "فالانخيس" تمّ إعدامه من قبل حكومة إسبانيا الجمهورية أثناء الحرب الأهلية الإسبانية) الذي كان يرى بوجوب إقرار سياسة احترازية وسحب الفيالق العسكرية من المناطق الساحلية وتثبيتها في السواحل الشمالية من أجل القضاء على المقاومة بالشكل الأمثل.

لم تكن وجهة نظر بريمو دي ريبيرا لتروق للأفريقانيين العسكريين الذين رأوا أنّ هذا النهج الجديد سيحدّ من فرص تحقيقهم للانتصارات العسكرية التي تحقق طموحهم في الترقي العسكري، وكان من بين أبرز المعارضين لبريمو دي ريبيرا الكولونيل فرانسيسكو فرانكو الذي سيبدأ نجمه في الصعود خلال هذه المرحلة، والذي عبّر عن استيائه من الديكتاتور الإسباني في مقال له تحت عنوان: "استسلام وجمود"، نشر بمجلة الجيوش الاستعمارية الصادرة بسبتة سنة 1924، حيث انتقد فيها فرانكو سياسة دي ريبيرا في المغرب (ص 29).

لقد كان للضغط الذي مارسه الأفريقانيون الإسبان على الديكتاتور الإسباني تأثير قوي جعله يخضع إلى حد كبير لرغباتهم في الاستمرار في الحملات العسكرية بالمناطق الغربية والشرقية لمنطقة الحماية الإسبانية قصد سحق المقاومة، كما سيزيد من حماسهم سعيهم المتواصل إلى الترقي العسكري في أقصر وقت وتحقيق أكبر قدر من الانتصارات بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وكان من نتائج هذه الرغبة حدوث مجازر في المنطقة، خصوصاً بعد هزيمة أنوال التي ستجرح الكبرياء الإسباني، وستدفع العسكريين الإسبان للمزيد من الوحشية في حملاتهم العسكرية بشمال المغرب، حيث تمثلت أبرز تجليات هذه الوحشية في استعمال الغازات السامة، التي خلّفت و ما تزال أوضاعاً مؤلمة في المنطقة (ص 39).

جنود مغاربة تحت الراية الإسبانية:

لم يكن الرأي العام الإسباني على استعداد لتحمّل التكلفة المرتفعة من الخسائر في صفوف الجنود الإسبان خلال حملاتهم على شمال المغرب، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة تشكيل فيالق من القوات المغربية تابعة للجيش الإسباني، فكرة لم تكن غريبة على الدول الاستعمارية، حيث سبق لفرنسا أن شكلت من الجزائريين فيالق للرماة والكوم، وكانت فيالق الجنود المحليين في المغرب توظف في حروب إسبانيا مع المغاربة أنفسهم، كما هو الحال في حرب الريف التي كان جزء مهم من المغاربة يحاربون فيها إلى جانب الإسبان الذين استغلوا بدورهم الفقر والأوضاع الاقتصادية المزرية وعلاقاتهم ببعض القادة والأعيان المغاربة في المنطقة، من أجل حثّ الناس على التجنيد في صفوف القوات الإسبانية، بينما كان المغاربة أنفسهم في بعض الفترات يتوجهون طوعاً إلى تطوان من أجل تسجيل أنفسهم ضمن قوائم التجنيد في صفوف الجيش الإسباني هرباً من الهلاك جوعاً، كما حدث إبّان المجاعة التي ضربت منطقة الريف خصوصاً خلال العقد الثاني من القرن العشرين، وبالمقابل كانت هناك موجات فرار للمغاربة من الجندية الإسبانية خصوصاً سنة 1921 التي بشّرت بمحصول فلاحي جيد، أو للالتحاق بصفوف الجيش الفرنسي طمعاً في راتب أعلى، ومن جهة أخرى، فإنّ الإسبان لم يكونوا يثقون تماماً في الجنود المغاربة؛ فقد انقلبوا أكثر من مرّة على قادتهم الإسبان، والتحقوا حاملين أسلحتهم بحركة المقاومة المغربية في الشمال، ورغم ذلك فقد استطاعت إسبانيا أن توفر قوات إضافية من المغاربة لعبت دوراً مهماً سواء في حرب الريف أو خلال الحرب الأهلية الإسبانية. (ص 53)

