ملامح الثقافة الإسلامية السائدة

فئة :  مقالات

ملامح الثقافة الإسلامية السائدة

ملامح الثقافة الإسلامية السائدة *


حضرات الإخوة والأخوات:

اسمحوا لي أولا، أن أتحدث باسمي الخاص لا بسم الله، وأن أتحدث إليكم في موضوع لا يمكن أن يكون مطروحا بعمق إلا في ندوة وفي متسع من الوقت. لكن أنا في هذه المدة الزمنية المحدودة، سأقتصر على بعض العناصر التي رأيت أنها أبرز ما يميز الثقافة الإسلامية السائدة. وعندما أقول الثقافة السائدة، فإنني لا أقصد إنتاج العلماء في المعاهد الإسلامية التقليدية مثل، الأزهر والنجف والزيتونة والقرويين وما شابه ذلك. ولا أقصد كذلك ما يكتب وما ينشر ويذاع من محاولات في النظر إلى هذا التراث الديني من الزاوية غير التقليدية، وإنما أقصد ما هو مشترك مما نقرأه في الصحف السيارة وفي أغلب المجلات وعلى شاشات التلفزة. هذه الثقافة الإسلامية السائدة لها بعض الخصائص والمميزات التي سأحاول الوقوف عند بعضها فقط من حيث مصادرها ونتائجها.

أبدأ بمصادر هذه الثقافة:

تعلمون أنه في كل البلاد الإسلامية، وخاصة في المجتمعات التقليدية، يوجد إسلام العلماء وإسلام العامة، وبالخصوص في الريف وفي البوادي؛ فلو أردنا البحث من الناحية الاجتماعية عبر وصف الثقافة التي كانت سائدة نصف قرن، لوجدنا أن الثقافة الشعبية، والتي تختزن عناصر من الثقافة العالمة، تحتوي رواسب كثيرة من الثقافات المحلية، وحتى من العقائد الوثنية أو شبه الوثنية، غير أن الأمور تطورت وتغيرت على كل حال، منذ انتشار التعليم في البلاد الإسلامية عموما. وفي العصر الحديث وبعد حصول العديد من البلاد الإسلامية على الاستقلال السياسي، أسهم ما يسمى بالتمدرس في خلق جيل جديد، يحمل عن الإسلام نظرة تختلف أحيانا اختلافا كبيرا عن نظرة أبائهم وأمهاتهم، وأصبح الشباب المتعلم في المدارس، ينظر إلى الآباء والأجداد على أنهم لم يكونوا مسلمين كما ينبغي، هم مسلمون لامحالة لا ينكر عليهم ذلك، ولكن إسلامهم منحرف عما ينبغي أن يكون عليه، وهذا من أسباب السلوك الذي نلاحظه عند الجيل الذي انتقل من الثقافة الشفوية إلى الثقافة المكتوبة.

