في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع

فئة :  مقالات

في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع

لنفترض أنّنا متفقون على ضرورة التوفيق بين الإسلام والتشريعات، وأنّ الإسلام يمثّل المشروعيّة العليا، فليست هذه المقولة إذا اتّفقت الأمّة عليها تمنع استقلال الدين عن الدولة، الاستقلال لا يعني الفصل بين الدين والدولة ولا يعني أيضا معاداة الدين، ولا غياب تأثيره في الدولة والمجتمع والتشريعات، ولكنّ القضية هي تأسيس العلاقة والولاية في التنظيمات السياسيّة والاجتماعيّة والتشريعيّة، فأن تكون الأمّة مصدر السلطات كما ينصّ الدستور، وأن تكون السلطة التشريعيّة منتخبة، يعني ذلك بحسم ووضوح أنّ الأمّة عبر ممثّليها المنتخبين هي التي تحدّد وتنظّم العلاقات القانونيّة بين الدولة والمواطنين، وأنّ القانون هو الرابطة الأساسيّة بينهم، وأنّ الصواب هو ما تحدده الأغلبيّة المنتخبة، ليس لأنّه صواب، ولكن لأنّها الآليّة المتّبعة والمتّفق عليها في الترجيح بين المسائل والاختلافات.

والسؤال هنا ببساطة، كيف يمكن التوفيق بين الدين وسلطة الأمّة؟ المسألة أيضاً ببساطة أنّها علاقة تحددها الأمة وليس أيّة جهة أو مؤسّسة أخرى عبر النوّاب المنتخبين؛ بمعنى أنّ السلطة التشريعية منوط بها التوفيق بين الدين والتشريعات الناظمة لحياة الناس، وهذه المرجعيّة في فهم الدين قد تصيب أو تخطئ، ولكنّها تقرّر بشأن الاختلافات والآراء ووجهات النظر، ولا تملك أيّة جهة أو مؤسّسة أخرى سلطة تطبيق الدين أو تحويله إلى قوانين وسلطات ومؤسّسات ذات ولاية.

وبالطبع، ستكون هناك آراء كثيرة متعددة ومتباينة، وأحدها فقط هو الصواب إن كان الصواب واحداً، أو بعضها صواب إن كان الصواب متعدداً، ولكنّها جميعها وجهات نظر وآراء واستنباطات واجتهادات تزعم أنّها الفهم أو التطبيق الصحيح للدين، وليست سلطة أو ولاية دينيّة أو سياسيّة أو قانونيّة، وليس لها حقّ سوى أن تقدّم رأيها وفهمها ثم تترك للأمّة أن تختار وتقرّر، وسواء أصابت الأمة أو أخطأت، فإنّها المؤسّسة والمرجعيّة الوحيدة، فلا أحد يملك أن يعتقد أنّه الصواب، أو أن يحتكر الصواب أو يفرضه على الناس.

يمكن لجميع الآراء والمواقف التشريعيّة أن تزعم أنّها منسجمة مع الشريعة الإسلاميّة وأنّها تطبّقها، ولا يستطيع أحد أن يقرّر مطابقتها أو تعارضها مع الشريعة. تستطيع الولايات المتحدة أو فرنسا أو إسرائيل أو جنوب أفريقيا أن تعلن أنّ قوانينها وتشريعاتها منسجمة مع الشريعة الإسلاميّة، وأنّها تطبّق الشريعة دون أن تغيّر فيها شيئا، فكل من يعتقد أنّه يطبّق الشريعة الإسلاميّة فإنّه يطبّقها، ويملك أن يقدّم تكييفا للمسائل والمواقف ويراها منسجمة مع الشريعة، وأما أن يكون مصيبا في ذلك أو مخطئا فلا أحد يستطيع أن يقرّره، وعندما تقرّر الأغلبيّة المنتخبة أمراً في شأن ما؛ فهي لا تزعم أنّها الصواب، هي تزعم فقط أنها تمثّل الأغلبيّة، وحتى عندما تقول الأغلبيّة إنّها تدرك وتقرّ بأنّها مختلفة مع الشريعة في شيء ولكنّها اختارت بأغلبيّتها موقفا مخالفا لاعتبارات قدرتها، فلا تؤثّر مخالفتها للشريعة في صفتها أو زعمها الإسلاميّة، ومن لا يخالف الشريعة كلّ يوم مرّات عدة، وهو يعلم ويدرك أنّه مخالف لها؟! وإن كانت أيضا تستطيع أن تزعم بأنّها لم تخالف الشريعة وأنّها رأت في المسألة وجوها واعتبارات عدة اختارت إحداها.

