قراءة في كتاب "المنعرج الهرمينوطيقي للفنومينولوجيا" "La tournant herméneutique de la phénoménologie"

فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب "المنعرج الهرمينوطيقي للفنومينولوجيا" "La tournant herméneutique de la phénoménologie"

قراءة في كتاب "المنعرج الهرمينوطيقي للفنومينولوجيا"[1]

"La tournant herméneutique de la phénoménologie"

المؤلف: جان غرا ندان*

المترجم: عمر مهيبل**


تقديم:

أومن تمامًا بأنه لا توجد حقائق، بل تأويلات فقط، لكن ما هي أسس التأويل الصادق؟ إنها قراءة القراءة، هي من تستشرف النصوص وتحرك سكونيتها، وبما أننا نعيش فسيفساء الإبداع والتأويل معًا في جغرافيتنا مع المؤول والمفكر عمر مهيبل، الذي غرس فينا لعبة الانفتاح على النصوص لزحزحة حجابها، فاندفعنا في هاته الدراسة المقروئية، لرصد صفائح الانعطاف، كما وصفها جان غرا ندان tournant herméneutique في كتابه هذا. فكان تساؤلنا الأول:

ماذا يقصد غراندان بالمنعطف الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا؟ وما هي خصوصيته وطبيعته؟ وقبل أن نسبر غور هذه المسألة استوقفتنا فرش فهرس المضمون الظاهر،كما فصله المؤلف من ديباجة وخمسة فصول هي:

الفصل الأول: إسهام هوسرل الصامت في الهرمينوطيقا.

الفصل الثاني: الهرمينوطيقيا في مؤلف الكينونة والزمان.

الفصل الثالث: الانتقال من هرمينوطيقا هيدغر إلى هرمينوطيقا غادامير.

الفصل الرابع: المنعرج الفينومينولوجي للهرمينوطيقا هيدغر،غادامير وريكور.

الفصل الخامس: ماهية التفكيك عند دريدا.

الخاتمة: الفينومينولوجيا المشطوبة.

بدأ المترجم في ديباجة هذا الكتاب بالحفر عن مفهومية التأويل، ثم اختزلها في ثلاث مشكلات أساسية[2]:

1- من الفينومينولوجيا إلى الأنطولوجيا.

2- من الأنطولوجيا إلى الهرمينوطيقيا.

3- من الهرمينوطيقا إلى التفكيك.

1- من الفينومينولوجيا إلى الأنطولوجيا:

أوردت مناورة هوسرل داخل هذا الحيز الضيق عبقرية منهجية وفكرية، بحسب عمر مهيبل، كونها لم تقف عند حدود الوصف الخاص بظواهر الأشياء، بل راحت تسارع بحثها في ماهية الأشياء ذاتها؛[3] فالطموح الأول الفينومينولوجيي هو أن يتعلم النظر، لا لشيء سوى النظر، حسب عبارة هوسرل، شريطة ألّا يصدر أحكاماً، بل يكتفي بالمشاهدة والملاحظة فقط، حتى يتسنى له فيما بعد الإحاطة بماهية الأشياء ذاتها، إذ لا نرى العالم، بل نرى معانيه فقط، ومن هنا تكون مهامنا الوصف فقط. ثم تخطت هاته العملية الممنهجة طريقها إلى طريق القصدية intentionnalité، التي يتحول فيها الشعور من عالم التصوير لشيء إلى عوالم الإحساس بالشيء ذاته.[4] وهذا ما وصفه مهيبل بشعاع تكافئي

يعرفه مهيبل بالقول: "بأنه شعاع ينبعث من الذات إلى الموضوع، ثم يعود من الموضوع إلى الذات".

** دور الشعاع التكافئي بحسب مهيبل

- الذات لا قيمة لها إلا عندما تلقي شعاعها أمام الموضوع، لأن الذات لا تستبطن ذاتها، بل عليها أن ترمي بقصدها بمنحى العالم، والعالم الذي لا ينعكس عن الذات لا قيمة له.

- القصدية مفهوم متعدد الأبعاد والدلالات، فهي ليست شعوراً قصدياً لحالة، وليست موضوع المعبر عن وحدة قصدية معينة، بل إنه ينبغي النظر إليها بما هي عملية تكاملية تبادلية، إما الانطلاق من الذات نحو الموضوع إلى الغاية، أو الانطلاق من الغاية إلى الذات نحو الموضوع

Tout conscience est conscience de quelque chose.[5]

-ومن هنا، فإن الشعور عند هوسرل، هو الشعور بشيء ما، كونه ينعكس في الذات، فليس هناك شعور فارغ.

لكن كيف نأنس بهذا الشعور؟ لقد أجاب هوسرل عن هذا بحسب المفكر مهيبل عندما قال: "القصدية هي وصف خالص لمجال مغاير هو مجال الواقع المعايش للماهيات التي تتمثل الشيء."[6] ومن هنا، فالعودة إلى أصل الشيء، لا تقف عند الظواهر، بل تستلزم منا فهم ماهياتها أيضًا، وحتى نفهم ماهيتها، لا بد أن ننظر إلى الظواهر بوصفها شواهد، لأن العلم والوعي لا يمنح للإنسان دون جهد، وليسا متقابلين.

تعقيبات على فينومينولوجيا هوسرل:

- يرى غرا ندان أن كلّ الفلسفات تعود إلى الأشياء ذاتها، فهي منهجية صورانية ووصفية.

- وفي رأي أندري دوميرا، فإن أنطولوجية هيدغر هي من ساهمت في إخراج الفينومينولوجيي من طابع صوراني، إلى إدراجها في عالم المعاني والدلالات، ومن ثمة محاولة اختراق كينونة الكائن، وهي اللغة.

