"الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب" لـ"رشيد مقتدر"

فئة :  قراءات في كتب

"الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب" لـ"رشيد مقتدر"

قراءة في أطروحة:

"الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب" لـ"رشيد مقتدر"


مقدمة:

تُعَدّ أطروحة "الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب"، للباحث المغربي رشيد مقتدر، من بين أهم الأطروحات الجامعية الصادرة خلال العقد الأخير، في إطار الدراسات السوسيوسياسية حول ظاهرة الإسلام السياسي أو الحركات الإسلامية في المغرب، وتتجلّى أهميّة هذه الأطروحةمن خلال مستويين: أما المستوى الأول، فمعرفي نظري معقد يهمّ الموضوع المدروس؛ أي إدماج إحدى أهم القوى الاجتماعية والسياسية التي ضمنت لنفسها مكانًا مهمًا في هذا الفسيفساء السياسية والاجتماعيّة المغربيّة: إنّها القوى الإسلامية في المغرب، وهو موضوع كان الباحث فيه ماهدًا[1] عندما سلك لنفسه طريقًا بحثيًا خاصًا. ويتمثل المستوى الثاني في جدّة الموضوع وفرادته التي استدعت من الباحث الاتكاء[2] على مجموعة من المقاربات العلمية والمنهجية المتنوعة تبعاً لخصوصية كل محور في ظل وحدة معرفية ومنهجية أمسك بها الباحث من بداية الأطروحة إلى نهايتها.

لكنّ السؤال المطروح بإلحاح هو: ما القيمة التي أضافها الباحث من خلال هذا العمل في ظل وجود العديد من الأبحاث التي درست الحركات الإسلامية في المغرب من زوايا ومقاربات متعددة؟

تعريف بالكاتب ومنجزه العلمي:

ينتمي الباحث المغربي رشيد مقتدر إلى الجيل الثاني من الباحثين في العلوم السياسية المتخصصين في دراسة الحركات الإسلامية المغربية، حاصل على شهادة الدكتوراه من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء سنة 2009، عن أطروحة اختار لها عنوان: "الإسلاميون والسلطة ورهانات العمل السياسي: مساهمة في رصد مسار الإدماج السياسي للإسلاميين في المغرب"، ونُشرت في صيغة مركّزة في 400 صفحة تحت عنوان: "الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب"[3]، وهو حاصل أيضاً على شهادة الدراسات العليا المعمّقة من الكلية نفسها سنة 2002، حول موضوع: "الحركة الإسلامية وإشكالية المشاركة السياسية".[4]

أصدر بالإضافة إلى ذلك، كتابين يندرجان ضمن المسار المعرفي ذاته الذي خطّه الباحث لنفسه: الأول عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود بعنوان: "الإسلاميون: دراسات في السياسة والفكر"[5]، ضمّ بين دفّتيه مجموعة من الدراسات الأكاديمية التي كتبها الباحث خلال عَقد من الزمن في السنوات ما بين 2003 و2012، حول علاقة القوى الإسلامية في المغرب بنظام الحكم، والمياه الكثيرة التي سَرَت تحت معمار هذه العلاقة، خاصة أن سنة 2003 تحيل على زمنٍ فارقٍ يهم أحداث الدار البيضاء (16 ماي 2003) وما تلا ذلك من إعادة هيكلة الحقل الديني من قبل الدولة؛ ثم سنة 2012 التي تؤشر على تسلّم جزء من الحركة الإسلامية في المغرب مهمة تدبير الشأن العام ممثلةً في حزب العدالة والتنمية بعد انتخابات 25 نونبر 2011، في سياق النسخة المغربية من الربيع العربي. أما الكتاب الثاني فصدر تحت عنوان: "الإرهاب والعنف السياسي، من تفجيرات الدار البيضاء إلى قضية بلعيرج"[6]، ويرصد فيه الباحث دينامية الإرهاب في علاقته بالعنف السياسي بين لحظتين مفصليّتين؛ اللحظة الأولى التي بددت ما سُميّ بالاستثناء المغربي حين استهدِف المغرب بضربات إرهابية هدمّت العديد من الأماكن في مدينة الدار البيضاء سنة 2003. واللحظة الثانية، بعدها بخمس سنوات تمثلت في تفجر قضية شائكة عُرفت بقضية بلعيرج ومن معه.

