مشروع قراءة للشّخصيّة في قصص النصوص المقدّسة: النبي في القرآن الكريم أنموذجا

فئة :  مقالات

مشروع قراءة للشّخصيّة في قصص النصوص المقدّسة: النبي في القرآن الكريم أنموذجا

مقدّمة:

تعتبر الشخصية في النص القصصي محور السرد، فإليها تنشد بقية مقومات السرد من أحداث وأزمنة وأمكنة ....، فلا قيمة للمكان أو الزمان أو الحدث ما لم تكن له صلة بالإنسان (الحلول بالمكان، الشعور بالزمن، القيام بالأفعال،...).

ونحن إذا ما قارنا بين صلة مقومات القص ببعضها من جهة، وصلتها بالشخصية من جهة أخرى بان لنا أنّ علاقة الحدث بالفضاء والزّمن قائمة على شيء من التّحرر والانفصال، في حين أنّ علاقة الشّخصيّة بالحدث علاقة تلازميّة،؛ فالشّخصيّة هي من تُنجز الحدث أو تكون تحت تأثيره.[1] وبناء على ذلك، فهي إمّا أنْ تكون فاعلة أو مُتفاعلة أو مُنفعلة، وهي أوضاع لا تخضع إلى تصنيف دقيق بموجبه نخصّص هذه الوضعيّة لهذه الشّخصيّة دون الأخرى، بل إنّ الشّخصيّة الواحدة تجتمع فيها هذه الأوضاع، فتكون مركّبة. وإنْ أردنا الدّقة استعرنا من النّحو وظائفه، فتكون الشّخصيّة فاعلا أو مفعولا به أو مفعولا معه أو مفعولا لأجله، فهي البطل والمساعد والمُعين والمُعرقل.

فالشّخصيّات إذن، إمّا أنْ تكون مُساعدة L’auxiliaire مثل الملائكة وسائر المُؤمنين، ومنها من يكون بطلا Héros، مثل الأنبياء والرّسل، ومنها ما يكون بطلا مزيّفا Le faux Héros شأن الشّيطان وأتباعه من سحرة وعرّافين والملوك الجبابرة والمتغطرسين المكذّبين للأنبياء والرسل الخارجين عن إرادة الله.

وفي ما يتصل بهذه المسألة، نشير إلى أنّ الوضع الّذي تتّخذه الشّخصيّة المُساعدة أو المعرقلة أو البطلة يظلّ وضعا غير قار؛ فالشّيطان مُعرقل بالنّسبة إلى المؤمن معين بالنّسبة إلى الكافر.

وأيّا كانت المقاربة، فإنّ دراسة الشّخصيّة تتطلّب الوقوف على الوظائف السّرديّة الّتي تنهض بها، وقد مال بعض الدّراسين إلى استخدام مصطلح الفواعل Les sujetsبدلا من المصطلحات السّابقة (البطل،... الخ)، ذلك أنّ مصطلح الفواعل عندهم "يحوي [في] طيّه الشّخص والشّخصيّة، وكلّ عنصر يقوم بأيّ فعل كالأشياء والأفكار المجرّدة، فيكون اللّه فاعلا، وكذا النّبيّ والملاك والقوم والحجر والتّابوت والعصا و القميص ... إلخ".[2]

خصائص الشخصية في النص القصصي:

إنّ الشّخصيّة- قصصيّة خيالية كانت أم واقعيّة- لا تستمد قيمتها من ذاتها، بل من شبكة العلاقات الّتي تربط بينها وبين بقيّة الشّخصيّات/ الشخوص من جهة، وعلاقتها بالفضاء من جهة ثانية. ومن الدّور الّذي تقوم به في المتن القصصيّ من جهة ثالثة، إذ لا يتحققّ الحدث إلاّ باجتماع هذه الشّخصيّات/ الشخوص وتداخل الأدوار وتعارضها.