2- من الأنطولوجيا إلى الهرمينوطيقيا:

يرى مهيبل أن هيدغر وفق، إلى حد بعيد، في نحت مصطلحات خاصة به في فلسفته الأنطولوجية، وقد أسبغ عليها طابع التعقيد، ومفاد هذا الأخير هو أن فينومينولوجية هوسرل ضرورية لفهم إشكالية الوجود في مستوى أفقي فقط، لكن معرفة الظاهر، بحسب هيدغر، يستلزم العودة إلى الكينونة، وحتى تُستنطق الكينونة لابد من فهم الكائن ذاته، وكي نفهم الكائن لابد لنا أن نفهم لغته، لكن اللغة صارت تؤشكل على ذواتنا، ومن المفروض أن تكون هي مسكن الوجود، فوقعت هي الأخرى موقع اغتراب، ومن هنا لجأ هيدغر، بحسب المترجم، إلى لغة الباطنية الميتافيزيقية، فهي لغة رهبانية تخفي أكثر مما تجيب، وتتساءل أكثر مما تخبر، وعودة هيدغر إلى لغة الشاعر الألماني هود لرين، يعود لكونها تحتل مرتبة أعلى من مرتبة الكائن.[7] إذ يصفها مهيبل بأنها لغة هلامية غامضة جدًا، تستوجب لتعدد معانيها آلية التأويل، وهذا ما حفز غادامير إلى التوجه إلى المبحث الهرمينوطيقي لاستنطاق ما لم يصرح به الكائن، ولبحث عن ما وراء تلك اللغة، لأنه، بحسب غادامير، فالكائن الذي يمكننا فهمه هو اللغة.

3- من الهرمينوطيقا إلى التفكيك:

فتح هيدغر المجال لتلميذه غادامير لسبر أغوار المعاني والدلالات، لاستنطاق ما هو خفي وراء الكائن؛ أي اللغة، فغاية غادامير ليست فهم ما يقوله الكائن، وإنما ما يهمه هو حقيقة الشيء نفسه. فهي تأويلية وتفكيكية في الوقت نفسه، وهذه الإضافة التي أضافها غرا ندان هي محاولة للدفاع عن أحادية اللغة عند دريدا التي بحثت في تلك اللغة التي لم تكتب بعد "ليس لغة الأنا، وليس لغة الآخر أيضًا"، وهذا ما دفع بغراندان بإدراج فلسفة دريدا إلى عالمية التأويل المعاصرة.[8]

الفصل الأول: إسهام هوسرل الصامت في الهيرمينوطيقا

لقد أنكر هوسرل مهمة الهيرمينوطيقي في الحقل الفلسفي الفينومينولوجي، بل الأكثر من ذلك هو التهجم على مفهومية الفكر الهيرمونطيقي، وذلك لغرض بسيط مفاده أن كل فكر تأويلي ما هو إلا نتاج مادة خام تاريخانية، وما يعزز مصداقية هذا الادعاء والرفض هو ذلك الحوار الجدلي الذي جمعه بدلتاي سنة 1911، كما أننا لا ننفي ذلك النزوع الجدلي المرير بينه وبين تأويلية هيدجر، فهوسرل يرفض الإفصاح عن دور التأويلات القابعة حول الظواهر رفضًا تامًا،[9] بل محور اهتمامه ينحو نحو وعي الظواهر ذاتها. وقد نبه الفيلسوف بول ريكور في كتابه "من النص إلى الفعل" وجوبالانتباه إلى بعض المصطلحات التي يوظفها هوسرل من مثل auslegung ,Detung التي تعني مصطلحية التأويل بامتياز. لكن حجة هوسرل في عودته إلى هاته المصطلحات الهرمينوطيقية، كونها تمثل الأداة الأولانية والصفحة الأولى الضرورية لكل عمل فينومينولوجي ناجح، غايتها في ذلك تزويد الفينومينولوجي مفاتيح الفرز لجل التغيرات الطارئة لظواهر الأشياء بدءًا بالخطوة الأولى pohieé ووصولاً إلى ماهيتها بشكل موضوعي. وعليه فكلما اجتهد الفينومينولوجي في مضاعفة التأويلات القصدية توصل إلى معادلة فاصلة تزوده بمنهج يعرفه على ماهية الظاهرة في صيغة الحصر الفردية، ومن ثم معرفة الطريق الأمثل لفهم الشيء ذاته في صيغ الجمع الشمولي.

جدير بنا أن نفصح أن هوسرل لم يكن مولعاً بنشر الكتب من أجل النشر، بل العكس تمامًا، فما كان يركز عليه باستمرار هو البحث، وهذه الدعوة الصريحة ساهمت في تحفيز تلاميذه الشباب، ولاسيما هيدغر الذي أبدع حينما جعل هوسرل يستدرك أهم الفوارق والتناقضات التي أفرزتها بحوثه الفينومينولوجية، وعلى رأسها تلك الظواهر التي تنبأ هيدغر بضبابيتها، وغموضها، فلا تتضح بالوصف وحده، بل تستند إلى مرجعية التأويل والتفسير معاً.

إن المعادلة الهوسرلية المقننة "الدراسة الوصفية للظواهر كما تبدو لنا، وأنها تعني العودة إلى الأشياء ذاتها"، قد فتحت مجال التساؤل والانفتاح لدى طلابه هيدغر وغادامير وريكور، إلى اعتبار فينومينولوجية هوسرل، تصلح لأن تكون الأنموذج الأول للفهم الظاهر. أو بعبارة هيفرنان المد الهيرمينوطيقي والصعود الهوسرلي للكلمات باتجاه الأشياء ذاتها، هي من صنع الفيلسوف هيدغر، كونه أول من أجبر هوسرل على العودة إلى الأشياء ذاتها. ومن هنا عدت تطبيقات هيدغر تطبيقاً هرمينوطيقياً للإيعاز الهوسرلي، لأن غثاثة هوسرل تكمن في توجيه العقل إلى الاحتماء من أي نسق ميتافيزيقي، وأن نكتفي بما يقدمه لنا الحدس، وننصرف عن الاختزال الفينومينولوجيي réduction الذي بفضله نتخلص من كل ما لا يظهر بشكل معطى في الحدس. غير أن مصطلحreduction ؛ أي الاختزال، يشوبه لبس في فضائه المضموني، والسبب في ذلك يرجع إلى عودة الفينومينولوجيي ذاته إلى إعادة فهرسة نظرته الجديدة إلى العالم،[10] لكن مفهومية الرد la reduction، تسكنه عوالم الاستبطان والسرية، ولكون الفينومينولوجيي يعي جيدًا أنه قبل أن يتغلغل في عالم الأشياء الجوهرانية مجبور على إعادة النظر في رؤية جديدة للعالم.

