جهل ونفاق

فئة :  مقالات

جهل ونفاق

حيثما يُذكر الرحّالة الإنجليزي "وليم جيفورد بلجريف" ترتسم صورة مغامر أراد اكتشاف العالم الشرقي على خلفية من منظور ديني شبه مغلق انتهى به إلى سوء الفهم؛ فمع خدمته العسكرية في الإدارة الاستعمارية الإنجليزية في الهند، فإن هاجسه الديني ظل يتنامى، ويتورّم، إذ درس العلوم الدينية في جامعة إكسفورد، وما لبث أن هجر المذهب البروتستانتي إلى الكاثوليكية، وترك الجيش ليصبح راهبا، ثم أصبح يسوعيا وشُغف باللاهوت الذي درسه في إيطاليا، وحينما استكمل عدّته أُرسل إلى لبنان للإشراف على البعثات التبشيرية في بلاد الشام. وفي كل ذلك، لم يُخف بلجريف مهمته الدينية في منطقة الشرق الأوسط. وبسبب الحرب الأهلية في عام 1861 غادر لبنان، وبدأ في ترتيب رحلة في شبه الجزيرة العربية.

لعل أحد الألغاز الغامضة وراء رحلة "بلجريف" هو اعتبار الصحراء العربية أرضا تتمدّد فوق رمالها بعض المظاهر الوثنية، يمكن أن تخضع لعملية تحويل ديني بجهوده التبشيرية

ولعل أحد الألغاز الغامضة وراء رحلة "بلجريف" هو اعتبار الصحراء العربية أرضا تتمدّد فوق رمالها بعض المظاهر الوثنية، يمكن أن تخضع لعملية تحويل ديني بجهوده التبشيرية، وظل هذا الأمل يراوده إلى أن انتقل إلى فرنسا، ووضع نفسه في خدمة إدارتها، وتمكّن من إغراء الإمبراطور "نابليون الثالث" بدعم رحلة في أرض العرب؛ الغاية منها معرفة إمكانية مد النفوذ الفرنسي إلى تلك الأصقاع. ومهما كانت خلفيات الرحّالة: دينية، أو علمية، أو عسكرية، فأغلبهم وضعوا أنفسهم في خدمة المشاريع الإمبراطورية المتصارعة حول الشرق. ولم يُخف "بلجريف" ذلك، إنما اعتبر مهمته التبشيرية واجبا يتوّج به حياته الشخصية التي لم يقتصر الأمر فيها على تحولات كثيرة إنما شمل التغيير اسمه وهويته، فقد كان اسمه في الأصل "وليم جيفور بلجريف"، وحين انخرط في الجمعية اليسوعية، وأصبح قسيسا، أمسى اسمه "فريري وليم جيفورد بلجريف"، وما أن صار كاهنا في لبنان حتى أصبح اسمه "أبي ميخائيل سهيل"، وحين شرع في مهمته داخل شبه الجزيرة العربية انتحل اسم "محمود العيص أبو سليم".

كتب "بلجريف" رحلته الطويلة الشائقة "سرد شخصي لرحلة استغرقت عاما عبر وسط وشرق شبه الجزيرة العربية"، ليفصّل فيها ما يريد قوله حول الصحراء العربية وأهلها. وإصراره على اعتبار مدونته "سردا شخصيا" له أهمية استثنائية لأنه قرنها بانطباعاته، إذ تضخّمت ذاته في بيداء منقطعة لا شهود فيها عليه، وتمركز السرد حولها أكثر مما تركّز على العالم الذي ذهب لاكتشافه، فجاءت الرحلة وصفا مسهبا لمغامرة رجل غربي في صحراء العرب على خلفية من رؤية دينية للعالم، فلا عجب أن تختلط في ذهنه كثير من الطقوس الدينية الإسلامية التي كان يعجز عن تفسير دلالتها؛ فكان يعزوها إلى بقايا طقوس وثنية قديمة، إذ رسخ اللاهوت الكنسي لديه تعريفا للدين وطقوسه، ولم يبرح تلك الحدود، بل أراد أن يُدخل إليها طقوس الآخرين الدينية ليستقيم فهمه لها. ولما تتمرّد على ذلك بحكم طبيعتها المختلفة، كانت توصف بأنها ممارسات بدائية لم تنضج بعد لتبلغ رتبة المعتقد الديني الصريح.

