الأخلاق عند سنيكا بين العفو والغضب
فئة : مقالات
الأخلاق عند سنيكا بين العفو والغضب
مقدمة:
تعد الأخلاق والقيم عند سينيكا جزءا أساسيًّا من فلسفته الرواقية التي تعكس السعي نحو العيش، بناء على الحقيقة والصدق والشجاعة، والعفو مقابل تجنب الغضب والقسوة التي تجلب التعاسة والضيق، فأخلاقه هذه تسعى إلى تحسين الذاتي وتطوير العقل، والصفاء الروحي، كما تشمل أخلاقه أيضا القدرة على التحكم في الانفعالات والتعامل مع التحديات اليومية بواقعية، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين، وتحقيق السعادة من خلال العيش بالتفاؤل والسلام الداخلي ومن خلال هذا أيضا تعلمنا فلسفته الرواقية أن السعادة لا يجب ربطها بالظروف الخارجية، بل يجب أن تنبع من القوة الداخلية والتحكم في أفكارنا وتصرفاتنا بعيدا عن الانفعالات التي تنبع من التهور .
كيف عرف الغضب وميزه؟ هل يمكن للغضب أن يحدث دون موافقة العقل؟ ما الفرق بين التعنيف الناتج عن الغضب والتعنيف الصادر عن عقل متزن يسعى إلى الإصلاح؟
كل هذا سنعرفه على النحو التالي:
I. الغضب في فلسفة سينيكا
يغضب البشر لأسباب متعددة، تتفاوت بين البسيط كاعتراض سائق للطريق، والمعقد كمآسي الحروب التي لا يُحرّك العالم ساكناً تجاهها، لكن غالباً ما ينبع الغضب من أمور بسيطة.
1- تعريف الغضب
يعرف سينيكا الغضب بأنه "الرغبة في الانتقام لخطأ"[1] يمكن التعبير عن هذا المفهوم علمياً من خلال رواية "ميديا"[2]، ‘‘حيث دمرت ميديا كل شيء بما في ذلك نفسها، وهي ضحية حبها وغضبها، فكانت ميديا رمزا يكشف الجوانب المكروهة في الإنسان، والتي تدمر كل أوجه المشاعر الطيبة، وقد تجسدت هذه الجوانب في انفعالات الغضب والانتقام التي جعلتها ترتكب جرائم لا حد لها من أجل حبها لياسون، فتقتل أخاها ضحية حبها وتهرب من وطنها، وعندما خان ياسون عهده معها واقترن بغيرها، تنتقم منه أشد انتقام، فترتكب جرائم أفظع‘‘[3] وبهذا، يجسد لنا سينيكا جنون الغضب وشهوة الانتقام عبر كشف هشاشة النفس البشرية، عندما تخضع للرغبة، فتسخّر كل إمكانياتها لتحقيق أهدافها.
يفرّق سينيكا بين الغضب والغيظ من خلال مثال واقعي، موضحا أن الغضب يختلف عن الغيظ الظاهر بوضوح ‘‘إنه يختلف بنفس الطريقة التي يتباين بها السكران عن السكير والخائف عن الخواف، وربما لا يكون الغاضب مغتاظا والمغتاظ ليس غاضبا أحيانا. هذا هو الاختلاف بين الانفعال الحادث (عارض لغضب مجرب بالفعل) والتصرف انفعالي، وهو سمة شخصية راسخة تتضمن الميل لتجربة تمنح الانفعال‘‘.[4]
يرى سينيكا أن هذا التصور يمثل حقيقة وفق فلسفته، فيقول ‘‘هناك صور بعينها للغضب بعضها ينحدر إلى صراخ مقتضب، وبعضها ارتعاش مألوف وعويص وبعضها جسدي موحش وليس لفظيا تماما، ... وبعضها صور لا تتعدى الشكوى والاستياء، وبعضها دفين مؤثر ومتشعب باطن. هناك ألف نوع آخر لصور الشر متعددة الشكل‘‘.[5]
2- طبيعة الغضب
قدّم سينيكا وصفا دقيقا لطبيعة الغضب، متناولا تفاصيل المشهد الذي ينعكس على ملامح الغاضب. ‘‘فبمقدورك أن تقول إن الناس الذين يستولي عليهم الغضب ليسوا أسوياء بالنظر إلى تصرفاتهم، كما يُظهر المجانين أعراضا بعينها بتعبير فظ أو متجاوز ... وملامح حادة وخطوة سريعة وأيد مضطربة وبشرة متحولة ...، لذا فالغاضبون يُظهرون الأعراض ذاتها، حيث تتلظى أعينهم وتستعر‘‘[6]، لا شيء يفيد الإنسان أكثر من إدراك مدى بشاعة الغضب وعواقبه الوخيمة. إنه أكثر أشكال الانفعال إزعاجا، حيث يشوّه أجمل الوجوه. في لحظات الغضب، يفقد الناس كل شعور بالاتزان والاحتشام؛ فإن كانوا أنيقين في لباسهم، تلاشى اهتمامهم بمظهرهم، وكأنهم محاصرون في عاصفة عاتية لا يستطيعون السيطرة عليها.
