الزاوية والحزب لـ نور الدين الزاهي: مُسَاءَلَة سوسيولوجية لترحل النسق الثقافي من مجال الدين إلى مجال السياسة بالمجتمع المغربي


فئة :  قراءات في كتب

الزاوية والحزب لـ نور الدين الزاهي:  مُسَاءَلَة سوسيولوجية لترحل النسق الثقافي من مجال الدين إلى مجال السياسة بالمجتمع المغربي

الزاوية والحزب لـ نور الدين الزاهي:

مُسَاءَلَة سوسيولوجية لترحل النسق الثقافي من مجال الدين

إلى مجال السياسة بالمجتمع المغربي

 

أحمد صديقي

عماد البقال

تقديــم:

"أن يؤسس الصلاح لمؤسسة الزاوية، وأن يؤسس الإصلاحيون السلفيون المغاربة لمؤسسة الحزب شيء لا يمكن أن يخضع للصدفة، ولا يمكن أن يفسر بوقائع حدثية وتاريخية فقط، بل لابد له من منطق سوسيولوجي أعمق يتحكم فيه."[3]

ضمن هذا السياق التحليلي، ينبثق تساؤل أساسي شكل جوهرا وأساسا يدور حوله كتاب "الزاوية والحزب الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي" لنور الدين الزاهي، ومنطلقا يرصد فيه الباحث مسار تشكل وتكون مؤسسة الحزب ضمن سياقها السوسيوتاريخي والاجتماعي، رافضا كل الطروحات التي تعتبر الحزب السياسي بالمغرب شبيها بالزاوية، أو تلك الأخرى التي تتخذ نموذج الحزب الغربي كبداية في دراسة تشكل وتكون الحزب السياسي بالمغرب؛ ولأن البحث في هذا الموضوع ترافق مع سؤال واجهه جيل الباحثين في علم الاجتماع في الثمانينيات مفاده ما طبيعة المجتمع المغربي؟ فقد انصب اهتمام نور الدين الزاهي على تلك العلاقة بين الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي؛ ولأنها علاقة تتسم بالترابط بين الحقلين السياسي والديني، سيكون الرهان المعرفي والسوسيولوجي هو رصدها منذ بدايات تشكل النوايا الأولى للحركة الوطنية بالمغرب. وبم كان للسياق السوسيوتاريخي الإسهام الوافر في تتبع الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية من 1830 حتى 1912، سيبدأ الباحث حيث انتهى عبد الله العروي، على اعتبار أن مجال اهتمامه سينصب على الحقبة التي تلت هذه المرحلة. وهنا يطرح السؤال الأساسي الذي وجه البحث: هل كان بإمكان الحزب السياسي بالمغرب أن يتشكل خارج إطار ما رسخته الزوايا طيلة قرون عديدة من قيم (الشرف والبركة) وسلوكيات (تقديس الاحترام داخل العلاقات الاجتماعية وداخل بناها) وتمثلات (تصورات عن دار الإسلام ودار الكفر أي عن الذات وعن الآخر) وطرق لتنظيم الفرد والجماعة؟

إن طبيعة هذا السؤال الذي انطلق منه الباحث في بداية الكتاب، وضعتنا أمام ضرورة المرور من قراءتين اثنتين له، وليس قراءة واحدة، نظرا للدور القوي لهاته الازدواجية في الكشف عن الأسس الإبستيمولوجية التي ينبني عليها الكتاب؛ القراءة الأولى خارجية يحكمها تدقيق مبدئي نعبر عنه في سؤالين اثنين ما هي علاقة الباحث بموضوع بحثه من خلال بعض كتاباته؟ (حوار له مع مجلة زمان، ومقال منشور ضمن مجلة الوحدة العدد 96؛ ملاحظات تأسيسية بصدد تناول ظاهرة الإسلاميين) ولماذا رفضه للعديد من المقاربات التي تناولت بالدراسة والتحليل ظروف تشكل الحزب السياسي؟ وهي أسئلة تثير جدلا قويا. أما القراءة الثانية، فهي قراءة داخلية نتحدث فيها عن مضامين الكتاب؛ وذلك بالوقوف على الإجابات التي وضعها الباحث على الأسئلة الكبرى التي أثارتها مختلف الفصول المكونة له، حول الأثر الذي خلفه الاختراق الشامل والحضور القوي للزوايا بالمغرب، وكذا تجسدات ومؤشرات وطبيعة هذا الاختراق، ثم عن الشكل الذي ستتخذه مؤسسة الحزب السياسي، باعتبارها مؤسسة أثر في تشكلها وتكونها ذلك الاختراق العمودي والأفقي الذي كان للزوايا في تاريخ المغرب على حد تعبير عبد الله العروي.

الزاويــة والحزب مسـار فكرة:

لم يكن ممكنا لنا الخوض في مضامين الكتاب بمعزل عن استحضار السياقات الذاتية والموضوعية المنتجة له، كونها تشكل نقطة مهمة في مسار الكاتب ومجال اهتمامه (المجال الديني السياسي) وأساسا في خروج الكتاب (الزاوية والحزب) إلى حيز الوجود، فهو بمثابة أطروحة رسم فيها الباحث انفصالاته عن مرحلته الجامعية بشكل خاص وعن انخراطه في العمل السياسي بشكل عام، كما أرسى معها استمراريته ضمن مجال الثقافة والأخلاق والقيم إلى جانب المساهمة في فهم المجتمع الذي نحيا فوق تربته ونتنفس هواءه.[4] وأكثر من ذلك، أطروحة أرسى عبرها أولى خطوات نزوله من الجبل نزولا يعفيه من شر السقطة الحرة المميتة.[5] لذلك، فإنه ليس من باب الغرابة أن نجد ذلك الحضور القوي لهاته الأطروحة في أغلب كتابات الباحث، كونها تتضمن مجموعة من الأفكار التأسيسية المهمة للتعامل السوسيولوجي مع مجموعة من الظواهر البارزة في المجال الديني السياسي، وهي أفكار سيقدم فيها الباحث تحليلات متميزة في مقال ملاحظات تأسيسية بصدد تناول ظاهرة الإسلاميين، مستحضرا في ذلك ما يمنحه التاريخ من إمكانيات للربط بين بنية الواقع الحدثي وبنية الواقع العميق أو الاستراتيجي وكذا تجاوز أي حصر للظاهرة في طابعها الحدثي، أو حصرها الضيق ضمن ثنائية التقليد والحداثة. وبالتالي، فهم وتحليل وتفسير الظاهرة، باعتبار بعدها الزمني أي متى حدثت وفي أي ظروف وماذا سبقها وما هو مآلها؟[6]

