الحريَّة في الفكر اللِّيبرالي الجمهوري, قراءة في كتاب الجمهوريانيَّة: نظريَّة الحريَّة والحكومة

فئة :  قراءات في كتب

الحريَّة في الفكر اللِّيبرالي الجمهوري, قراءة في كتاب الجمهوريانيَّة: نظريَّة الحريَّة والحكومة

توطئة عامة:

ينتمي هذا الكتاب إلى مجال الفلسفة السيَّاسيَّة، ويناقش قضايا السيَّاسة المعاصرة من وجهة نظر تجديديَّة تروم بيان حيويَّة النَّظر السيَّاسي في علاقته مع ما يجري في الشأن العام من مسائل ذات أولويَّة في مجال الفكر والعمل معاً، ويصنَّف ضمن أهم كتابات نظرية أكسفورد السيَّاسيَّة التي قدمت الكثير للفكر الليبرالي الغربي في صوره العديدة. أما صاحبه فيليب بوتيت Pettit philip (1945-...)، فهو إيرلندي الأصل يشغل منصب أستاذ فلسفة الأخلاق والسيَّاسة بجامعة برينستون بالولايات المتحدة، وهو أحد أعمدة تيار الجمهوريانيَّة في الفكر اللِّيبرالي المعاصر يسعى إلى الإعلاء من قيمة أطروحته في وجه باقي تيَّارات اللِّيبراليَّة الأخرى: الشعبويَّة والتحرريَّة، وهو بمثابة الجزء الثاني من كتابه: "العقل المشترك The common mind"، يساجل فيه التصور "الجماعاتي/المجتمعانيَّة"[1] الذي يرفض اعتبار "الأفراد هم عناصر لعب القوى الاجتماعيَّة التجميعيَّة"، ليكون بذلك - نسبيّاً كما سنبيِّن - بديلاً للفكر اللِّيبرالي التحرري والشعبوي، حيث:

- يرصد تميُّز الفكر الجمهوري عن الفكر اللِّيبرالي التقليدي؛

- يوضح المفهوم الدقيق للحرية، باعتبارها عدم سيطرة؛

- يبين أن عدم السيَّطرة غير قادرة، بل وعاجزة، لتكون الشكل الأعلى لمراجعة أي نظام سيَّاسي.

يحاول الكتاب أن يعالج إشكالاً محورياً نجمله في التساؤلات التالية: هل يمكن أن يكون التقليد الجمهوري بديلاً للتقاليد اللِّيبراليَّة الأخرى (التقليد الشعبوي والتحرري)؟ ما هي العلاقة بين التقليد الجمهوري والتصور اللِّيبرالي للسيَّاسة؟ هل يمكن أن يكون التصور الجمهوري بديلا؟[2] ما نوع الحريَّة الممكنة في عالم اليوم؟ هل يمكن أن نؤسس لتعريف بديل للحريَّة يقع خارج التصنيف الكلاسيكي: حريَّة إيجابيَّة وحريَّة سلبيَّة؟ كيف نبرر تنامي المطالبات بالحريَّة خارج الترسيمة التقليديَّة التي وضعتها الليبراليَّة الكلاسيكيَّة؟

1 - البعد التاريخي لفكر الجمهوريانيَّة

يميِّز المؤلف بين ثلاثة مصطلحات مهمة: الجمهوريانيَّة والجمهورياني والجمهوريَّة، وكلها مشتقة من كلمة Republic التي تعود إلى الأصل اللاثيني Respublica. فالجمهوريَّة (كنظام حكم) هي شكل من أشكال الإدارة السلطويَّة التي تعتبر البلاد شأناً عاماً، وتقوم على الانتخاب لا على التوريث كاسم مقابل للملكيَّة والإمبراطوريَّة، لذلك تسمى حكومة بدل سلطة، لأن المنتخبين يمارسون السُّلطة بموجب القانون. وقد تطورت الجمهوريَّات عبر أشكال مختلفة وصِيغ متنوعة، وفي العصر الحديث تسمى الجمهوريَّة الديمقراطيَّة، غير أنه ليس كل الجمهوريَّات بديمقراطيَّة، حيث إن هناك دولاً ديمقراطيَّة غير جمهوريَّة مثل السويد وهولندا وبلجيكا وبريطانيا، حيث تسود ملكيَّات برلمانيَّة ودستوريَّة، في مقابل جمهوريَّات غير ديمقراطيَّة.