يوحي هذا التشكل بوجود هوة بين القول البرانى والقول الجواني الذي نحاول استنطاقه، هذه الهوة هي مكمن الهيرمينوطيقا، ومعنى هذا أن القصدية لا تكتمل معطياتها النهائية دون فهم التوتر المنبلج من الذات باتجاه المعنى. هذا التوتر الموجود بين المعنى المقصود والمعنى في حد ذاته هو من يتمم الوحدة التراتبية بين الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقا وحدةً شاملة. ومن هنا اعتبر غراندان أن من أكبر الاستحقاقات الهرمينوطيقية التي تحسب لهوسرل هو عدمية اختزاله للمعنى داخل الاتجاه القصدي للموضوع، لأن دور الموضوع عنده يكمن في اشتراكه في تشكيل المعنى الذي يولد معه.وبهذا، فإن فينومينولوجيا هوسرل، لا تبحث في الشعور القصدي بمعزل عن ما هو حدسي، لأن كل حدس له هدف ومعنى، ومن هنا فالحدس عند هوسرل هو جانب هرمينوطيقي بلا منازع. ووفقًا لهذا القدر، فإن الفينومينولوجيا، وهي ظاهرة فارغة من أي معنى، منغلقة على ذاتها.وبهذا يكون هذا التوجيه الفينومينولوجي نحو القصدية قد ولج الهرمينوطيقا من بابها الواسع، بل منح فرص للهرمينوطيقا للإكثار من التساؤلات حول الافتراضات العالقة والمتجذرة داخل الفينومينولوجيا ذاتها، مما حفز هيدغر في اعتبار أن هرمينوطيقا الحدوث* تعتبر الدازين، باعتباره مشروعاً مقذوفاً قابلاً للتشريح عمليًا وحقيقة داخل سياق التاريخي.

الفصل الثاني: الهيرمينوطيقا في مؤلف الكينونة والزمان

إن البحث عن معاني الهرمنيوطيقا داخل التراتبية الرهبانية عند هيدغر، تنبجس وفق معادلة تراتبية تكاملية معًا يتداخل فيها الكائن والكينونة والظاهرة معًا، إذ تكون الفلسفة مبحثًا أنطولوجيًا فينومينولوجيًا شاملاً. وبوابة الانطلاق البحثي تبدأ من هيرمونطيقا الدازين باعتبارها المشرح الأول للغز الوجود. لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه منذ الوهلة الأولى هو:

كيف تشكل الهرمينوطيقا نقطة الانطلاق الأنطولوجي الفينومينولوجيي الشاملة في الكينونة والزمن؟

إن كتابات هيدغر الشاب التي لخصها في مشروعه الفلسفي "هرمينوطيقا الحدوث" تبين بشكل كبير تعزيز مهمة الهرمونطيقا وأحقيتها في تمثيل كل ما هو فينومينولوجي وأنطولوجي إذا فهمت فهمًا أصيلاً، إذ يعزز مهيبل صحة هذا التوصيف بقوله: "إن الفينومينولوجيا والأنطولوجيا، ودون هرمينوطيقا، تؤخذ بما هي القاعدة الأساسية للفلسفة ستظلان مجرد أضغاث أحلام"[11] وصعوبة هذا التوصيف والتعقيد تكمن في أن موضوع الأنطولوجي والفينومينولوجي يرتبط بالكائن ذاته، وهذا ما يستدعي المؤول الهرمونطيقي بالدرجة الأولى. ومن هنا وصفها غراندان بمسكن الوجود، التي تسأل وتسائل الوجود في خيطه المحجوب عن التجلي الفلسفي، ومن هنا يبدأ الانبجاس entspringt الخاص بالوجود، أو حيث يفترض أن ينبجس.

إنها جملة مثقلة تحمل تمويهًا، إذ تجعل من هرمينوطيقي الدازين منطلقًا لها، وهذا ما دفع المفكر مهيبل إلى استخلاصها في ثلاث أوليات خاصة بمسألة الكائن:

·أولية وجودية في البداية: وهي أسبقية الدازين وعلاقته بمشاكل كينونته.

·أولية أنطولوجية: لكون أن كل معرفة علمية بالموجود، يقتضي بها الامتثال والاستناد إلى الفهم المسبق للكائن داخل الفضاء الوجودي.

·أولوية أنطوأنطولوجية ontique-ontologique: يعني أنه إذا كان الكائن المصدر الأول للفهم المرتبط بكينونته سيبذل جهوده في فهم وتلبية شروط إمكان كل الأنطولوجيات الأخرى.

إن هرمينوطيقا الدازين عند هيدغر هي فلسفة قوامها التهديم لأجل التأسيس؛ أي تفكك كل أشكال الأصنام السرمدية التي أعاقت الذات في بلوغ الأشياء التي كانت تطمح إليها، كالإيديولوجيات الأتيقي والسياسية... إلخ، ومحاولة إخراجه من هاته الشاكلة الظلامية، إلى مرحلة جديدة تعرف بدازين ملموس أصيل أولاني منفتح على ذاته، عكس القيد الذي كان يعيق تطوره وسعادته، ويحجب حقيقة. ومن خلال هذا التحول الحربائي الذي مس الدازين الجديد، ستبحث الفلسفة عن موقعة لها ضمن هذا التحول، بل دور الفلسفة يكمن في توسيع بحثها لفهم هرميونطيقا الدازين، كونها شرط إمكان الأول لقيام إتيقا معينة. ومن هنا فلهرمينوطيقا بحسب هيدغر هي ممارسة للأنوار Aufklarung مهامها تنوير الكائن وكسر كل أشكال الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية.