وللباحث رشيد مقتدر مساهمات في ندوات بالداخل والخارج، والعديد من الدراسات والبحوث العلميّة المحكّمة في مجلاّت مغربية وعربية حول موضوع الحركات الإسلامية ومشمولاته، نذكر من أهمها: "تأملات في التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي في الحكم"[7]، و"القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة قبل الربيع العربي وبعده: محاولة للفهم"[8]، و"الإسلام الحركي وإشكاليات التجديد الفكري والسياسي"[9]، و"الإسلاميون والسلطة ورهانات العمل السياسي: قراءة في التجربة السياسية للإسلاميين الإصلاحيين بالمغرب".[10]

عرض الأطروحة المركزية للكتاب وفرضياتها الأساسية:

تتمحور أطروحة الكتاب المركزية حول دراسة عملية الإدماج السياسي للإسلاميين داخل المجال العام، ورصد سياقها ومسارها وشروطها، واستجلاء تكلفتها السياسية بالنسبة للنظام السياسي والإسلامي على حد سواء، ورصد أبعاد وخلفيات علاقة نظام الحكم بالإسلاميين، وتتبع صيرورتها وتطورها في حالة التوافق وفي حالة الصراع. وقد بنى الباحث أطروحته على ثلاث فرضيات أساسية:

-الفرضية الأولى: لجوء الفاعل الإسلامي إلى استعمال خطاب أخلاقي ذي حضورٍ دال لمفاهيم الأسلمة والتخليق والهوية، جعله يتميّز عن باقي منافسيه في الحقل السياسي، الفاعل الملكي في الحقل الديني على وجه الخصوص، مما نتج عنه حدوث إحراج سياسي استدعى مزيدًا من الضغط على الفاعل الإسلامي من قِبل المؤسسة الملكية، كانت نتيجته المباشرة إضعاف هويته الإيديولوجية من جهة، وتقوية الإجماع حول المكانة السياسية والدينية للمؤسسة الملكية من جهة أخرى.

-الفرضية الثانية: قدرة المؤسسة الملكية على احتواء الفاعلين السياسيين من خلال إدماج أحزاب اليسار التقليدي في تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، لكن تحملها تبعات ونتائج المشاركة الحكومية وأدائها ضريبة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية خلال مرحلة تدبير الشأن العام، جعل نفوذ حزب العدالة والتنمية يتقوى إلى درجة جعلته يصبح رقمًا لا يستهان به في المعادلة السياسية المغربية.

-الفرضية الثالثة: دخول الإسلاميين إلى ممارسة العمل السياسي يجعلهم يفقدون جزءًا من جاذبيتهم الخطابية وحريتهم في نقد كل شيء دونما التزام بأية مسؤولية، وبالتالي فإن الالتزام السياسي والعمل من داخل النظام يفقد الإسلاميين العديد من المزايا، مما يقوي لدى هذا الفاعل الحس النفعي، ويذكي النزعة الواقعية.

الشبكة المفاهيمية الناظمة للأطروحة:

استعان الباحث رشيد مقتدر في كتابه، موضوع العرض، من أجل تفكيك هذه الأطروحة بشبكة مفاهيمية متعددة كان من الضروري بسط معناها تجنًّبا لأي إشكال أو لبس أو غموض.

الإسلام، المسلم، الإسلامي:

يرى الباحث أن المسلم والإسلامي يؤطرهما الدين الإسلامي معًا، ويمارسان الشعائر الدينية نفسها من صلاة وصوم، وغيرها من شعائر، لكن الاختلاف حاصل بينهما في طريقة النظر إلى الدين، وكيفيات تطبيقه داخل المجالين الخاص والعام؛ فالمسلم تربطه بالإسلام علاقة تديّن، بينما يتعدّى الإسلامي ذلك إلى محاولة نقل التدين من الحياة الفردية إلى المجال العمومي؛ أي تلك الرغبة في تغيير السلطة السياسية والمجتمع وباقي النسق الرمزي وفقًا لمعتقداته وقناعاته التي يراها قادرة على التغيير والإصلاح.