تتبع فيليب بوتيت تطور الفكر الجمهوري عبر التاريخ من الحضارات الشرقيَّة، وفي الحقبة اليونانيَّة والرومانيَّة إلى يومنا هذا مروراً بالحضارة الحديثة في أوروبا وفي أمريكا في القرن التاسع عشر، ووقف على مجمل الفلاسفة الذين عالجوا سؤال الحرية، والذين بصموا أثرهم في التقليد الجمهوري من أمثال: شيشرون Cicéron (الجمهوريَّة الرومانيَّة) ونقولا ماكيافيلي Nicolas Machiavel (العصر الحديث)، ليؤكد على هيمنة "المثل الأعلى للحريَّة باعتبارها "عدم سيطرة" منذ أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر مؤكد أن الثوار الأمريكان تأثروا باللِّيبراليَّة الفرنسيَّة، وتبنوا النِّظام الجمهوري بدل الملكي، وهو ما جسَّده الأمريكي جون آدمز John Adams في كتابه "جمهوريَّات عبر التاريخ"، لأن أول دستور لأمريكا كان سنة 1789، والذي وضعه توماس باين thomas paine لإيضاح مفهوم المثل الأعلى الجمهوري والاستقلال وعدم السَّيطرة والهيمنة.

على الرغم من تأكيد بوتيت أن المقاربة التاريخيَّة والمنهج التاريخي في كتابه ثانوية جدّاً بالمقارنة مع تحليله لموضوع الحريَّة والحكومة، فقد توقف على أبرز مفكري الجمهوريانيَّة المعروفين من مثل: جون بوكوك John Pocock، كوينتن سكينر quentin skinner، كاس سنشتاين cass sunstein والذين رجعوا جميعهم إلى التقليد الجمهوري الأمريكي في نهاية القرن التاسع عشر لفهم الأسس التي قامت عليها الليبراليَّة الأمريكيَّة، كما توقف في الوقت الراهن على جون بريثويت john praithwaite (عالم الجريمة ومنظر التنظيميَّة والرقابة) الذي أفاد منه كثيراً في ملاحظاته الجوهريَّة حول سؤال الحريَّة والعدالة. وهكذا يمكن اعتبار صاحب هذا العمل غير المسبوق - كما يعترف بنفسه - جمهوريانيّاً شعبويّاً من النوع الذي يشيِّد بالمشاركة الديمقراطيَّة للشعب، باعتبارها واحدة من أعلى الأشكال الطيِّبة التي هي في كثير من الأحيان تشيع بمعزوفة المجتمعانيَّة communitarian، وكل ما يمكن أن يكون متوافقاً مع أشكال التعدديَّة الحديثة للمجتمع: التعدديَّة الثقافيَّة والحقوق اللُّغويَّة واختلاف المُعتقد كما نظَّر لها جون راولز John Rawls وويل كيمليكا Will Kymlicka.

يتألف الكتاب من قسمين وثمانية فصول: فالقسم الأول (الفصول الأربعة الأولى) يخص مفهوم الحريَّة كما يتصورها مذهب الجمهوريانيَّة (يتناول فيه قضايا: الحريَّة، والقوة، وعدم السيطرة، والمساواة...) في حين ينصرف في القسم الثاني (الفصول الأربعة التالية) لإبراز التداعيَّات المؤسسيَّة لتنظيم الدولة والمجتمع المدني أي دور المؤسسات؛ وخاصة الحكومة؛ في الإعلاء من شأو الحريَّة بما هي عدم سيطرة بدل أن تكون عدم تدخل أو تعسف.

