تجربةُ تجديدِ علومِ الدّينِ لدَى وحيد الدّين خان: أشربةٌ قديمةٌ في أوانٍ جديدةٍ

فئة :  مقالات

تجربةُ تجديدِ علومِ الدّينِ لدَى وحيد الدّين خان:  أشربةٌ قديمةٌ في أوانٍ جديدةٍ

تميّز المفكّر الهندي وحيد الدّين خان (1925- ) منذ أن أصدر كتابه الإسلام يتحدّى عام 1966 باللّغة الأُردية، في الهند، بأنّه أراد في جميع كتبه تقديم تصوّرات جديدة عن الإسلام، وتصحيح ما علق به من إضافات وأوهام، اعتبرها دينًا موازيًا، ومعارف ثانويّة، أثقلت العقل الإسلامي بأعباء كانت سببًا في نظره، في تكريس الجمود والتخلّف. فعمل جاهدًا على نشر الدّعوة الإسلاميّة وإحياء الفكر الإسلامي في ربوع الهند منذ زمن مديد. لتحقيق مشاريعه، والتّعريف بأفكاره.

حاول في عمليّة التّجديد، أن يتجاوز مسارات الفقه والتصوّف وعلم الكلام والتّعليم الإسلامي، وأن يصحّح أدواتها ووسائل عملها، وآليات إنتاجها للمعاني، وتقديم علم كلام جديد يواكب مستجدّات الفكر العلمي المعاصر وتطوّرات المعارف الحديثة.

نقطة الضّعف الأولى في بناء وحيد الدّين خان هو انطلاقه من الأحاديث التي تعبّر عن الأدب الإسلامي في عصور متأخّرة، وليست صادرة عن العصر النبويّ الأوّل

وقد بنَى هذا المشروع التّصحيحي والتّجديدي في الوقت نفسه، على جملة من القواعد سنعرض لها بالتّحليل والنّقد، بالتّركيز على كتابه: تجديد علوم الدّين، الذي أصدره باللّغة الأرديّة سنة 1978، وتُرجم إلى العربيّة سنة 1986 عن دار الصّحوة بالقاهرة. وقد جعل له عنوانا فرعيّا هو: مدخل لتصحيح مسار الفقه والتصوّف وعلم الكلام والتّعليم الإسلامي.

تجديد الدّين أم الفكر الدّيني؟

اختار وحيد الدّين خان ثلاثة علوم إسلاميّة لتوجيه النّقد إليها، ومحاولة إصلاح بنية الفكر فيها. لم نفهم سرّ هذا التّحديد؟ فلماذا لم يتحدّث عن علم الحديث وعلم التّفسير؟ هل رأى أنّ مسارها وآلياتها لا تحتاج إلى تجديد وإعادة نظر، لأنّها من العلوم التي نضجت واحترقت؟ أم هو اختيار انتقائي؟

المشكلة الأولى التي تلفت النّظر في منهج وحيد الدّين خان أنّه رغم نزعته النقديّة، ينطلق دائما من أحاديث ضعيفة، يستشهد بها لتقرير أفكاره وتأييدها. وهذه حالة تميّزت بها المدرسة الهنديّة عموما، فلم يسلم من خضوعها لأثر النّزعة الحديثيّة، لا محمّد إقبال ولا شبلي النّعماني ولا المودودي. والمفكّر الوحيد الذي أخذ منها موقفا، هو فضل الرّحمن مالك (1919- 1988) إذا استثنينا طبعا تيار القرآنيين، أو المدرسة القرآنيّة.

يمكن أن نلاحظ إذن، أنّ نقطة الضّعف الأولى في بناء وحيد الدّين خان هو انطلاقه من الأحاديث التي تعبّر عن الأدب الإسلامي في عصور متأخّرة، وليست صادرة عن العصر النبويّ الأوّل، وهي من هذه النّاحية تعبّر عن وجهات نظر المحدّثين والفقهاء والأصوليين، الذين انتقدهم في كتاباته.