الفصل الثالث: الانتقال من هرمينوطيقا هيدغر إلى هرمينوطيقا غادامير

يعد غادامير أكبر الفلاسفة الألمان في القرن العشرين والوريث الأكثر أهمية لفلسفة هايدغر، وقد اهتمت فلسفته بالهرمينوطيقا أو نظرية التأويل، وإذا كان هايدغر قد طبق الهرمينطيقا على الوجود، بمعنى إذا كان السؤال الذي شغله هو: كيف نفهم الوجود؟ فإن غادامير قد طبق الهرمينوطيقا على النصوص الموروثة والتقاليد الثقافية، شأنه في ذلك شأن الهرمينوطيقا الكلاسيكية التي اشتغلت على النصوص الفلسفية والدينية القديمة، فالسؤال الذي ألحّ غادامير في طرحه، هو كيف نفهم، وهل بإمكاننا أن نفهم أصلاً، النصوص القديمة والأجنبية وتقاليدنا الثقافية؟ وما هو موقفنا من هذه التقاليد؟ وما هي الشروط التي تتحكم بهذا الموقف؟.[12] فهل يعنى ذلك أن غادامير تبنى المنهج الهيدغري في مبحث الهيرمينوطيقا، بجميع حذافيره، علمًا بأن هرمينوطيقا الدازين عند هيدغر تمثل شاكلة التعقيد، خاصة ذلك النزوح الحربائي الذي ميز رؤية هيدغر في مؤلف الهرمينوطيقا، تتجاوز بعض المفاهيم المتعلقة بـــهيدغر، وقد حددها المفكر مهيبل في ثلاثة تمفصلات أساسية، هي:

·هرمينوطيقا الحدوث الأولي، (هرمينوطيقا 1923)

·هرمينوطيقا الدازين في الكينونة والزمان

·هرمينوطيقا المرحلة المتأخرة, وتتعلق بتاريخ الميتافيزيقا أساسًا.

* أما المشروع الأول، فنلخصه تحت شعار "من أجل هرمينوطيقا للحدوث" لكن من الغريب أن هرمونيطقا الدازين عند هيدغر استثنت الرجوع إلى ما هو هرمونطيقي في مرحلتها المتأخرة، ما تعلق منها بقراءة هيدغر لينتشه على وجه الخصوص، بل راح يسند مهام جديدة لهرمينوطيقا، يكمن في البحث عن الحدوث الخاص بكل ذات، وهو الدازين القابع في بواطن كل مناّ، يعني هذا محاولة لمساءلة الذات أو البن ذاتية، المعنية بشكل دائم ومستمر"لأن الحدوث في النهاية يعيش وسيعيش داخل عنصر الاهتمام بالذات؛ أي أن المهمة الأولى للهرمينوطيقا هي العمل على تذكير "الحدوثية" بذلك الطابع الكينوني الذي هو طابعي أنا، فهذا الكائن المنتدب التأويل ذات".[13] لذلك، فالدور الأولاني لأي هرمينوطيقا كانت هي استحسان الإصغاء لدازين للتواصل مع ذاته، مع إبعاد كل أشكال الاغتراب الذواتي المتسلط على الدازين. ثم يتطرق غرندان في حديثه عن هرمينوطيقا الكينونة والزمان 1927، ويعد هاته الأخيرة بوابة التواصل مع هرمينوطيقا الحدوث. ويكمن موطن التباين بينهما في:

-هرمينوطيقا الحدوث: تتوقف على تعريف الكائن بأنه موضوع الدازين، دون استنهاض يقظته المموهة من بين ذاتيته.

-أما هرمينوطيقا الكينونة والزمان، فتتخذ الكائن دراسةً شموليةً كليةً، في إطار تصاعدي.

أما هرمينوطيقا تاريخ الميتافيزيقا في هذا المبحث، فيرى هيدغر بأن الهرمينوطيقا هي مفتاح لأي ميتافيزيقا ممكنة. وعمل هرمينوطيقا التاريخ، هو إجبار الكائن على نسيان كينونته داخل هذا السحر التاريخاني الميتافيزيقي.

غادامير في مواجهة المشروع الهيرمينوطيقي لـهيدغر:

يطرح غراندان تساؤل جينيالوجي في هذا البحث مفاده: كيف نموضع الهرمنيوطيقا الغاداميرية في مواجهة هرمينطيقا الدازين؟ إنه لمن الحصافة الجزم بأن فلسفة غادامير قد تأسست بمعزل عن مباحث هيدغر في التأويل، سواء تلك التي عرفت بهيدغر الشاب أو الشيخ، لدليل واحد هو:

·فهم غادامير من خلال بحوث هيدغر الأولى، أن موضوع الهرمونطيقا الوحيد هو الدازين، وبما أن هذا الدازين هو قابع في أشكلة الاغتراب، فمهام غادامير هي إيجاد طريق لتحريره، من خلال فهم اللغة باعتبارها مسكن الكينونة.

في سبيل فينومينولوجيا محورها حدثية الفهم:

إذ لا بد لنا أن نوضح قضية جد مهمة، في مشروع غادامير، إن ما أثار انتباه غادامير، فيما يخص هرمينوطيقا الحدوث عند هيدغر، ليس الاغتراب الخاص بالدازين، ولكن على العكس من ذلك، هو اجتهاد غادامير في فك الارتباط بين الحقيقة والمنهج، خاصة إذا ما سلمنا مسبقًا، أن غادامير متدين بفكرة مفادها أن الحقيقة العلمية مستقلة تمام الاستقلال عن استفسار وتأويل المؤول. والبديل المنهج العلمي، هو المسافة التاريخية، والأحكام المسبقة شرطيةً للفهم.[14] لذا يقول الباحث معروفي العيد: "إن الأفكار المسبقة تعتبر نقطة الانطلاق لهرمينوطيقا غادامير، بالرغم من أن التفكير الأوروبي، عصر الأنوار خاصة، حاول القضاء على هذا المفهوم باعتباره عائقًا أمام الحقيقة والمعرفة، لكن غادامير اتجه على عكس من ذلك، وخالف فلاسفة الأنوار، وعدها شرعية أساسية في نظرية المعرفة، رغم طابعها التاريخي والإنساني، إذ هي بحسب غادامير تملك في الحاضر معنى إيجابيًا أكثر.[15]