الإسلاميون الإصلاحيون:

يحيل مفهوم الإسلاميين الإصلاحيين، وهو مفهوم مركزي مؤطر للأطروحة، على المنضوين داخل حركة التوحيد والإصلاح الذين تم إدماجهم سياسياً عبر وساطة عبد الكريم الخطيب في إطار حزب العدالة والتنمية، وقد رجّح الباحث هذا المفهوم، لأن التيار الإسلامي الإصلاحي قَبِلَ الاندماج في الحقل السياسي والعمل وفق قواعد اللعبة السياسية، ثم قبول هذا التيار بالإصلاح السياسي من الداخل عن طريق رفض العنف والعمل السري، وكذلك استعمال هذا المفهوم إقرارًا بوحدة المشروع السياسي الذي احتضنته الحركة ودعمته إلى أن بلغ مرحلة حزب سياسي قائم الذات، مما أفرز إشكالات جديدة استلزمت إعادة تحديد علاقة الحزب بالحركة.

الإيديولوجية الإسلامية والدين:

يقيم الباحث تمايزاً بين الإيديولوجية والدين، إذ يعتبر الأولى نسقًا من الدلالات المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي المشروع الهادفة إلى تحديد وظيفته وحدوده، حيث تنتظم كل إيديولوجية في شكل مجموعة من التصورات الفكرية والمبادئ السامية أو القيم العليا. بينما يعتبر الدين وحيًا إلهيًا يضم مجموع التعاليم والمعتقدات والشعائر التعبدية التي تعبّر عن السمو والتعالي والخلاص سعيًا إلى توجيه الإنسان في دنياه وتخليصه في آخرته.

مفهوم الإدماج السياسي واستراتجياته المتنوعة:

يعدّ هذا المفهوم عصب الأطروحة وقطب رحاها الذي تدور حوله منطلقات الدراسة وفرضياتها ومعالمها الأساسية. ومن أجل استيعابٍ عميقٍ لمفهوم الإدماج السياسي، لجأ الباحث إلى نقيض المفهوم أي: الإقصاء السياسي، باعتباره تلك السيرورة التي تحرم المرء من المشاركة السياسية وتبعده عن الأنشطة السياسية في المجتمع.وينقسم الإدماج السياسي إلى إدماج وهمي وآخر فعلي، إذ إن أطروحة الإدماج الوهمي تنبني على فرضية كون الدولة بنية سياسية وقانونية فوقية خاضعة للبنية الاقتصادية التحتية، وبالتالي فإن االسعي إلى تحقيق الإدماج والقول بحياد الدولة عن الصراعات، وضمان المصلحة العامة وتحقيق العدالة والنظام ليست إلا وهمًا، لأن الدولة تهيمن عليها القوى النافذة التي توظفها للدفاع عن مصالحها الخاصة. أمّا أطروحة الإدماج الفعلي، فتقرّ بوجود إدماج فعلي بطبيعة الأشياء لأن الدولة تتموقع فوق النزاعات وتحاول العمل على تحقيق مصلحة الجميع. يميّز الباحث نظريًا بين ثلاث استراتيجيات إدماجية:

-الاستراتيجية الإدماجية المنفتحة التي تسمح بإدماج الإسلاميين داخل المجال العمومي متحملة نتائج هذا القرار.

-الاستراتيجية الإدماجية المترددة بين السعي إلى تحقيق الإدماج والرغبة في الاستمرار بالإقصاء.

-الاستراتيجية الإقصائية التي ترفض التعامل مع الإسلاميين، وترى في الحركة الإسلامية بمختلف توجهاتها دعاة للاستيلاء على السلطة ونشر العنف والتطرف.

وينتقلالباحث بعد ذلك إلى المستوى العملي محدداً الاستراتيجيات الأربع التي انتهجها النظام السياسي المغربي مع الإسلاميين، وهي:

-استراتيجية الإدماج التدريجي داخل النظام السياسي، من خلال اعتراف التيار الراغب في دخول اللعبة السياسية بقواعدها، والإقرار بثوابتها، من مثل: الدور المركزي للمؤسسة الملكية، والشرعية الدينية ممثلة في إمارة المؤمنين، نبذ العنف والتطرف...إلخ.

