ما معنى "إسلامي"؟

فئة :  مقالات

ما معنى "إسلامي"؟

هل يدل مصطلح "الإسلامي" على معنى محدد عند إطلاق الوصف على جماعة سياسية أو تيار فكري أو مؤسسة أو دولة؟ هل يقدم هذا الوصف مفهوما واحدا أو محددا مختلفا عن غيره من الصفات؟ ومن ومتى وكيف تكتسب هذه الصفة "إسلامي"؟

درجت جماعات وتيارات سياسية واجتماعية على وصف نفسها "إسلامية"، ويصفها الآخر أيضا بالوصف نفسه، ولكن عند محاولة فهم المصطلح ودلالته، يمكن ببساطة أن نجد أنه لا يمكن أن تتصف به جماعة أو مؤسسة على نحو مميز دون سواها، وأنه أيضا لا يقدم فكرة أو دلالة محددة لا يختلف بشأنها، مثل وصف "علماني" أو "ليبرالي" أو "يساري"؛ فالإسلامية صفة يمكن إطلاقها على جميع التيارات والأحزاب السياسية في دولة "إسلامية"، وعلى جميع المواطنين الذين ينتمون إلى دولة "إسلامية" بمن فيهم غير المسلمين، ويمكن أيضا أن تشمل تيارات وجماعات وشخصيات "إسلامية" متعددة المواقف والأفهام والاتجاهات إلى درجة الاختلاف والتصادم فيما بينها، فأيها "الإسلامي" وأيها غير "الإسلامي"؟ وإن كانت جميعها إسلامية، فكيف نميز بينها؟ ولماذا اكتسبت هذا الوصف؟

فما الدلالة السياسية أو البرامجية التي تفهم عند إطلاق عبارات ومصطلحات من قبيل "التيار الإسلامي" أو "الإخوان المسلمون"؟ فالمتدينون يتطابقون في رؤيتهم لمجموعة من المسائل والمطالبات والمواقف، ولكن هذا التطابق لا ينشئ منهم حزبا أو تيارا سياسيا أو اجتماعيا! كثير من الشخصيات الإسلامية والمتدينين من غير الإخوان لا يختلفون عنهم في رؤيتهم لتطبيق الشريعة والالتزام بها والدعوة إليها، ولكنهم لا يعتبرون أنفسهم سياسيا مع الإخوان المسلمين حتى عندما يتفقون معهم في المواقف التشريعية والسياسية المتعلقة بالإسلام وتطبيقه، ولا أعتقد أن أحدا من الإخوان المسلمين يقلل من شأن أو ينفي أو يشكك في "إسلامية" هؤلاء!

وعلى المستوى الافتراضي الواقعي، إذا كان مواطن متدين ملتزم بالإسلام وتعاليمه وشعائره والدعوة إليه وإلى تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكنه يعارض دور الدولة في تنظيم الأسواق والاقتصاد، ويرى أن الأسواق تنظم نفسها بنفسها، ومواطن آخر متدين وملتزم بالإسلام نفسه، ولكنه يدعو ويطالب بالدور الاقتصادي للدولة، ويدعو إلى أن تكون فئة من المؤسسات والشركات والموارد ملكا للدولة أو حتى جميعها، إنهما إسلاميان متفقان في كل شيء متعلق بالدين وفهمه ومصادره وتطبيقه، ولكنهما مختلفان أيضا الى درجة التناقض ويمكن أن يخوضا ضد بعضهما البعض صراعا سياسيا طاحنا ومعقدا، ولا يمكن أن يتفقا في برنامج سياسي أو اقتصادي أو حول قانون أو تشريع؛ فالأول في نظر الثاني رأسمالي منحاز إلى الأغنياء ضد الفقراء، ويسهم في تكوين طبقة سياسية من الأغنياء الذين يتحكمون في مصائر الناس والبلاد ويستغلونهم؛ والثاني في نظر الأول الاقتصادية والإبداع والمبادرات الفردية ويكافئ الكسالى ويحرم الناشطين والمبدعين، ويهدر الموارد العامة في غير استحقاقها، ويجمع الضرائب من المجدين والعاملين ليوزعها على من لا يستحقها!

وإذا كان إسلامي يحرم الانتخابات وآخر يوجبها أو يجيزها، فما معنى الإسلامية في هذه الحالة؟ وإذا كانت دولة إسلامية مستبدة وأخرى عادلة أو كانت دولة إسلامية متقدمة وأخرى إسلامية متخلفة، فأيها يمكن وصفها بالإسلامية أو نزع الإسلامية عنها؟