إن هاته الملاحظات التأسيسية بقدر ما وجهت الباحث في مجمل مسيرته البحثية بقدر ما حددت معالم ما سيركز عليه كتاب الزاوية والحزب؛ وذلك وفقا للتالي:

الفصل الأول: وعي التأسيس والانفصال يحدد الباحث فيه الشكل الذي سيتخذه الحزب السياسي بالمغرب، مؤكدا على الأثر الذي خلفه الاختراق الشامل للزوايا، بناء على دراسته للكتابات التي خلفها أفراد النخبة الوطنية من جانب، ودراسة وإعادة دراسة تمثلات هاته النخبة للمستعمر والسلطان والزوايا من جانب آخر، راسما بذلك الكيفية التي سيتناول بها موضوعه نظريا ومنهجيا.

الفصل الثاني: "تجليات التغير في سياق الاستمرارية" أسسه الباحث بناءً على استحضار بنية التمثل السياسي ولا شعورها، وكذا الإشارة إلى التجسيدات التنظيمية مع الوقوف على ما تتضمنه تلك التجسيدات من محطات تأسيسية وأسس وقصديات.

الفصل الثالث: "تجليات الاستمرارية في سياق المتغير" وضح فيه الباحث تمفصلات وتقاطعات الديني والسياسي في المجال الحركي إلى جانب الآليات التي تقوم عليها الزعامة والأسس التي تنبني عليها المشيخة؛ أي تحديد هوية التنظيم السياسي المغربي، وكذا مساءلة وإثارة الجدل حول بنية الحزب وبنية المجتمع، ثم الأبعاد التاريخية والاجتماعية التي ينبني عليها الرأسمال الرمزي الخاص بالنخبة الوطنية والأسس التي تنبني عليها آليات زعامتها.

الزاوية والحزب نحو خطاطة سوسيولوجية تأسيسية لدراسة الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي

1- وعي التأسيس والانفصال:

راهن الباحث في هذا الفصل، على ألا تأخذه النماذج المعرفية الجاهزة في دراسته لظاهرة الزاوية والحزب، لذلك وضع لنفسه حدودا فاصلة بين العدة النظرية المتمثلة في النماذج المعرفية الكبرى التي تتقاطع مع موضوع بحثه (دراسة محمد ضريف للزوايا بالمغرب الإسلامي ودراسة عبد الكريم غلاب لتاريخ الحركة الوطنية إلى جانب مجموعة من الدراسات الأخرى المنتمية لحقل السياسة)، والمعطيات الواقعية والميدانية المعقدة والمركبة والمتناقضة أحيانا؛ وذلك عبر الوقوف على التمثلات العامة للنخبة الوطنية عبر الاعتماد على مجموعة من الكتابات المتميزة من حيث بنيتها وأصحابها ومواضيعها (كتابات، شهادات، سير ذاتية، وتأريخات)، والتي تجتمع حسب ما ذكره الباحث في تناولها للحركة الوطنية بشكل عام ولتمثلات النخبة حول الظاهرة الاستعمارية والسلطان والزوايا بشكل خاص، وصولا إلى استراتيجية عملها المستقبلي (كتلة العمل الوطني) وصياغتها لمطالب الشعب المغربي. مع استحضاره في البداية لأهم القضايا المنهجية المتعلقة بمسألة الاعتماد على كتابات النخبة في البحث السوسيولوجي من خلال إبراز الأهمية الإبستيمولوجية لهاته السير والكتابات، وكذا الوقوف على خطورة وصعوبة التعامل معها.

انطلاقا من هذا، استعرض الباحث دوافع الاهتمام بالسيرة الذاتية، والتي يبقى أبرزها كون الذات تحكي عن ذاتها، باعتبارها ذاتا جماعية موضوعية وليست ذاتا شخصية، وكذا الأهمية العلمية لها ولأصحابها من حيث رؤيتهم وتصوراتهم، كونهم كانوا فاعلين ومؤطرين ومنظرين وقياديين لتنظيمات الحركة الوطنية؛ وذلك بهدف التمكن من ربط علاقة سوسيولوجية مع كتابات من هذا النوع، دون إغفال ما تتطلبه هاته الكتابات من حذر منهجي، وهو ما دفع الباحث إلى استحضار معيقات البحث السوسيولوجي بالاعتماد على السيرة الذاتية.

إن خوض الباحث في الاشتغال على السير الذاتية لزعماء الحركة الوطنية مكننا أثناء قراءتنا للكتاب من التوصل لبعض الخلاصات الأساسية نستعرضها كالتالي:

- الظاهرة الاستعمارية تعاقد قانوني تلتزم فيه الدولة الحامية باحترام الدولة المحمية، وبالتالي فهي مستحبة من طرف السلطان والنخبة، وهذا كفيل بكشف موقف هاته الأخيرة من الظاهرة الاستعمارية وتمثلها لها.

- السلطان حسب النخبة الوطنية هو موحد الأمة ومركزها وسيدها، وبالتالي فهي لا تستطيع الخروج عنه في أي أمر من الأمور نظرا لمكانته الرمزية عندها.

- الزوايا ومعتقداتها هي علة تخلف المجتمع المغربي بالنسبة إلى بعض أفراد النخبة في حين أنها لا تشكل أي مشكل بالنسبة إلى البعض الآخر.

- برنامج كتلة العمل الوطني هو النقطة التي تلتقي بداخلها التمثلات العامة لأفراد النخبة الوطنية؛ أي إنه بمثابة تمثل جماعي ومشترك لها.