انكب جهد فيليب بوتيت في هذا العمل لمقاربة الإشكال المحوري الذي شغل اهتمامه لعقود من البحث والدراسة، وجاء منسجماً مع منطلقاته وافتراضاته وما ناسبه من حجج كافيَّة - بهذا القدر أو ذاك - لبناء موقفه الرئيس من القضايا المعاصرة التي أرقت أعرق الديمقراطيَّات في الممارسة السيَّاسيَّة، لذلك يحكي في الفصل الأول عن قصة كيفيَّة ظهور التصور الجمهورياني وبلورته لفكرة بديلة عن الحريَّة، واستقرارها، وكيفية تراجعها في نفس لحظة نجاح المناظرات الأكثر بروزاً التي دارت حول الثورة الأمريكيَّة، حيث اتخذ مفهوم الحريَّة معنى عدم سيطرة كطريق ثالث ووسط بين المعنى الإيجابي والمعنى السلبي للحرية وفق ما جاء به اشعيا برلين isaih berlin، وأنه لا يمكن استبدال الليبراليَّة بالنظام الجمهوري بوصفها فلسفة سيَّاسيَّة مهيمنة. ليبرز التعبير الفلسفي لمفهوم الحريَّة، باعتباره عدم سيطرة (الفصل الثاني)، ويؤسس جدلاً حول قدرة الحريَّة بصفتها عدم سيطرة، لتكون بمثابة المثل الأعلى لتوحيد الدولة (الفصل الثالث)، وختم القسم الأول ببيان الاتصالات بين الحريَّة بصفتها عدم سيطرة والقيم المرتبطة بها في ثالوث شعار الثورة الفرنسيَّة: الحريَّة، والمساواة، والإخاء (الفصل الرابع).

يدور الفصل الخامس حول ما يجري في الدولة الحديثة، حيث يصنف الكتاب أهداف الدولة الجمهوريَّة في السيطرة على الملكية المطلقة والممتلكات، وذلك ليصف النماذج التي يجب على الدولة أن تتحملها للسيَّطرة على الاحتكارات (الفصل السادس)، وليبحث فيما يمكن القيام به لجعل تحقيق الأهداف الجمهوريَّة، والأشكال المرنة أو المستقرة لتوفير الضوابط التنظيميَّة ضد العجز والتجاوزات (الفصل السابع). ليختم القسم الثاني ببيان كيف تدافع الجمهوريَّة عن نفسها من خلال تواصلها مع المجتمع المدني لتحقيق أهدافها المتعلقة بالملكية المطلقة والسيطرة على الممتلكات والإمبريالية (الفصل الثامن والأخير).

2 - جمهوريانية بديلة عن الشعبوية والتحررية

يؤكد كريستوف هامل Christopher Hamel [3] في تحليله لهذا الكتاب أن الجمهوريانيَّة "لم تتأسس على الحقوق"، لأنها تحث على أهميَّة استثمار المواطنين في الشؤون الجماعيَّة وعلى ضرورة تنشئتهم على الفضيلة المدنيَّة لتشيِّد مؤسسات حرة. فالجمهوريانيُّون يجمعون الحقوق في الدائرة الفرديَّة الخاصة لحماية تفاعلات الدولة وإعطائهم وسائل تبرير مصالحهم ومصادر رئيسة للحريَّة المشتركة/ الجماعيَّة، ممَّا بَشَّر بميلاد اللَّيبراليَّة الجديدة التي استسلمت لسلطة المال على أيَّة سلطة أخرى سيَّاسيَّة أو أخلاقيَّة.

تذهب النزعة الجمهوريَّة (الجمهوريانيَّة) إلى أن الواجبات لها أولويَّة على الحقوق، لذلك فالدفاع عن الحقوق الفرديَّة يعتبر موقفاً سلبيّاً، لأن دور الحقوق ثانوي جدّاً، وتعتبر مجرد نتيجة لقرارات التداول العمومي الذي يفرض سلطته على التشريع في اعتماد ما ينبغي اتباعه من حقوق ذات أولويَّة، من جهة أنها: مجرد قيود خارجيَّة ومسبقة على النِّظام الاجتماعي، فوثيقة الحقوق الأمريكيَّة تحدِّد حريَّات معينة (حريَّة التعبير والحريَّة الدِّينيَّة) لا يسمح بانتهاكها حتى من طرف الأغلبيَّة.