وعلى سبيل المثال، فهو يصدّر كتابه في تجديد علوم الدّين بالحديث الآتي: «عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا أَوَانُ يُرْفَعُ الْعِلْمُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَيُرْفَعُ الْعِلْمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ وَقَدْ عَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنْ كُنْتُ لَأَحْسَبُكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَذَكَرَ لَهُ ضَلَالَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَهُمْ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ شَدَّادٌ: رَفْعُ الْعِلْمِ ذَهَابُ أَوْعِيَتِهِ، وأَوَّلُ علم يُرْفَعُ هو الْخُشُوعُ حَتَّى لَا يُرَى خَاشِعٌ».[1]

هذا الحديث مفكّك الأوصال أخذه ابن عبد البرّ (368 - 463ه) عن مسند أحمد بن حنبل، وغيّر في إسناده. ولم يرد بصيغته المذكورة في أيّ كتاب حديث مُعتبر، وهو أنموذج لأحاديث رفع العلم وذهابه، المرتبط بتقرير علامات السّاعة. ولا أحد يستطيع أن يفهم مدلول ذهاب العلم، إذ لا معنى له. ولذلك، نجد الشّارح يتأوّل المسألة بذهاب الخشوع.

من الواضح أنّ لغة الحديث ومصطلحاته تنتمي إلى القرن الرّابع أو الخامس، عندما ازدهر الحديث عن علامات السّاعة، نتيجة القلاقل السياسيّة والاضطرابات الاجتماعيّة.

بنى وحيد الدّين خان على هذا الحديث فكرة أساسيّة تعلّقت بفهم الدّين وطبيعته ووظيفته، وهي من الأفكار الجوهريّة التي أقام عليها تنظيره في الإصلاح والتّجديد. ومضمونها أنّ الانحطاط الدّيني لا يعني زوال كلّ مظاهر التمسّك بالدّين، أو عدم اهتمام النّاس بالقضايا الدينيّة، فهذا أمر لا يحدث في التّاريخ في نظره. وإنّما الانحطاط الدّيني يعني بقاء الدّين في مستوى القسوة القلبيّة، وضياعه في مستوى الخشوع؛ لأنّ دين الخشوع موطنه القلب. أمّا دين القسوة، فلا يبرح الأعضاء والجوارح الخارجيّة، فلا يكون جزءا من الشّعور حتى يلهب وجدان المرء، ويحكم حياته الداخليّة والخارجيّة.[2]

ومن أجل تحقيق تجديد فعليّ في الدّين، لا بدّ من تطهيره من إضافات البشر، لأنّ هذه الإضافات هي التي صاغت هذا الفكر، الذي أدّى إلى ظهور القسوة القلبيّة.

ولكن ما معنى تطهير الدّين وكيف يتحقّق؟ ومن يقوم به؟

لم نجد أجوبة مهمّة عن هذه الأسئلة. كما لم نجد تعريفًا واضحا لمدلول الدّين في ثنايا كتاب تجديد علوم الدّين. وإن كنّا وجدناه في ردوده على المودودي، في كتب أخرى قد عالج فيها هذا الموضوع معالجة وافية، وخاصّة في كتابه: خطأ في التّفسير.[3]

كان من الممكن أن يختصر المسألة كلّها، فيذكر أنّ آفة كلّ دين هي التعلّق بالقشور وترك الجوهر، وهو لا محالة يصل إلى هذه الفكرة بطريقة أخرى، هي في رأيه تحويل الدّين إلى فنّ. ومصطلح الفنّ هنا ملتبس. فكأنّه يريد به الدّيكور أو المظهر الخارجي المزيّف الذي لا ينفذ إلى الأعماق. ويضرب لذلك مثالا، هو العبادة، التي تحوّلت إلى عمل ظاهري، بعيد عن خشوع القلب، وحرارة الرّوح، وصدق المشاعر. وكذلك الأمر بالنّسبة إلى الدّعوة إلى الحقّ والنّصح إلى العباد، فقد تحوّلت إلى مجرّد خطب باردة، ومناظرات جافّة.

