التدين الكرنفالي في السياق العربي والإسلامي: من الصلاة إلى الاعتكاف (الجزء الثالث)

فئة :  مقالات

التدين الكرنفالي في السياق العربي والإسلامي: من الصلاة إلى الاعتكاف (الجزء الثالث)

في الجزء الثاني من سلسلة التدين الكرنفالي في السياقين العربي والإسلامي، توقفنا عند خصوصيات الكرنفالية التعبدية من خلال الصيام الذي فقد عمقه الروحي، وأصبح مجرد عادة اجتماعية، سرعان ما تطورت وتحولت في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها هذه البلدان إلى ظاهرة تعبدية شكلية، لا تنفصل عن انحرافات عنيفة، ناتجة عن اختزال الصيام في استعراض فرجوي، بينما أصبح الهدف من زيارة الأماكن المقدسة ليس أداء فريضة الحج في حد ذاته، بل الحصول على اللقب، والتوهم بتبييض السيرة ومحو الخطايا والذنوب، كما تحول إلى سياحة، بعدما نجحت وكالات الإشهار والتسويق في تنويع العرض الاستهلاكي بين أفخم الفنادق والوجهات ومحطات العبور والإقامة بتركيا وغيرها، خاصة بالنسبة إلى العمرة التي تحولت بدورها إلى سياحة دينية، باتت يوما عن يوم تفقد عمقها الروحاني وتجلياتها في السلوك والتعبد، وهو ما يتضح من خلال الحفلات التي تقام للعائدين من الحج والعمرة، بكل ما يرتبط بذلك من إسراف وبذخ يُهدر خلفياتهما الروحية.

في هذا الجزء، سوف نحاول ربط الصلاة بالاعتكاف في المساجد، والذي لا ينفصل في الكثير من حالاته عربيا وإسلاميا عن خلفياته السياسية، خاصة خلال شهر رمضان، بما يجعل التعبد الاعتكافي منفصلا عن تجليات الصلاة في الحياة المدنية، وتقزيم الدعاء في خطاب للرجاء في انفصال تام عن العمل والمعاملات، باعتبار جوهر الدين معاملات بالدرجة الأولى.

سياسة الاعتكاف تفصل الدين نصفين متعارضين، بفصلها مكارم الأخلاق عن مكارم الأعمال، وهو ما يخفي نظرة ورؤية لا تخلو من غلو، كما لا تخلو من عبث

سياسة الاعتكاف بين الدين والدنيا:

تشكلت العلاقة في الإسلام على أساس التمفصل الرفيع بين العبادات والمعاملات، بين العمل الروحي التعبدي والعمل الاجتماعي، بين الفرداني والجماعي، بشكل جعلها علاقة شديدة الخصوصية، في تكريسها اليومي لفلسفة الحياة، كونها بالأساس إعمارا للأرض وإبداعاً للحضارة، ومن هنا، فإن مكارم الأخلاق التي جاء بها نبينا الكريم محمد (ص)، هي في العمق الأساس النظري والعملي في الآن نفسه، لهذه الفلسفة في الوجود ومن أجل الوجود.

ضمن هذا الأفق، يمكن الحديث عن العبادات، باعتبارها ذلك الوسيط العلائقي بين الله وعباده بالمفرد أكثر من كونها علاقة جماعية، وهنا يتأسس الشرط الروحي والتأملي للعبادة، وهي علاقة لا تقبل الوساطة ولا تستسيغ رهبانية ولا وكالة. إنها علاقة روحية لا تنفصل عن بعدها العملي، طالما أن الكد والسعاية بتعبير ابن خلدون، وسيلة لاكتشاف ضيق الشرط البشري، وتناهي البعد الإنساني في علاقته بالجسد، لكنها وهي تتوسل العقل لقراءة رموز الكون وآياته، تجعل من هذا الضيق فسحة للإبداع والابتكار والخلق والتجديد. لقد كانت العلاقة بين الدين والعلم، بين العقل والروح والقلب، علاقة شديدة الحساسية، شديدة التركيب، حيث إن تغليب جانب على جانب آخر يعد خرقاً لنواميس الكون، وفصلا للإنسان عما يستطيعه من إعمار الأرض والعمران والحضارة.