يتزايد، في جميع أرجاء العالم، اعتناق فكرة أن الحريَّة تعني احترام حقوق إنسانيَّة مطلقة -نظريّاً على الأقل، وليس عمليّاً- كما هو حال ما تدعو إليه النظريَّة السيَّاسيَّة الجمهوريانيَّة بفضل عولمة سيَّاسات الليبراليَّة الجديدة، وهذا ما يميز التيَّار اللِّيبرالي الجمهوري عن التيار اللِّيبرالي الشعبوي واللِّيبرالي الليبرتاري (التحرُّرِي) من خلال وجهة نظره الخاصة حول مسألة الحريَّة، حيث يسعى الفيلسوف فيليب بوتيت كأحد أبرز المدافعين عن المقاربة الجمهوريانيَّة إلى الدفاع عن الحريَّة بما هي حريَّة دون سيطرة.

تجاوز بوتيت كلا المقاربتين: الإيجابيَّة والسلبيَّة للحريَّة، فالحريَّة دون سيطرة تتمتع بموقعها الوسطي بين الحدين الأقصيين للحريَّة كما نحتهما برلين. فلكي نكون أحراراً يتوجّب أن نمتلك القدرة على اتخاذ قرارات دون انتظار رضى وموافقة الآخرين، لأن منطق السيَّادة والعبوديَّة يتناقض ومنطق الحريَّة. ولهذا، فإن الحريَّة بهذا المعنى لا تشترط غياب أيّ تدخل للآخرين، ولكن غياب أي شكل من أشكال الخضوع لأن الحريَّة في جوهرها هي العدالة، ولا يمكن لهذه الأخيرة إلا أن تضمن الحريَّة.

كتاب الجمهوريانيَّة هو تفكير من وجهة نظر فلسفيَّة محددة ومذهبيَّة رئيسة في الفكر الليبرالي يدعو إلى الربط بين الحريَّة والحكومة التي تمثل النظام السيَّاسي كيفما كانت طبيعته الهرميَّة والقانونيَّة أو شرعيَّته: تاريخيَّة، دينيَّة سيَّاسيَّة... فلا يهم إن كانت الديمقراطيَّة في نظام جمهوري أو ملكي، لأن الديمقراطيَّة لا ترتبط بطبيعة النِّظام السيَّاسي بقدر ما ترتبط بنوع الحكومة وطريقة الانتخاب العام، وهو ما يعني عمليّاً التميِّيز بين العدالة الاجتماعيَّة والسيَّاسيَّة والدوليَّة، فالأولى تخص الأشخاص فيما بينهم والعلاقات التي تحكم الروابط بينهم: عقديَّة، إثنيَّة، لغويَّة، ثقافيَّة... سواء كانوا فاعلين ذاتيِّين أو أشخاصاً معنويِّين. أما السيَّاسيَّة، فترتبط بالتدبير السيَّاسي والعمومي لتلك العلاقات الاجتماعيَّة في بعدها الفردي والجماعي معاً، في حين تخص الثالثة العلاقات بين الدول والأمم، والتي ترتهن بالديبلوماسيَّة وإجراءاتها في بعدها الأممي والقومي.

إن حضور التبعيَّة في مستوى من المستويات الثلاثة للعدالة يعني بالأساس غياب العدالة، فما دامت الحريَّة هي العدالة، فينبغي لهذه الأخيرة أن تضمن للجميع تلك الحريَّة، ولنأخذ مثلاً انطباع علاقات الدول فيما بينها بالتبعيَّة، فإنها تحرم المواطنين من حريتهم العامَّة إجمالاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلاقات بين أفراد الجماعة الواحدة أو الأسرة، وهو يتخذ في ذلك نقد علاقة السيِّد بالعبد التي بنى عليها العديد من حججه لتبرير الانتقال من الحريَّة كعدم تدخل إلى الحريَّة كعدم سيطرة. وبناء عليه نتساءل: هل يمكن للشعبويِّين واللِّيبراليين من اليمين أو اليسار أن يفهموا النِّظام الجمهوري؟