لم يقتصر سينيكا في وصفه على غضب البشر، بل امتد ليصف أيضا مظاهر الغضب لدى الحيوانات، حيث قال: ‘‘ترغو الخنازير في فمها وتجز على أنيابها لتحدها، وترشق الثيران قرونها في الهواء الفسيح، وتبعثر الرمل بحوافرها الدامغة، وتزأر الأسود، وتلمع الثعابين رقابها حين تستفز، وتسعر الكلاب بالحملقة. فلا حيوان بطبيعته مرعبٌ ولا خطرٌ، بل تزداد ضراوته عندما ينتابه الغضب‘‘[7]
3- الآثار المدمرة للغضب
يرى سينيكا أن الغضب قوة مدمرة تفوق الكوارث الطبيعية؛ إذ يشعل الحروب، يهدم المدن، ويفني الأمم. من خلال تأملاته المستندة إلى وقائع عصره، فالغضب يقود إلى سفك الدماء، تفشي الظلم فالغضب عنده ‘‘أكثر كلفة من الوباء لجنس البشر، فسفك الدماء والتسمم ودعاوى القضايا وردها وتدمير المدن قد يبيد أمما برمتها، ويقود المواطنين أفواجًا للبيع في المزاد، ويضع الديار على المشاعل ثم الحريق بلا رادع من أسوار المدينة، وتتحول المساحات الفسيحة من الأرض المشرقة بمداهمة اللهب. وتأمل المدن ذائعة الشهرة التي يصعب بناء أحجار أساسها الآن: إن الغضب قد يسقطها‘‘[8]. إن الغضب يقلب الأشياء من صلاحها إلى فسادها، ومن الجمال إلى القبح، فهو يدفع الإنسان بعيدا عن واجباته، ويشوه علاقاته. يجعل من الأب عدوا لولده، ومن الابن قاتلا لأبيه، ويجعل من المواطن المخلص مستبدا غريبا عن أهله.
وإذا كان الغضب ‘‘جزءا من طبيعة الإنسان، فذلك يدعونا للتأمل في حال البشر: في أي الحالات يكون الإنسان عاقلا متزنا لا تسيطر عليه الانفعالات؟ وهل هناك ما هو أكثر قسوة من الغضب؟ أو ما هو أشد كراهية لطبيعة الإنسان منه؟ وهل هناك ما يعاكس فطرته أكثر من هذا الشعور؟ الإنسان خُلق ليمنح العون ويقبله، بينما الغضب يُعدّ أداة تدمير لذلك المعنى. فالأول يسعى للتقارب والوئام، بينما الآخر يدفع إلى العزلة والعدوان. أحدهما يطلب الخير، والآخر يتعمد الأذى، يصل الأمر به إلى أن يعتدي على أحب الناس إليه. فالطبيعة البشرية ميّالة للتضحية من أجل الآخرين. أما الغضب، فلا يتردد في التضحية بالبشر أنفسهم، فقط ليجرّ خصومه إلى الهلاك معه‘‘[9].