إن عرض التمثلات العامة للنخبة الوطنية بنوع من الحياد والاستقلالية لن يكون ممكنا من وجهة نظر الباحث، بمعزل عن ضبط عمقها الداخلي، "هكذا فإن البحث عن الأشكال الثابتة لإدراك أو بناء الواقع الاجتماعي تخفي أشياء مختلفة: أولا، حقيقة أن هذا البناء لا يجري في فراغ اجتماعي لكنه خاضع لقيود بنيوية؛ وثانيا، أن بنيات البنْيَنَة؛ أي البنيات الإدراكية، هي نفسها مبَنْيَنَة اجتماعيا؛ لأن لها أصولا اجتماعية، وثالثا أن بناء الواقع الاجتماعي ليس فحسب مشروعا جماعيا. لكن الرؤية التي يطلق عليها اسم الرؤية السوسيولوجية – المصغرة تغفل عددا كبيرا من الأشياء الأخرى: فكما يحدث دائما حين تنظر عن قرب شديد، فإن الأشجار تمنعك من رؤية الغابة؛ وحيث إنك في المقام الأول، فليست أمامك فرصة أن ترى النقطة التي ترى منها ما ترى."[7] إن هذا القول وما يحمله من معاني نظرية ومنهجية هو ما جعل الباحث يخصص محورا كاملا عمل فيه على إعادة بناء تلك التمثلات، تماشيا مع ما تتيحه هاته العملية من تجاوز أي نوع من أنواع التموقع داخل بنية النسق السياسي النظري الخاص بأصحابها. سيستحضر الباحث هنا النموذج العاملي البارز في المجال السيميائي مع جوليان غريماس، والذي يقوم أساسا على خطاطة واصفة لبنية العوامل القائمة جزئيا أو كليا في النصوص السردية، وسيستثمره في مجال التمثلات السياسية الخاصة بالنخبة الوطنية، وهو ما أنتج خطاطتين رئيستين تمكن الباحث عبرهما من الانفلات من الخطابين الوطني والاستعماري؛ لأن النموذج العاملي مكنه من تفريغ الحدث من قوته الجاذبة، ثم التركيز على العلاقات الخفية، وبذلك سيتمكن من التوصل إلى أن علاقة الذات(النخبة) بموضوعها (تطهير الدين) ليست علاقة دينية؛ بل سياسية وأنها لا ترغب في نهاية المطاف سوى في تحقيق نوع من الإصلاح للموضوع(المجتمع)، ومن أجل توضيح هاته العلاقة عمل الباحث على العودة إلى السياق الاجتماعي والسياسي للنخبة بهدف البحث عن أسس صراع النخبة مع الزوايا وموقع السلطان في هذا الصراع، ثم كشف تمثل النخبة الحقيقي للظاهرة الاستعمارية كمعيق أولا وكدافع ثانيا.

وتتجلى عودة الباحث للسياق الاجتماعي والسياسي للنخبة في استحضاره لمحور أساسي عنونه بالزوايا والمستعمر في المنسي والمشترك، عالج فيه أولا طبيعة الظاهرة الاستعمارية، والتي لا تحضر بشكل واضح داخل بنية التمثل السياسي للنخبة الوطنية، وهذا بارز انطلاقا من استعمال النخبة لتسميات متعددة لنعت ظاهرة واحدة، فتارة فرنسا هي صاحبة الثورة وقيم الأخوة والحرية، وتارة أخرى هي فرنسا المسيحية، وأن فرنسا لا تظهر بصيغتها الاستعمارية إلا عبر الحديث عن الزوايا والطرقية. واستحضر فيه ثانيا الاستعمار كظاهرة عسكرية أيضا، كون الاستعمار الفرنسي والإسباني كان له هدف أساسي هو إثبات تفوقه العسكري على المغرب، وهي المسألة التي لم تحظ ضمن تمثلات النخبة بأي حضور، وبذلك كانت سلوكياتهم السياسية مغيبة لهذا الجانب، ومعوضة إياه بخطاب الإصلاح والعقل والوضوح.[8] ثالثا وضح الصيغة الحمائية للظاهرة الاستعمارية، فالعمل العسكري نتج عنه تأسيس الحماية الفرنسية بالمغرب سنة 1912 وهاته الأخيرة (الحماية) هي التي أوهمت بها فرنسا المجتمع المغربي بانفصالها عن العمل العسكري، لتشرع في البحث داخل تاريخ المغرب عن كل ما يبرر أن مؤسسة الحماية تضرب بجذورها في هذا التاريخ، وستكون النصوص القرآنية أول ما ستنطلق منه (الحماية الإسلامية والحماية السلطانية)، وصولا إلى أشكال الحماية داخل الزوايا (حماية الزوايا للهاربين من القبائل أو من المخزن).

إن كل الأشكال التي حضرت بها الظاهرة الاستعمارية داخل المجتمع المغربي، والتي تحدث عنها الباحث بتعابير وتجليات متعددة ومختلفة، وضحت طبيعة المغالطات التي كانت تدور في كنفها تمثلات النخبة. وأولى هاته المغالطات كانت هي مهاجمة الزوايا والتعامل معها بمنطق العداء العنيف، تحت ذريعة الاحتماء والتعاون مع المستعمر أولا.[9] ثم نشر قيم القدرية والاستسلام ثانيا، علما أن النخبة الوطنية أيضا عوضت المقاومة بالغيب السياسي.[10] ورغبة من الباحث في تجنب الوقوع في خطاب النخبة، وكذا تجاوز أي ضرب من ضروب المراهنة السياسية عليها، وانسجاما منه مع مبادئ النقد المزدوج سيختار أن يرفع هاتين المفارقتين من مستوى الحس المشترك إلى المستوى السوسيولوجي، ليختم هذا المحور بسؤال أساسي هو: هل من المنطقي ومن الشرعي أن يتحمل طرف واحد مسؤولية تكريس الظاهرة الاستعمارية بجميع أشكالها؟[11]