وهذا الذي سمّاه فنّا هو في الحقيقة الإضافات والأفهام والممارسات البشريّة للدّين. وخاصّة ما يفرضه رجال الدّين والسّلطان من عادات وعبادات، تتحوّل مع مرور الزّمن إلى حقائق دينيّة متوارثة. ومن هنا جاء مطلب تجديد الدّين، الذي هو في نظر وحيد الدّين خان تطهيره من الغبار المتراكم عليه، وتقديمه في صورته الأصليّة، وهو ما سمّاه عبد المجيد الشّرفي إخضاع الممارسة التّاريخيّة للإسلام للنّقد والمراجعة والتّقييم؛ لأنّ القداسة التي أضفاها عليها الزّمن، ينبغي ألاّ تحجب طبيعتها البشريّة. وبالتّالي ما اتّسمت به بحكم هذه البشريّة من نقص ومحدوديّة، وحتّى من زيغ وانحراف، عن المبادئ التي أرادت أن تكون لها وفيّة.[4]

والإشكال هنا يتعلّق بمفهوم المسعى التّطهيري نفسه. فإذا كان من طبيعة البشر إضافة المعاني والأفهام على مرّ العصور، باعتبار ذلك من لوازم العمران والتديّن، فإنّ عمليّة التّطهير الدّيني تصبح بدورها إضافة على الأصل. وفهمًا تراكميًا جديدا، أو غبارا آخر تجب إزالته أيضا بعد زمان لاحق.

لا يوضّح وحيد الدّين خان كيف يمكن إزالة هذا الغبار المتجدّد، وتصحيح صورة الدّين النقيّة الخالصة؛ لأنّ العمليّة معقّدة. فكأنّه يقول يجب الاقتصار على المتن وإهمال الحاشية. ولكن الحواشي لا يمكن أن تنتهي أبدا، ما دام هناك عقل قارئ ومتفاعل مع هذا المتن الأصلي. فكيف يمكن إزالة الأفهام والإضافات، أو عدم الاسترشاد بالتّجارب الدينيّة والأفكار التي سادت وانتشرت، وعبّرت عن فهمها وحلولها لمشكلات عصرها؟ هذه التّجارب والأفهام ليست ملزمة بطبيعتها، لأنّها تنتمي إلى التّاريخ، ولا يمكن إزالتها أو إهمالها.

لم يطرح وحيد الدّين خان هذه الأسئلة، ولكنّه اهتمّ ببيان أسباب الإضافات إلى الدّين. وقد أرجعها إلى سببين:

رأى وحيد الدّين خان أنّ المعايير الفنيّة التي اختلقها الفقه لعلم الدّين، قد أدّت في بعض الأحايين إلى ظهور أشياء غريبة جدّا

الأوّل: محاولة تعيين حقيقة الدّين من النّاحية الخارجيّة.

الثّاني: بيان التّعاليم الدينيّة بالمصطلحات العقليّة.[5]

واضح أنه يقصد علمي الفقه والكلام؛ فالأوّل معنيّ بتقرير الأحكام، والثّاني مشغول بالبراهين العقليّة. قال موضّحًا طبيعة هذه الإضافات ومطالب التّجديد الدّيني: «أوّل عمل لتجديد الإسلام هو تطهيره من الإضافات. ولن ينجح الجهد الرّامي إلى إحياء الدّين الإلهي ما لم يطهّر من الغبار البشري. وكان الرّسول قد حذّر أمّته تحذيرا صريحا بشتّى الطّرق، للوقاية من هذه الفتنة. فكانت آخر نصائحه لنا قبل رحيله: تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنّة رسوله».[6]

ملاحظات وتحفّظات:

لدينا ملاحظات وتحفّظات على هذا القول نحصرها فيما يأتي:

أوّلا: ربّما لم يتفطّن المترجم، وهو نجل المؤلّف، إلى أنّ الحديث السّابق لا يتعلّق بتجديد الإسلام نفسه. فهذا لا معنى له، وإنّما عن تجديد التّفكير الدّيني والعلوم الإسلاميّة كما فعل محمّد عبده مثلا في رسالة التّوحيد، أو محمّد إقبال في تجديد الفكر الدّيني في الإسلام.