لأن وجه التباين يبن هيدغر وغادامير، ينبلج في مفهومية التأويل لكل منهما؛ فالأول ينظر إلى التأويل بأنه فهم يقوم بفهم ذاته، في حين ينظر الثاني إلى التأويل حدثًا، وتحديد وتحكيم الأنوار أمر بديهي، بمعنى أن تفهم بحسب غادامير، هو أن تفقد القدرة على التأويل والشرح معًا. إن عودة غادامير إلى العامل التاريخي، كون المنهج العلمي أثبت إيديولوجية راديكالية أعاقت مفهومية الحقيقة الخاصة بعلوم الروح. (geistesvuissens chqften) حقيقة غادامير يقر بالمزايا الخاصة بالمنهج العلمي، لكن الفهم في العلوم الإنسانية قد يتجاوز إشكالية الملاحظة، ويعوض هاته الأخيرة بأهمية السؤال، كونه القادر على عقد حوار بين الماضي والحاضر، أو بالأحرى يحدث جدل السؤال والجواب انصهارًا بين أفقين؛ أفق المؤول حاملاً لفروضه المسبقة في المقام التأويلي الراهن، وأفق الماضي الذي يحضر من خلال النصوص التراثية في صورة أسئلة متوجهة إلى من يروم فهم تأويلها؛ أي يعرفه غادامير بأنه انصهار اندماج الآفاق، (fustian des horizont veshmelzu) على اعتبار أن الفهم المنجز في أفق الحضارة لا يعدو أن يكون استمرارًا لأفق الماضي المرسل نصوصًا وأفعالاً، يقول غادامير "يشكل أفق الحاضر؛ في إطار وضعه الدائم لأحكامنا السابقة موضع اختبار، إذ من مثل هذا الاختبار ينشأ أيضًا، اللقاء مع الماضي وفهم التراث الذي ننحدر منه. وعليه، فإن أفق الحاضر لا يمكن أن يشكل حتمًا في انقطاع عن الماضي، كما أنه ليس هناك، إذًا، أفق حاضر من شأنه أن يوجد منفصلاً، فإنه لا وجود كذلك لآفاق تاريخية يمكن غزوها، إن الفهم متحقق بالأحرى في مسار انصهار هذه الآفاق التي ندعي فصل بعضها عن بعض".[16]

فتأولية غادامير بهذا القدر، تبحث دومًا عن الحل، من خلال عقد حوار وتساؤل، والحل هو ما نسميه تأويلاً بحسب غادامير، لأن أي فهم يبدأ من الحدث، الذي بدوره يقود إلى تساؤلنا التالي: ما الذي يحدث لنا عند إحساسنا بأننا فهمنا؟ إن غاية الفهم عند غادامير في مؤلف الهرمينوطيقا هو أن نتعلم كيف نطرح السؤال، باعتباره نداء للحقيقةقابلاً للفهم، إذا ماّ أحسنا استعمال اللغة، يتضح من بعدها الفهم الصريح، ومن هنا اعتبرّ غراندان بأن "هرمينوطيقا غادامير بأنها مهما اختلفت في تكوينها وتشكيلها، إلا أنها ليست بأقل شمولية من هرمينوطيقا الدازين الخاص بهيدغر".

الفصل الرابع: المنعرج الفينومينولوجي للهرمينوطيقا وفق منظور هيدغر وغادامير وريكور

إن الحديث عن المنطلقات الأولانية لكل من غادامير وريكور في حلقة الهرمنيوطيقا العامة يحيلنا إلى جملة من التباينات منها:

فالأول، أعني به غادامير، انطلق من فكرة تشريح مفهومية فكرة المنهج الأمبريقي، وتعويضه بالمسافة التاريخية، وتجربة الجمال، داخل الفضاء الهرمينوطيقي النقدي والإبستيمي، وهذا ما أدلى به في مقدمة كتابه "الحقيقة والمنهج" يقول: "بدأت بحوثنا التي بين أيدينا مع مقاومة في العلم الحديث نفسه؛ لمزاعم المنهج العلمي الشاملة، وهي تهتم بتلمس تجربة الحقيقة التي تتعالى على حقل المنهج العلمي أينما وجدت تلك التجربة، وتهتم بالبحث في شرعيتها، ومن هنا فإن العلوم الإنسانية مرتبطة بأشكال من التجربة تقع خارج العلم؛ أي أنها ترتبط بتجربة الفلسفة، والفن والتاريخ نفسه، وهذه هي جميع أشكال التجارب التي بلغتها حقيقة معنية، إذ لا يمكن التثبت منها بوسائل منهجية مناسبة للعلم."[17] أما الثاني؛ أي ريكور، فأراد أن يعوم الهرمينوطيقا داخل الفينومينولوجيا الخاصة بعوالم الحس والإدراك النهائي (finale.)ثم إن غادامير قد أعلن في كتابه الحقيقة والمنهج أنه يستحيل أن يتحقق الفهم بمعزل عن اللغة، فاللغة هي من تقيض الفهم داخل خيطها السحري، ولهذا يطرح سؤاليه حول مدى شمولية اللغة فيقول: هل يتعلق البحث في ميدان الفلسفة بحالة خاصة أم هي الخاصية الأساسية للإنسان في كل تجربة؟ وكيف نكوّن تجربتنا حول العالم؟ ألا نقترب من الوقائع باللغة دائما أم ليست اللغة هي التي تكوّن مسبقًا كل إمكانيات تأويل نتائج ملاحظتنا؟[18]