إن ضرورة الإجابة عن هذا السؤال وضعت الباحث بشكل أو بآخر، أمام ضرورة استحضار محور آخر، صاغه بعنوان معتقدات الزوايا هل فعلا هي علة التخلف؟ فإلى جانب الربط بين الطرقية والاستعمار استعملت النخبة ربطا ثانيا بين الطرقية والتخلف، مبررة ذلك بكون معتقدات الزوايا تعمل على تشويه الإسلام، وكان هذا دافعها الظاهري وراء عملها على تطهير الدين من بدع الزوايا. وبالتالي، فاستعمال النخبة للإسلام الطاهر كحجة لمناهضة إسلام الزوايا يعني ضمنيا أنها كانت تتحرك ضمن نفس بنية النسق، كما يعني أن الإسلام اختيار اجتماعي وجماعي أصبح مع الزمن جزءًا مؤطرا للحياة، وهنا لا يمكن إنكار دور الصلحاء والزوايا في ترسيخ هذا الاختيار وتحويله إلى إطار مرجعي وشمولي لا تنفلت منه لا التجارة ولا السياسة ولا العلاقات الاجتماعية. إن هذا الصراع حسب جورج سبيلمان ومن جهة أولى، ليس سوى صراع مادي وصراع حول السلطة، في حين أنه من جهة ثانية حسب الباحث، هو صراع جدلي يمكن النظر إليه من زاويتين اثنتين؛ الأولى ظاهرة، يتخذ فيها أشكالا متعددة منها ما هو ديني ولغوي وحجاجي. والثانية خفية، يتخذ فيها شكلا سياسيا وزمنيا، وفي كل الحالات لا يمكن فهم الأول بمعزل عن استحضار الثاني.[12] إن تفسير النخبة لما هو ديني بما هو ديني من شأنه أن يضعنا أمام مغالطة كبرى، وهي تفسير ظاهرة بظاهرة أخرى تحتاج بدورها إلى تفسير، وبالتالي فتجاوز السقوط في هاته المغالطة يتطلب تمديد التفكير إلى ما هو أبعد قليلا وتجاوز المشكلات المبنية على الفوارق، والتي تنسى الجوهري[13]، إن مدخلا نظريا سبق لبيير بورديو أن صاغه قد مكن الباحث من تكوين تصور واضح حول هاته المسألة، وكذا معرفة الكيفية التي يجب التعامل بها معها. يقول بيير بورديو في هذا السياق: "أن نعتبر الإسلام العلة المحددة أو المسيطرة بشكل سابق على كل الظواهر الثقافية لن يكون أقل فجاجة من أن نعتبره انعكاسا بسيطا للبنيات الاقتصادية والاجتماعية (...) وما يطرح مشكلا هو أن تفسر المواقف المتعصبة للمؤمنين من خلال المتغيرة الدينية الفاعلة ليس سوى إثارة باسم التفسير لعنصر يحتاج بدوره إلى تفسير"[14] ويخلص الباحث بهذا، إلى أنه باستعمال اللغة الدينية لا تجعل النخبة بينها وبين الصلحاء أية مسافة كبيرة، وأن قول النخبة بالرجوع إلى الإسلام الأول أو الإسلام الطاهر أمر غير ممكن؛ لأن التاريخ لا يمكنه أن يمارس عملية العودة للوراء، وبذلك فإن صراع النخبة للزوايا لا يتخذ طابعا دينيا بل سياسيا، خصوصا إذا علمنا أن إسلام الزوايا يتنافى وأهداف الاستعمار، وأن التخلف له علل وهذه العلل لا يمكن أن توجد إلا في البنية الشمولية للمجتمع. "وبالتالي فالربط بين الطرقية والاستعمار مغالطة كبرى. والربط بين الطرقية وتخلف المجتمع المغربي مغالطة ثانية من نفس الحجم."[15] وفي الحقيقة، لم يكن التخلف الحجة الوحيدة والأحادية التي استعملتها النخبة كمبرر لصراعها مع الزوايا، بل إنها عملت أيضا على مهاجمتها تحت ذريعة وجود مرجع واحد للأمة، ولأجل توضيح هذا سنجد أنفسنا دائما مرغمين على العودة إلى ما استحضرناه سابقا كون مختلف الفصول والمحاور التي ينبني عليها الكتاب تتداخل مع بعضها البعض بكيفية جدلية.

لقد رأينا سابقا أن السلطان هو موحد الأمة ومركزها وسيدها، وأن النخبة لا تستطيع أن تخرج عنه في أي أمر من الأمور، خصوصا إذا أرادت اكتساب نوع من الشرعية والحظوة وجلب الجمهور والأتباع. لذلك عملت على مهاجمة الزوايا؛ لأن هاته الأخيرة كانت في صراع دائم مع السلطان من سنة 1930 إلى حدود سنة 1953، وبموقعة النخبة لذاتها ضمن هذا الصراع وانتصارها للسلطان عملت على التقريب بينها وبينه من جهة أولى، وبينها وبين المستعمر من جهة ثانية؛ لأن السلطان كان رهانا بين كلا الطرفين وكان يوظف لهدم أي نفوذ ديني بإمكانه تعبئة الناس إيديولوجيا، كما أن اقتلاع الجذور الاجتماعية للزوايا وعدم بقاء رأسمالها الرمزي كان هدفا موحدا بين النخبة والمستعمر.

إن هذا الصراع كان يحمل في طياته نفيا مزدوجا ستعود تابعاته على النخبة مستقبلا، الأول هو هدم النخبة لأسسها الدينية والرمزية وإضافتها لخانة كاريزماتية السلطان، والثاني نفي كل شرعية توجد خارج حقل السلطان، وبهذا سيتحول الحقل الديني إلى مجال محفوظ لأمير المؤمنين بإمكانه توظيفه لردع أية حركة دينية سياسية. هكذا "أصبح السلطان السياسي الجديد متميزا بطبيعته الشريفية، وهو ما يجعل شخص السلطان شخصية غير نابعة من النظام العام، كما أن علاقته بالمجتمع ككل تصبح مشحونة بالقداسة والقدسية، ويصبح الحقل السياسي بذلك جزءا من حقل أوسع هو الحقل الديني-القدسي، ولغة هذا الحقل تصبح هي الأخرى جزءا من لغة الحقل الديني."[16]

خلاصات:

- صراع النخبة الوطنية مع الزوايا ليس صراعا دينيا، بل سياسيا.

- على المستوى المذهبي المعتقدي، لم تفقد الزوايا قوتها وحضورها داخل الوعي الفردي والجمعي نظرا لعمقها وتجذرها الاجتماعي.