تفيد الشعبويَّة قدرة وقوة النَّاس العاديِّين، وحقهم في السيطرة على حكومتهم بدلاً من سيطرة مجموعة صغيرة من السيَّاسيِّين أو النخبة الثريَّة، وهي حركة ليبرالية تنادي باحترام الإرادة العامة التي تقوم على مبدأ التمثيل والانتداب. لذا، ظلَّ سقفها محدودا في الديمقراطيَّة التمثيلية التي تعرضت مع الليبراليَّة الجديدة لانتقادات واسعة جدّاً، حيث ظهر مفهوم الديمقراطيَّة التشاركيَّة التي ساهمت في تأزيم الإرادة الشعبيَّة القائِمة على التمثيل والانتخابات النيَّابيَّة. وفي نفس السيَّاق، يرى بوتيت أن: "المفهوم الجمهوري للحريَّة نداء لكل الليِّبراليِّين، بقدر ما هم يركزون على سلطة الشعب الفرديَّة في الاختيار، وبالتالي لديهم الكثير من القواسم المشتركة مع الفكرة السلبيَّة للحريَّة، باعتبارها عدم تدخل، وينبغي أن نناشد الشعبويين بقدر ما يتطلب ذلك، باعتباري، أنا، أزعم، أن على الحكومة غير المسيطرة أن تتبع مصالح وأفكار النَّاس العاديِّين، وهذه هي الفكرة التي تكمن وراء فكرة الشعبويَّة الإيجابيَّة للحريَّة، باعتبارها ديمقراطيَّة السيَّادة الذاتيَّة"[4]. ويظهر من هذا الكلام أنه يحاول الأخذ بالجوانب الإيجابيَّة في كلا التقليدين: الشعبوي والتحرري.

3 - الحريَّة كعدم سيطرة والحريَّة كهيمنة

ينظر بوتيت إلى الحريَّة بما هي حرية طبيعيَّة يتمتع بها مختلف النَّاس، وتقف في وجه العبوديَّة التي عانت منها البشريَّة قرونا عديدة، ولكنها في الآن نفسه دفعتهم إلى الثورة على أنظمة الحكم القائِمة على الاستعباد. ويذهب إلى أن هدف الدولة هو تعزيز الحريَّة من خلال إقامة عدالة تؤمن بالحريَّة وتضمنها في الآن نفسه. وفي سبيل إبراز قيمة الحريَّة بما هي عدم سيطرة يعود إلى التميِّيز الذي وضعه إشعيا برلين isaih berlin بين الحريَّة الإيجابيَّة والحريَّة السلبيَّة؛ فالحريَّة السلبيَّة[5] تنطوي على غياب التدخل الذي هو تدخل مقصود، أقل أو أكثر، وليس بسبب الإكراه المادي للخطف والسَّجن فحسب، ولكن تدخل أيضا عن طريق الإكراه، عن تهديد حقيقي يجسده شعار: "حياتك أو أموالك". في حين أن الحريَّة الإيجابيَّة حسب برلين تتطلب أكثر من مجرد التدخل وأكثر من مجرد تركك تعمل ما تشاء وحدك دون الآخرين.

يرى فيليب أن هناك طريقتين لفهم الحريَّة:

- أن تكون هناك حريَّة في غياب العوائِق الخارجيَّة إلى الاختيار الفردي؛

- أن تنطوي الحريَّة على الوجود الدائم للممارسة والتسهيلات التي تعزز سيَّادة الذات وتحقيقها.