إن الأساس الفلسفي الذي يبني عليه غادامير موقفه من اللغة وعلاقاتها بالتأويل هو أن "هناك مفاهيم ثلاثة رئيسة في الهرمينوطيقا الفلسفية la philosophies herméneutiqu هي: التفسير والفهم والحوار، وهذه المفاهيم الثلاثة ترتبط مع بعضها البعض ارتباطًا جدليًا في العملية الهرمينوطيقة لا ارتباطًا منهجيًا تصاعديًا تترتب فيه خطوة على خطوة سابقة، فإذا كانت الهرمينوطيقا بوجه عام هي اتجاه في التفسير، فإن التفسير ذاته لا يكون ممكنًا إلا من خلال الفهم والحوار".[19] أما كيف تكون تجربتنا للعالم؟ فيجيب غادامير: "مثلما ينتمي الإنسان إلى جماعة معينة، فإنه ينتمي إلى زمن ومكان معينين في التاريخ، وينتمي إلى بلد معين، والمرء لا يقول إن الجماعة تنتمي إليه أو أن التاريخ من الممتلكات الشخصية لذاته، ولا هو بأية حال يتحكم في بلد بقدر ما يتحكم بلده في حياته وينظمها إنه ينتمي إلى هذه الأشياء ولا تنتمي هي إليه: إنه يشارك «فيها» بنفس الطريقة وبنفس القياس نحن ننتمي إلى اللغة والتاريخ نشارك فيها، نحن لا نسيطر على اللغة بقدر ما نتعلمها وقوة اللغة على تنظيم فكرنا وتطويعه لا تعود إلى تصلب في اللغة أو قصور بل إلى الموقف، وإلى الحالة التي توصلها الموقف إذن ومقتضي الحال هو ما ينبغي أن نمتثل له، وتكيف تفكيرنا وفقه، فاللغة ليست سجنًا بل هي فضاء مفتوح في الوجود يسمح بالتوسع اللانهائي بحسب انفتاح المرء على التراث".[20]

أما بالنسبة لريكور، فلا يود أن تبين لنا بشكل واضح، مصادرة فلسفته الهرمينوطيقة، بأنها تدين لمارتن هيدجر، إلا أنها تعمل على تمديد منظومته الهدمية التقويضية، من خلال قبولها بأناة، هذه اللفة الطويلة المتعلقة بالتموضعات، كما أنها قبلت وعن طيب خاطر، بأن يعمد هيدجر، أو غادامير إلى أخذ العلم. [21] لأن أي افتراض صادر من تموضع المسلوب من مزاعم العلم، عند ريكور، لا يغني ولا يسمن من جوع، كون الأساس عنده هو التأمل الخاص بالذات نحو الموضوع، أي الوجود، وإمكانية انعكاس التحليلات والتفسيرات التي تترجمها الذات تجاه موضوع الوجود. ومن هنا نعي جدًا لماذا انحاز ريكور للذات، في تلك الكتب الأخيرة التي ألفها في مؤلف فلسفة البن ذاتية كــ: النسيان، الذاكرة، التاريخ، الذات عينها كالآخر، فهاته الخرجة المفاجئة، لا تعني العودة إلى الدازين، بالمعنى الهيدغري، ولكن هي طرح تكاملي خاص بالدازين، والكينونة معًا، فبحسب ريكور، لا يمكن أن نفهم الكائن بمعزل عن كينونته، ففهم الكائن مرتبط بعلاقة تأثير وتأثر لا أكثر ولا أقل، ولأن التقويض أو التهديم الهيرمينوطيقي، بحسب ريكور هو معني بالذات وحدها، وهذا ما أطلق عليه "فينومينولوجيا الهرمينوطيقيا". وبناءً على هذا، فإن المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجي ليس بأقل أهمية، حتى لا نقول جوهرية من المنعرج الفينومينولوجيي للهرمينوطيقا.

الفصل الخامس: ماهية التفكيك عند جاك دريدا

لقد أورد دريدا في كتابه "مذكرات لأجل بول دومان"تحديد نهائي لمصطلح التفكيك dé constriction، وهو بالمعنى الإيجازي، أكثر من لغة، الأمر الذي دفع بالباحثين والقراء إلى اعتبار التفكيكية الدريدية بأنها مبحث جد معقد، ليس فقط من حيث الإستراتيجية فقط، بل من ناحية تحديد المفهوم.ولكن ما معنى أن التفكيك أكثر من لغة؟

·هل يقصد دريدا التعدد اللغوي داخل القارية اللغوية ذاتها؟ من احتمالات قيام هذه اللغات بقدر ما نستنطق حدود هذه اللغة بما هي كذلك.

·أم يقصد دريدا بهذا المفهوماتي، البحث في اللغة الشريدة المسكوتة، لكونها لم تكتب بعد، إذا ما علمنا أن دريدا يتجاوز مفهومية الكلام خاصة، ويبحث دومًا في ما لم يصرح به الكلام؟

وكيف نؤول هاته المعاناة المهومية الخاصة بفلسفة دريدا؟ لا يغيب عن بالنا، أن دريدا، مهموم بسؤال الهواوي والأصل، فقد وجد نفسه مزدوج في الهوية بين اليهودية والجزائرية، واستطاع بفضل انتقاله إلى فرنسا في مرحلة مبكرة، السكون إلى اللغة الفرنسية باعتبارها الأم واللغة التعليمية ولغة الأقلام الفلسفية... إلخ. إلا أنه صرحّ بعدها: "أنه لا يملك سوى لغة واحدة، ومع ذلك فهي ليست لغته." أي ارتباط اللغة الفرنسية بلغة الاستعمار والذعر واللاقيم الأمر الذي دفع به إلى الركون إلى هاته اللغة، متماهيًا مع القوة الاستعمارية في مستوى اللغة، متنكرًا لأصوله الأولى المخجلة كيهودي وكأحد أبناء الأقدام السوداء.

وهذا النكران والتجاهل المصرح به من قبل دريدا دفع به إلى التعلق باللغة المتسامحة، وقد وجدها في أحادية الآخر اللغوية كونها في الواقع تجربة شاملة تترجم جل الاغتراب المؤسس للمسالة اللغوية عند الإنسان، فهاته اللغة لا يمكن حصرها في ثقافة معينة فحسب، بل هي جامعة لكل الثقافات دون تمييز.

إن التفكيك بهذا المعنى يوشك أن يكون بمثابة ذلك التذكير الذي يدفعه النسيان، بسبب ذلك الاغتراب الضروري لكل لغة وثقافة. وإن كان غادامير يسعى إلى إخفاء جرح اللغة، أو ما يسميه هيدغر بالفهم الهرمينوطيقي، وهو نسيان الكائن لكينونته، فإن دريدا ينظر إلى الهرمينوطيقا بأنها إرادة لاستيعاب المعنى ومنظومته "الكليانية التأويلية"؛ أي أن التفكيك هو في النهاية اجتثاث للمبدأ الهرمينوطيقي ذاته. ومن هنا يصعب عقد حوار بينهما، أي غادامير ودريدا.