ثانيا: لم نجد دقّة في استعمال المصطلحات؛ فقد غابت عن المؤلّف تقديم عُدّة مفاهيميّة تهتمّ بإيضاح أهمّ المصطلحات أو الكلمات المفاتيح، التي تمثّل جوهر الموضوع، مثل الدّين والعقيدة والسنّة والتّجديد والدّعوة، فقد ظلّت غير معرّفة وحمّالة وجوه كثيرة. ربّما لأنّه تناولها في مؤلّفات أخرى.

ثالثا: لم تتعلّق فكرة التّجديد لدى المؤلّف بتجديد الدّين نفسه، وإنّما بالإضافات التي لحقت به. وهذا واضح في تعابيره وفصوله، ولكنّه اعتمد كثيرا على الأحاديث لدعم أفكاره وحُجيّة تجديد علوم الدّين، ربّما تقليدا لتجربة الغزالي (ت505ه) في إحياء علوم الدّين.

لا ندري إن كان هذا المسعى المحافظ يراد به مراعاة الشّعور الإسلامي، وخاصّة الهندي المعروف بأنّه شديد الحساسيّة تجاه الأحاديث. ففي هذا السّياق، رأى أنّ دعوة تطهير الدّين من الغبار البشري تستند في قراءة إلى تحذير وجّهه الرّسول إلى أمّته قبل وفاته، قال فيه: تركت فيكم أمرين.[7]

يعلم المؤلّف أنّ هذا الحديث الذي استشهد به، تسبّب في مشكلات كبيرة بين الفرق وخاصّة بين الشّيعة والسنّة، فكلّ مذهب يدّعي أنّ المقصود بالسنّة ما هم عليه من أفهام وإضافات، والتي أراد المؤلّف أن يتخلّص منها. لماذا لم يتفطّن المؤلّف إلى هذا التّناقض؟ وما المقصود بالسنّة؟ وما أصالة هذا الحديث الذي استند عليه في بنائه الفكري؟ وكيف لم يدرك أنّ مصطلح السنّة لم يكن معروفا في عصر الرّسول؟ وكيف يفسّر المؤلّف أنّ الرّسول تنبّأ بحصول تلك الإضافات وحذّر منها؟ والتي كانت سببًا في تحريف أديان سابقة.

لم تشغل هذه الإشكالات بال وحيد الدّين خان. ولم يهتمّ بها رغم أهميّتها وخطورتها. ونرى أنّ هذا الخلل جعل أفكاره تتّخذ طابعي الوعظ والمثاليّة، أكثر من الفكر الواقعي والنّقدي.

قرّر في سياق لاحق بعد المقدّمات التي ناقشناها، أنّ النصّ السّماوي المتمثّل في القرآن لم يطرأ عليه تحريف منذ نزوله حتّى اليوم، ويمكن لأيّ شخص اليوم أن يتعرّف على الدّين الإلهي الحقيقي، الخالي من الإضافات البشريّة، بالاطّلاع على القرآن.

فأين المشكلة إذن، ولماذا التّجديد؟

المشكلة في العلوم الإسلاميّة نفسها، التي تسرّب عن طريقها الفساد إلى الدّين. وقد اختار الفقه والتصوّف وعلم الكلام، باعتبارها فنونا أنتجتها العصور المتأخّرة، ليقدّم حولها رؤيته التجديديّة وقراءته النقديّة.[8]

أوّلا: مشكلة الفقه

رأى وحيد الدّين خان أن الدّين سهل ميسور، جاء بالحنيفيّة السّمحة. ولكنّ الفقهاء عكفوا على التّفريعات في مسائل العبادة. وقد ترتّب على هذا الانغماس في الفروع، أن ظهر إلى الوجود فنّ كان يجهله الصّحابة ورجال القرن الأوّل. وعلى سبيل المثال لم يكن أحد منهم يدري أنّ الوضوء يشمل فرائض وسننا ومستحبّات. فهي في الحقيقة من مبتكرات الفقهاء.

وهذا ينطبق على جميع العلوم الإسلاميّة التي لم يتناولها وحيد الدّين خان، لا محالة، مثل الزّيادات المتعلّقة بالتّجويد والقراءات، ومباحث العقيدة مثل الصّفات والقدر وأشراط السّاعة. وهذا مبحث عريض ومهمّ، يحتاج مقاربات ضخمة في العرض والتّصنيف والتّجديد وإعادة النّظر. وما عالجه وحيد الدّين خان حول الفقه يصلح أن يكون ضربا من الاجتهاد المعاصر في مشاغل الفكر الإسلامي، التي عرضنا نماذج منها.