فالشّخصيّة/ الشخص تجسّم بالأقوال والأعمال والأحوال المنظومة الاجتماعيّة أو المنظومة القيميّة الّتي تنتمي إليها (الخير، الشّر، العادات، المعتقدات ... الخ)، أو هي تكشف عن خصائص المنظومة الّتي ترفضها، وهي أيضا تكون رمزا يعكس خبايا النّفس البشريّة، وللقارئ أنْ يُحدّد مقوّمات الشّخصيّة من خلال الوقوف على خصائصها الجسديّة والأخلاقيّة والمعنويّة/ النّفسيّة، أو من خلال أحواله من جهة الاسم والجنس والسّنّ، أو بالعودة إلى المرجعيّة الثّقافيّة والاجتماعيّة والتّاريخيّة الّتي تنطلق منها، أو وفقثنائيّة التّعريف والتّنكير، وبالإمكان دراستها في صلتها بالزّمن (الماضي، الحاضر).

وبناء على اختلاف المواقف من صلة الواقع النّصّيّ بالواقع التّاريخيّ الّذي نشأ فيه، اختلفت المواقف من الشّخصيّة؛ فالبنيويّة رفضت القول بوجود صلة بين المرجعيّة الاجتماعيّة الواقعيّة والشّخصيّة الّتي تتحرّك في المتن السّرديّ أو... إلخ. إذ ميّز رولان بارت Barthes .R بين الشّخصيّة Personnage والشّخص Personne، [3] فإذا بالأوّل كائن ورقيّ لغويّ [4] من نسخ الخيال، ليس له وجود حقيقيّ، إذ هو مجرّد علامة لسانيّة، في حين أنّ الثّاني كائن يَنتسب إلى عالم الوقائع/ الحياة المعيشة؛ أيْ أنّه كائن من لحم ودم.

فإلى أيْ حدّ يمكن التّمييز بين الشّخص والشّخصيّة في النّصوص المقدّسة؟ هل الأنبياء والرّسل إلى عالم الشّخوص يَنتسبون أم تراهم ينتسبون إلى عالم الشّخصيّات؟

إنّ ما يحدّد طبيعة الأنبياء والكائنات الغيبيّة..إلخ الّتي تتحرّك في عالم القصص الدّينيّ للنّصوص المُقدّسة، هو موقف القارئ من تلك النّصوص؛ فهي في عرف المُؤمن شخوص كان لها أفعال وأدوار أنجزتها في غابر الأيّام، أمّا إذا ما غيّرنا زاوية النّظر، فيمكن اعتبارها شخصيّات لا تختلف الشّيء الكثير عن الشّخصيّات الّتي نجدها في الأساطير والخرافات والحكايات الشّعبيّة.

ولكن متى تأمّلنا النّصوص المقدّسة الثّلاثة الّتي نشتغل عليها، وجدناها تقدّم الأنبياء وغيرهم في هيئات مختلفة؛ فالأنبياء يجتهدون بكلّ ما يمتلكون من قدرة وقوّة من أجل تحقيق الأوامر الإلهيّة، إذ من الصّعب الإقرار بأنّ دور الأنبياء قد اقتصر على التّبليغ والإنذار، بل إنّنا نجدهم يختزلون القيم الدّينيّة الجديدة الّتي يفترض وجودها، وذلك بالأقوال والأفعال والأحوال، فلا نجد النّصوص الدّينيّة تحدّثنا عن الحياة العائليّة، لهذا النبي أو ذاك وإنْ تناولتها بالنّظر، ففي سبيل دعم تصوّر دينيّ ما.[5]

وَهُم في صفاتهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم يجمعون بين عالمين، الأوّل هو عالم البشر البسطاء- باستثناء يسوع في الأناجيل-. أمّا الثّاني، فعالم المرغوب فيه بما فيه من تسام عن عالم البشر بما فيه من رذائل وشرور.

إنّ علاقة النّبيّ بالآخر رجل السّلطة- فرعون، قريش،...- تقوم على التّوتر، ويبدو أنّ هذا التّوتر هو توتر تصاعديّ، فرغم أنّ اللّه يتدخّل كي ينتصر للنّبيّ من خلال الخوارق والعجائب، فإنّ الآخر لا يغيّر موقفه فلا نراه يسعى إلى المصالحة مع النّبيّ، وذلك إمّا لنهاية الأحداث/ العقاب. وإمّا للصّفات الّتي تميّز الآخر من مكابرة وعناد- فرعون-.

