حوار مع البروفسور الدكتور نجيب جورج عوض: "أحفورات الفهم وتاريخانيات المعنى"

فئة :  حوارات

حوار مع البروفسور الدكتور نجيب جورج عوض:  "أحفورات الفهم وتاريخانيات المعنى"

" أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى هو رحلة معرفية وفكرية إطارها

هو الهاجس المعرفي الذي يقرأ الفكر العربي- المشرقي والغربي على حد سواء"

البروفسور الدكتور نجيب جورج عوض كاتب وباحث سوري وأستاذ جامعي في اللاهوت المسيحي والمسيحية المشرقية، ورئيس برنامج الدكتوراه في الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية المسيحية في كلية هارفرد للدراسات الدينية وحوار الأديان في ولاية كونكتكت في أمريكا. له مجموعة واسعة من الأبحاث العلمية والمؤلفات باللغتين العربية والإنكليزية من بين كتبه بالعربية، كتاب ما بعد الحداثة، ومستقبل الخطاب الديني في الغرب: أنطولوجيا "شخص" و"علاقة" أنموذجا (مؤمنون بلا حدود، 2018)، وكتابه الأخير أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى: دراسات في الثقافة والدين والسياسة (المؤسسة العربية للدراسات، 2020)

صابر أحمد: البروفسور نجيب جورج عوض مرحبا بك؛ نشكرك على قبول دعوة الحوار معك؛ صدر لكم مؤخرا كتاب تحت عنوان: "أحفورات الفهم...تاريخانيات المعنى- دراسات في الثقافة والدين والسياسة"، نريد منكم تقريب القارئ من موضوع الكتاب وأهميته، وما هي الإضافة التي سيضيفها هذا الكتاب للفكر العربي؟

نجيب جورج عوض: شكراً لك، دكتور صابر، على إجراء هذا الحوار. كتابي الجديد هو عبارة عن دراسات كتبتها وقدمتها كمحاضرات في لقاءات ومؤتمرات وندوات علمية غربية وعربية عبر السنوات الخمسة عشرة الماضية. عملت فيها على مقاربة الهم الثقافي والمخيال الديني واللاهوتي والفكر السياسي في شقيه الغربي والعربي بمنهجيات تفكيكية حفرية وتاريخولوجية تتعامل مع كل من حقول الثقافة والدين والسياسة.

أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى، إذاً، هو رحلة معرفية وفكرية إطارها هو الهاجس المعرفي الذي يقرأ الفكر العربي- المشرقي والغربي على حد سواء، ضمن إطار مقاربات وتفاعلات الشارع الثـقافي العربي مع هذا الفـكر بنوعيه. لا تقدم فصول الكتاب طروحات وقراءات كونية، بل طروحاتُ وقراءاتُ مؤلفٍ لا يخجل ولا يتـبرأ من ذاتوتيته المشرقية العربية ولا يعتبر التجذر فيها وأخذها بعين الاعتبار في مقارباته المعرفية أمراً مسيئاً أو مشككاً بموضوعيةِ وعلميةِ وموثوقيةِ القراءات من الناحية الإبستمولوجية أو الأبعاد المنهجية أو التفسيرية.

صابر أحمد: من بين القضايا الأساسية التي شغلت الفكر العربي لعقود من الزمن حتى اللحظة الراهنة؛ قضية العلاقة الملتبسة بين الديني والسياسي في الثقافة العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام؛ في نظرك كيف بالإمكان رفع هذا الالتباس القائم بمراعاة الخصوصية والصيرورة الثقافية العربية، فربما أن ما يصدق على غيرها لا يصدق عليها؟

نجيب جورج عوض: هناك مشكلة بنيوية عميقة في الفكر العربي المعاصر، الثقافي العام والديني على حد سواء، تكمن لا في خلط السياسة بالدين فقط، بل وفي الخلط بين "السياسي" و"السلطوي". مفهوم "سياسة" في الفيلولوجيا العربية مُشتقٌ من المفردة العربية الثلاثية "سَوسَ" أو "ساسَ"، والتي تفيد في دلالاتها السيميائية فكرة "السطوة"، أو القيادة بالمعنى التحكمي والوصائي والهيمني. نفس المصطلح مثلاً، نستخدمه للقول "ساسَ الخيل"؛ أي لجمها وأحكم قيادها وتحكم بمسارها. بهذا المعنى، نفهم السياسة في المخيال الفكري العربي، سواء الديني أو اللاديني. من هنا، فإنَّ منطق العمل السياسي في العالم العربي لا يعكس مفهوم السياسة اليوناني، “politia” والذي يعني خدمة العموم والشأن العام. لا يوجد إذن "سياسة" فعلاً في السياقات العربية الدولتية، وفهم السياسة بحد ذاته مشوب بفكرة "السلطة" والقوة والهيمنة اصطلاحياً. لا يوجد في مخيالنا الفكري مفهوم "سياسة"، بل مفهوم "سلطة".