كشف "بلجريف" عن مهارة في ممارسة الخداع، إذ استغرقه أمر مخاطبة القارئ الغربي الذي ينتظر وصفا يقدّمه شاهد عيان عن عالم شبه الجزيرة "والقارئ، ربما يودّ أن يعرف الهدف المخصّص لهذه الرحلة والظروف الحاكمة لها، لقد كان يحدوني أمل كبير في الإسهام في شيء من أجل الصالح الاجتماعي لهذه المناطق الشاسعة؛ كان يحدوني أمل تحريك الحياة الشرقية الراكدة، حتى تلحق بأنهار التقدّم الغربي وتتصل بها؛ وربما لدي أيضا دافع لتعرّف ذلك الذي كنت أجهله حتى ذلك الحين، وكذلك الرغبة في الاستكشاف التي تملأ قلوب الإنجليز؛ كانت تلك هي الدوافع الأساسية، ويمكن لي بصفتي المؤلّف، أن أضيف إلى ذلك، أني كنت منضما في ذلك الوقت إلى الجمعية اليسوعية، تلك الجمعية التي اشتهرت في حوليات التاريخ بأعمالها التي تستهدف حب البشر والناس؛ ويجب أيضا أن اعترف، بصفتي المؤلف، بخالص شكري لإمبراطور فرنسا الحالي (نابليون الثالث) على كرمه في توفير المخصصات النقدية اللازمة لهذه الرحلة". على أن كل ذلك لا تتضح دلالته النهائية إلا حينما يأتي الاعتراف الصريح بالهدف الاستعماري لبسط النفوذ الغربي على البلاد الشرقية، وهو ما صرّح به على نحو لا يقبل اللبس "من الأهمية بمكان أن تكون لدينا فكرة صحيحة عن الشعوب والأمم التي يغلب على الظروف أن تجعلنا أكثر التصاقا بها، وكذلك الشعوب التي يحتمل أن نكون نحن في المستقبل، متحكّمين بفضل العناية الإلهية، في كثير من أمورها المستقبلية".

عُرضت أحداث الرحلة من وجهة نظره، ولكي تظل قصته متماسكة، فلابد أن يحافظ على تنكّره، ولابد أن يرسم لنفسه صورة المغامر، الذي يبلغ هدفه مهما كانت الصعاب. وعلى هذا تؤدي تلك التوطئة وظيفتين: الاستغراق في دوره جاسوسا غامضا لا يُفصح عمّا يريد، حتى لو اقتضى أن يفشي سرّه للأمراء والمرافقين، وإضفاء طابع التشويق على قصة شخصية تنفلت أحداثها، ثم تتقيّد حسب موقع "بلجريف" في خارطة السرد، فما أن يغفل الآخرون عنه حتى ينطلق باحثا عن المعلومات، وجامعا للأخبار، وما أن تشتدّ الرقابة حتى ينكفيء على نفسه، وقد ملكه الشكّ في أن أمره انفضح أو في سبيله للانفضاح. والحال هذه، فمسار "بلجريف" خضع لإرادته ولإرادة غيره في آن. فكلّما أمعن في التفكير بمهمته ودوره في الصحراء العربية، نتج فعله عن إرادة خاصة به، وكلما ضاقت به السبل، أسلم أمره لإرادة الآخرين من أمراء، أو بدو، أو مرافقين، أو قوافل مترحّلة. والغريب أنه كلّما اقترب من هدفه، ابتعد ذلك الهدف عنه، فظل يطارده إلى النهاية، بدون أن يتمكّن منه، وكأن غايته تفرّ منه. وعلى هذا فلم يُصرّح بالوضوح الكافي، على الإطلاق، عن الطبيعة الحقيقية لمهمته، فهو يوارب في الإعلان عنها واضعا مسافة كافية بين الإفصاح عما جاء به إلى بلاد العرب، وعما يُخفيه من أسرار. وكل هذا أضفى عليه غموضا مثيرا للعجب في نفوس المحيطين به من بدو رآهم قساة جفاة، أو أهل حواضر عرضوا عليه الرعاية في بيوتهم، أو قرّاء غربيين يتطلّعون إلى فكّ لغزه، ومعرفة نهاية حكايته.

كان "بلجريف" مرائيا، لأنه أضفى على نفسه قيمة أخلاقية لا يتوفّر عليها في الحكم على الآخرين في الصحراء العربية، على الرغم من أنه قدِم للغدر بهم، في مهمة تفتقر للأخلاق التي تكرسها الأديان، فأمر تحويل ملّة من دين إلى دين آخر لا يستقيم إلا في ضوء الاعتقاد المبهم، والذي لا يمكن الاتفاق عليه، بأن الخلاص النهائي يكمن في الدين الجديد، وقد حلّت فرضيات اللاهوت في نفسه محلّ المعتقد الديني، فتمكّنت منه. وكان يختار ما يريد، ويهمل ما يريد، ويرفع من شأن الأحداث التي ترتبط به، ويطمس قيمة الأحداث التي لا توافق رؤيته، ويبدو تآلفه مع الآخرين مزوّرا، فهو يتحالف معهم لغاية، وينفض عنهم يده حالما ينتهي دورهم، ومع أنه قطع مسافات طويلة في الصحراء العربية وسواحلها الشرقية والجنوبية لكنه انزلق إلى جهل بأحوال أهلها؛ لأنه اعتمد تأويلا مخصوصا مصدره سوء فهم، لم يسع إلى تصحيح فرضياته الأساسية.