4- آلية الغضب
يتحدث سينيكا عن ‘‘الانفعالات على أنها كيانات منفصلة بشكل ما أو بآخر عن الذهن أو العقل، ويمكن مداهمتها أو تلويثها، وهذا الأمر لا يتعلق بالانفعالات عند الرواقية، بل بموضوع الحس المشترك للانفعالات التي نستقبلها، فمن السهل في المقام الأول أن نبقي على عوامل الضرر خارجًا، وعدم قبولها أكثر من توجيهها والتحكم فيها بمجرد قبولها؛ لأنهم حين يستغلونه فهم أكثر قدرة ممن يتحكم فيه، ولا يتحملون استقطاع أو نقصان. وفي المقام الثاني، فإن العقل ذاته الذي يُعهد إليه زمام الحكم، لا يحكم إلا إذا ظل معزولا عن الانفعالات، ومجرد اختلاطه بها يتلوث ويعجز عن إبقائها محلا للمراقبة، رغم أنه يمكن أن يبقيها خارجًا. فالفكر بمجرد زعزعته وإزاحته عن مكانه الصحيح يصير عبدا لشيء يشقه على طوله‘‘[10]. تصور سينيكا للعلاقة بين العقل والانفعالات. فهو يرى أن الانفعالات ليست جزءا أصيلا من العقل، بل كيانات منفصلة يمكن أن تداهمه أو تلوثه. وبالتالي، فإن القدرة على التحكم فيها تكون أكثر فعالية عندما لا يتم السماح لها بالدخول في الذهن منذ البداية، بدلا من محاولة ضبطها بعد قبولها.
وهذا ما يؤكده سينيكا بقوله: ‘‘وهناك أشياء بعينها تحت سيطرتنا في بداياتها، وتدفعنا على طول الخط بقوتنا في مراحلها اللاحقة ولا تترك لنا طريقا للعودة. فالذين يقفزون من جرف ينبت قرارهم ولا يستطيعون المقاومة ولا يبطئون نزول أجسامهم عند السقوط، وليس أمامهم سوى الوصول إلى النقطة التي كان بمقدورهم أن يرفضوها من البداية، وهكذا العقل حين يُقدم على الغضب والحب والانفعالات الأخرى لا يُسمح له بمراقبة انقضاضه، حيث عليه أن يحمل ثقله وطبيعته النازلة للأسفل ويدفعها أسفل إلى الأعماق‘‘[11] السبيل الأمثل هو التصدي للغضب من بداياته، ومحاربة شراراته الأولى قبل أن يتمكن منا؛ لأن الاستسلام له يفقدنا السيطرة، ويمنح الانفعال سلطة يتعذر نزعها لاحقا، فيفعل حينها ما يشاء لا ما نسمح به.
وفقا للفلسفة الرواقية في علم النفس ‘‘أن الانفعال ليس مفصولا عن قدرة التفكير، بل هو تغير في قدرة التفكير ذاتها، وتنطوي الانفعالات وحدها على التحول؛ لأن العقل حالة ذهن طبيعية، والعقل والانفعال ليسا لهما أماكن متمايزة ومفارقة، بل يتحول العقل إلى حالة أفضل وأسوأ، وإلا كيف يبعث ذاته بمجرد بزوغ الغضب عندما تربكه الرذيلة وتستولي عليه؟ أو كيف يحرر ذاته من حالة الوحل التي يهيمن فيها خليط العناصر الرئيسة؟‘‘[12].
ليس من المفترض أن يكون ‘‘الغضب مثيرا فحسب، بل يمضي قدما في الهجوم، إنه نوعا من السعي، وليس من سعي يحدث دون موافقة العقل، وليس بمقدور المرء أن يعمل ليكسب انتقام وترضية عقل من ليسوا على وعي، وافترض أن شخصا كان يعتقد أنه تضرر ويريد الانتقام، ثم هدأ في التو عندما حثته بعض الأسباب ضد هذا الانتقام، فإنني لا أُسمي هذا غضبًا، بل أُطلق عليه نزعة مزاج لا تزال مطيعة للعقل، فالشيء الغاضب يقفز من العقل ويخطفه ويحمله على طوله‘‘[13] تمييز سينيكا بين الانفعال الأولي والغضب الفعلي. فهو يرى أن الصدمة العقلية الناتجة عن الشعور بالضرر ليست غضبا في حد ذاتها، بل مجرد انطباع أولي. أما الغضب الحقيقي فينشأ عندما يتم تبني هذا الانطباع بوعي وإرادة، ويتحول إلى نزعة انتقامية مقصودة.