رأى وحيد الدّين خان أنّ المعايير الفنيّة التي اختلقها الفقه لعلم الدّين، قد أدّت في بعض الأحايين إلى ظهور أشياء غريبة جدّا.[9]

هذه الأشياء الغريبة هي نتيجة الاختلاف والتعصّب المذهبي؛ فالخلاف في الدّين ينتج من الخصومات والعداوات أكثر ممّا ينتجه الخلاف في السّياسة، وهو بعد ذلك يقود إلى الجمود والنّوم على الموجود.

فما هي الحلول والمقترحات التي اختارها وحيد الدّين خان لتجديد علم الفقه وإصلاح منظومته الفاسدة، التي كرّست التّجزئة والتعصّب والاختلاف؟

إنّ الحلّ الأوّل في نظره هو فصل فقه العبادات عن فقه المعاملات. كأنّه يريد بذلك الرّجوع به إلى حالته الأصليّة (Initial) كما كان في العصر الأوّل. وهذا غير ممكن عقلا وشكلا، إذ ترتبط المسألة من ناحية ثانيّة، كما لاحظ عبد الجواد ياسين بالعلاقة بين الفقه والنصّ. فالفقه قد تحوّل إلى نصّ منذ زمن بعيد، واتّسع مفهوم الإسلام، ليشمل إلى جوار النصّ الأحكام المستنبطة منه، واتّسع نطاق الحجيّة ليشمل إلى جانب النصّ، الفقه المبني على النصّ. والمقابلة ضروريّة هنا بين النصّ من ناحيّة، والفقه المستخرج منه من ناحيّة أخرى. ولذلك، فإنّ الحكم الفقهي لا يملك الانفلات من بصمة الزّمن الذي نشأ فيه، ولا من بصمة المكان؛ لأنّهما معًا جزء لا يتجزّأ من تكوينه.[10]

ومن هنا يصعب الحديث عن عمليّة الفصل بين العبادات والمعاملات في مجال الفقهيّات.

والحلّ الثّاني الذي يقترحه، هو تغيير المناهج في المدارس الدينيّة. ورغم أنّ المطلب قديم، ونادى به غيره منذ الطّهطاوي والأفغاني وعبده، إلاّ أنّه تميّز عنهم بالجرأة وقوّة النّقد. وهذا مثال أوّل على ذلك: «إنّ الذي يتخرّج من المدارس الدينيّة يحمل شهادة عالم دين. بينما هو في حقيقة الأمر عالم شقاق؛ فهو يظنّ أنّ غاية علمه الدّيني تنحصر في إثبات أحقيّة مذهبه الفقهي إزاء المذاهب الأخرى. إنّ أمثال هذا العالم يقيمون المسارح بإثارة قضايا دينيّة بسيطة وغير مهمّة، ويزجّون بالأمّة في جدال ونزاع لا ينتهي أبدا».[11]

والمثال الثّاني يتعلّق بفهمه للدّين، ورسالته في المجتمع. فهو يرى أنّ المسلمين بصفة عامّة يحملون نسخة تقليديّة من الإسلام، ساكنة ومترسّبة في عقولهم. وسيظلّون متخلّفين اجتماعيّا مع هذه النّسخة. فلا بدّ من التحرّر من هذه النّسخة، وهذا التّفكير السّاكن. وبمجرّد أن يتغيّر فكرهم ستزول كثير من المشكلات المتعلّقة بتعاملهم مع الواقع، ومع الحضارة الحديثة.[12]

ولكن ما مشكلة هذه النّسخة التّقليدية وخطورتها؟ والحال أنّ اليهود والنّصارى والبوذيين، وغيرهم، يحملون أيضا نسخًا تقليديّة عن أديانهم؟