-استراتيجية التضييق والمحاصرة والتحجيم، وتستعمل ضد التيارات الرافضة للاندماج وفقًا للقواعد المشار إليها، وقد استعملت هذه الاستراتيجية مع جماعة العدل والإحسان على وجه الخصوص.

-استراتيجية التجاهل واللامبالاة، وقد استعملت هذه الاستراتيجية مع التيارات التي لا تمتلك تجذّرًا جماهيريًا واسعًا، من مثل الحركة من أجل الأمة، وحركة البديل الحضاري.

-استراتيجية الردع والزجر، وتنتهج ضد التيارات التي تلجأ إلى العنف ضدًا للقوانين الجاري العمل بها، وقد استعملت هذه الاستراتيجية في حق المتورطين في تفجيرات الدار البيضاء مثلاً.

المضامين العامة للأطروحة:

ضمت أطروحة الباحث رشيد مقتدر مقدمة وخاتمة عامّتين؛ طرح في الأولى إشكاليته وعرض فرضياته ودافع عن منهجه والتقنيات التي يتيحها له علم الاجتماع السياسي من أجل فهم الظاهرة المدروسة، ثم بسط شبكة المفاهيم الموظّفة. أما في الثانية؛ أي الخاتمة، فقد حدّد أهم الخلاصات التي استخلصها طيلة سنوات البحث والتدقيق في أطروحة الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب. بين هذا وذاك، توزّعت الأطروحة على ثلاثة أقسام: ضم القسم الأول ثلاثة فصول، والثاني أربعة فصول، والثالث فصلان؛ تتفرع عنها مباحث تتدرج في البناء تبعًا لخصوصية كل محور أو فكرة.

وقد توسّل الباحث في تفكيك أطروحته المركزية بحزمة من المناهج العلمية والمقاربات المعرفية، مستعينًا بمنهج نظري يضم المنهج التاريخي، انطلاقًا من كون الدراسة تغطي فترة زمنية مقدّرة اعتبارًا لأن القوى الإسلامية الإصلاحية المدروسة مرّت بمراحل تاريخية كثيرة وسبقتها مخاضات فارقة، ثم ارتباط ذلك بمنطق تاريخي ناظم لسيرورة أدائها العام. وقد استعان بمنهج وصفي كذلك ثم إحصائي تبعًا لخصوصية الظاهرة السوسيوسياسية التي تفرض هذا النوع من المناهج تحقيقًا لمعرفة أكثر تكاملاً وشمولاً، وكذلك منهج مقارن بين حالة سابقة وحالة لاحقة، أو بين هذا التيار السياسي والإيديولوجي أو ذلك، سواء في الداخل أو الخارج، بحثًا عن قوانين معرفية أو نماذج إرشادية أكثر تماسكًا ورسوخًا.

يقرّ الباحث في أطروحته بقصور المعرفة النظرية الصّرف، لأنها لا تسعف بالوصول إلى إجابات مكتملة، دونما نفي منه لأهميتها وضرورتها، لكل ذلك اعتمد الباحث على منهج ميداني تجريبي قائم على إجراء مقابلات ميدانية مع قيادات الحركة الإسلامية، هذه المقابلات كانت ذات طبيعة موضوعاتية، مرفقة باستمارة بحثية تبعًا لتخصص كل قيادي ومعرفته وإلمامه بتفاصيل القضية أو المسألة أو الواقعة المدروسة معه، وقد تبين على امتداد الأطروحة أهمية هذا المنهج عندما كانت إجابات القادة المستجوبين تقدم إضاءات تاريخية حول أسئلة تؤرق الباحث، لكنها في كثير من الأحيان، بالقدر الذي كانت تحمله من إجابات وتضيفه من توضيحات، كانت تولّد الكثير من الأسئلة المستفزة، وقد بدا واضحًا حضور السؤال المعرفي الحارق على امتداد الأطروحة.

أما الشق الثاني من المنهج الميداني، فقد تمثل في تقنية مهمة في علم الاجتماع تتعلق بتقنية الملاحظة بالمشاركة نظرًا لما تتيحه من معرفة ميدانية، إذ أجاد الباحث توظيفها خصوصًا ما تعلق منها برصد الحملات الانتخابية التي شارك فيها الإسلاميون، أو دراسة سلوك الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية في البرلمان أداءً وحضورًا وانضباطًا، ومراقبة عمل الحكومة، والمساهمة في التشريع، وتفعيل مقتضيات الدستور الرقابية لعمل الحكومة.