المغاربة يحسمون الصراع بين اليمين واليسار في إسبانيا:

شهدت إسبانيا، خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، العديد من الأحداث السياسية التي كادت تمزّق الوحدة الإسبانية، والتي سيكون للمغاربة فيها دور حاسم في تفوّق أحد أطراف الصراع على الطرف الآخر، ومن بين المحطات التي برز فيها المغاربة في هذا الصدد، ما سميّ بالسّنتين السوداويتين (نونبر 1933 – فبراير 1936).

لقد كان انقسام اليسار الإسباني حول مشاركة اليمين في الحكومة بعد فوزه بانتخابات 1933 بمثابة الشرارة التي أوقدت نار التمرّد والمواجهة المسلّحة بين الشيوعيين والاشتراكيين الراديكاليين من جهة، وبين قوات النظام واليمين من جهة أخرى لقمع التمرّد الذي اندلع بعد دعوة تحالف اليسار إلى الإضراب العام ومقاطعة الحكومة التي يشكل اليمين طرفاً أساسياً فيها، والتي كان يرأسها أليخاندرو ليرو زعيم الحزب الراديكالي، وكانت حكومة وسط انضم إليها اليمين لضمان أغلبية مريحة للراديكاليين في التصويت، وهو الشيء الذي لم يرق للذراع النقابي اليساري في إسبانيا، حيث ستندلع إثره ثورة 4 أكتوبر 1934، والتي كان مسرحها كلّ من برشلونة وأستورياس اللّتين شهدتا مواجهتين داميتين بين مليشيات اليسار من جهة وقوات النظام من جهة اخرى، وهنا تحديداً تمّ فتح مستقبل إسبانيا على المجهول، حيث إنّ القوات الإسبانية لم تستطع أن تحسم النزال بسهولة، كما أصبحت ميليشيات اليسار تشكّل تهديداً حقيقياً للنظام في إسبانيا، فكيف استطاعت الجمهورية أن تحسم الصراع إذن؟

لقد كانت قشة الخلاص متمثلة في الجنود المغاربة على وجه الخصوص، إذ أوردت المؤلفة نصّاً لـ"دييكو هيدالغو" في كتابه "لماذا انطلقت من وزارة الدفاع؟" يوضح أسباب لجوئه لجيش إفريقيا قائلا: "أولاً لعدم كفاية العناصر في المنطقة المعنية (منطقة التمرد في إسبانيا) وثانياً نوع الجند الذين يجب أن يواجهوا المتمردين، لأنّ الوضع صعب وحسّاس، وقد تنتج عنه مفاجآت... كان الموقف أشدّ، ويستدعي ردّ فعل أقوى من إرسال جنود مبتدئين أو بدون خبرة". (ص 81)

ومن جهة أخرى، يؤكد هيدالكو تخوّفه من الصراع الدائر، نظراً لـ" قلة أفراد القوة واحتمال صدام قوي يطول لعدة أيام كان مدعاة لاستجلاب جيش إفريقيا من اللفيف والنظاميين، لقد تصورت أنّ جنودنا سيتساقطون كالذباب لعدم خبرتهم ودرايتهم بشؤون الحرب، وكذلك الظروف الجوية القاسية، وساحة الحرب التي لم يسبق أن رأوها ومواجهات ضروس تستعمل فيها المتفجرات بدون أسلحة الحرب المعتادة، وبدل أن يسقط رجالنا هباء منثوراً، كان يمكن جلب جنود من إفريقيا يبلغ عددهم 1200 مدربين على كل فنون الحرب بأياد من حديد ...". (ص 82)