5- ضرورة الغضب
هنا يواجهنا سينيكا بسؤال ‘‘مفاده هل التعنيف مطلوب أحيانا أم لا؟، ويجيب بالطبع مطلوب ولكن المطلوب هو التعنيف المتعقل دون غضب؛ لأن الغاية ليس فعل الضرر بل شفاء تحت رداء الإيذاء، كما لو كنا نسخن قضبانا معدنية ملتوية لاستعدالها، وندق المطارق لتقويم اعوجاجها، ولذا فإننا نستعدل خصائل الناس بألم الجسد وتكدير العقل حينما تعوجهما الرذيلة‘‘[14] سينيكا يميز بين التعنيف الناتج عن الغضب والتعنيف الواعي الهادف للإصلاح. فهو يرى أن التعنيف قد يكون ضروريا أحيانا، لكن بشرط أن يكون نابعا من عقل متزن لا من انفعال غاضب، حيث يكون غايته العلاج لا الإيذاء، تماما كإصلاح الحديد المعوج بالتسخين والطرق. وبذلك، يشبه تقويم السلوك البشري المؤذي بتقويم المعدن، حيث يستخدم الألم كوسيلة لإصلاح الانحراف الأخلاقي لا لمعاقبته بدافع الانتقام.
ويستشهد بمثال ‘‘الطبيب حين يواجه اضطرابات خفيفة، فإنه يحاول في البداية أن يدخل تعديلا على النظام اليومي: حيث يفرض بعض الترتيبات على الطعام والشراب والعمل، ويحاول بهذه الطريقة أن يبني صحة المرء على مهل ليجعل أسلوب حياته محكمًا. ويسمح للاعتدال بعد ذلك بأن يقوم ببعض الأشياء القويمة، وإن لم يفد الترتيب والاعتدال بشيء، فإنه يستأصل بعض عناصر النظام اليومي، وإن لم يستجب المريض يحرمه الطبيب الطعام ليحرره من أثقال جسده بالصيام، وإن لم تحقق هذه الجرعات اللطيفة شيئا فإنه يلجأ إلى الجراحة والبتر إن كانت أطرافه المتعلقة بالجسد قد تضررت بانتشار المرض. فأيما كان العلاج فإن له نتيجة صحية يظن أنها قاسية‘‘[15]
6- الغضب والعقل
والآن ليس من شك في أن الغضب ينشأ كردّ فعل على انطباع بالضرر أو الظلم، لكن تساؤل سينيكا الجوهري هو: هل هذا الغضب يستند إلى موافقة العقل أم لا؟ فهو يميز بين مجرد الإحساس بالضرر (الذي قد يكون عفويا أو غريزيا) وبين الغضب الحقيقي الذي يتطلب تدخل العقل وموافقته. فإذا حدث الغضب دون تشارك العقل، فهو انفعال أعمى. أما إذا وافق عليه العقل، فهناك إشكال أعمق: هل العقل نفسه يمكن أن يرضى باندفاع غير عقلاني؟
يقول سينيكا: ‘‘معبرا عن الرأي الرواقي: إننا نظن أن الغضب لا يجتاز شيئا من تلقاء ذاته بل يعمل بموافقة العقل: (أ) حيث يأخذ انطباعا بأن أحدهم ارتكب خطأ، (ب) ثم يرغب في الانتقام منه، (ج) ثم يجمع كليهما في حكم بأن أحدهما لا ينبغي أن يُضر ويجب الانتقام من الآخر - ولا يصدر هذا الدافع مستقلا عن إرادتنا‘‘[16]. تصور سينيكا للغضب بوصفه انفعالًا لا يعمل بشكل مستقل، بل يتطلب موافقة العقل. وفقا للرأي الرواقي، لا ينشأ الغضب من تلقاء ذاته، بل يمر بثلاث مراحل:
1. الانطباع الأولي بأن شخصًا ما ارتكب خطأ.
2. الرغبة في الانتقام كرد فعل على ذلك الخطأ.
3. اتخاذ قرار واع بأن الانتقام واجب، مما يؤدي إلى اندفاع الغضب بفعل الإرادة.
إن طبيعة العقل ‘‘لا تحث لأفعال تشبه الحرب، ولا ينبغي أن تعين الفضيلة الرذيلة، وهي كافية بذاتها، وحين تحتاج الفضيلة إلى فعل مجحف لا تشعل الفضيلة الغضب، بل ترتفع وتتحرك بقدر ما تستدعي الضرورة، ثم تهدأ كما تطير المقذوفات من المقاليع التي يتحكم فيها القاذفون الذي يُعايرون عزم دورانه‘‘[17]. إن العقل الفاضل لا يدفع إلى أفعال عنيفة أو عدوانية، ولا يسمح للفضيلة بأن تخدم الرذيلة أو تتلوث بالغضب. فالعقل، حين يتحرك في مواجهة الظلم، لا ينفجر بانفعال، بل يتصرف بضبط واتزان وفق مقتضى الضرورة، ثم يعود إلى سكونه. ويشبه هذا الانضباط بحركة المقذوف من المقلاع: دقيقة، محسوبة، وتحت سيطرة كاملة من العقل، دون اندفاع أعمى.