والمسيحي أو غير المسلم المؤيد لحزب "إسلامي" أو مشارك فيه هل هو إسلامي؟ والإسلامي (المتدين) المعارض للإخوان المسلمين أو غيرهم من الجماعات والتيارات؛ هل هو غير إسلامي؟ والمواطن غير المسلم الذي يحمل جنسية الدولة الإسلامية ويلتزم بدستورها الذي يعتبر الإسلام دين الدولة، هل هو إسلامي؟ والمسلم أو "الإسلامي" الذي يحمل جنسية إسرائيلية (ينص دستورها أو سوف ينص عل أن دين الدولة هو اليهودية) أو أوروبية أو أمريكية هل هو إسلامي؟ ما الفرق بين الإسلامي وغيره من المسلمين ممن يحملون جنسيات أمريكية و أوروبية وإسرائيلية وبين غيرهم من المواطنين الأوروبيين والغرب، وهم جميعا ملتزمون بدستور وقوانين وأنظمة بلادهم والانتماء إليها والدفاع عنها؟ هؤلاء "الإسلاميون" الأمريكان أو الإسرائيليون أو الأوروبيون ملتزمون تجاه بلادهم التي يحملون جنسيتها بالدفاع عنها والمشاركة في تنميتها والالتزام بقوانينها؛ وفي المقابل، فإن المسيحيين أو غير المسلمين في الدول العربية والإسلامية ملتزمون بالدفاع عن بلادهم وحمايتها واحترام قوانينها، فأيهم الإسلامي وأيهم غير الإسلامي؟

والحال أن مصطلح "الإسلامية" بحاجة إلى توقف وتحرير؛ لأنه يثير كثيراً من التساؤلات، ولا يعبر عن مفهوم محدد ومميز يقبل به أصحابه والآخرون؛ لأن كل مسلم يمكن أن يعتبر نفسه إسلامياً، وكل منتج للمسلمين يمكن أن يُعدّ "إسلامياً".

فوصف القنوات الفضائية أو وسائل الإعلام أو المدارس أو الجامعات كما الجماعات والأحزاب بــــــ "الإسلامية" هو مصطلح مجازي ليس دقيقاً، فما الإسلامي، وما غير الإسلامي في الفضائيات؟ وهل يعني استثناء محطة أو برنامج من الإسلام أو الإسلامية أنه مسيحية مثلاً أو غير إسلامي؟

إن الكثير من المثقفين "الإسلاميين" وغيرهم يظنون أن الإسلام يقدم قواعد وأفكاراً ونظريات شاملة وجاهزة، وأن الاجتهاد الإعلامي والسياسي والاقتصادي الإسلامي مستمد فقط من فهم النصوص الإسلامية وتقديمها، ولا يدركون أن النظام الإسلامي تفاعل إيجابي سليم بين الفكر والعقيدة والثقافة والدعوة، والتحرك بها وسط الواقع والبيئة والمتغيرات والمحددات الكثيرة والممتدة والمتجددة، وأننا نعيش في عالم من الرياضيات واللغة والمال والعلم والدين، ولذلك فإن الأنظمة الإسلامية سواء كانت اقتصادية أو إعلامية أو اجتماعية تتعدد وتنمو، وتتراجع وتتقدم وتتخلف، حسب أصحابها والواقع المحيط بها.

وبالطبع، فإننا لا نحتاج لتأكيد وبيان وجود النظرية والمرجعية، وأن الإسلام يقدم أسساً ومرجعيات في الاعتقاد والعمل والتفكير والنجاح!

ثمة إشكال تثيره التسمية بــــــ"إسلامي"، ويمكن أن يضاف إليها "وسطي" يؤدي إلى لبس في التسمية والمصطلح والفكرة والمنهج والوصف، وخلط بين النص وتفسيره وفهمه، وقد أدى هذا الالتباس مع الزمن إلى عدم القدرة على التمييز بين الثوابت والمثل والفلسفة وبين موقعها ومرجعيتها وإبطالها وإعمالها، وتحتاج الحركات والاتجاهات والجماعات والحكومات "الإسلامية" أن تراجع كثيراً من التسميات ودلالاتها وفهمها وامتلاكها أيضاً.

التسمية بـــــ"إسلامي" أو "وسطي"، وهي التسمية التي ظهرت مؤخراً للتمييز بين جماعات وأفكار "إسلامية" مختلفة و متعددة، وبخاصة بعد صعود الحركات والجماعات "الإسلامية المتطرفة والمسلحة" التي تسلك سلوك العنف والتطرف، أو للتعبير عن الاختلاف عن التيار الإسلامي المندرج في "مدرسة الإخوان المسلمين"، وهو بعامة يغلب عليه الوسطية والاعتدال، ولكن نشأت لدى أفراد وجماعات "إسلامية" تحفظات واختلافات مع هذا التيار، يغلب عليها أنها تنظيمية وسياسية أكثر مما هي فكرية و فلسفية.