إنّ المقتطفات التي أوردتها المؤلفة ماريا روسا دي مادارياغا، من كتاب هيدالكو عن الجنود المغاربة، يدلّ بوضوح على قوتهم وضرورتهم لحسم الصراع في ظل استعصاء الأمر على الجنود الإسبان، ومن جهة أخرى فقد كان الدافع في استقدامهم أيضاً عدم اكتراث القيادة الإسبانية لوقوع ضحايا في صفوف المغاربة عكس الضحايا من الجنود الإسبان، وهو ما يؤكد عليه هيدالكو بقوله: "حياة كلّ جندي مهمة جداً، وينبغي أن يراعيها كلّ حاكم، حياة رجل من المورو (المغاربة) لها أيضاً احترامها، إلا أنهم إذا سقطوا في ساحة الحرب يعتبر ذلك حادثاً مهنياً، بينما إن حصل الأمر نفسه مع جندي إسباني، رغم أنه يؤدي واجباً مقدساً نحو وطنه، لكنه ليس محترف حرب، ولم يتطوّع للمشاركة فيها، ستبقى أمّ إسبانية تذرف الدموع الساخنة، ولن تجد الدولة أي سبيل لمواساتها". (ص 82)

إنّ تبريرات هيدالكو هذه تكشف بجلاء قيمة الجنود المغاربة لدى العسكريين الإسبان؛ فهم مجرد حطب لنار الحرب وليس أي شيء آخر، وهم وسيلة لإعادة التهدئة لمنطقة "أستورياس" التي تحوّلت إلى ريف، كما تحوّل عمّال مناجمها إلى ثوار قبائل، فأصبحت بذلك ساحة حرب مفتوحة.

لقد كان استعمال الجيوش المغاربة الذين نصح فرانكو بتوظيفهم في هذه الحرب؛ يعني أيضاً " إقحام متوحشين متدربين ومتعودين على التدخل بكل ضراوة ضدّ ثوار المغرب، الأمر الذي سيعمل بدوره على إثناء ثوار إسبانيا عن الانتفاضة مستقبلاً "حسب خواكين أراراس في بيوغرافية فرانكو، الذي لعب دوراً حاسماً بنصيحته هذه في القضاء على ثورة أستورياس سنة 1934.

لقد ترك المغاربة انطباعاً سيئاً جداً لدى الإسبان بعد تدخلهم لقمع انتفاضة أستورياس، حيث استشهدت المؤلفة ماريا روسا دي مادارياغا، بكتاب يحمل عنوان "أستورياس، شهادة حية عن انتفاضة أكتوبر" لاستعراض شهادات أشخاص عاينوا تدخلات (المورو) لقمع التمرّد، حيث "كان اللفيف والنظاميون يتصدرون قمع المتمردين، كانوا يتصرفون بكلّ وحشية، كانت بنادقهم تفرغ في كلّ من يواجههم، وخناجرهم تمزق الأحشاء دون اعتبار لأحد ...".

ما تقدم، يجسّد بعض الانطباعات التي تشير إلى طبيعة تدخل المغاربة لقمع التمرد، ولعل هذه القسوة المبالغ فيها تفتح باب التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لحماس المغاربة وقسوتهم المذكورة، فهم بعيدون عن فهم طبيعة الصراع الدائر إيديولوجياً وجغرافياً وثقافياً، فما هي الدوافع الحقيقية فعلاً الكامنة وراء هذه القسوة؟

مغاربة "ينقذون" الحضارة المسيحية، ويدافعون عن الصليب:

إنّ التأمّل في بعض الشهادات المقدّمة، يجعلنا نستنتج أننا أمام جنود مشحونين بأفكار ودوافع أخرى لا علاقة لها بالصراع بين اليمين واليسار في إسبانيا، حيث نجد ـ مثلاً - شهادة توردها المؤلفة لأحد الثوار مفادها: "شكّل (المورو)، ويسميهم مواطنونا "القبائل الهمجية" خلال حرب إفريقيا الطويلة، قوة الصدام التي وجهت ضدّ عمال أوفييدو و أستورياس، ومن أجل إنقاذ (الحضارة المسيحية) على حد تعبير البورجوازيين، تمّ تسخير" أبناء محمد "خونة شعبهم والذين باعوا أنفسهم لجلاديهم: النظاميين" (هم الجنود المغاربة ضمن الجيش الإسباني).