‘‘وأما عن علاقة الغضب بالشر والعقل، فإن الغضب الذي يؤكد عليه سينيكا هو ما يتسم بالشر، حيث عدم القدرة في السيطرة عليه، ويتنامي اشتياطه من الحقيقة ذاتها إذا ظهر منقضا لإرادته. ويتعقب نوايا ضحاياه بالصراخ والضجيج واهتزاز الجسم كله وإضافة وابل من الشتائم والقسوة‘‘[18].
يؤكد سينيكا على استحالة استئصال الغضب من النظام البشري، حيث إن نزع الغضب يضمر في ذاته عند سينيكا استئصال الشر؛ إذ يقول: ‘‘عليك أن تستأصل الشر من النظام الطبيعي إن أردت أن تستأصل الغضب، وهذا محال‘‘[19] يؤكد أن الغضب جزء لا يتجزأ من النظام البشري؛ إذ يرتبط بوجود الشر في العالم. وبما أن الشر لا يمكن إزالته من الطبيعة، فإن الغضب سيظل حاضرا، مما يجعله عنصرًا ملازمًا للحياة الإنسانية.
يرى سينيكا أن الغضب لا يمكن أن يتعايش مع الفضيلة، ويجب اجتنابه كما نجتنب الأذى الجسدي، وأن تهذيب النفس وترويض الانفعالات، وإن بدا صعبا، ممكن بالممارسة والإرادة. يشبه الكاتب تجنّب الغضب بتجنب الحرّ والبرد عبر الحكمة أو القوة الجسدية، ويؤكد أن قبول الغضب يستلزم التخلي عن الفضيلة؛ إذ لا يمكن أن يكون الإنسان غاضبا وفاعلا للخير في الوقت نفسه، تماما كما لا يجتمع المرض والصحة. ورغم الادعاء بصعوبة التخلص من الغضب بسبب الطبيعة البشرية، فإن العقل قادر من خلال التمرين المتواصل على ترويض حتى أعنف الانفعالات.
‘‘وأيا كانت الوصية التي منحها العقل البشري لذاته فإنه معتصم: فبعض الناس قد نجحوا في عدم الضحك، وبعضهم حرم على جسده الخمر، وآخرون الجنس، ولا يزال آخرون مائعين، وبعضهم جفا النوم وواصل في سهر لا يكل، وتعلم الناس كيف يركضون على حبال دائبة مطاطة، وهم ويحملون أثقالا تنوء بها قوة البشر، ويغوصون أعماقا غامضة، وهناك آلاف الأمثلة الأخرى المثابرة التغلب على كل حائل، تبين أن لا شيء يصعب عندما يلزم العقل ذاته بتحمله‘‘[20]. إن قدرة العقل البشري على ضبط النفس، وتحقيق إنجازات تبدو مستحيلة ولكن بالمثابرة والإرادة تصبح ممكنة. فهو يبرز كيف أن الإنسان قادر، بإرادته، على تجاوز الحدود المعتادة، سواء في مقاومة الشهوات والانفعالات أو في تحقيق أعمال تفوق القدرة البدنية.
نبعت الأخلاق الرواقية من فكرة القدرة العقلية اللامحدودة في كل إنسان، ‘‘وفهمت الرواقية الرومانية هذه القدرة على أنها محور عملي وأخلاقي، كما رأت الرواقية أن الفضيلة هي الخير الأوحد، بينما الأشياء الأخرى من طعام وصحة وما شابه ذلك، تعد أمورا محايدة تقتصر أهميتها على كونها عوامل مساعدة يستخدمها الكائن الحي للحفاظ على سلامة فطرته كل على حسب نوعه، ولأن البشر يتميزون بالعقل، فإن دوافعهم تتجه نحو صيانة العقل من خلال التصرف برشد واستقامة، بهذا المعنى يكون العقل هو محل نزوع الإنسان، وتصبح الأشياء الخيرة هي شغله الشاغل، وعليه فإذا كان العقل في حالة جيدة يكون الإنسان في حالة جيدة‘‘[21] الرواقية تؤمن بأن العقل هو محور الفضيلة والعمل الأخلاقي، وأن الفضيلة هي الخير الأوحد، بينما باقي الأمور كالطعام، والصحة، محايدة، تخدم فقط استمرارية الكائن الحي. ترى الرواقية أن الإنسان، ككائن عاقل، يوجه دوافعه للحفاظ على صفاء العقل من خلال التصرف بحكمة واستقامة، مما يجعل العقل مركز توجهه الأخلاقي. ووفقا لهذا المنظور، فإن حالة الإنسان تعتمد على حالة عقله، فإذا كان العقل جيدا، كان الإنسان كذلك.