سيجادل قائل، إنّ الربا حرام ولا خلاف في ذلك، ولكن يستطيع المشرّع أن يقول له صحيح إنّ الربا حرام، ولكنّك لا تستطيع أن تقول إنّ البنوك العاملة بنظامها القائم اليوم هي ربويّة، من يحدّد أو يحسم أنّ النظام البنكي القائم في الإقراض والإيداع اليوم هو ربا؟ ويمكن أن يقول قائل إنّ السارق تقطع يده، فيجيبه المشرّع: صحيح ولكن من القاضي الذي يستطيع أن يزعم أنّ حكمه صائب مائة في المائة ليقرّر قطع اليد، أليس ثمّة شكّ دائم بأنّ الحكم ربّما يكون مخطئاً ما يجعل القاضي يقرّر حكما هو دون قطع اليد، وكذا الأمر في جلد الزاني (لا يوجد رجم إلّا في التوراة) أو القصاص أو الإعدام، ويمتد ذلك أيضا إلى الأحوال الشخصيّة؛ فالاجتهاد والخلاف في المسائل وارد ومتعدّد ومفتوح، الفكرة الأساسية المتفق عليها هي التجريم، ولكنّ العقوبات مسألة فيها اجتهاد وتقديرات تجعل العقوبة تتراوح بين حدّ أدنى وأقصى ولكنّها لا تصل إلى الحدّ المطلق، أو هي حقوق وتنظيمات متّفق على ضرورتها ولكنّها تشرّع باجتهادات وأفهام متعدّدة لا نهائيّة، وفي العبادات والأحكام الفرديّة والشخصيّة، فلا يملك أحد فرضها على الناس أو منعها، ولا يمكن تنظيمها أو التدخل فيها إلاّ في حدود الحقّ العام وحماية المجتمع، والمباحات في الشريعة كتعدّد الزوجات على سبيل المثال هي مسألة يخضع تنظيمها إلى السلطة التشريعيّة، وأما أحكام الردّة فإنّها بالتأكيد ضدّ الشريعة الإسلاميّة، وليست تطبيقاً للشريعة.

وبالطبع، فإنّ المشروعيّة العليا للشريعة هي مقولة يمكن مجادلتها، ولكن فكرة المقالة عن المآلات الممكنة حتى مع الإقرار بهذه المشروعيّة، وأمّا المشروعيّة بذاتها، فهي موضوع مقالة مستقلة.

في علاقة الدين بالدولة والمجتمع، ثمّة فكرتان أساسيّتان تنظّمان هذه العلاقة: الحرّيّات الدينيّة؛ والاستقلال بين الدين والدولة والتشريعات والقوانين المنظّمة لحياة الناس. فلا يمكن إجبار أحد على معتقد أو منعه من ذلك؛ لقد تخطى العالم مرحلة الإكراه الديني. ولكن يجب أن نملك الجرأة، لنقول إنّ ذلك يجب أن يكون في كل الاتجاهات ولكلّ الأديان، ويجب أن يكون أيضاً مستقلاًّ عن القوانين والتشريعات والإدارة العامة؛ بمعنى أنّ العلاقة بين المواطنين والدولة ينظّمها القانون وبمساواة تامة، بغضّ النظر عن الدين.

