في صور أمريكا المفارقة

فئة :  مقالات

في صور أمريكا المفارقة

كثيرًا ما تطغى على الخطابات العربية توصيفات لهذا الذي يُنعت بــ "الغرب"، وكأنه وجود مطلق لا سبيل إلى إدخال النسبية عليه، أو النظر إليه في كينونته التناقضية؛ ولاشك في أن "المركبات" الاقتصادية والعسكرية جعلت من الغرب "نموذجًا" يتغاير مع الأنماط الأخرى من الوجود الإنساني، لكن القرن العشرين مثَّل في تاريخ البشرية قرنًا زاخرًا بكل أشكال الترحل والانتقال والتمازج والهجرة والتثاقف؛ وبسبب الانفجار الإعلامي، والاختراق الثقافي، والكوارث السياسية، حصل- ولا يزال يحصل- انتقال لا يوصف للأجساد والأفكار والأديان عبر الحدود والأوطان؛ وتمثل أمريكا الفضاء الأبرز لاستقبال هجرة الآخرين.

لقد كانت أمريكا، وما تزال، وطن المهاجرين بامتياز؛ فلا أحد يتباهى بأمريكيته أكثر من الآخر، وحينما يقع ذلك، فلتفجير الاختلافات في اللون والانتماء "الأصلي"، والموقع الاقتصادي والاجتماعي؛ وذلك ما ولّد مواجهات دموية في منتهى العنف والقسوة. ولأنها – أمريكا - وطن مهاجرين، فإن الدولة لا تفرض هوية جماعة بعينها على الآخرين؛ فكلّ يعيش اختلافه بطرائقه الخاصة والمناسبة؛ أوطان في وطن، وشعوب في كيان، والدولة لا تمنح صفة المواطنة اعتبارًا للعرق أو للغة أو الثقافة، وإنما تقديرًا للعلاقة بالمكان وبالدولة. لقد قامت التجربة الأمريكية على فعل تأسيسي، جعل من العنف منطلقه وقاعدته؛ إذ تساوق مع التطور المذهل لـــ"الحضارة" الأمريكية. ولا عجب في أن يكون من أكبر المتاحف في العاصمة واشنطن مخصصًا للحرب. ويتخذ العنف، في كل مرة، أشكالا خاصة وآليات اشتغال جعلت الاقتدارَ العسكري الأمريكي يكتسب الغلبة التقنية الأبرز. صحيح أن بلدانًا أخرى تملك السلاح النووي، لكن أمريكا ثورت العمل الحربي بشكل لا مثيل له، وبرهنت على ذلك منذ الحرب التي نظمتها ضد العراق سنة 1991، إذ مثلت أول حرب إلكترونية، جرَّبت فيها كل الأسلحة والآليات والقنابل.

وإذا كانت الحرب "الكبرى" الأولى (1914-1918) أوروبية، وكانت حرب (1939-1945) عالمية بمعنى ما، فإن انهيار الاتحاد السوفياتي كان انتصارًا تاريخيًا لأمريكا على المعسكر السوفياتي، وجاءت حرب الخليج الثانية لتكرس هذا الانتصار وتعطي لأمريكا الغلبة الإستراتيجية. أما اليوم، في عهد الرئيسين أوباما وبوتين، فيبدو أن موازين القوي تؤشر على بدايات حرب باردة جديدة، تدبر فيها حروب بالوكالة، تحت الإشراف المحسوب لروسيا و أمريكا.

للتاريخ مكره الخاص؛ إذ لا شيء مطلق في علاقات القوى. لكن المرحلة الحالية تتحكم فيها أمريكا استراتيجيًا وعسكريًا، وماليًا واقتصاديًا وسياسيًا، وقد تعرض هذا الجموح الهيمني لأكثر من تحدٍّ في الآونة الأخيرة، منذ الأزمة المالية سنة 2008، غير أن ذلك لم يغير من واقع التوازنات القائمة.