المشكلة في نظر وحيد الدّين خان أنّ الذين يحملون النّسخة التقليديّة، يرون الإسلام نظاما كاملا للحياة، يتعلّق بجميع نواحي الحياة. وهذا خطأ منهجي في الفهم والممارسة، وهو السّبب الأعظم لانجذاب المسلمين الأذكياء نحو العلمانيّة. فالإسلام يتعلّق في أساسه بالشّؤون الدينيّة للإنسان. وقد نصّ نبيّ الإسلام نفسه على هذا المعنى، حين قال في حادثة تأبير النّخل: «إِذَا كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنكُمْ بِهِ، وَإِذَا كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ».[13]

ثانيا: مشكلة التصوّف

من مشاكل التصوّف أنّه لا يمكن تعريفه، فقد تحوّل الدّين عن طريقه من علم ظاهر ومكشوف إلى دين باطن وأسرار. وإذا اقترب الدّين من الأسرار والخوارق تحوّل إلى سحر. وتملّكه شيوخ وكهنوت لهم قوّة تأثير خياليّة على المريدين والأتباع. وبفضل مبتكرات ومهارات غامضة وباطنيّة، يمتلك الشّيوخ قوّة تسخيريّة قادرة على التّأثير في قلوب المريدين وعقولهم.

وفي مرحلة لاحقة من مراحل ازدهار التصوّف، تمّت الاستعانة بنشر القصص الخارقة والأساطير المدهشة حول معجزات الشّيوخ وكرامات المتصوّفة، وتقديس الأشخاص، حتّى أصبحت جزءا من الثّقافة الإسلاميّة، حيث امتدّت إلى اللّغة والأدب. وهذا مرتبط أيضا بأزمة علم الكلام كما لاحظ فهمي جدعان في كتابه: أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، حيث رأى أنّ المباحث الكلاميّة، لم تكن تعني شيئا مهمّا في حياة المؤمنين اليوميّة، أو الزمنيّة المشخّصة. وهذا من أهمّ الأسباب التي جعلت المؤمنين يعزفون عن هذا العلم، ويفضّلون التصوّف عليه، إذ أنّ المتصوّفة قد اعتادوا أن يهجروا من الإنسان زاوية اللّغة والمنطق، ليلجؤوا إلى زاوية الشّعور والوجدان المشخّص. لكنّ ذلك أدّى بهم لا إلى مجرّد الهجر لهذين الأمرين، وإنّما إلى خيانتهما حقيقة.[14]

رّكز وحيد الدّين خان في نظرته النقديّة والإصلاحيّة على السلبيّات الكثيرة التي روّجها علم التصوّف في عقول المسلمين، والتي قامت أساسا على تقديس المشايخ وبروز مؤسّسة الصّالحين، التّي زرعت الأوهام في عقول النّاس، وصرفتهم عن الوظيفة الحقيقيّة للدّين، في مظاهره البسيطة، المولّدة للمعنى والمحقّقة للتوازن.

ولكنّه لم يقدّم حلولا ومقترحات لتجاوز ذلك الكهنوت الصّوفي. واكتفى بالتّصريح بأنّه عندما يصبح كتاب الله وسنّة رسوله منبع الدّين ومرجعه، ستختفي تلك المعتقدات الباطلة. ولم يبيّن كيف يتحقّق ذلك، وما هي الخطوات المساعدة؟ مع أنّه يعلم أنّ هذا مجرّد رجاء تمنّاه المصلحون قبله منذ قرون ولم يتحقّق.

وكان عليه أن يدعو أيضا إلى ضرورة الفصل بين الإسلام من حيث هو دين أو عقيدة، وبين الإسلام من حيث هو تراث. فهذا التّراث كما لاحظ فهمي جدعان ليس سوى منجزات زمنيّة تاريخيّة، تربط صانعيها من السّلف، ولا تقيّد أحدا من الخلف. فعلم الكلام والفقه ونتاج التّفسير والفلسفة والتصوّف، ليست إلاّ منجزات إسلاميّة وعربيّة صنعتها أجيال تاريخيّة معيّنة، في ظروف معيّنة، وورّثتها لمن بعدها. لا ليأخذ هؤلاء بها، ولكن لكي تدخل في بناء التّاريخ الثّقافي العام للأمّة.[15]