- فضلت النخبة ولوج الحقل السياسي من زاوية الحقل الديني وهو ما جعل تأسيس الحزب السياسي بالمغرب يتخذ هذه الصبغة الدينية السياسية.

- أسست النخبة حقل حظوتها الخاص وهدمت أسس منافسة الزوايا لها في هذا الحقل عبر تأسيس المدارس لمنافستها، ثم العمل من داخل المسجد إضافة إلى تحويل العديد من الزوايا إلى مدارس بهدف جلب الأتباع واكتساب الشعبية.

- تخوف النخبة من الزوايا كان نتاجا لكون هاته الأخيرة لها قوة دينية مرتبطة بشكل وثيق بالوضع السياسي.

إن هاته الخلاصات في مجملها وضعتنا أمام ضرورة وضع سؤال أساسي يشرع استمرارية الباحث في باقي فصول ومحاور الكتاب وأيضا استمراريتنا في قراءته:

كيف حدث أن أصبح ما كانت تعتبره النخبة نقيضا لها ولتفكيرها بنية تحتية لميلاد وتأسيس الحزب السياسي بالمغرب؟

2- تجليات التغير في سياق الاستمرارية:

يبدأ الباحث هذا الفصل بتحليل بنية التمثل السياسي ولاشعورها انطلاقا من مستويين اثنين؛ ففي المستوى الأول تقوم بنية التمثل السياسي للنخبة الوطنية على نفي الشرعية السياسية عن القرية بشكل خاص، وهو ما تمت الإشارة إليه من طرف الباحث في مدخل الكتاب خلال الحديث عن الزاوية الدرقاوية وإعادة هيكلة المجال القروي، وهي هيكلة كان الجهاد المسلح ضد المستعمر محورا لها[17]، وهاته المسألة كان من شأنها جعل الدين والسياسة في المجتمع المغربي يؤسَّسَان على تغييب القرية كتاريخ وكمعتقدات وكمقاومة، كما كان من شأنه أيضا جعل عمل النخبة الوطنية وتعاملها مع الظاهرة الاستعمارية يسير بمنطق العقل السياسي الديني. ويدفعنا هذا القول بقوة إلى استحضار مسألة ارتباط السياسة في تاريخ الإسلام بالمدينة، كونها شكلت وبشكل دائم مركزا للحاكم، سواء كان خليفة أو سلطانا أو أميرا للمؤمنين. وبما أن تمثل النخبة هو تمثل ملحق بالسلطان فإنها اختارت مناهضة الحركات القروية الداعية للجهاد بغرض التقرب إلى السلطان من جهة، ثم ضرب الزوايا من جهة أخرى تحت ذريعة أن تاريخ الحركات القروية هو تاريخ الخروج عن طاعة السلطان؛ أي إن موقفها لا يجد موقعه داخل الدائرة القانونية.

إن تحليل بنية التمثل السياسي ولاشعورها في المستوى الثاني يقوم على مرتكزين اثنين؛ وضبط هذين المرتكزين لن يكون ممكنا بمعزل عن العودة للمرحلة النبوية واستحضار مجموعة من الأسس لتحقيق نوع من المقارنة التاريخية بينه وبين سياق تحركات النخبة الوطنية، يوضح الباحث هاته الفكرة في كتابه "المقدس والمجتمع" كالتالي "شكل الحقل الديني -السياسي العربي- الإسلامي، عبر تاريخه، ثوابته الأساسية. أو ما يمكن نعته بالأنوية الصلبة والدائمة التي ظلت تقاوم تقلبات الدول وأنظمة الحكم السياسية. لقد أرست المرحلة النبوية الأسس العامة لهذا الحقل؛ وذلك عبر إرساء الملامح العامة المحددة للأمة وللسلطان السياسي."[18] يتجلى المرتكز الأول في ربط النخبة للسياسة بالمدينة استنادا إلى التصور الإسلامي للأمة كمفهوم ديني سياسي مستقى من المجال العمراني، وهو ما يعني ضمان النخبة الوطنية للحقل السياسي كحقل محفوظ لها وللسلطان، في حين ينبع المرتكز الثاني في الارتباط بالتاريخ العميق للمجتمع المغربي. هذا اللاشعور الجمعي هو ما جعل النخبة تشبه وضعيتها بوضعية الرسول قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، فإذا كان الله هو المرسل والنبي هو مبلغ الرسالة، فإن السلطان في النسق السياسي يصبح مرسلا والنخبة مبلغة لهذه الرسالة، وتاريخ الزوايا أيضا لا يخرج عن ذات الإطار، كونها كانت تركز على القرابة الشريفية مع النبي، وبهذه المماثلة يصبح التمثل السياسي للنخبة الوطنية معيدا لإنتاج جوهر التمثلات الدينية."[19] وهذا التشَبُّه يشير بشكل صريح إلى حضور التصور الإسلامي السياسي كمرجعية مؤطرة لتمثل النخبة وسلوكياتها، ويتجسد في أن مصارعة النخبة للزوايا لا تخرج عن إطار مصارعة المسلم للكافر.[20] إذا ما هي التجسيدات التنظيمية التي عملت من خلالها النخبة الوطنية على احتكار الحقل السياسي؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل، تدفعنا بقوة إلى ضرورة الخوض في قراءة المحور الثاني من هذا الفصل، والذي استحضر فيه الباحث أفكارا متعددة تمكنا معها من نسج تصور واضح حوله، حيث عملت النخبة على المرور من مجموعة من المحطات، والتي تمكنت عبرها من تنظيم ذاتها سياسيا، أولا عبر تأسيس المدارس الحرة في مجموعة من المدن كفاس وتطوان، بهدف هدم الأسس الاجتماعية التي ترنو إلى تقديس وترميز شيوخ الزوايا، وهو ما مكنها من تجميع وتوحيد الشباب والعلماء والأعيان. وبالتالي، فهي لم تكن تستهدف النسق في كليته بقدر ما كانت تستهدف الأفراد المنتمين إليه.