من الواضح أنّ الشّخصيّة تكتسب قيمتها في عالم القصّ من الأحداث الّتي تُؤسسها ومثال ذلك أنّ الرّسول محمّدا أهمّ حدث منوط به في عالم القصّ هو"الرّسالة"؛ فهي الّتي تحدّد أعماله وأفعاله، وهي الّتي تحدّد علاقته بالآخر مناصرا أو محاربا.

العلاقات بين الشخصيات في النص القرآني:

تتخذ الشخصيات في قصص النص القرآني أشكالا عديدة وتتصف بصفات مختلفة تتجلى في شبكة العلاقات التي تقيمها مع بقية الشخصيات، ونحن إذا ما تأمّلنا تلك العلاقات وجدناها تخضع لمبدإ المقابلة الذي يتجلّى فيجملة من الثنائياتdualités ، نذكر منها:

التنكير/ التعريف:

تقوم الشخصيات في قصص النص القرآني علىثنائية التنكير والتعريف في أكثر من قصّة؛ ففي مستوى التنكير يزهد لنص القرآني، وفي ذكر أوصاف الشخصيات وكل ما ساعد على تبيّن أحوالهم، ويتجلّى ذلك في علامات نصيّة كثيرة، منها: "وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى"،[6] و"إِنَّهُمْ [ أهل الكهف ] فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ"[7] ، وفي المقابل ألفيناه ينقل أحوالا وصفات عديدة تتعلق بنشأة وحياة هذه الشخصية أو تلك، ومثال ذلك حيوات الأنبياء (النبي موسى، النبي عيسى بن مريم،... )،

الكثرة/ القلّة:

تتعدد مظاهر هذه الثنائية في قصص الأنبياء والرسل في النص القرآني التي تقوم مرحلة الدعوة فيها على مفهوم المواجهة بين النبي وأتباعه (القلّة) وصاحب السلطان وأتباعه الذي يرمزون إلى الكفر والشرك (الكثرة)، وعادة ما يسخر الكافرون من المؤمنين سندهم في ذلك كثرتهم وقوتهم المادية والعسكرية ونفوذهم غير المحدود، وفي المقابل يكون المؤمنون رغم قلّتهم واثقين من النصر، لأنّهم آمنوا بالله القادر علىكل شيء.

التواصل/ عدم التواصل: يقوم هذا النوع من الشخصيات على مقابلة بين شخصيات تسعى إلى التواصل (الأنبياء،...) وأخرى ترفض التواصل (فرعون، قريش،...)، ولا يقتصر الأمر في النص القرآني على العلاقات الخارجية، بل يشمل الأمر العلاقات العائلية، وخير مثال ذلك النبي نوح وابنه،[8] وإبراهيم وأبوه.[9]

إنّ التواصل وعدم التواصل لا يتعلّق بأطراف تنتمي إلى فئات اجتماعية أو ثقافية (بنو إسرائيل/ المصرييون،..) ، وإنّما تتصل المسألة بتصوّرين مختلفين للإيمان.

ولا يفوتنا في ما يتعلّق هذه المسألة الإشارة إلى أنّ ثنائية التواصل وعدم التواصل لها في النص القرآني مظهر داخلي، ومثال ذلك ما أبداه الأنبياء من امتناع عن تلبية الدعوة الإلهية، فالنبي موسى على نحو ما يخبر به النص القرآني كان يرغب في التهرّب من التكليف الإلهي،[10]وهو شكل من الأشكال الدالة على انعدام التواصل أو رغبة طرف (النبي موسى) في عدم التواصل مع الطرف الآخر.

إنّنا في النص القرآني إزاء وضعين، تكون في الأول العلاقة بين طرفي العملية التواصلية ثابتة (النبي موسى/ فرعون، محمّد/ قريش قبل فتح مكّة، ....)، وهي الصورة الغالبة على قصص الأنبياء . أمّا الوضع الثاني، فيتمثّل في التحول من عدم التواصل إلى التواصل (النبي/ الله).