وإذ يلخص هنا وجهتي النَّظر السائدتين في التقليد اللِّيبرالي، يفترض أن هناك إمكانيَّة ثالثة هي التي تجسد جوهر أطروحة التيار الجمهوري، حيث يقول: "أعتقد أن المعارضات الفلسفيَّة والتاريخيَّة - في فهم الحريَّة - ما هي إلا معارضات خاطِئة ومضلِّلة، وأنها تخفي من وجهة نظر شرعيَّة فلسفيَّة الواقع التاريخي خاصة، ولعل الوسيلة الثالثة مختلفة جذريّاً في فهم الحريَّة والمتطلبات المؤسسيَّة للحريَّة"[6]، ويقصد بطبيعة الحال الأطروحة الجمهوريانيَّة التي ينبغي أن تنضاف إلى الخريطة الفلسفيَّة والتاريخيَّة في فهم الحريَّة.

لقد لاحظ بوتيت أن "هناك مساحة فلسفيَّة قد تركت غير مأهولة من قبل الذين يميزون ما بين الحريَّة السلبيَّة والحريَّة الإيجابيَّة"، وهو ما مكنه من رؤية فسحة لنهج ثالث واضح: "مفهوم الحريَّة، باعتبارها عدم سيطرة"[7] لنقد التعريف السلبي للحريَّة بما هي "عدم تدخل"[8]. ويستند في هذا التحول من عدم التدخل إلى عدم السيطرة على أحداث الثورة الأمريكيَّة التي ليست في الحقيقة دفاعاً عن التاج البريطاني كما درج على نعتها، وإنما لتعزيز الاستقلال عنه كثورة بشرت بحلول عصر حديث مشرق حسب تعبيره.

يعترض المؤلف على التمييز الذي أقامه برلين بين الحريَّة الإيجابيَّة والحريَّة السلبيَّة، لأن لا السيَّادة ولا التدخل يرتقيان إلى نفس الأمر، وهذا ما يبرِّر شرعيَّة الإمكانيَّة الثالثة: "الحريَّة تتمثل في غياب التصور السلبي، وفي غياب التمكن من قبل الآخرين". ولهذا السبب، استحضر علاقة العبد بالسيَّد لبيان أهميَّة أطروحته، حيث يقول: "السَّيطرة كما أفهمها، هي علاقة السيَّد بالعبد أو السيّد وخادمه، وتعني هذه العلاقة في حدها الأقصى، أن الطرف المسيطر يمكن أن يتدخل على أساس تعسفي باختيارات السيطرة. يمكن أن يتدخل، على وجه الخصوص، على أساس مصلحة أو رأي يكون فيه ليس من الضروري أن يشارك الشخص المتضرر فيها. فالطرف المسيطر يمكنه ممارسة التدخل، إذ ذلك، في الإرادة والإفلات من العقاب. لا يضطرون للحصول على إذن من أي أحد ولا يضطرون لتحمل أية رقابة أو عقوبة... الفرق بينهما يخرج في الحقيقة من أنه من الممكن أن تكون هناك سيطرة من دون تدخل وتدخل من دون سيطرة"[9]، وتوقف على ثلاثة أمور للدفاع عن أطروحته:

- ناقش معنى السَّيطرة؛

- نظر في ماهيَّة متطلبات الحرية، باعتبارها عدم سيطرة؛

- حلل اعتراضات بيلي الثلاثة لتفسير الحريَّة.

فالسَّيطرة قد تكون أقل أو أكثر حدة، لأن فاعل السيطرة قادر على التدخل على أساس تعسفي أكثر أو أقل، مع سهولة قد تكون كبيرة أو صغيرة، في تدبر أقل أو أكبر؛ أي إنها تنطوي على طائفة أوسع أو أضيق قد تختلف بالمدى والحدة. في حين أن عدم السَّيطرة هو "الموقف الذي يتمتع به شخص ما عندما يعيش في وجود أشخاص آخرين، وعندما يحكم الوضع الاجتماعي ألا يكون هناك أياً من الآخرين يسيطر على الحياة"[10]، وهنا يعيد بوتيت طرح الإشكاليَّة بصيغة دقيقة جداً أقرب ما تكون إلى المقاربة القانونيَّة، حيث يتساءل: كيف يمكن تمكين الشخص الذي يعتبر حرّاً من خطر الطغيان لتحقيق عدم السيطرة؟ ما هو الوضع الاجتماعي الذي قد ساعد على دفع عجلة عدم السيطرة؟ ليفحص أربعة سناريوهات:

- لا تدخل ولا سيطرة: وكلاهما جيِّد تحت اثنين من المثل العليا؛

- كل من التدخل والسيطرة: سيئان في ظل اثنين من المثل العليا؛

- سيطرة ولكن لا تدخل: سيئة فقط في ظل عدم سيطرة مثاليَّة؛

- تدخل ولكن لا سيطرة سيئة فقط في ظل عدم التدخل المثالي.