إنّ ما زاد من ترسيخ مثل هذه الانطباعات لدى الإسبان خلال فترة الحرب الأهلية الإسبانية، كون قادة جيش فرانكو كانوا يوزعون على الجنود والإسبان على حد سواء ألبسة عسكرية موشحة بالصلبان التي تبدو بارزة على كتفي الجندي، وهو ما كان يتمّ باستغلال جهل الجنود المغاربة الذين كان أغلبهم أمّياً، حيث يلبسون هذه الأزياء العسكرية دون التدقيق في تفاصيلها، إضافة إلى صورة مريم العذراء التي كانت تزيّن الأوراق التي يكتب عليها الجنود المغاربة في جيش فرانكو رسائلهم إلى ذويهم في المغرب، حيث كانت تلك الأوراق تستبدل بأوراق عادية بمجرد وصولها إلى إدارة الشؤون الأهلية، حتى لا ينكشف أمرها بين أهاليهم.

لقد كان تجنيد المغاربة في صفوف جيش فرانكو فرصة للرهبان الإسبان كي يقوموا بتنظيم حملات للتبشير في صفوف المغاربة، حيث نجحوا في تنصير العديد من المغاربة، في حين كانت تقوم الراهبات اللواتي يشتغلن في المستشفيات الخاصة بالجنود المغاربة بمحاولات لتنصيرهم أيضاً.

لقد تحوّل المغاربة أو (المورو) الذين انضووا تحت لواء جيش فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية من مسلمين أعداء للمسيحيين الإسبان الذين يجب أن يأخذوا بثأرهم منهم عن سنوات التواجد الإسلامي في الأندلس إلى إخوة يحملون القيم نفسها التي يحملها المسيحيون، حيث اجتهدت التعبئة الفرانكاوية في إعطاء صورة جديدة للمغربي بأنه أخ للمسيحي، وكلّ ذلك من أجل محاربة الشيوعيين الذين لا إله لهم بحسب أنصار الفرانكوية، وفي هذا الصدد تورد مؤلفة الكتاب فقرة من مقال تحت عنوان: "لماذا قاتل بجانبنا المسلمون المغاربة"؟ لكاتبه أسين بلاثيو، جاء فيه: "تحت هذا المظهر السطحي الخشن للمغاربة الأبطال يوجد قلب نابض، توأم للقلب الإسباني الذي يقدّس مبادئ سامية عليا لا تختلف عن مبادئنا، ويحس بنفس الاختلاجات الدينية التي نحسها نحن، ونتقاسم اعتقادات مشتركة تجمعنا ضد الماركسي الملحد الذي يرفض ولا يشاطرنا عقيدتنا". (ص 229)

ومن أجل إعطاء مصداقية أكبر للخطاب الفرنكوي الذي يمجّد القيم "المشتركة" بين المسيحيين الإسبان والمسلمين المغاربة، عمد فرانكو إلى تنظيم رحلات بحرية لفائدة المغاربة من أجل أداء مناسك الحج بأثمان مشجعة، وستكون بعض الأحداث فرصة ملائمة من أجل تأليب المغاربة على الشيوعيين "الملحدين" من طرف رجال فرانكو، خصوصاً عندما قصف الجمهوريون سفينة للحجاج المغاربة كانت راسية بميناء سبتة سنة 1937، حيث عمد ضباط فرانكو إلى إلقاء خطب مندّدة باستهداف الشيوعيين للحجاج المغاربة الذاهبين لتأدية مناسك الحج، كما لم يتوان الفرانكاويون في مناسبات خطابية بمدن الجهة الشمالية عن تذكير المغاربة بكون "إسبانيا والإسلام الشعوب الأكثر تفاهماً دائماً وأبداً خصوصاً في الفترة الحالية التي ظهر فيها عدو ضد الإنسانية وضد المؤمنين الذين لهم عقيدة، والذين يجب عليهم أن يتحدوا لمواجهة الخطر الشيوعي". (ص 234)

ومن جهة أخرى، كانت التعبئة تمتد إلى دور السينما من خلال استعراض أفلام تحكي قصص قرويين مغاربة تحمّسوا للحرب في صفوف قوات فرانكو، وكان الهدف هو تمجيد الفرانكوية وتبيان مدى حماس المغاربة وتضحيتهم في سبيل "الأخوّة" المغربية الإسبانية.