التشابه/ الاختلاف:

تتعدّد في هذا المجال أشكال التشابه والاختلاف في قصص النص القرآني؛ ففي ما يتعلق بالتشابه نتبيّن شكلين مهمّين؛ يتمثّل الأوّل في مبدإ "المشابهة التامة"، وتتجلى أبعاده فياتصاف أصحاب المهمّة الواحدة (الأنبياء، مكذّبو الأنبياء) بصفات مشتركة واتخاذهم مواقف متشابهة على اختلاف الأزمنة والأمكنة والفضاءات الثقافية. أمّا الشكل الثاني، فيتمثّل في التشابه الشكلي، ونعني به تماثل المظاهر والاختلاف الماهيات، ومثال ذلك صورة النبي موسى/ صورة سحرة فرعون؛ فالأحداث تؤكد إقدام السحرة على محاكاة أفعال النبي موسى والنبي هارون (قلب العصا حية/ قلب الحبال ثعابين)، وذلك للإيهام بأنّ النبي ساحر شأنه في ذلك شأن بقية السحرة. بيد أنّ نهاية الأحداث بيّنت كذب السحرة، وذلك من خلال إقرارهم بعجزهم أمام موسى وهارون واعترافهم بأنّهما نبيان صادقان مرسلان من الله، وفي ذلك تأكيد بأنّ التشابه بين الشخصيات (النبي / الساحر) يظل تشابها شكليايقوم على المغالطة.

قريش ومحمد الكاهن الشاعر:

أمّا الاختلاف، فله بعد واحد – في تصوّرنا- يتمثّل في اختلاف أصحاب المهّمة الواحد في جملة من الخصائص الأخلاقية والنفسيّة والطباع وردود الفعل، ويتجلى ذلك في صورة النبي بوضوح؛ فمنهم من كان صبورا (أيوب) ومنهم من كان سريع الغضب (موسى) وقس على ذلك بقية الأنبياء .....

لقد راهنا في هذا المقال على دراسة شخصيات قصص النص القرآني قراءة فنيّة، تؤكّد القيمة الجمالية التي تنطوي عليها قصص القرآن، وقد تطلب منّ الأمر الوقوف على طبيعة العلاقات التي تقيمها مع بقية الشخصيات التي تشاركها العالم القصصي من جهة، ومن جهة أخرىبيّنا أنّ العالم القصصي يتقاطع في مستوى بنائِه – انطلاقا من الشخصية- مع العالم المرجعي حينا، ويتجاوزه حينا آخر.

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:

* القرآن الكريم ، دار ابن كثير ، دمشق سوريا، (د ت).

* قسومة، الصّادق، طرائق تحليلالقصّة، سلسلة مفاتيح، ط 1، دار الجنوب، تونس، 2000.

* المسعودي، حمّادي، فنّيات قصص الأنبياء في التّراث العربي، ،دار مسكلياني للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1،تونس،2007

Pour un statut sémiologique du Personnage, Poétique du Récit,Ed, Seuil,1977 Philip Hamon,

R. Barthes, Introduction à l’analyse Structurale des Récits, Ed Seuil, Paris


[1]- راجع في ما يتعلّق بعلاقة السّرد/ الأحداث بالشّخصيّة قسومة، الصّادق، طرائق تحليلالقصّة، سلسلة مفاتيح، ط 1، دار الجنوب، تونس، 2000، ص 96

[2]- المسعودي، حمّادي، فنّيات قصص الأنبياء في التّراث العربي، دار مسكلياني للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1،تونس،2007، ص ص 340 - 341

[3]- بيّن فيليب هامون Philip Hamon في ص 115- ص116 من مقاله Pour un statut sémiologique du Personnage صدر ضمن كتاب Poétique du Récit, Ed, Seuil,1977أهم مظاهر الخلطالذي وقعت فيه الدراسات السابقة له في إبراز حدود العلاقة بين الشخصية والشخص.

[4]-راجع في خصوص هذه المسألة R. Barthes, Introduction à l’analyse Structurale des Récits, Ed Seuil, Paris, p 40

[5]-راجع قصّة كلّ منالنّبيّ إبراهيم والنّبيّ زكريا في النصوص المقدّسة.

[6]- سورة يس 36/ 21

[7]- سورة الكهف 18/13

[8]- سورة هود 11/ 41-43

[9]- سورة مريم 19/44-47

[10]- سورة القصص 28/.34