ثانيا انطلاقا من تأسيس مجموعة من الجمعيات ذات الطابع الثقافي السياسي ابتداءً من سنة 1926، والتي عملت على توحيد أفراد النخبة ببعض الزعماء المشارقة والغربيين وبعض الحركات الإسلامية في مصر وسوريا، وأشكال التوحيد هذه كانت مجالا لإثبات القدرة التنظيمية للنخبة من جهة، وكذا إثباتا لقدرتها على العمل بصيغ متعددة من جهة أخرى.

ثالثا عبر التنظيم الحزبي الذي ابتدأ بتأسيس الزاوية والطائفة والخلايا لإنتاج القرارات وتنفيذها ونقل المعلومات السرية. هذه التنظيمات في مجملها سيتم تتويجها سنة 1934 بالتنظيم السياسي المسمى بـكتلة العمل الوطني، والذي سيعرف مستقبلا انشقاقات وتفرعات متعددة.[21] حسب الباحث شكلت مرحلة التنظيم السياسي هذه أساس عودة النخبة الوطنية باتجاه النسق؛ فاختيارها للعمل داخل الحقل الديني السياسي ما هو إلا تجلٍّ من تجليات الاستمرار في نفس بنية النسق؛ أي إنه لا وجود للتفكير الديكارتي والعقلاني عند أفراد النخبة، مادامت لم تخرج عن إطار الثوابت الأساسية للنسق الثقافي المحلي.

إن هذه البنية التنظيمية لا تدور في فراغ بمعزل عما كانت تنوي النخبة الوطنية تحقيقه، بل لها أسس وقصديات تفرض الدخول في تحليل عميق. حسب الباحث يتطلب عمق التحليل هنا توضيحا نقديا يكشف حدود مجموعة من الطروحات التي كانت ضحية لتعقد بنية المجتمع المغربي، وكذا تشابك البنية القيمية والدينية والسياسية في علاقتها بالعمق التاريخي والاجتماعي لهذا المجتمع. يستدعي الباحث في هذا التوضيح النقدي ثلاث أطروحات لتعديل زوايا النظر، وهي أطروحات ينقصها الكثير، الأطروحة الأولى لروبير ريزيت ومحمد ضريف، ترى أن الحزب زاوية نظرا للتشابه الكبير بينهما. أما الأطروحة الثانية والتي تعود لعبد الكريم غلاب، فيؤكد فيها أن الحزب السياسي برز بتلقائية نتيجة لالتحام المشاعر والاحساسات المتفرقة والموزعة بين الشباب المتعلم أو نصف المتعلم، وهو تصور مغرق في النخبوية الحضرية وينبني على التركيز على ما هو سيكولوجي أكثر من الأبعاد الأخرى. وفيما يتعلق بالأطروحة الثالثة والمتجسدة في مجموعة من الكتابات المنتمية لحقل السياسة، والتي ترى أن الحزب السياسي وظروف تشكله لا يمكن أن تكون مفصولة عن الديمقراطية والتعددية الحزبية، والتي كان ماكس فيبر مرجعا مركزيا لها. فإن الباحث يرفضها أيضا بحجة أن الحزب السياسي المغربي لا يجد موقعه ضمن هذه الخطاطة، فالديمقراطية التي تعتبر شرطا ضروريا لتأسيس الحزب السياسي. لم توجد في المجتمع المغربي؛ لأنه كان يعرف وضعية استعمارية لا تسمح بتأسيسه.[22]

رأينا سابقا ولو بشكل مقتضب، التجسيدات التنظيمية التي تمكنت عبرها النخبة الوطنية من احتكار الحقل السياسي، كما رأينا أيضا أن هذه الأخيرة عملت على ربط السياسية بالمدينة استنادا إلى التصور الإسلامي للأمة، وهو ما يعني أن المجاز عنصر مؤسس للنص الديني وآلية تمنح إمكانية تأويل النص في أي زمان ومكان ووفق أي شروط. كما يعني حسب الباحث أن الحقل السياسي التنظيمي له طبيعة استعارية؛ أي إن بنيته التنظيمية تستقي مفاهيمها من الجسم كعضوية حية، يقول بيير بورديو في هذا السياق: "تبدو لي العلاقات مع اللغة قريبة جدا من العلاقات بالجسد."[23] بهذا سيكون الحقل الديني السياسي يتحرك داخل الحقل المجازي؛ أي إن الإيديولوجية التي ستؤطر البناء السياسي هي الوحدة، وستصبح ضرورة الحفاظ عليها أمرا مقدسا. إن استعمال النخبة الوطنية لمجموعة من المفاهيم كالخلية والتنظيم لا يمكن إرجاعه لسيطرة السوسيولوجيا على الحقل السياسي، أو إلى نقل هذه المفاهيم من الحزب الغربي، بل إن الأمر يتطلب تجاوز ذلك إلى ربط الحزب المغربي بنسقه التاريخي والثقافي العام.[24]

3- تجليات الاستمرارية في سياق المتغير:

انسجاما مع آخر فكرة استحضرناها في الفصل الثاني، ينطلق الباحث في تحليل تمفصلات الديني والسياسي في المجال الحركي، بدءا باستحضار الحقل الدلالي لقاموس النخبة الوطنية، والذي شكل الدين الحقل المرجعي والأساسي له، ويجد هذ القول تجلياته في الألقاب الحركية التي حملها أفراد النخبة، كاقتباس أسماء أبطال الإسلام كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي... وهذا الاختيار لا يمكن فهمه كاختيار اعتباطي أو إرادي، بل إن الأمر يتطلب تجاوز السطح إلى العمق؛ "لأنه نتاج ظروف اجتماعية وليس نتاج خطاب محض بل نتاج خطاب مُعَيّر على »حالة»، أو بالأحرى سوق أو حقل ما."[25] إن السبب الرئيس في استمرارية تحرك النخبة في نفس بنية النسق (النسق الديني السياسي) هو كون هذا الأخير سابق على وجودها وأكثر من ذلك يضرب بجذوره في وعيها ولا وعيها بنفس الشاكلة التي يضرب بها في عمق البنية الاجتماعية بأكملها، إلا أنه باختيارها هذا كانت تضيف لذاتها انتماء وهوية جديدتين فاستدخال أسماء الصحابة يعني في دلالته الرمزية استدعاء سلطة رمزية من الماضي لأجل الانتصار وكسب الحظوة في الحاضر والمستقبل.