إن سياسة التعبد في الإسلام المحمدي، على الأقل، قبل أن يضحي الفقه بالعقل والعمل والفن والحضارة، مضحيا في ذلك بثقافة الحياة لصالح ثقافة الموت، ولثقافة الشجاعة والحب والعمل لصالح ثقافة الخوف، هي سياسة لا تفصل جانب العبادات، بما هي موجبة وجالبة للحسنات، عن العمل الصالح، بما هو إعمار الأرض وابتكار الحلول لمشكلات البشر وتوسيعاً للرزق، ولذلك، ما فتئ النبي الكريم يركز على الصالحات، وتركيزه في ذلك تأكيد لما جاء في القرآن الكريم. من هنا، فعمل الخيرات، حتى وإن كان مرتبطاً على المستوى النظري بالعبادات، فإنه لا يستقيم إلا بالسعي والكد من أجل العمل، وبفضله تتكرس هذه الخيرات أعمالا صالحة يستفيد منها العباد، كما تستفيد منها كل مخلوقاته تعالى، ومن هنا، ففصل الجانب التعبدي عن العمل، بالاعتكاف في المساجد والإكثار من النوافل والإغراق في الجوانب الشكلية التعبدية، وقد فصلت أخلاقيا عن تجلياتها في العلاقات بين الناس، بما هي علاقة التعاون والعمل، هو فصل يفقد الإسلام أبعاده الأخلاقية والقيمية، كما يفصل مكارم الأخلاق عن مكارم الأعمال.

إن الدعاء كفلسفة في الإسلام، قبل أن يتحول إلى مجرد نداء ورجاء تعبدي، هو تتويج وتدشين لسيرة الأعمال التي تظهر بركاتها في الصالحات، وإلا فما فائدة الدعاء، إذا فصلت العبادات عن المعاملات والأعمال الصالحة، بما تتطلبه من توظيف للعقل والجهد والمثابرة، وبما يرتبط بتحسين شروط الحياة ومناخها، ولذلك، فليس العبرة بكثرة السجود، لطالما أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل علينا في الدين من حرج، وهو الذي أوصانا بصلوات خمس لا سادسة لها، فما الفائدة من قيام الليل سجودا وركوعاً، إذا كانت سيرة أعمالنا في الدنيا سيرة سيئة الذكر نهاراً؟

إذا كنا نعتقد أن العمل أبلغ أجرا وأنفع مصلحة للإنسان من الاعتكاف في المساجد، وفي الوقت نفسه، نحن مع حق أيا كان في أن يعتكف في المسجد للصلاة، وعلى الدولة أن تحمي هذا الحق، لإيماننا بأن الحرية شرط للوجود، وشرط للدين نفسه، فإننا من داخل هذا الدين المشترك نرى بأن سياسة الاعتكاف هي سياسة تفصل الدين نصفين متعارضين، بفصلها مكارم الأخلاق عن مكارم الأعمال، وهو ما يخفي نظرة ورؤية لا تخلو من غلو، كما لا تخلو من عبث، وهو عبث توظيف الدين في السياسة، وهنا السياسة بمعنى تدبير الممكن الاجتماعي والثقافي والسياسي ليس تدبيراً مدنياً، بل تدبير ديني، على أساس أسلمة المجتمع على مستوى التدين، وليس على مستوى مكارم الأخلاق والأعمال. ولعلنا نجد في ما بات يصطلح عليه في أدبيات الإسلام السياسي بمجالس الوعظ والإرشاد، والخلوات وما إلى ذلك من أدبيات، لو وظفت في صالح الأعمال المدنية لما كان حالنا هو الحال. ولعلنا نتذكر أن طريق الوحدة بالمغرب مثلا، قد عبدت بسواعد رجال البلد ونسائه من خلال الأوراش المدنية، ولعلنا نتذكر جمعيات أوراش الشباب، وما قامت به من جليل الأعمال. فلم لا تعمل هذه التيارات والجماعات الإسلامية على تحويل سياسة الاعتكاف في المساجد والخلوات إلى سياسة مدنية تبتغي الإعمار والتشييد، تطبيقا لوصية نبينا الكريم في كون الأعمال الصالحات بمثابة صدقات، وهو ما تتفوق فيه هذه الأعمال على العبادات؟