إذن، كيف تتقدم أمريكا إلى مجال الإدراك؟ هل العنف المحايث لوجودها هو الذي يحدد إطار الرؤية، أم أن سحرًا خاصًّا يتساوق معه ليخلخل الثوابت، ويكسر المطلقات؟

إن الموقع الذي ينطلق منه المرء عامل محدد، فضلاً عن انتمائه وثقافته؛ فتتنوع النظرات وتختلف الأحكام، غير أن المثير في الأمر هو ما يمكن أن يفرزه الخطاب عن أمريكا، من التقاء على صعيد الرؤية؛ فجان بوديار، باعتباره أحد كبار المنظرين لظواهر الحداثة، يعتبر أن أمريكا تجسد "ميتافيزيقا ثقافية"؛ وهو إذ يطلق عليها هذه الصفة لا يحركه أي مسبق أخلاقي، لأنه ينطلق من نظرته إلى أمريكا، من متخيل لا يعترف بحدود، بقدر ما يمتلك قدرة على تحويل ما هو تراجيدي إلى فرجة. تُمثل أمريكا عنده نموذجًا مثاليًا، من حيث تجسيدها، لتخيل "فانتاستيكي" لما بعد حداثتها، وعلى هذا الصعيد لكل واحد الحرية في نسج تخيله الخاص، وخلق أسطورته المناسبة، سيما وأنه بالوسع التعامل مع أمريكا، في نظر بودريار، باعتبارها موضوعًا ثقافيًا غير قابل للتحديد؛ فهو يندرج خارج التاريخ، وليس نهاية له، لأنه يحول الزمن إلى فضاء وإلى امتداد، وإلى موقف جذري من العالم.

لا تمثل الجذرية هنا، كما هو الشأن بالنسبة للثقافة الأوروبية، في الوعي النقدي، وإنما في الأشياء؛ أي أن جذريتها محايثة للأشياء التي تنتج، والسبب أن أمريكا انتقلت من التاريخ إلى الحياة اليومية، ولم يعد من الممكن، في هذه الحال، التمييز بين الطبيعة والثقافة. هذا إذا لم يكن الأمر يتعلق بنفي للثقافة، وإذا كانت الحركة الاحتجاجية في مايو 68، في فرنسا وغيرها، قد فشلت في تحقيق ذلك؛ أي في تحقيق الطُّوبى، فإن أمريكا تمثل، حسب بودريار، طوبى محققة، تمكن الفاعل فيها من تفجير التناقض بين المتخيّل والواقع، وتكسير الفرق بين الطبيعة والثقافة، وإعادة بناء علاقات متحولة دومًا، بين المكان والزمان.

لقد غدا المكان فانتاستيكيًا، والزمن عنصر استثمار في كل شيء، لدرجة أنه لم يعد هناك ما يساعد على التمييز بين الصدق والخطأ. ومن هذا المنظور تكثف تجربة "ديزني لاند" الواقع الأمريكي في كثير من تفاصيله، حيث تنتقل المدن من الوجود المادي إلى الحضور المتخيل؛ أي ما يحيل على المجاز والرمز والمتخيل يتجسد في كل ما هو مادي؛ وما هو مادي يتخذ أبعادًا مجازية وتخييلية قابلة للاستهلاك والاستيعاب. ولا عجب إذن، أن تمثل مدن من هذا النمط نهاية الواقعي لتحتفل، دومًا، بما هو كفيل بتحويله إلى لا واقعي؛ أي إلى تخيل مُعمّم. هكذا يغدو الفضاء مُحررًا من إكراهات الواقع - محايدًا- حتى لو كان يكثف، في الآن نفسه، كل الثقافات؛ وللأحكام المسبقة حضور في أنماط المعالجة، وللصور النمطية دور في البناء السردي، لكن ذلك لا يمنع من حضور تجارب وأفكار متنوعة ومختلفة.