أما بالنسبة للثقافة العالمة، فالملاحظ أنها ثقافة عجزت في أغلب الحالات عن مواكبة العصر، سواء تعلق الأمر عند الشيوخ القرويين أو شيوخ الزيتونة أو شيوخ الأزهر، رغم الدعوات العديدة التي صدرت عن طلبة هذه المعاهد الدينية التقليدية لتطوير البرامج، لكي يكون هذا التعليم صالحا لمقتضيات الحياة الجديدة بما تتطلبه من معرفة بغير المواد التي كانت تدرس في نطاق هذه المعاهد؛ أي أن هذه الثقافة السائدة عند علماء الدين، انقطع فيها السند العلمي في كثير من الأحيان، وانقطاع هذا السند العلمي له نتائج أحيانا كارثية، لأن الذين خلفوا،هؤلاء العلماء التقليدين، نظرا لأصولهم الريفية في كثيرمن الأحيان، ونظرا لأنهم ليسوا من الذين ورثوا هذه الثقافة بكل تشعباتها وبكل ما فيها من ثراء، كانت ثقافتهم الدينية في الحقيقة ثقافة محدودة، وهذا ما جعل مواقفهم في كثير من الأحيان متذبذبة، إذ كانوا إلى جانب هذه الثقافة الدينية المحدودة يمتلكون نوعا من الغطاء الرقيق من الثقافة الحديثة، ولكنهم ليسوا متعمقين فيها، وغير متمكنين من نصوصها الأساسية. لذلك، ولأسباب أخرى- طبعا لا يسمح لي الوقت باستعراضها- نلاحظ أن نشوء هذه الحركات الإسلامية السياسية التي يتزعمها مهندسون وأطباء وعلماء في الرياضيات والفيزياء والكمياء، وما إلى ذلك هم أحيانا حقوقيون، يعني محامون درسوا الحقوق، لكن قلما تجد من بينهم من هو متمكن من العلوم الدينية، ومن هو مؤهل حقيقة ليتحدث باسم الإسلام، وهذا من المآسي التي نعيشها؛ فهؤلاء اقتصرت ثقافتهم على ما تعلموه في المدارس الإبتدائية والمعاهد الثانوية وليس لهم تكوين جامعي في هذا الاختصاص، وأن اختصاصهم بعيد جدا عن العلوم الدينية؛ أي أنهم يشتركون في هذه السطحية التي تميز التكوين الذي يتلقاه عموم التلاميذ، وهي سطحية لا مناص منها، لكن ما يميز تعليمنا في كل البلاد الإسلامية هو أنه تعليم دوغمائي؛ أي أنه يقدم لنشء – خصوصا ما تعلق بالدين- على أنه حقائق ثابتة ومتفق عليها، بينما الأمر ليس كذلك. وحين ندرس تاريخ الفكر الإسلامي، نلاحظ أن هناك دائما تطورا في تأويل النصوص، وأن هذه التأويلات كانت متعددة، إن لم تكن أحيانا متناقضة وهذا التعليم دوغمائي، لأنه يبرز الانتماء إلى مجموعة ضاقت أو اتسعت بدون أن يهيأ الانفتاح على المجموعات المللية الأخرى؛ أي أنه إذا نشأ في وسط سني، فإنه يجعل كل شئ تقريبا عن التشيع، وكأن 10 الملايين من الشيعة غير موجودة بالنسبة إليه، لا يعرف عنهم شيئا. والشئ نفسه ينطبق على من نشأ في وسط شيعي، فيتعلم ما تعوده الناس في وسطه على أن يتعلموه، ويجهل السنة، وبالخصوص ما يقوله السنة عن أنفسهم لا ما يقوله الشيعة عن أنفسهم والعكس بالعكس؛ فهذه الدوغمائية وهذا الانغلاق هو في نظري السبب الرئيس في ما تعانيه المجتمعات الإسلامية الآن، لأن هناك إمكانات أخرى جربت في سياقات حضارية أخرى وأمكن بها التأثير في نفوس النشء وابتعادهم عن هذه الدوغمائية. وفي هذا الحديث، سأدرج مثالا أو مثالين للاستدلال عليه، لو سمحتم بسرعة. آخذ مثالا فيما يتعلق بالصلاة، وما تعلمه التلاميذ في المدرسة الابتدائية، وفي المعاهد الثانوية فيما يتعلق بإمامة المرأة في الصلاة، وما يقال على أنه من المعلوم من الدين للضرورة أن إمامة المرأة للرجال لا تجوز، وإنما الاختلاف، هو هل تجوز إمامتها بالنساء؟ أم لا تجوز؟ وهل تجوز إمامتها بالنساء في الفرائض أم في النوافل فقط؟ لكن حين نقرأ بعض النصوص القديمة، نجد ما يلي: من الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء، والمؤلف وسترون، يقول: وبه أقول؛ أي أنني أتبنى إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء، ومنهم من منع إمامتها على الإطلاق بالرجال والنساء، ومنهم من أجاز إمامتها بالنساء دون الرجال. ثم يضيف والأصل إجازة إمامتها؛ فمن ادعى منع ذلك بغير دليل، فلا يسمع له ولا نص للمانع في ذلك. هذا الموقف موجود ونجده في الفتوحات المكية لابن عربي، لماذا لا نعلمه ونخبر به أبناءنا و بناتنا، وبذلك نخرج عن هذه الدوغمائية التي تميز تعليمنا في هذا المستوى. ولذلك فالمقصود ألا ندعو أساتذة ما يسمى بالتربية الدينية أو التفكير الإسلامي إلى أن يجتهدوا أو يقوموا بثورة في الفكر الديني أو ما أشبه ذلك؟ لا، هم غير مؤهلين لذلك ثم هذا ليس شأنهم، هذا شأن باحثين مختصين في هذا المستوى، المسألة هي مسألة أمانة. وفي جميع المواضيع، هل يعلم التلاميذ ذلك؟ وأنا اخترت عمدا هذا كحالات محرجة للضمير الديني السائد. هل يعلمون التلاميذ أن التخير في صوم رمضان كان في النص القرآني بين الصوم والإفطار وإطعام المساكين؟ إن منع ذلك كان بالإجماع لا بنص، وإنما بتأويل المخصوص، وهذا يقوله علماء الدين صراحة، الشيخ المرحوم محمد طاهر بن عاشور، يقول هذا بكل أمانة، لكننا لا نعلمه لتلاميذنا، لا نقول لهم: إٍن هذا المنع من التخير بين الصوم والإفطار تم بإجماع لا بمقتضى النص، لا نقول لهم ينبغي أن تفعل كذا وكذا، لا يجب أن تفعل كذا وكذا، وأنتم تعرفون البقية. القضية هي في نهاية الأمر قضية أمانة في تبليغ محتوى هذا التراث الإسلامي والأمثلة لا تعد ولا تحصى في هذا الشأن، لو كان لي متسع من الوقت لتطرقت للأمثلة الأخرى. لهذا، فالثقافة السائدة غير أمينة ودوغماءية، وهي التي تؤدي إلى السلوك الذي تعرفونه جميعا في كثير من البلدان، وهو التعصب وربما الإرهاب والعنف وما إلى ذلك؛ فهذه النتائج المترتبة عن هذا التعليم وهذه الثقافة السائدة التي تبثها وسائل الإعلام وكذلك المدرسة، يمكن أن نحصرها في الآتي:

- أولا، أضع عمدا على رأس هذه النتائج الفقر المعرفي في شؤن الدين؛ فمن هو سني ويجهل كل شئ عن التشيع، فهذا فقير معرفيا، ونفس الشئ لمن هو إباظي ويجهل كل شئ عن أهل السنة إلى غير ذلك. وكذلك من يجهل عقائد الآخرين من غير أهل الملة. وما قيل عن هذا المنبر يوم أمس يكفي بالاستدلال على هذه الضرورة، وتجاوز هذا الفقر المعرفي السائد.

- النتيجة الثانية الكبرى، هي أن هذه الثقافة الدينية السائدة تكون عائقا دون تبني القيم الكونية الحديثة، ومن أهم هذه القيم كما تعلمون الحرية والمساواة، إذ لا يمكن الفصل بينهما ؛ فعندما أسمع من النساء بالخصوص من يدعين أنهن يلبسن الخمار من باب حرية الاعتقاد، أقول لهن هذا حقكن المطلق، لكن قلن شيئا آخر، قلن أن هذا ما نفهمه من مقتضيات الدين. أما إذا ادعيت أنك تلبسين الخمار من باب الحرية؛ فالحرية لا تنفصل عن المساواة، ويوم يفرض الخمار على الرجال، آنداك يمكننا أن نستند إلى الحرية، هذه القيمة الإنسانية السامية.

إن هذه الخصائص التي ذكرت بعضها، وأكدت فيها على الفقر المعرفي بالدين، لها مظاهر عديدة، فمن الناحية الأخلاقوية مثلا، والتي نراها منتشرة بين التيارات الإسلاموية الحديثة، نجد أخلاقوية لا أخلاقية ، حيث التشبت بأخلاق تقليدية كانت صالحة لمجتمعات قبلية ولمجتمعات ما قبل الدولة الحديثة، إذ ينظر إلى هذه الأخلاق كأخلاق صالحة مطلقا. واتضح أن هذا غير ممكن مع ظاهرة أخرى، وهي التشبث بالطقوس واعتبارها المحدد لمن هو مسلم حقيقة وليس بمسلم.

هذا الغياب وهذا التقلص للروحانية، والتي هي أساس التدين الحقيقي والصادق، راجع إلى أن فكرنا وثقافتنا بصفة عامة، تغلب البعد الجماعي على البعد الفردي في الدين؛ والدليل على ذلك هو ما نعيشه هذه الأيام في المغرب؛ فالفتوى التي أصدرها العلماء المغاربة فيما يتعلق بتطبيق حكم الردة على الذين يغيرون دينهم، استنادا إلى حديث "من بدل دينه فاقتلوه"، هي موقف تغلب فيه مصلحة الجماعة -أو كما يتوهم أنها مصلحة الجماعة- على اختيار الفرد الحر... زد على كذلك، اقتصار هذه الثقافة على بعض الشعارات الزائفة في غالب الأحيان، لا على معرفة حقيقية وعميقة تتسم موضوعية والانفتاح على الآخر. ونحن في رحاب مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، ما ينقص هذه الثقافة السائدة هو هذا الانفتاح على هذا الثراء والتنوع الموجود في التراث، وعلى التعدد الموجود في الواقع لا في التراث كما نراه. وبذلك نستطيع أن نجنب وقوع الشباب كضحايا للحركات الإرهابية وضحايا لسلوكيات لا صلة لها بالتدين الذي من شانه أن يرتقي بالإنسان من المنزلة الحيوانية إلى المنزلة الإنسانية. لكن لم يكن هذا الشرط كافيا، لأن هناك عوامل أخرى بالتأكيد سياسية واقتصادية واجتماعية...

شكرا لكم عن الانتباه.

*هذا نص المداخلة التي ألقاها الدكتور عبد المجيد الشرفي في المؤتمر الإفتتاحي لمؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات و الأبحاث, ٢٥/٢٦/٢٠١٣ مدينة المحمدية المغرب.

* عبد المجيد الشرفي مفكر تونسي