وبالطبع، فإن الحركات والمؤسسات تتسمى بأفضل الأسماء وأجملها، أو ما تعتقد أنه يعبر عن مرجعيتها ومُثُلها وقيمها العليا، مثل الإسلام، و الوسطية، والإصلاح، والعدل، والحرية، والديمقراطية، ولكنها أسماء وقيم ومرجعيات ومُثُل لا تصلح أن ينتسب إليها تيار أو جماعة؛ بمعنى أنها منهج تطبيقي معرف ومميز عن غيره، فنقول مثلاً: التيار الإسلامي، أو الديمقراطي، أو الوسطي، أو تيار العدل، أو تيار الحرية، لأسباب عملية وتطبيقية واصطلاحية؛ فهذه المرجعيات والقيم والمثل ينتسب إليها أو يزعم الانتساب إليها جميع التيارات والجماعات والمؤسسات والبرامج والأشخاص، ويحق لأي شخص أو حكومة أو جماعة في الدول العربية والإسلامية أن يصف نفسه بأنه "إسلامي" حتى غير المسلم، أو "وسطي"، ولا تقدم هذه التسمية صفة مميزة للمنتسبين إليها تجعل الدارس أو المحلل يقدم فهماً لها يميزها عن غيرها؛ فجميع الجماعات والتيارات والمؤسسات والحكومات في العالم الإسلامي هي إسلامية، المعتدلة منها والمتطرفة، الحكومية والمعارضة، السرية والعلنية، السلفية والصوفية؛ لأنها ينتسب إليها مسلمون أو مواطنون في الدول الإسلامية، ويؤمنون بها مرجعية أو شريعة ومنهجاً، ولا يستطيع التيار الوسطي على سبيل المثال أن يزعم أنه وحده المعني بالآية الكريمة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أو المفاهيم الوسطية المستمدة من الكتاب والسنة؛ فهي أفكار و مبادئ يعتقد جميع المسلمين أنهم مشمولون بها، ويؤمنون بها، ويدعون إليها "كل على شاكلته ووجهته".

وليس المطلوب هنا أن تتخلى الجماعات والحكومات والمؤسسات عن تسمياتها هذه، ولا عن مرجعيتها ومُثُلها، ولكنها مرجعيات وقيم ومُثُل وفلسفات ونصوص ومبادئ، يُفترض أن تستمد منها منهجاً مميزاً ومحدداً تزعم أنها تختلف به عن غيرها، وهي هنا عندما تفعل ذلك ستكون يمينية أو يسارية أو وسطية، محافظة أو ليبرالية، معتدلة أو متشددة، وستبقى في جميع الأحوال والمواقف والاختلافات إسلامية، فتكون إسلامية يمينية، أو إسلامية يسارية، أو إسلامية ليبرالية، ومن ثم فإن ما تقدم به نفسها أو تعرف به هو منهجها العملي، وموقفها في سياسات الحكم والإصلاح والإدارة، عل سبيل المثال هل هي مع: العدالة الضريبية أم المساواة الضريبية، المسؤولية الفردية، أم مسؤولية الدولة والمجتمع، خصخصة التعليم والصحة والرعاية أم إسنادها إلى الدولة، توزيع الموارد و النفقات العامة في الوجهة التي تخدم الطبقات الوسطى والفقيرة أم الشركات والاستثمارات والمدن، بمعنى من يستفيد أكثر من الضرائب المدفوعة.

وبالطبع، فإن المثل والمرجعيات والفلسفة تنشئ وجهات نظرة متعددة ومختلفة؛ فالاختلاف ليس على القبول بالثوابت أو رفضها، ولا إبطالها أو إعمالها، ولكنه اختلاف في التفسير والتطبيق، وقد دار في العالم العربي والإسلامي في مرحلة التحولات نحو الخصخصة واقتصاد السوق، جدل إعلامي وسياسي حول ضريبة الدخل، و"التأمين الصحي" والرعاية الاجتماعية والصحية، ودور الدولة والمجتمع والشركات، وهي مناسبة لملاحظة الرؤية التطبيقية للإسلاميين والوسطيين على تعددهم وتقديم الأفكار والمواقف حول الضريبة وتوزيعها وتحصيلها والتأمين الصحي وإدارته وتنظيمه، ودور الحكومة والمجتمعات والقطاع الخاص في ذلك. وهكذا، فإننا بحاجة أن نتجاوز الجدل الطويل والممل حول المبادئ والأفكار العامة، لننتقل إلى مسائل من قبيل العمل والضرائب والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والبيئة والحكم المحي، وتمكين المجتمعات والمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، وأن يُعاد تجميع المجتمعات والنقابات والفئات الاجتماعية والمهنية وفق مصالحها في هذه القضايا، وتتنافس التيارات والاتجاهات في مخاطبة الناس والرأي العام حول جدوى وأهمية السياسات المختلفة.

وإذا كانت الجماعات الإسلامية السياسية هي جماعات وأحزاب سياسية واجتماعية بمعنى الكلمة، فما معنى "إسلامية"؟ وما الفرق بينها وبين الحركات والأحزاب السياسية التي ينتمي إليها مسلمون وتعمل في دول ومجتمعات إسلامية؟ و إذا كانت هذه الحركات تعتقد أنها تعبر عن فهم وتطبيق النصوص الدينية في السياسة والمجتمع، فهل يجوز أن تعتبر فهمها هذا هو الإسلام؟ وهل تنتفي صفة الإسلام عن الحركات والجماعات والحكومات الأخرى؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فما معنى تسمية "إسلامي"؟ هل ثمة فرق بين تسمية الحركات والجماعات الإسلامية لنفسها «إسلامي»، وبين تسمية الدول والمنظمات لنفسها «إسلامي»، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول الإسلامية والعالم الإسلامي؟