إن أحادية الآخر اللغوية تخضع إلى ما هو راديكالي قابل للقذف، بلغة متسترة تحاول "استذكار التذكير المستحيل بالنسيان، التذكير بذلك الاغتراب الضروري لكل لغة وثقافة"؛ أي معرفة الشاكلة السرمدية الماضاوية وإزاحتها. وأما الفهم بالنسبة إلى الهرمينوطيقا، إنما يصدر عن هذه القابلية الجامحة للقذف، فلا معقولية دون نسيان ولا مشروع هرمينوطيقي بلا اعتراف مسبق بذلك الإبهام الذي لا يمكن اختزاله لكل ما نعتقد في عرفنا بأننا فهمناه وألفناه. فإن الارتقاء من القول إلى إرادة القول يعني الالتقاء بالضيق والشدة التي ما فتئت أحادية الآخر تعمد إلى التستر عليها. وهاته الصورة هي ضرورية للتفكيك، لكنها ليس غاية للهرمينوطيقا، لأنه، بحسب غادامير، لم يدع بأن كل شيء قابل للفهم والوصف معًا، بل إن ركيزة الهرمينوطيقا البحثية الأساسية هي تكثيف الفهم، وداخل هذا البحث هي في صراع سرمدي مع اللافهم، مثل الخير والشر، والحياة والموت، وهذا ما يصفها بالشمولية.

وهنا نجد أن كلاّ من التفكيك والهرمينوطيقا يتحدثان لغة الآخر المستحيلة، فلغة واحدة لا تكفي أبدًا.

الخاتمة الفينومينولوجيا المشطوبة:

أنهى جان غراندان خاتمة هاته الدراسة، بنتيجة مفادها أن نقيض مصطلح الفينومينولوجيا هو الفينومينولوجيا المشطوبة؛ أي تلك الفينوميولوجيا التي تشطب ذاتها، ولشعوره المحرج بالحديث عن هاته الفلسفة، سيعمد إلى السكوت عنها. والأكثر من هذا أنه لا يعترف بها منهجًا، ويرى أنها ليست تقليدًا فلسفيًا بقدر ما هي فكر يتأمل الظواهر فقط، وإن أي بحث فينومينولوجي يعمل كأنه لوحة جميلة، تغوينا برؤية ما هو مرسوم، ولكن نعجز عن طرح تساؤلنا عما يحتويه هذا الرسم؟ ففي مطلق الأحوال قد تكون الفينومينولوجيا مجالاً لموضوعات معينة أو منهجًا أو تقليدًا فلسفيًا:

أ- الفينومينولوجيا بما هي مجال موضوعاتي: لقد فهمها هوسرل الفينومينولوجيا ومارسها وفقًا لهذا التصور، وهو اعتقاد كان سائدًا عند معاصريه، بأن الظواهر تعطى بشكل قصدي، وعامل الفينومينولوجيا متوقف على استكشاف هذه القصدية، أو صفائحها، وهذا ما كان يهم هوسرل وما كان يشتغل عليه. بيد أن هوسرل قد أحرج مرارًا من طرف تلامذته، من خلال تساؤلاتهم التي كانوا يوجهونها إلى أستاذهم هوسرل مرارًا، وهي: هل من الممكن أن تعطى مجموعة موضوعات محددة لنا مادامت هذه الظواهر خاضعة، في النهاية، إلى نظام القصدية؟ فراح هوسرل يسارع في بحثه باعتبار أن هدف: "الفينومينولوجي هو الوصف المتعلق بالظواهر القصدية، شريطة العودة إلى ماهية الأشياء ذاتها "وهذا ما اعتبره غراندان بأنه مشروع اختزالي ماهيّ que éidéti ذاتيّ. ثم يعرج غراندان عن ذلك الإحراج الهيدغري الموجه إلى أستاذه هوسرل، عندما قال في كتابه العمدة "الكينونة والزمان" الذي أهداه إلى أستاذه ظاهريًا: "بأن موضوع الفينومينولوجي المفضل هو ما لا يظهر أبدًا" وهذا أكبر نقد بلغة غراندان. ومكمن الخلل بحسب غراندان، ينجلي في تناقض مقولة هيدغر هاته مع مقولة هوسرل القائلة:"على الكائن بأن يكون هو هذا الموضوع بامتياز." ويطرح غرانداناستحالة وجود توافق بين الموضوع العام الفينومينولوجيا الظاهرة، والموضوع الخاص الكائن بدوره الدارس الفينومينولوجي بهاته الغربلة، ثم القول بأن موضوع الفينومينولوجيا هو الظواهر، وهذا موجود في كل النظريات ليس فقط الفينومينولوجيا.

ب- الفينومينولوجيا عنوانًا لمنهج معين: هاته الخلاصة أضافها هيدغر في كتابه الكينونة والزمن، إذ اعترف منذ البداية بأن "علم فينومينولوجي يدعي العودة للظواهر هي فكرة بديهية".

نجد أيضا فيزان الذي عد هاته البديهية الهوسرلية تحاول الدفاع عن باب مفتوح وليس مغلق. وعبقرية هيدغر تكمن في أنه الواحد الذي فهم فينومينولجيا الشطب لهوسرل، ولكي يتجاوزها أرسل رسالة إلى جوليوس ستانزل stenzel.Julius بتاريخ 31 دجنبر 1929 يقول فيها: "لن أتحدث إلا عن الأشياء ذاتها، هذا وعد مني، لن أحكي لكم حكايا لا معنى لها"، أي أن هيدغر قد اعترف بالحرج عن الحديث عن منهجية فينومينولوجية تدعي الصرامة، بل عده قلق راديكالي. والحقيقة أن المنهج الحقيقي عند هيدغر هو منهج التقويض الهرمينوطيقي الذي تسرب إلى الأسباب الخفية المتسترة حول التأويل المهيمن داخل مسرح الكينونة، إنه نفسه الفينومينولوجيا المشطوبة التي ستكشف لظواهر، ومهمة الفينومينولوجيا هي الفينومينولوجيا المشطوبة.