إن التحول الذي طرأ على الصلاة، باعتبارها لحظة خشوع وسكينة، واختزالها في شعائر باتت بحكم العادة ترديدا لخطاب قرآني جماعي وأدعية وابتهالات وتوسلات، في انفصال عن تجلياتها المدنية والحضارية في المعيش اليومي للمسلمين، بحكم الفصل الذي حصل بين مكوني الأخلاق والعبادة، قد مهد الطريق لبروز الكرنفالية التي تجد تطبيقها العملي في التركيز على تحويل مفهوم القيام "قيام الليل" من بعده الفردي إلى بعده الجماعي، والدعاء الذي هو في الأساس طلب فردي إلى مطالب جماعية لا تخلو من كرنفالية صوتية، مثلما تحولت لحظة الخشوع إلى استعراض جسدي من خلال الحضرة الصوفية، والتي باتت تميز كل المزارات والسادات والمواسم الدينية. وإذا كانت الصوفية أحد إنتاجات الإسلام الشعبي الرائعة في العالمين العربي والإسلامي، فإنها بدورها تحولت إلى طرقية لا تخلو من تعبد كرنفالي، لا على مستوى الشعائر ولا على مستوى الزي وطرائق الذكر والدعاء، بعدما فقدت أساسها الروحي الذي يتجلى في مكارم الدين والأخلاق. وأصبح الاعتكاف الصوفي رهبانية طرقية منفصلة عن ممكناتها المدنية والحضارية.

بتنا في وضع بئيس، إذ كلما توغلنا في التدين شكلا، وأهدرنا مضمونه، كلما أصبحت حياتنا خلواً من كل الصالحات، بما هي أعمال في المجتمع ومن أجله

ضمن هذا الأفق، تستوجب منا سياسة الاعتكاف تحليلا وتأويلا يبتغي الصلاح، مثلما يبتغي تطهير التدين من كرنفالية الطقوس بما تقتضيه من غلو وإسراف ومبالغة في العبادات، لطالما كانت الصالحات أفضل أجراً وأنبل رفعة عند الله من الحسنات؛ فالعبادات تستوجب الحسنات وتحصلها. أما العمل الذي يستفيد منه الناس، فيَسْتَحْصِل الصالحات ويزكيها. ومن هنا تتأسس أهمية العمل وقيمته المحورية في الإسلام المحمدي، باعتباره ترجمة لما ورد في القران الكريم الذي يمنح الأفضلية التراتبية للعمل مقارنة بالعبادات، وإذا كانت العبادات من الضروريات التعبدية، لكن دون إسراف أو مبالغة ورهبانية، فما جعل الله علينا في الدين من حرج، خاصة إذا تعلق الأمر ببدع، حتى وإن كانت حسنة، فلا يجب أن تتحول إلى مبالغات كبيرة، فإن الله يجزي الثواب على صدق الأعمال ونبل الطوايا، وليس على عدد الركعات، ولعلنا نجد في تعليق النبي صلى الله عليه وسلم على رجل كان يجده دوما في المسجد، فأسال عمن يعوله، وهو دائم الاعتكاف، فحين قيل للنبي بأن أخاه هومن يعوله، قال (ص): إن أخاه أعبد منه. ولهذا، فالأصل في العبادات هو المعاملات، بما هي الأخلاق والقيم في الإنسانية والمدنية. ولهذا يقول سبحانه وتعالى:

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (الرعد 29)

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (البقرة 25)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ (البقرة82)

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ (آل عمران57)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ (النساء 57)

تأسيساً على ما سبق، يتحول العمل الصالح مما يستفيد منه العباد إلى ملازم للإيمان، وأحد أسسه. لذلك، فالله حين يخاطب المؤمنين يربطهم دوما بأعمال الصالحات.

إن الدين الحق، هو دين العمل، هو دين الأخلاق، لقد بتنا في وضع بئيس، إذ كلما توغلنا في التدين شكلا، وأهدرنا مضمونه، كلما أصبحت حياتنا خلواً من كل الصالحات، بما هي أعمال في المجتمع ومن أجله، وتأسيس للحضارة والتقدم والصلاح. وإذا كنا في وضع تنموي أقل ما يقال عليه أنه كارثي، فنحن في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحويل الاعتكاف في المساجد والخلوات إلى اعتكاف على الأعمال المدنية من أوراش للتنظيف والتشييد والبناء، بالتفكير في الصيغ المؤسساتية الممكنة، وتحويل عجزنا التاريخي إلى تفوق لن يتحقق بالاعتكاف في المساجد والمزارات والدعاء. وهذا لا يعني البتة أن نفصل العبادات عن الأعمال والمعاملات، كما قد يحور من في عقولهم وأفئدة سوء، قولنا هذا خدمة لبؤس رؤيتهم الضيقة للدين.