أ-معالم المشروع الفكري والسياسي للإسلاميين الإصلاحيين:

اعتبر الباحث أن العمل السياسي داخل المجال العام لم يشكل رهانًا مركزيًا لدى الحركات الإسلامية، بل حظي باهتمام ثانوي نظرًا لأولويات العمل الإسلامي خلال مراحله التأسيسية، ويضيف الباحث بنَفَسٍ استشرافي أن مآل المشروع الحركي الإسلامي يرتبط بشكل كبير بما يستطيع الإسلاميون تحقيقه داخل المجال العام، وما لم يحققه غيرهم من الأحزاب الوطنية، كتغيير طريقة اشتغال النظام ودمقرطته، وتجنب السقوط في الانتهازية السياسية وعدم الالتزام بما تم الوعد به خلال الحملات الانتخابية؛ لأن الفشل في تحقيق هذه المشاريع، يضيف الباحث، من شأنها الإسهام في تآكل شرعيتهم وأفول مشروعهم السياسي، موضحًا أن الفاعل الإسلامي الإصلاحي ينطلق من منهج التغيير الحضاري مشروعًا فكريًا يطمح إلى تغيير الإنسان وإعادة بنائه من جديد، ليصير أكثر تحصينًا لنفسه وإدراكًا ووعيًا بمتطلبات مجتمعه؛ ولذلك كان القطع مع فكرة التغيير السياسي، لارتباط الإشكال بتراجع حضاري أذكته دينامية الاستعمار.

وقد بنى الإسلاميون الإصلاحيون ذوو التوجهات المعتدلة بفعل المراجعات التي قاموا بها، شرعية وجودهم على نقد أطروحة الحركة الوطنية في العمل الثقافي والسياسي والاجتماعي، لمّا وجدوا مكمن الخلل حاصلاً في انحراف الحركة الوطنية عن المسار الفكري الذي أرساه روادها، كعلال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني، حين كانوا يقرون بالإسلام منهجًا للعمل السياسي والنضال الوطني في علاقته مع متطلبات المعاصرة. ومن ثم كان التعامل مع الإسلام ليس باعتباره روحًا للمقاومة فحسب، وإنما اختيارًا عقديًا وفكريًا واجتماعيًا وسياسيًا؛ أي باعتباره بديلاً حضاريًا.

ب-أسباب الخلاف بين الإسلاميين الإصلاحيين والمؤسسة الملكية:

تحدد هدف النظام السياسي المغربي من إدماج الإسلاميين الإصلاحيين داخل اللعبة السياسية، في تجديد التوافق حول قواعد اللعبة السياسية طبقًا للشروط التي تمليها الملكية، وتقوية الإجماع حول المكانة السياسية والدينية للمؤسسة الملكية بسبب حمل الملك صفة أمير المؤمنين، ودعم شرعيتها وتقوية استقرارها السياسي والاجتماعي. لكنّ عملية إدماج الإسلاميين الإصلاحيين في المجال العام أفضت إلى نشوء خلاف بينهم وبين المؤسسة الملكية يُرجع الباحث رشيد مقتدر أسبابها إلى العوامل التالية:

-أولاً: الخلاف الدائر حول الشرعية السياسية الدينية، وذلك بسبب اعتماد حزب العدالة والتنمية على المرجعية الإسلامية خلفيةً إيديولوجيةً وسياسيةً، مما يجعله منافسًا للملكية في المغرب على السلطة السياسية الدينية، انطلاقًا من إيمان المؤسسة الملكية بأن المجال الديني يعدّ مجالاً سياديًا ومحتكرًا لا يحق لأي فاعل سياسي آخر مقاسمتها إيّاه.