خلال فترة الحرب الأهلية، وضماناً من فرانكو لأكبر قدر من التعاطف مع طرحه، عمد إلى التقرب من المغاربة عن طريق بناء مراكز للدراسات الإسلامية ومأوى للمسنين وبناء مساجد جديدة في مدن المنطقة الشمالية، بمثابة تعبير عن الأخوية التي يدّعيها الفرانكويون بين الإسبان المسيحيين والمغاربة المسلمين، وقد نجحت سياسة فرانكو بشكل كبير في استقطاب تعاطف المغاربة، إلى حد أنّ فوجاً من الحجاج الذين منحهم فرانكو بارجة حربية لأداء مناسك الحج رفعوا أكفّ الضراعة بالنصر والتمكين لـ" القائد العظيم" فرانكو صديق المسلمين وحامي الإسلام، كما كتب أحد الحجاج لصديق له عند توقف البارجة الحربية بميناء طرابلس، الرسالة التي وردت في قصاصة خبرية بتاريخ 22 يناير 1939 على صفحات جريدة "إرالدو دي مرويكوس" الإسبانية المساندة للطرح الفرانكوي.

لقد تحوّل المغاربة بقدرة التاريخ من (مورو) همجيين يجب على إسبانيا المسيحية أن تحاربهم وتخضعهم وتجتث إسلامهم إلى أخوة يتقاسمون مبادئ مشتركة يجب استغلالها من أجل الدفاع عن حوزة المسيحية المهدّدة بالخطر الشيوعي الأحمر، حيث كان لاستعمال وسائل الدعاية المختلفة والأساليب السالفة من أجل نشر هذا الطرح الجديد أثر كبير في شحن الجنود المغاربة الذين حاربوا في صفوف جيش فرانكو والذين أصبحوا يشكلون مصدر رعب وفزع للجمهوريين الإسبان، وأصبح اليسار الإسباني يروّج لأفكار سوداء حول المورو الهمجيين القادمين من المغرب، وكان الجمهوريون يعرفون حق المعرفة أنّ فرانكو عندما كان يروّج للأخوّة بين المسلمين المغاربة والمسيحيين الإسبان، إنما كان يهدف إلى ضمان قوات إضافية تساعده في القضاء على اليسار الإسباني واقتلاع جذوره من إسبانيا.

ختاماً، يمكننا التقرير إنّ كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو" لماريا روسا دي ما دارياغا، استطاع أن يميط اللثام عن جزء مظلم من التاريخ الإسباني، وأن يمثل أحد أبشع وجوه السياسات الاستعمارية القائمة على استغلال الشعوب المحتلة لتحقيق طموحات القادة السياسيين والعسكريين للدول الاستعمارية، موظفين في ذلك أحد أهم ركائز الهوية المحلية للشعوب المستعمرة والمتمثلة في الدين، مستغلين حميتهم وحماستهم للدفاع عنه وكذلك إيمان المغاربة المسلمين بالأديان السماوية، مدخلاً لمنظري الفرانكوية من أجل إقحام المغاربة في حرب لا طائل من ورائها كبدتهم مئات الآلاف من الضحايا من جهة، ورسخت لدى الإسبان صورة للمغربي الذي لا قلب له، والآتي من الجبال لإشباع رغبته في القتل والسلب والنهب من جهة أخرى، في الوقت الذي كان على المغاربة انتظار حوالي عقدين بعد نهاية الحرب الأهلية الإسبانية من أجل نيل استقلالهم، وهو ما جعل مسألة التعبئة الدينية للمغاربة من أجل الحرب إلى جانب فرانكو، تعد من أكبر عمليات الاحتيال الاستعماري في التاريخ.