الحديث الإجرائي عن الحرّيّات الدينيّة يعني ببساطة ألّا يكون لدين المواطن علاقة بالقوانين التي تطبّق عليه، مثل الزواج والميراث، أو الإشارة إلى الدين في الوثائق الرسميّة، وأن يكون الدين في ممارسته وتعليمه شأناً مجتمعيّاً لا تديره الدولة ولا تتدخّل فيه إلا ضمن سيادة القانون؛ بمعنى أنّ المواطنين يمارسون حرّيّتهم الدينيّة باستقلال عن الدولة والقوانين، ويجب ألا يؤثر اعتناقهم للدين أو تغييره أو تركه في مواطنتهم وحقوقهم وفرصهم في المواطنة والحصول على الوثائق الرسميّة، وفي الزواج والطلاق والميراث.

وهكذا، يجب مراجعة قانون الأحوال الشخصية والمحاكم الدينيّة، وتعليمات إصدار الوثائق ومنحها للمواطنين، حيث يكون اعتناق الدين أو ممارسته شأناً شخصيّاً. أمّا تنظيم العلاقة بين المواطنين بعضهم ببعض وبينهم وبين الدولة؛ كالزواج والميراث والوثائق القائمة على المواطنة والجنسيّة، فهي مسائل تنظّمها الحكومة من خلال وزارة الداخليّة والأحوال المدنيّة والجوازات والوزارات والمؤسّسات الحكوميّة الرسميّة مستقلّة عن أيّة مؤسّسة دينيّة.

والحال أنّنا في العالم العربي والإسلامي دول دينيّة قروسطيّة، حيث تمارس الدولة والمؤسّسات الدينيّة سلطات غير منطقيّة تتعارض فيما بينها وتتناقض مع الدستور، وتلحق الأذى بالمواطنة، بل ولا ينسجم وضعنا مع التطورات العالميّة في الحقوق والتنظيم السياسي للدول.

وتجري في مجتمعات عربيّة وإسلاميّة عدّة معاقبة مخالفين للدين، وهذا يشمل المسلمين وغير المسلمين أيضاً من مواطني الدول العربيّة والإسلاميّة خارج القانون والمحاكم، ولا شكّ أنّ ذلك يشكل انتهاكاً لسيادة القانون وضمان الدولة لحقوق المواطنين. ولكن حتى نتحدث عن سيادة القانون، يجب أن يكون القانون هو الرابط وأساس العلاقة بين المواطنين بعضهم ببعض ومع الدولة، ويجب إزالة كلّ المعيقات التشريعيّة والسياسات التي تناقض سيادة القانون وحقوق المواطنة، ومن ذلك الاستقلال بين الدين والدولة وتشريعاتها، وألّا يكون ثمّة سلطة على المواطن غير القانون.

ربما يحدث تعارض بين ثقافة المجتمع وبعض التشريعات، وهذا يحدث في جميع دول العالم، ولذلك يوجد في كلّ الدول الديمقراطيّة تيّار سياسيّ محافظ يسعى دائماً إلى التوفيق بين الدولة والدين، تقابله بطبيعة الحال تيارات سياسيّة أخرى تنشئ رؤيتها للدولة والتشريع على أسس فلسفية ومبادرات سياسيّة تنظر إلى العدل والتقدم باعتباره كذلك، وليس كما يراه الناس (اليسار والليبراليّة)، أو توفّق بين المنطق والمجتمع (الوسط). ومن اللافت والمهمّ جدّاً، ملاحظة أنّها تيّارات وأفكار تحظى في أحيان كثيرة بتأييد أغلبية الناس.

ما يجري في بلادنا يضرّ بالدين والمواطنة والانتخابات وسيادة القانون، وكلّ مبادئ العقد الاجتماعي المؤسّسة للدولة وعلاقتها بالأفراد والمجتمعات، ويستدعي مراجعة فوريّة وعدم تأجيل المشكلة.