وبما أن الحقل الدلالي لا يجد معناه إلا بتحركه داخل حقل مجالي، سيخوض الباحث رحلة تحليل الحقل المجالي لسلوك النخبة السياسي، حيث شكلت مساجد مدينة فاس مجالا رئيسا لحركيتها؛ وذلك راجع إلى تاريخ هذه المدينة وموقعها الديني والسياسي والاقتصادي، وهي نفسها المسألة التي كان من شأنها أن أضفت على سلوكيات النخبة صبغة المقدس. يوضح الباحث هذه الفكرة في كتاب آخر له كالتالي: "إن اعتبار المدينة دارا تتكرر هو ما يمنحها الشرعية لنعتها بالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا. فالدور متراصة ومتلاصقة، وبعضها يشبه الآخر، وكل الدروب والأزقة تسير باتجاه مركز المدينة الذي يوجد به المسجد. وبذلك، يصبح تلاحم وتراص الدور موجها نحو المسجد الذي يحوله إلى تراص مقدس. إنه الموحد المجالي للمدينة، نظرا لأنه يشغل مركزها. فبه ومن خلال فضائه القدسي، تكتسي المدينة طابعها كمدينة غير ضالة مثلما يمنح توحد الأمة الإسلامية حول الله طابع الأمة، وينفي عنها طابع القبيلة... أي يوحدها ويحولها إلى أمة شبيهة بالبنيان المرصوص."[26] إن هذه الأفكار في مجملها كانت كفيلة بفهم، الكيفية التي تحولت بها المجالات الدينية إلى إطار مجالي لحركية النخبة، وكذا معرفة الشاكلة التي أصبح بها المجال السياسي حاملا لطابع القدسية.

إن تحركات النخبة لا يمكن فهمها بمعزل عن العودة للمحاور السابقة واستدعاء فكرة أساسية مؤداها أن النخبة عملت على بناء ذاتها سياسيا وتنظيميا، وهي نفسها المسألة التي مكنتها من اتخاذ مجموعة من الآليات لممارسة الضغط على المستعمر، حيث عملت على مقاطعة الخمور والسجائر والملابس العصرية والمنتوجات الغربية؛ لأنها كانت تنظر إليها كدلالات لانفصال مستعملها عن الهوية الإسلامية. يرى الباحث أن هذا السلوك كان من شأنه إحياء خطاب الزوايا والمتصوفة "أي خطاب الزهد الصوفي المرتكز على الاكتفاء بما هو ضروري لضمان الحياة قصد فتح إمكانية كبرى لربط الصلة بالله."[27] وهو ما يوضح العودة والهروب الدائمين للنخبة نحو البعد العميق للمجتمع والمتمثل في نسيجه الديني المستمر، وكان هذا النسيج أساسا حتى في قنوات التواصل التي ستعمل من خلالها النخبة على تصريف خطاباتها السياسية.

ومباشرة بعد هذا المحور يقف الباحث عند محور آخر، يحلل فيه آليات الزعامة وأسس المشيخة، ويجد هذا المحور تجلياته وتفرعاته في محاور وعناوين أخرى متعددة يراها الباحث ضرورية في نهاية المطاف لفهم تلك الآليات، ضمن هذا السياق يؤكد الباحث أن الحزب السياسي المغربي ليس حزب أطر، وهي مسألة لا يمكن الوصول إليها عبر ضبط نشأة الحزب السياسي تاريخيا واجتماعيا وثقافيا ولغويا وهوياتيا؛ لأن الأحزاب تتأثر بأصول نشأتها[28]، فباعتبار المغرب مجتمعا يحضر فيه الدين كمتغيرة مسيطرة على مجموعة من المجالات، فإنه لا يمكن لحقله السياسي أن يكون حقلا منتجا للأطر السياسية، فضمن ذات السياق، يعني التحزب في المتخيل الديني الإسلامي اجتماع وتوافق القلوب والأعمال، وأن اللقاء المباشر غير ضروري الأهم هو لقاء القلوب والسلوكيات وتوحدها حول الله، وبالتالي فخاصية التحزب تتوقف أساسا على ما يحمله الفرد داخليا وما يعتقد فيه. إن حمل النخبة لهذا الفهم كان من شأنه تجميد وتفتيت استمرارية الحزب السياسي آنذاك، وتتضح هذه الفكرة جيدا عندما ندرك أن كتلة العمل الوطني لم تستطع الصمود طويلا كتجمع للزعماء السياسيين، فهي عرفت انشقاقات متعددة كنتاج لكون البنية المجتمعية العميقة لم تكن تسمح بتعايش زعيمين على مستوى سلطة أو مؤسسة سياسية واحدة؛ لأن "خضوع الحقل السياسي للحقل الديني لا يتيح إمكانية إنتاج رجل سياسة بالمعنى الفيبيري. إنه حقل لا يوفر سوى شروط بروز الموحد الدنيوي؛ أي الزعيم بكل ما يرافقه من طقوس الطاعة والزعامة. ولهذا السبب، فإننا لن ننعت كتلة العمل الوطني بحزب الأطر، بل إنها بالنسبة لنا حزب زعماء؛ أي تجمع مؤقت لزعماء. لن يلبث أن يتحول إلى تجمع حول زعيم واحد."[29] إن ضبط آليات الزعامة وأسس المشيخة مشروط لدى الباحث برصد ذلك التشابه بين العلاقات الحزبية التنظيمية والعلاقات الاجتماعية؛ أي بين بنية الحزب وبنية المجتمع، فالزعامة ليست هي النواة التي تمكننا من تحديد نقطة الاختلاف بين الحزب الغربي والحزب المغربي؛ لأن كليهما يرتكز عليها، بالتالي فالمرجعية الثقافية والتاريخية المؤسسة لهوية كل حزب ضمن كل مجتمع هي التي تميز مؤسسة عن أخرى. فرجل السياسة المغربي يستحضر النبي والصحابة وشيوخ الزوايا كنسق قيمي وثقافي مرجعي عميق؛ أي إنه يؤطر ذاته بنفس الآليات المحركة للعلاقات الاجتماعية وللوعي الجمعي، وبالتالي فبنية المجتمع توجد داخل بنية الحزب السياسي. وبهذه الأفكار، يبدو جليا أن النخبة تستمد رأسمالها الرمزي وآليات زعامتها من نفس البنية؛ أي من أزمنة بعيدة وعميقة في تاريخ المجتمع المغربي؛ بمعنى أن حظوتها الرمزية لم تكن من إنتاجها الخاص، بل إنها وليدة عوامل لها أصولها وامتداداتها التاريخية. وأكثر من هذا هذه الحظوة والرأسمال الرمزيين هما ما صنع بنية الزعامة داخل بنية النخبة، وهما أيضا محركها وآلياتها. ويبقى ظهور هذا الارتباط رهينا بتسليط الضوء على الأدوار التي لعبتها كل من المدينة والأسرة والمعرفة والخبرة والمنفى والسجن، كآليات محركة لهذا الموروث باتجاه الاحتكار الشرعي لمهمة الزعيم.