ثالثا: مشكلة علم الكلام

الفساد الثّالث الذي دخل إلى الإسلام، فشوّه تعاليمه ورسالته في نظر وحيد الدّين خان، هو علم الكلام، وهو علم زماني مؤقّت يشرح حقائق الإسلام بمصطلحات زمانيّة رائجة في عصره. ولذلك، تنتهي أهميّة هذا العلم تلقائيّا بنهاية العصر الذي وُضع فيه. ويمكن القول بأنّ التطوّر الزّمني، قد ألغى فائدة علم الكلام القديم بصورة قطعيّة. فكان لا بدّ من تجديد هذا العلم وإصلاحه، لأنّ أساليب البحث المنطقي القديم، فقدت قيمتها في الوقت الحالي، حيث يقوم المنطق الحديث على العلم، الذي يثبت الآراء بالوقائع والتّحليل التّجريبي.[16]

أمّا المدرسة القديمة، فتخرّج علماء غرباء عن زمانهم، فكرا ومنهجا واستدلالا. وأكثر من ذلك يصابون بعقدة النّقص حين يدخلون معترك الحياة، ولكنّهم يلجؤون إلى ضروب من التّبرير والتّعويض، فيصطنعون الجرأة والتّطاول على النّاس، وينصّبون أنفسهم دعاة إلى الإسلام، وناطقين باسمه.[17]

وعلى ضوء هذا التّحليل دعا وحيد الدّين خان إلى تحقيق المطالب الآتية:

أوّلا: القيام بجهد متواصل لتطهير الدّين من رواسب عصور الانحطاط، التي اصطبغت بصبغة وقتية وطفيلّية، فقدت جدواها، وأصبحت عائقا في وجه انتشار الإسلام وفهم المسلمين لدينهم.

ثانيا: تأييد فكرة تأسيس علم كلام جديد، التي كان شبلي النّعماني (ت1914) أوّل من نادى بها في بلاد الهند. وقد ألّف كتابا في الغرض سمّاه علم الكلام الجديد، ونشره في مارس سنة 1903. ودعا فيه إلى إعادة عرض المسائل الكلاميّة بطريقة جديدة ومبسّطة، وعلى ضوء معارف عصره.

قال موضّحا بعض ملامح منهجه الجديد: «أهمّ الأشياء الضّروريّة أن تُقدَّمَ الدّلائل والبراهين بأسلوب بسيط وواضح، تستوعبه الأفهام بسرعة، ويستقرّ في القلب. فقد كان يُستخدم في المنهج القديم مقدّمات معقّدة ومتشابكة، ومصطلحات منطقيّة وأفكار دقيقة وحسّاسة جدّا. فكان المخالف يصمت بعد أن يُصاب بالرّهبة، ولكن لا يوقر في قلبه حالة من الوجدان والإيمان».[18]

لقد حاول شبلي النّعماني في كتابه أن يتجاوز المباحث القديمة في العقيدة، وأن يلتفت إلى الجوانب التاريخيّة والأخلاقيّة والحضاريّة، وتحديد علائقها بالدّين. وقد تأثّر وحيد الدّين خان بهذا المسعى، فاهتمّ بنتائج العلوم الحديثة، وحاول استغلال إمكاناتها الجديدة لصالح الدّين، وهو ما حقّقه باقتدار، في كتاب الإسلام يتحدّى.[19]

دين الله يسير ودين الفقهاء عسير:

لا يمكن أن نفهم مطلب الاستفادة من العلوم الحديثة وفق ما سُمّي بالإعجاز العلمي للقرآن، الذي اتّخذ صبغة تجاريّة فيها الكثير من الدّجل والتّلفيق. ولا وفق إقحام العلوم بصفة متعسّفة لفهم القرآن، كما فعل طنطاوي جوهري ومحمّد فريد وجدي وعبد الرزّاق نوفل وجمال الدّين الفندي، وغيرهم؛ فلو استخدم وحيد الدّين خان ذلك المنهج، لارتكب الخطأ نفسه الذي حذّر منه، وهو تأسيس المعرفة الدينيّة على قياسات علميّة واجتماعيّة غير ثابتة.