خاتمة
يؤكد سينيكا في فلسفته أن الغضب ليس مجرد شعور، بل قوة هدامة تفقد الإنسان توازنه وتشوه طبيعته، مما يستوجب ضبطه منذ لحظاته الأولى. وبينما يرى أن التعنيف أحيانا ضروري للإصلاح، فإنه لا يكون مشروعا إلا إذا كان مدفوعا بالعقل لا بالانفعال. في الفلسفة الرواقية، يبقى العقل حجر الأساس في حياة الإنسان؛ إذ يحتم عليه السعي للفضيلة، وترويض كل ما يمكن أن يجره نحو الفوضى. فالغضب، رغم كونه جزءًا من الطبيعة البشرية، ليس حتمية لا مفر منها، بل يمكن السيطرة عليه بالمثابرة والإرادة، مما يحقق للإنسان حياة متزنة ومنسجمة مع ذاته ومجتمعه.
أهم الخلاصات
1. إن الغضب ليس مجرد انفعال عابر، بل قوة مشوهة تؤثر على هيئة الإنسان وتصرفاته، وتجعله أقرب إلى الهياج الحيواني منه إلى العقلانية البشرية.
2. تحذير سينيكا واضح: الغضب يفسد الجمال، يشوه السلوك، ويفقد الإنسان توازنه، مما يجعله قوة يجب السيطرة عليها لا الاستسلام لها.
3. تصوير سينيكا للغضب كقوة مدمرة تهدد الإنسان والمجتمع، وتتناقض مع الفطرة البشرية القائمة على التعاون والتضحية.
4. سينيكا يقدم تصورا دقيقا للغضب بوصفه انفعالا قابلا للتجنب إذا ما تم ضبطه منذ لحظاته الأولى، مؤكدا أن العقل يجب أن يبقى معزولا عن الانفعالات كي يظل حاكما واعيا.
5. سينيكا يفرق بين التعنيف الناتج عن الغضب والتعنيف العقلاني الذي يهدف إلى الإصلاح، مؤكدا أن أي إجراء تأديبي يجب أن يكون مدفوعا بالعقل وليس بالانفعال.
6. التعنيف الصحيح عند سينيكا ليس فعلا عدوانيا، بل هو وسيلة لضبط السلوك المنحرف بطريقة عقلانية ومتزنة، هدفها إعادة الإنسان إلى مساره الصحيح، لا الانتقام منه.
7. الفلسفة الرواقية، كما يعرضها سينيكا، تؤكد على مركزية العقل بوصفه الحكم الأعلى في حياة الإنسان، وترى أن الغضب لا ينشأ من تلقاء نفسه، بل يتطلب موافقة العقل، ولهذا فإن السيطرة عليه مسؤولية عقلية وأخلاقية.
[1] لوكيوس انايوس سينيكا، عن الغضب، ترجمة حمادة أحمد علي، آفاق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2020، ص 219/218.
[2] ميديا - في رواية سينيكا - هي ابنة الملك أييتس التي أحبت ياسون عندما وقع بصرها عليه، صممت على مساعدته بما لديها من فنون السحر، وبعد حصوله على الفروة الذهبية، فرت ميديا هاربة معه وتركت وطنها وأهلها، وقامت بأعمال مرعبة نتيجة الغضب والانتقام.
[3] لوكيوس انايوس سينيكا، عن الغضب، ص، 219
[4] نقسه، ص، 221
[5] نفسه، ن.
[6] نفسه، ص، 222
[7] نسفه، ص، 224،223
[8] نفسه، 227،226
[9] نفسه، 227 بتصرف
[10] نفسه، ص 228
[11] نفسه، ص 229
[12] نفسه 229
[13] نفسه 230
[14] نفسه، ص 231
[15] نفسه، ص ص 232،231
[16] نفسه، ص 236
[17] نفسه، ص 238
[18] نفسه، ص 242
[19] نفسه، ص 242
[20] نفسه، ص 243
[21] نفسه، ص ص244-243