-ثانياً: التداعيات السياسية لوظيفة الضبط الأخلاقي التي اضطلع بها الإسلاميون الإصلاحيون خلال ممارستهم للسياسة: لقد كان من أبرز شروط إدماج الإسلاميين في اللعبة السياسية قبولهم بقواعد العمل السياسي كما هو متّفق عليها في المغرب، لكن وقع خرق أو انزياح، خلال ممارسة الإسلاميين للعمل السياسي ميدانيًا، لهذه القواعد العرفية، تمثّل في إثارة بعض الملفات الحساسة، مثل طرح مسألة الخمور وفتح محلات القمار، ومعارضة العمل بالفوائد البنكية، ورفض عرض ألعاب القمار في وسائل الإعلام العمومية، ومعارضة تنظيم المهرجانات الفنية، والدفاع عمّا يسمونه اللباس الإسلامي والفن الملتزم...إلخ، وهو ما يتجاوز المسألة مما هو سياسي في الظاهر إلى مجال يتداخل فيه الديني والسياسي بالأخلاقي في الباطن.

-ثالثاً: الحفاظ على التوازنات السياسية الكبرى: إذ كان النظام السياسي المغربي يهدف من وراء إدماج الإسلاميين، باعتبارهم فاعلاً جديدًا، عدم المس بقواعد اللعبة السياسية أو المس بثوابت البلاد، لكن وجد الإسلاميون في الإدماج فرصة لا تعوض من أجل توسيع مشاركتهم السياسية بشكل يساعدهم على التجذّر الاجتماعي وتقوية نفوذهم الجماهيري.

ج- مخرجات عملية الإدماج السياسي للإسلاميين الإصلاحيين:

كان لعملية إدماج التيار الإسلامي الإصلاحي في المجال العام جملة من النتائج والمخرجات همت من جهة الهوية الإيديولوجية السياسية والعقدية لحزب العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى علاقته مع المؤسسة الملكية وباقي خصومه السياسيين، وقد حددها الباحث على الشكل الآتي:

أولاً: إضعاف الهوية الإيديولوجية لحزب العدالة والتنمية، فإلى جانب منافسته للملكية في شرعيتها السياسية والدينية، اتهم من لدنِ القوى السياسية، اليسارية خصوصًا، بتوظيف الدين في السياسة، فتوافقت استراتيجية السلطة مع مصالح بعض القوى اليسارية، وهو ما جسدته لحظة تفجيرات 16 مايو 2003؛ التي اعتبرت أكبر عائق اعترض مسار إدماج الإسلاميين، حينما مورست عليهم ضغوطات من طرف النظام السياسي وبعض القوى السياسية لحثهم على إعادة النظر في طروحاتهم، وتقديمهم العديد من التنازلات شرطًا للاستمرارية في مسلسل الإدماج، كالتحجيم الطوعي لحجم المشاركة الانتخابية، وهو ما تم بالتوافق مع وزارة الداخلية إبان الانتخابات المحلية خلال شهر شتنبر 2003، وتليين الخطاب السياسي وإضفاء الطابع الاعتدالي عليه، وتهميش العناصر التنظيمية المتصلبة إيديولوجيًا وسياسيًا من خلال إبعاد مصطفى الرميد من رئاسة الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية مثلاً.

ثانياً: تخلي التيار الإسلامي الإصلاحي عن أطروحة إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود، وبلورته بالمقابل لرؤية تعتبر أن الخلافة تجربة تاريخية وممارسة بشرية تعتريها أوجه النقص ومكامن القوة، وأن الدولة الإسلامية قائمة في المغرب في ظل إمارة المؤمنين. والتركيز بدل ذلك على قضايا الأسلمة والتخليق والهوية وغيرها؛ أي الانتقال من أطروحة جاهلية الدولة والمجتمع إلى أطروحة انحراف المجتمع عن التدين الذي تعتبره صحيحًا.

د- وظائف الإسلاميين الاصلاحيين في الحقل السياسي المغربي:

اعتبر الباحث رشيد مقتدر في أطروحته: "الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب"، أن التيار الإسلامي الإصلاحي في المغرب، يؤدي ست وظائف في الحقل السياسي، وهي:

-إضفاء الشرعية على السلطة السياسية ودعمها.

-إعطاء دينامية جديدة للفعل السياسي البرلماني.

-المساهمة في التنفيس عن التذمرات والهموم الاجتماعية.

-إدماج الفصائل المتطرفة واحتوائها والعمل على تحييدها.

-الضبط الأخلاقي داخل الحقل السياسي.