فإذا كانت كل اللغات التي تحكم الشرعيَّة في عالم السيَّاسة، فإن الديمقراطيَّة ترتبط في جوهرها بالحريَّة بما هي أصل، حيث نجد مثلاً أن لغة الاقتصاد ترتكز على حريَّة السوق وحريَّة التعاقد، وأن لغة الحقوق ترتكز على حريَّة الفكر وحريَّة التعبير وحريَّة التنقل، في حين أن لغة الرفاه والعدالة هي حريَّة فعَّالة في جوهرها. أما لغة الشرعيَّة الديمقراطيَّة، فتعزف على ما للشعب من حق في الحريَّة والتقرير بكل حريَّة وعلى الطريقة التي يشترك فيها الأفراد بصفتهم الشخصيَّة في تلك الحريَّة الجماعيَّة. وهذا ما يستوجب في نظره وضع استراتيجيَّات لتحقيق الحريَّة كعدم سيطرة:

- استراتيجيَّة القوة المتبادلة؛

- استراتيجيَّة النص الدستوري.

أدرك فيليب أن طريقة تفكير الجمهوري بالحريَّة السيَّاسيَّة أصبحت متاحة بمجرد تحقق أمرين مركزيين:

- الأول، أن هناك فرقاً كبيراً بين التدخل المقيد الذي يتم تصميمه بحسن القول الشائِع، والتدخل القانوني الذي يمنع الصراع والتدخل التعسفي؛

- الثاني، أن هناك فرقاً كبيراً بين ما يحدث لتجنب مثل هذا التدخل التعسفي فحسب، وما يكون أكثر أو أقل معرضاً للخطر بسبب ذلك.

وبهذا يسهم التقليد الجمهوري مع افتراض الليبراليَّة أنه من الممكن تنظيم دولة قابلة للحياة، ومجتمع مدني فعَّال مبني على أساس تجاوز العديد من الانقسامات الدِّينيَّة، حيث يصور الجمهوريانيَّة ككنيسة واسعة تحتضن كل الليبراليين والمدافعين عن الحريَّات من يسار الوسط، ويقول: "إن اللِّيبراليَّة التي أحاول بناءها هنا، هي كنيسة فسيحة، وأعتقد أن هناك من اللِّيبراليين من اعتنق الحرية، باعتبارها عدم تدخل. أنا أميز ما بين يسار وسط اللِّيبراليَّة الذين يشدِّدون على ضرورة جعل عدم التدخل ذا قيمة فعَّالة، وليس فقط قيمة رسميَّة أو من الذين يتبنون القيم مثل المساواة أو القضاء على الفقر، بالإضافة إلى قيمة عدم التدخل وبين وسط اللِّيبراليَّة الكلاسيكيَّة أو التحررين الذين يعتقدون بكفاية إقامة عدم التدخل، باعتباره واقعاً قانونيّاً رسميّا، وأود أن أذكر أن العديد من ليبراليي يسار الوسط سوف يكونون غير راضين عن هذه الطريقة"[11]، وهو بذلك يستحضر السؤال الذي أثار اهتماما ًكبيراً في العقدين الأخيرين بين صفوف رواد اللِّيبراليَّة في العالم: كيف تعزز الدولة الجمهوريَّة المحتملة رؤيتها للحياة العامة؟ حاول بوتيت أن يناقش موقف هابرماس في كتابه "الاندماج الجمهوري" وسجاله مع راولز، ليدافع عن أطروحة ضرورة تبني عدم السيطرة كأساس لتنظيم المجال العام وضبط الصراعات التي تخترقه، لأن هناك عدداً كبيراً من القضايا ذات الصلة بالممارسة السيَّاسيَّة في الفضاء العام الذي يعاني من العديد من الصعوبات في الحياة المعاصرة، منها تحديداً كما يقول فيليب[12]: "فقدان المجال العام والحضر والريف والبريَّة في كثير من المجتمعات"، ناهيك عن أن تقلص المجال العام لهو مضر أساساً بالحريَّة وسيعزز من مكانة المجال الخاص الذي تحكمه الحريَّة دون تدخل لا يسمح لمؤسسات الدولة وتنظيماتها أن تتدخل ولو تعسفياً، وإنما بشكل ضئيل أو معدوم وأغلب الأحيان تعتبر المجال الخاص مجالاً للحريَّة الفرديَّة بامتياز.