شُغل "بلجريف" بالحديث عن الإسلام من منظور لاهوتي مسيحي، فتعذّر عليه تحليل الظاهرة الإسلامية في سياقها التاريخي والثقافي

لم يظهر الآخرون في عيني "بلجريف" إلا بوصفهم شخصيات ثانوية داعمة له أو معيقة لحركته، وسرعان ما كان يتركهم ليمضي إلى الأمام، فلا يعترف بفضل لأحد، إنما يُضخّم المساوئ، ويبالغ في نفخ الأخطاء، وأخلاق بدو الصحراء مصدر استفزاز دائم له. وهذه الاستراتيجية في العلاقة مع الآخرين تحكمها الرغبة في محوهم على خلفية من تضخيم الذات. وكاد يرسم لنفسه صورة بطل يؤدي دورا تراجيديا في الصحراء العربية. إن تردّده المتواصل وإقدامه الدائم، جعلا منه أشبه ما يكون بـ "هاملت"، حيث التردّد رديف الإقدام، وبينهما تنكبتْ شخصية قلقة تفتقر إلى الثقة بنفسها بمقدار ما ترى الآخرين غير مؤهلين للثقة. والخيط الموصول بين هدف غامض، وترحال صعب في وسط عدائي، وشخصية نزقة مهووسة بالأحكام، تجعل القارئ مضطربا في موقفه تجاه "بلجريف"، فلا يمكن أن يتعاطف معه بإطلاق، كونه محتالا، ومتقلّبا، ويفتقر إلى النزاهة الأخلاقية، لكن ذلك القارئ لا يُنكر عليه جرأته، ولا جَلدهُ، ولا دهاءه.

شُغل "بلجريف" بالحديث عن الإسلام من منظور لاهوتي مسيحي، فتعذّر عليه تحليل الظاهرة الإسلامية في سياقها التاريخي والثقافي، إنما راح ينتقي منها ظواهر شاذّة، ثم يسعى إلى تعميمها، باعتبارها من القواعد الأساسية في الدين الإسلامي، وصورة الإسلام البدوي مثال للسوء في منظوره، ذلك أن الصحراء خرّبت السوية العربية، ومن ذلك فإنه استطرد في موضوع تحريم الخمر، وتحريم الموسيقى، وتعدّد الزوجات، والجهاد، والطقوس الدينية، وانتهى إلى أن حياة المسلم تتركّز على ثلاثية: الحرب، والعبادة، والمتعة، فالحرب هي غزو لكسب المال، والعبادة هي التسليم لإله غامض، والمتعة هي حيازة مجموعة من النساء والاستمتاع بهن. وخلاصة هذه المعايير المحدّدة لحياة المسلم لا تفضي إلا إلى ظهور كائن عدواني، شره، شبق، دموي، وعاجز عن بناء حياة سليمة "إن تاريخ الأعراق والأعراف المحمّدية كان عامرا بضيق الأفق، والفساد المخيف أو بالأحرى انقراض الأخلاق، والحروب القاسية أو المدمّرة على الحدود، في ظل صراع مستمر بكل أشكاله الأسرية والاجتماعية والمدنية، وتذمّر متشنّج يتعاقب مع كسل لا مبال، وحيوية قصيرة الأجل".

لا يصدر هذا الحكم إلا عن منظومة لاهوتية غريبة عن الإسلام، إذ لا يجوز تفكيك ظاهرة دينية، أو اجتماعية، أو ثقافية، بشروط مستعارة من ظاهرة غريبة عنها، والحال، فإن اللاهوت الكنسي قاد "بلجريف" إلى تفسير مُتمحّل للظاهرة الإسلامية، فقد أبعد عنها التنوّعات، والتأويلات التي عرفتها خلال اثني عشر قرنا، فنظر إليها على أنها كتلة صماء لا تعرف التحوّل، وقد لزمت حال ثبات واحدة. وحجّته ملاحظات عابرة في الصحراء جرى تضخيمها وتعميم شواذّها لتكون جملة من الأحكام القاطعة بحق الإسلام. وإلى كل ذلك، فالجهل دفع بصاحبه إلى إصدار أحكام خاطئة قامت على الانتقاء والاجتزاء، فالدرس اللاهوتي أبعد "بلجريف" عن فهم روح الإسلام بدل أن يقرّبه إليه، وكل ذلك انبنى على رؤية ضبابية لعالم البدو، وممارساتهم الدينية، ناهيك عن إخفاق في فهم علاقاتهم وسلوكهم إلا ضمن المنظور الذي رآهم به؛ فالعجرفة الأخلاقية، والصلافة المضمرة، دفعتاه إما إلى تعميم ظواهر شاذة لا يجوز تعميمها، أو إلى قراءة خاطئة للنظام القيمي السائد في شبه الجزيرة. وينبغي التأكيد على إسقاط نظام قيميّ، دينيّ أو شخصيّ، أنتجته ثقافات تنتمي إلى بيئة ما على نظائرها في أماكن أخرى سيؤدي لا محالة إلى خطأ في الفهم يتأدّى عنه خطأ في التأويل. والراجح أن جملة الاعتقادات الراسخة في نفس "بلجريف" جعلته يعرض عالم أهل الصحراء من منظوره المتمركز على ذاته، فسقط في أحكام مطلقة كثير منها خاطئ، وبما أنه لم يتعرّض لنقد يكشف هفواته، فقد أسهمت مدونته في تغذية المخيال الغربي بصور نمطية لجماعات نائية تداخلت في حياتها القيم الوثنية بالقيم الدينية.