-إبراز قدرة النظام السياسي في المحافظة على استقراره السياسي.

خلاصات عامة:

توصل الباحث رشيد مقتدر من خلال أطروحته إلى جملة من الخلاصات، وهو يدرس ظاهرة إدماج الإسلاميين الإصلاحيين ذوي التوجهات المعتدلة في المجال العام، ويمكن عرضها على النحو الآتي:

-حضور الهم السياسي بقوة داخل تمثلات الإسلاميين الإيديولوجية والفكرية، الشيء الذي أفرز فيما بعد الانتقال من أطروحة الفصل بين الديني والسياسي إلى شعار التمييز بين الديني والسياسي، نتيجة لتراكمات التجربة السياسية للإسلاميين.

-إشكالية المشاركة السياسية عند الإسلاميين الإصلاحيين مرت من مرحلة التيه والضبابية وعدم الحسم في إشكالية المرجعية، رغم الشروع في عملية النقد الذاتي بسبب الرواسب التي كانت لدى بعض المنسحبين حديثًا من حركة الشبيبة الإسلامية، ثم مرحلة القطع مع إرث الحركة خصوصًا في مسألتي نبذ العنف والتطرف؛ فمرحلة صياغة الأسس النظرية للمشاركة السياسية، والاقتناع أن العمل والمشاركة في الفعل العمومي من أبرز الاستراتيجيات التي على الإسلاميين اقتحامها.

-عملية إدماج الإسلاميين الإصلاحيين عرفت انطلاقة مشجّعة نظرًا لدخول النظام السياسي المغربي مرحلة انفتاح على المعارضة السياسية اليسارية رغبةً منه في تسهيل عملية الاستخلاف السياسي حول العرش.

-تقتضي عملية الإدماج احترام قواعد اللعبة السياسية وشروط التوافق السياسي الذي أُرسيَ بين الإسلاميين والسلطة السياسية، في حين يتعين على السلطة القيام بنوع من الانفتاح الإيجابي على الفرقاء السياسيين الراغبين في الاندماج، وتسهيل هذه العملية بشكل يحفزهم على المضي قدمًا في مساراته، ويغري المترددين بالاقتداء بالنهج نفسه.

-جعلت أحداث 16 مايو 2003 الإرهابية في مدينة الدار البيضاء الإسلاميين يعيشون لحظات سياسية نفسية عصيبة، جعلت هذه المرحلة تشكل محكًا حقيقيًا ومخاضًا حرجًا سمتُه الدخول في مواجهة غير مباشرة مع المؤسسة الملكية وصِدامًا مباشرًا مع خصومهم اليساريين.

-من خلال تتبع معالم البرامج الانتخابية للإسلاميين (1997، 2002) بنيةً ورؤيةً ومشروعًا، يتضح حضور البعد المرجعي من خلال تطور استعمال الرموز الدينية؛ آياتٍ قرآنية، أحاديث نبوية...إلخ، وحضور المفاهيم والمصطلحات المستقاة من الإيديولوجية الإسلامية.

-إثارة الإسلاميين الإصلاحيين لملفات غير مسبوقة في البرلمان بعد حصولهم على عدد غير قليل من المقاعد، مثل مسألة الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطرح مسألة الخمور وفتح محلات القمار، ومعارضة العمل بالفوائد البنكية، ورفض عرض ألعاب القمار في وسائل الإعلام العمومية...إلخ، اعتبر من طرف المؤسسة الملكية خرقًا لقواعد اللعبة السياسية المتفق عليها إبّان انطلاق دينامية الإدماج السياسي، وجعل مخاوف الخصوم الإيديولوجيين تتقوى، فكانت لحظة تعرض مدينة الدار البيضاء لهجمات إرهابية فرصةً لتصفية الحساب، فانبرت عدة تيارات، داخل حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاتحاد الاشتراكي على وجه الخصوص، للقوات الشعبية تحمل المسؤولية المعنوية لهذه الأحداث للفكر والإيديولوجية التي يتبناها الإسلاميون، وصلت إلى المطالبة بحل حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح، ووضع حد لتجربة إدماج الإسلاميين داخل المجال العمومي.