فالمدينة كيان تاريخي يلعب دورا أساسيا في تأهيل الأفراد، خصوصا داخل الحقل السياسي، والأسرة التي يحمل الفرد اسمها تطبع كل سلوكياته الاجتماعية والسياسية بطابعها. أما المعرفة والخبرة التي يتلقاها الزعيم من القرويين أو من شيوخ الأزهر أو المدينة المنورة، فإنها تؤهله لتوحيد الأتباع وتوزيع خطابه كخطاب مقدس يجب الإنصات له. أما تعرض زعيم سياسي معين للسجن والمنفى، فإنه يبرز فاعليته السياسية، ويحرك في الذاكرة الجماعية لحظة طرد الرسول من مكة واضطراره إلى الهجرة نحو المدينة. إنها عملية تنقل الزعيم السياسي من حالته العادية إلى حالة يصبح فيها حاملا لخاصيات تنتمي إلى حقل الصلاح.

على سبيل الختم

رجوعا إلى كل فصول ومحاور الكتاب، والتي فصلنا فيها ولو بشكل مقتضب أثناء قراءتنا هذه، يتوصل الباحث لخلاصة أساسية، مؤداها أن الحزب السياسي المغربي بزعمائه ظل خاضعا لآليات النسق الثقافي العام وللسياق السوسيوتاريخي. لقد حمل قيم هذا النسق ورسخها داخل الحقل السياسي، مما أضفى على هذا الأخير طابعا دينيا سياسيا، وجعل مؤسسة الحزب امتدادا للمؤسسات الدينية، وعلى رأسها مؤسسة الزاوية. فالصلحاء والزوايا بالمغرب خلقوا نسقا ثقافيا مبنيا على خاصيتين أساسيتين؛ أولاهما الانحدار السلالي من آل البيت، وثانيتهما القيادة الدينية للأمة. وبالتالي، فالنخبة الوطنية بجميع أشكال ضربها للزوايا لم تكن تتحرك خارج إطار ما رسخته تلك الزوايا من قيم وتمثلات وسلوكيات وطرق لتنظيم الفرد والجماعة طيلة فترة اختراقها للمجتمع المغربي عموديا وأفقيا. بهذه الخلاصة، يوضح نور الدين الزاهي الكيفية التي ترحل بها النسق الثقافي من مجال الولاية الصوفية إلى المجال السياسي.

[1] باحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس-المغرب.

[2] طالب باحث في علم الاجتماع الديني، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس-المغرب.

[3] نور الدين الزاهي، بركة السلطان، دار النشر وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة 2007، ص 6

[4] نور الدين الزاهي، الوباء يطرح قضية الثقة بين الدولة ومواطنيها، حوار منشور في العدد 79 من مجلة زمان، ماي 2020، ص 31

[5] نور الدين الزاهي، النزول من الجبل على هدي خطوات رجل جليل حليم، الكتابة السوسيولوجية عند عبد الجليل حليم (مدخل إلى السوسيولوجيا المغربية ورهاناتها) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس، 2002، ص 179

[6] نور الدين الزاهي، ملاحظات تأسيسية بصدد تناول ظاهرة الإسلاميين، مقال منشور ضمن مجلة الوحدة العدد 96 سبتمبر 1992، ص ص 34-35

[7] بيير بورديو، بعبارة أخرى محاولات باتجاه سوسيولوجيا انعكاسية، ترجمة أحمد حسان، ميريت للنشر والمعلومات، الطبعة الأولى 2002، ص 217

[8] نور الدين الزاهي، الزاوية والحزب الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي، دار النشر أفريقيا الشرق، الطبعة الثالثة 2011، ص 116

[9] نفسه، ص 129

[10] نفسه، ص 130

[11] نفسه، ص 130

[12] نفسه، ص 131

[13] بول باسكون، طبيعة المجتمع المغربي المزيجة، بيت الحكمة، مجلة مغربية للترجمة في العلوم الإنسانية، ملف بول ياسكون وعلم الاجتماع القروي، العدد الثالث، السنة الأولى، أكتوبر 1986، دار الخطابي للطباعة والنشر، ص54 (بتصرف).

[14] الزاوية والحزب الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي، مرجع سابق، ص 131

[15] نفسه، ص 139

[16] بركة السلطان، مرجع سابق، ص 64

[17] الزاوية والحزب، ص 15

[18] نور الدين الزاهي، المقدس والمجتمع، دار أفريقيا الشرق للنشر والتوزيع، 2011، ص 139

[19] الزاوية والحزب، ص 166

[20] نفسه، ص 160

[21] نفسه، ص 169

[22] نفسه، ص175

[23] بيير بورديو، مسائل في علم الاجتماع، ترجمة هناء صبيحي، مراجعة فريد الزاهي، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كلمة، الطبعة الأولى 2012، ص213

[24] الزاوية والحزب، مرجع سابق، ص 181

[25] بيير بورديو، مسائل في علم الاجتماع، مرجع سابق، ص 195

[26] نور الدين الزاهي، المقدس الإسلامي، دار توبقال للنشر، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 2005، ص 35

[27] الزاوية والحزب، ص 206

[28] نفسه، ص 225

[29] نفسه، ص 227