كان على وحيد الدّين خان أن يدعو إلى ضرورة الفصل بين الإسلام من حيث هو دين أو عقيدة، وبين الإسلام من حيث هو تراث

إنّ دين الله بسيط وفطري ويسير، وهو يلهب الفؤاد ويصقل العقل، ولكنّ دين الفقهاء والمتصوّفة والمتكلّمين متكلّف وعسير. والعلوم الإسلاميّة كلّها لا تعدو أن تكون أبحاثا جافّة لا تشفي غليل الظمآن. وقد جاء القرآن ليضع عن النّاس الأغلال التي كانت تقيّدهم، ويحرّرهم من الأوهام والقيود الزّائفة: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) الأعراف﴾.

ولكنّ الفقهاء والمتصوّفة والمتكلّمين أضافوا أغلالا جديدة؛ وأوّل واجب لتجديد الدّين اليوم هو تطهيره من الإضافات والقيود التي لحقت به. وبدون القيام بهذا الواجب، لا يمكن أن نخطو خطوة واحدة إلى الأمام، لإحياء الإسلام في العصر الحديث.

هذا ما طرحه وحيد الدّين خان بإجمال في أعماله وكتبه. أمّا البحث في كيفيّة الإصلاح وطرق التّنفيذ، فيبدو أنّه جعل هذه المهمّة لمن يملك السّلطة والإعلام والنّفوذ. ربّما لأنّه رأى أنّ دور المثقّف يقتصر على الإنذار والتّوجيه، وطرح المشكلات الصّحيحة والأسئلة العميقة.


[1] - ابن عبد البرّ (ت 463هـ) جامع بيان العلم وفضله، دار ابن الجوزي، ط1، المملكة العربيّة السّعوديّة، 1414هـ، 1994م. ج1، ص593

[2] - خان، وحيد الدّين، تجديد علوم الدّين، ترجمة ظفر الإسلام خان، مطبوعات دار الصّحوة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986. ص6

[3] - خان وحيد الدّين، خطأ في التّفسير، الرّسالة للإعلام، ط1، القاهرة، 1992. ص271

[4] - الشّرفي، عبد المجيد، الإسلام والحداثة، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، 1991. ص19

[5] - المرجع السّابق، ص9

[6] - م. س، ص11

[7] - السّيوطي، جلال الدّين (ت 911هـ) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، دار الكتب العلميّة، ط1، بيروت، 1417هـ، 1996م. ج1، ص11. ورغم سلفيّة السّيوطي وحشويّته، فقد ضعّف هذا الحديث.

[8] - يقصد الكاتب بكلمة فنّ كل فرع علمي وتقني تطبيقي يمتاز بمصطلحاته وتعابيره الخاصّة، مثل الفقه والكلام والتصوّف، التي نهض لمعالجتها في كتابه. انظر: تجديد علوم الدّين، ص14

[9] - خان، وحيد الدّين، تجديد علوم الدّين، ص26. مرجع سابق.

[10] - ياسين، عبد الجواد، السّلطة في الإسلام: العقل الفقهي السّلفي بين النصّ والتّاريخ، المركز الثّقافي العربي، ط1، الدّار البيضاء، المغرب، 1998. ص34

[11] - خان، وحيد الدّين، تجديد علوم الدّين. ص38. مرجع سابق.

[12] - خان، وحيد الدّين، القضيّة الكبرى، الرّسالة للإعلان الدّولي، القاهرة، 1992. ص77

[13] - ابن حنبل، أحمد (ت241هـ) المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسّسة الرّسالة، ط1، بيروت، 1421هـ، 2001م. ج41، ص401

[14] - جدعان، فهمي، أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام في العالم العربي الحديث، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط2، بيروت، 1981. ص188

[15] - المرجع السّابق. ص548

[16] - خان، وحيد الدّين، تجديد علوم الدّين. ص64. مرجع سابق.

[17] - م. س. ص64

[18] - النّعماني، شبلي، علم الكلام الجديد، ترجمة جلال السّعيد الحفناوي، المركز القومي للتّرجمة، ط1، القاهرة، 2012. ص182

[19] - خان، وحيد الدّين، الإسلام يتحدّى، تعريب ظفر الإسلام خان، دار المختار الإسلامي، القاهرة، 1973. ص8