ج- يصعب إذن حصر مفهوم واحد معين، باعتباره مفهومًا فينومينولوجيًا يمكنه أن يوصف، لكون أية طريقة جديدة لا يمكن أن تكون مجالاً موضوعاتيًا، أو مجالاً تنقصه الدقة. إلا إذا سلمنا بالقول إن ماهية الجهد الفينومينولوجيي يعني بالقدرة على إظهار الظواهر التي تعرف معنى الحقيقي للإظهار سواء في عظمته أو ضعفه، ويعني في النهاية صيرورة اللغة بهذا المعنى، فإن الفينومينولوجيا الأحسن ترتيبًا وتنظيمًا تصبح هي ذاتها الهرمنيوطيقا.

المراجع:

1- جان غرا ندان: المنعرج الهرمونطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم عمر مهيبل، الجزائر، منشورات الاختلاف وبيروت دار العلوم ناشرون، ط1، 2007

2- عبد العزيز بو الشعير: غادامير من الفهم الوجود إلى فهم الفهم، الجزائر، منشورات الاختلاف، ط1، 2011

3-عادل مصطفى: مدخل إلى هرمينو طيقا نظرية التأويل من أفلاطون إلى غادامير، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2007

4- هانز جورج غادامير: الحقيقة والمنهج الخطوط الأساسية لتأويل فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، 2007

5- العيد معـــروفي: الهرمينوطيقا جدلية الأصل والانزياح، مقاربة معرفية ومنهجية بين تأويلية هانس جورج غادامير ونصر حامد أبي زيد، العراق، دار نيبور، ط1، 2014


[1]- جان غرا ندان، المنعرج الهرمونطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، الجزائر، منشورات الاختلاف الجزائر وبيروت، دار العلوم ناشرون، ط1، 2007

* المؤلف جان غرا ندان: فيلسوف فرنسي معاصر، متخصص في الهرمينوطيقا، وهو من الهرمينوطيقيين الأوائل الذين تجشموا صعوبة الانفتاح على تفكيكية جاك دريدا (Jaque drrida) لجهة المغاير المنهجية والفلسفية الأساسية، القائمة بين الهرمينوطيقا والتفكيك. مع وجوب الانتباه إلى نقطة التقاطع الأولانية بينهما، وهي تلك اللغة الميتافيزيقية المبطنة التي تضمر أكثر مما تبين بالنسبة للتأويلية، واللغة الصارمة المنضبطة بالنسبة للتفكيك. وبين هذين الأنموذجين تكمن أهمية المحاولة التي قام بها هيدغر. فكتاب غرا ندان هذا، يعد لوحة فسيفسائية متناسقة الألوان رائعة الإخراج قد وظف فيها طاقة تعبيرية، لإدراكه المسبق بصعوبة الموضوع وتشبعاته داخل الفلسفة الواحدة، وهي الفلسفة الألمانية من جهة، والتمايزات والتماسات القائمة بينها وبين الفلسفة الفرنسية من جهة ثانية.

** المترجم عمر مهيبل: هو مفكر وكاتب جزائري أكاديمي في جامعة الجزائر 2، منشغل بالتأويلية والأنطولوجية والتفكيكية والبنيوية، ولد في مدينة جيجل شرق الجزائر سنة 1957، نال شهادة ليسانس بالجزائر من جامعة بوزريعة، ثم نال شهادة الماجستير من جامعة دمشق، حول البنيوية في الفلسفة الغربية المعاصرة، ثم نال الدكتوراه من جامعة الجزائر حول إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة، وله عدة مؤلفات وترجمات لأهم النصوص الفلسفية المعاصرة.

[2]- المرجع السابق، ص 10

[3]- المرجع نفسه، ص 10

[4]- المرجع نفسه، ص 11

[5]- المرجع نفسه، ص 11

[6]- نقله المفكر مهيبل من كتاب هوسرل أفكار حول الفينومينولوجيا.

[7]- المرجع السابق، ص 13

[8]- المرجع السابق، ص 13

[9]- المرجع نفسه، ص 43

[10]- المرجع السابق، ص 57

* هرمينوطيقا (الحدوث ): facticité هي من المصطلحات التي نحتها هيدغر في مشروعه الهرمينوطيقي، وقد تجشم مهيبل إلى ترجمتها إلى اللسان العربي بالحدوثية، والحدوث تبعًا لما يقارب الضرورة التأويلية والأنطولوجية، بعيداً عن المعنى المصطلحي الذي قد يعني الاصطناع، والمصطنع، والتصنع. المرجع نفسه، ص 70

[11]- المرجع السابق، ص 82

[12]- انظر في كتاب العيد معروفي، الهرمينوطيقا جدلية الأصل والانزياح، مقاربة معرفية ومنهجية بين تأويلية هانس جورج غادامير ونصر حامد أبي زيد، العراق، دار نيبور، ط1، 2014، ص 13

[13]- المرجع السابق، ص ص 108-110

[14]- المرجع السابق، ص 126

[15]-العيد معروفي، الهرمينوطيقا جدلية الأصل والانزياح، مقاربة معرفية ومنهجية بين تأويلية هانس جورج غادامير ونصر حامد أبي زيد، ص 84

[16]- العيد معروفي، الهرمينوطيقا جدلية الأصل والانزياح، ص 93

[17]- هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج الخطوط الأساسية لتأويل فلسفية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، 2007، ص 28

[18]- h. g. GADAMER, herméneutique et philosophie, op, cit, p 52

[19]-عبد العزيز بوشعير، غادامير من الفهم الوجود إلى فهم الفهم، الجزائر، منشورات الاختلاف، ط1، 2011،ص 125

[20]-عادل مصطفى، مدخل إلى هيرمونطيقا نظرية التأويل من أفلاطون إلى غادامير، رؤية للنشر والتوزيع القاهرة، ط1، 2007، ص 249

[21]- جان غرا ندان، المنعرج الهرمونطيقي للفينومينولوجيا، ص 157