ولأن هذه التجربة استقطبت كل الشعوب والثقافات والديانات، وجعلت من المصلحة حافزها ومبرر وجودها، ومن الوسيلة الأنجع آلية لضمانها، وترتيب شروط تأمينها، فإن النزاع يتخذ أبعادًا تختلف باختلاف نمط التعامل معه. ولذلك لم يعد للعنصرية مضمون أخلاقي، لأن النظام السياسي وجد في صيغة "الكوتا" (الحصة) مخرجًا عجيبًا للالتفاف على المطالبة بالحق. مع العلم أن الحق مسألة قابلة للتكيف، حسب المكان والزمان والمصلحة.

هل الاقتراب من فهم هذه الأمور يفترض الإذعان إلى مضاعفاتها وامتداداتها في السياسة والواقع والفكر؟

لا مجال للربط بين الفهم والإذعان، لأن المشكلة في السياسة العربية، على ما يبدو، تتمثل في أن غياب إرادة القوة ولَّد حالات متنوعة من القبول، والاعتراف بقوة الواقع؛ وغياب إرادة المعرفة شوَّش على الفهم، بل دفع السلطات إلى منعه ومحاربته؛ ولا مجال لاستدعاء المسألة الإشكالية بين الثقافة والسياسة هنا، أو البكاء على أطلال التاريخ العالمي الذي ظلم العرب منذ أكثر من قرن، لأن مشكلة المعرفة في الثقافة العربية المعاصرة من أعوص ما يواجهه الفكر في علاقاته بالسياسة والواقع والآخر، كيفما تقدم هذا الآخر إلى مجال الوعي.

لا يسع المتتبع لتطور التاريخ المعاصر، إلا أن يقر بأن النمط الأمريكي للتقدم أعطى لمفهوم الغرب أبعادًا جديدةً. ذلك أن أوروبا، بوصفها القارة المولدة لقيم الغرب ومبادئه، والمنتجة لمرجعياته الكبرى، وجدت نفسها، في وقت من الأوقات، بحاجة إلى الاهتمام بغرب آخر تكوَّن في ضفتها الغربية، حتى بدت القارة العتيقة وكأن التجسيد الفعلي للغرب انفلت منها، وأن التعبير الحضاري الراهن يستدعي منها مجهودًا تاريخيًا كبيرًا لاسترجاعه، أو على الأقل لمواكبته ومحاولة السير على وتيرته وإيقاعه. أصبحت أمريكا إمبراطورية حقيقية في غضون قرنين من الزمن، وهي بفلسفتها الذرائعية، وتركيز نخبها المؤسسة على قيم المبادرة والعمل والإيمان، الصوفي - أحيانًا- بالعمل والاستثمار المنتج للزمن، والمغامرات العسكرية المتكررة، وقدرتها على استقطاب الكفاءات والعقول من مختلف أرجاء العالم، والتعدد المصلحي في كل بقعة تطعم آلياتها الإنتاجية بشروط إعادة إنتاج فائض القيمة؛ كل ذلك جعل من أمريكا الأداة الضاربة، سلبًا وإيجابًا، للحداثة المعاصرة.

إلا أن كل شيء في التاريخ مؤقت وقابل للتبدل؛ فالحداثة الغربية، بالتعبير الأمريكي، تختزل في أحشائها نقائض هائلة. فإلى جانب نموذجها في التقدم والبناء، وصنع القرار السياسي والمؤسسي والإنتاجي، تتقدم أمام العالم بكونها البلد الذي يعاني من أكبر مديونية داخلية، وأكثر البلدان الغربية معاناة من التفاوت الاجتماعي، والفقر، والجريمة والعنف، وهي وإن لم تكف عن ترداد احترام حقوق الإنسان، لم تصادق إلى الآن على أهم المواثيق الحقوقية الدولية، ولا تتورع عن استحضار أمجادها الحربية ضد الشعب الهندي الأمريكي الأصلي الذي تعرض لأكبر إبادة في التاريخ الإنساني، وما تبقى منه وضعته الدولة الأمريكية في مخيمات داخل أسلاك شائكة، توفر له كل شروط التدمير الذاتي، حتى ينقرض النوع الهندي من النسيج الأمريكي.