خلاصة

يبقى أن هذا الكتاب يتمتع بقوة حجاجية وسجالية بشأن أكثر المفاهيم إثارة للجدل في مختلف الحضارات التي عرفها التاريخ البشري، ولا يزال، فبالنَّظر إلى مجموع التحولات الجاريَّة وعلى الأخص في عالم الثورة التكنولوجيا الثالثة، فإن مفهوم الحريَّة سيشهد تغيِّيرات حقيقيَّة ستعيد النقاش من جديد إلى الفضاء العمومي لبناء رؤى جديدة قد تتلاءم وتتناسب بهذا القدر أو ذاك مع حجم المتغيرات، وإذا كان لنا أن نقوم رؤية الفكر الجمهوري من خلال هذا الكتاب، فلن نجد أفضل من تقويم صاحبه لجهده حيث يقول: إن "بديهيَّة الفكر الجمهوري المركزيَّة هي، ليست فكرة من نوع جديد، وهي حتى ليست بفكر، مثل العدالة أو المساواة، وهذا يتوقف على جاذبيتها وعلى قبول رؤيَّة الجدل الحاصل هي تقليديَّة ومتواضعة بما فيه الكفاية، في حد ذاته، للمطالبة باهتمام جميع الراغبين فيها"[13]، هكذا يظل الفكر الغربي متواضعا في التعامل مع القضايا التي تثير واقع الناس ومستقبلهم، في حين يبقى الفكر اللِّيبرالي في مجتمعاتنا حبيس رفوف المكتبات ولم يجد بعد قوى اجتماعيَّة تحمله وتعبِّر عنه.


 

[1] - ضمن فلسفة مناهضة "للجماعية" أو "المجتمعانية" Anti-collectivist. فالمجتمعانية communitarianism مذهب سياسي ظهر في القرن 20 للتأكيد على الاهتمام بالمجتمعات المحلية ومجتمعات الأفراد، وهي فلسفة تؤكد على الرابطة بين الفرد والمجتمع، لأن الهوية الاجتماعية للشخص وشخصيته تُشكٍل إلى حد كبير العلاقات المجتمعية.

[2] - الجمهوريانية (الحكم الجمهوري): نظرية الحريَّة والحكومة، تأليف: فيليب بوتيت، ترجمة هيثم غالب الناهي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 2017 (621 صفحة من القطع المتوسطة). ص 48

[3] - Christopher Hamel: La place des droits dans le républicanisme de Philip Pettit, Quelques remarques. نشر ضمن ملف حول الجمهوريانية الجديدة: الرّهانات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية نشره موقع:

http: //www.implications-philosophiques.org

[4] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص 64

[5] - كما نجدها أيضا عند هوبز وبنثام وميل ومونتسكيو وكونستان ودوطوكفيل وجيفرسون وباين...

[6] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص ص 65، 66

[7] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص 69

[8] - الحريَّة السلبية: هي عدم وجود تدخل من قبل الآخر في حين أن الحرية الإيجابية هي السيادة على الذات.

[9] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص ص 71، 72

[10] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص 150

[11] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص 51

[12] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص 323

[13] - الجمهورانية، نفس المرجع، ص 54