-بناءً على الخلاصة السابقة، يستنتج الباحث أن الإسلاميين الإصلاحيين كان مشكلهم الرئيس في المغرب مع الملكية وإمارة المؤمنين وليس مع وزارة الداخلية، لأن الملكية أصبحت تنظر إليهم بغير عين الرضى، بعد خرقهم للاتفاق الضمني غداة إدماجهم سياسيًا من خلال إثارة ملفات وقضايا يعتبرها النظام السياسي حكرًا على إمارة المؤمنين.

لقد جسّدت هذه الأطروحة تجديدًا في تعاطي العلوم السياسية مع ظاهرة الإسلام السياسي أو الحركات الإسلامية، لأن الباحث تعامل من منطلق علمي موضوعي مع ظاهرة الإدماج السياسي للفاعل الإسلامي الإصلاحي، ولم يتعامل مع حدث سياسي عابر أو موقف سياسي اجتماعي ظرفي، معتمدًا على المقاربة التحليلية والمنهج التفكيكي وفقًا لمقاربة دينامية، عكس العديد من المقاربات التي ارتبطت بالمنهج الوصفي فلم تستطع تجاوزه.

لقد ساهمت هذه الدراسة في تجاوز الصورة النمطية السائدة في الدراسات السياسية والاجتماعية التي تجعل النظام محركًا وموجهًا للفاعلين السياسيين، فتجاوز الدكتور رشيد مقتدر هذه الرؤية التي طغت على علم السياسية مدة طويلة، واعتمد منهجًا جديدًا يقر بقدرة الفاعل السياسي الإسلامي وغيره على الفعل والمبادرة، رغم إكراهات اللعبة السياسية، من خلال قدرته الواضحة على تفكيك الظاهرة المدروسة وتشريحها دونما انحياز لأي طرف؛ نظام الحكم أم الإسلاميين، وهي خاصية تبدو جلية من بداية الأطروحة لنهايتها.


[1]- يقول ابنمنظور في لسان العرب مادة (مهد): مَهَدَ لنفسه يمْهَدُ مَهْدًا: كَسَبَ وعَمِلَ. والمِهَادُ: الفِراش. وقد مَهَدْتُ الفِراشَ مَهْدًا: بَسَطْتُه ووَطَّأتهُ. لمزيد من التفاصيل حول الأصل الاشتقاقي للكلمة أنظر: ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط1، 2003، مادة (مهد)

[2]- استعير هذا المصطلح من الباحث حسن الأشرف، عندما وظّفه في قراءته لهذه الأطروحة، انظر في هذا الشأن: حسن الأشرف، قراءة في كتاب رشيد مقتدر، الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب، مجلة المستقبل العربي، العدد 394، دجنبر 2011، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الصفحة 162

[3]- رشيد مقتدر، الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2010 جدير بالذكر أن هذه الأطروحة هي الثانية التي ينشرها مركز الجزيرة للدراسات مباشرة بعد نشره لأطروحة أحمد داوود أغلو وزير الخارجية التركي: "العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية"، وهي إشارة دالة على أهمية الأطروحة والحاجة المعرفية إليها.

[4]- بحث نيل شهادة الدراسات العليا المعمّقة المذكور غير منشور.

[5]- رشيد مقتدر، الإسلاميون، دراسات في السياسة والفكر، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، المركز الثقافي العربي، ط1، 2013

[6]- رشيد مقتدر، الإرهاب والعنف السياسي، من تفجيرات الدار البيضاء إلى قضية بلعيرج، سلسلة مدارك (1)، ط1، 2008

[7]- رشيد متقدر، تأملات في التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي في الحكم، مجلة سياسات عربية، العدد 3، يوليوز 2013، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر.

[8]- رشيد مقتدر، "القوى الإسلامية والتحالفات الـمُبرمة قبل الربيع العربي وبعده: محاولة للفهم"، في كتاب جماعي بعنوان: "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب"، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، شتنبر 2013، الصفحات 215- 276

[9]- رشيد مقتدر، الإسلام الحركي وإشكاليات التجديد الفكري والسياسي، الرباط، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ط1، 2013

[10]- رشيد مقتدر، الإسلاميون والسلطة ورهانات العمل السياسي: قراءة في التجربة السياسية للإسلاميين الإصلاحيين بالمغرب، الرباط، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ط1، 2014