إنني أعتقد أن هذا الإطار الفيلولوجي والاصطلاحي السابق الذكر هو ما يمهد السبيل بشهولة لخلط الفكر السياسي بالديني ولحشر المخيال الديني في السياق التفكري السياسي. الدين بماهيته هو خطاب يتعلق بحقيقة مرجعية علوية سامية ذات قدرة وسيطرة هي الله ومشيئته. فكرة الآخر الإلهي المفارق في الأديان الإبراهيمية تقرن في مضامينها ما بين الألوهة والقوة والسلطة والقدرة. كأن الله "يسوس" البشرية، ويقرر مسارها ومصيرها. لا يقول الإسلام أن الله "خادم للناس" مثلاً، فهذا يهدد تفوق الله وكلية قدرته وسموه. الآن، تخيل مخيالا فكريا وشعبيا يفهم السياسة لا كخدمة عموم، بل كسلطة وسيادة، ونفس المخيال يفهم الآخر المفارق السماوي بنفس منطق القدرة والسيادة السطوة. من المتوقَّع لهذا العقل البشري الجامع لهذين المخيالين أن يمزج بينهما أحياناً، وأن يخلط السياسي بالديني، فكلا المفهومين يحمل نفس المعاني والمضامين التي تربط المرجع الأعلى (الإلهي في الدين، والبشري في السياسة) بأفكار السلطة والسطوة والقيادة التحكم...

لا مشكلة في أن يكون للدين دور في الشأن العام وفي خدمة الإنسان في المجتمعات، فهذا دور الدين في الحقيقة. ولكن حين يبدأ الدين بالاعتقاد بأن لا دور له سوى من خلال امتلاك سلطة، عندها يبحث الدين عن أدوات دنيوية وزمنية تؤمن له هذه السلطة؛ لأنه يعتقد أنه بدون السلطة لا يمكنه أن يلعب دور في المجتمع (وهذا وهم شديد الخطأ والخطورة طبعاً)، فإنه يجد العمل السياسي في المجتمعات العربية أسهل مصدر لمثل تلك الأدوات؛ لأننا نفهم السياسة بمعنى السلطة والقوة والهيمنة. هذا لبّ الالتباس والإشكال الخطير الفكري والمفاهيمي الذي تنبجس منه، برأيي، كافة مساوئ ومظاهر وتبعات خلط السياسي بالديني في العالم العربي.

صابر أحمد: عنوان أحد المباحث في كتابكم الذي أشرنا إليه من قبل مفاده: "الكتب الدينية لا تقتل؛ قراؤها يفعلون ذلك" هذا العنوان يبرئ النصوص الدينية من العنف والدعوة إليه؛ ويجعل العنف مرتبط بنوع من القراءة؛ كيف يتم توريط النصوص الدينية في العنف؛ مع العلم أن العنف والتطرف الديني باسم الإسلام يعد مشكلة من بين المشكلات الراهنة في واقعنا المعيش؟

نجيب جورج عوض: دعني أحاول أن أشرح بشكل مبسَّط ما الذي يودّ عنوان الفصل المذكور أن يقوله لنا. كما نعلم أنت وأنا، هناك نصوص في الكتب الدينية تتضمن أفكاراً عنيفة أو قصص عنفٍ مرتبطٍ بالمقدس، وأحياناً نوعا من أنواع إعطاء العنف دوراً ما في المخيال الإيماني. هذه أمور نجدها في الكتاب المقدس المسيحي أو اليهودي وفي القرآن الكريم على حد سواء. أنت وأنا نعلم أيضاً أنه، عبر التاريخ، قرأ عشرات بل مئات الملايين من البشر، إن لم يكن المليارات، تلك الكتب وتلك النصوص التي تتضمن ما نعتبره تعبيراً عن عنف أو دعوة إليه. ولكن، التاريخ نفسه يقول لنا إن نسبة معينة فقط من هؤلاء القراء تلبست ما قرأته وطبقته حرفياً، وعملت على ممارسته بعد قراءتها أو بوازع من تلك القراءة أو على قاعدة الطاعة لها. أما باقي القراء فلم يفعلوا ذلك. لو كانت النصوص العنفية المذكورة هي مصدر أعمال العنف والمسبب لها، لكان كل من قرأ تلك النصوص من أتباع الأديان الثلاثة وبدون استثناء وفي كل زمان ومكان قد انتهى به وبها الأمر بممارسة عنف لمجرد أنهم قرأوا تلك النصوص. ولكن هذا لم يحصل، والحمد لله، في التاريخ.

ماذا يقول لنا هذا؟ يقول لنا إن النصوص بحد ذاتها، وكائناً ما كان محتواها، ليست مصادر أفعال ولا عناصر فاعلة تقترف أي شيء في حياة البشر. القراء هم من يقررون بمواقفهم من ما يقرؤونه في تلك النصوص وتفاعلهم معه أن يجعلوا من تلك النصوص مصدر أفعال أو ذات تأثير فاعل. المشكلة في علاقة النصوص بالعنف لا تكمن في ما تقوله النصوص، بل في ما يفعله القراء لتلك النصوص حيال ما قرأوه، بل وحيال ما فهموه أو خالوا أنهم فهموه من تلك النصوص. العنف ينتج عن رد فعل المفسٍّر بناء على ما فسَّره، ولا يصدر عما تم تعريضه للتفسير. قد يقول النص الديني لي، مثلاً، "الموت لأعداء الله". ولكن أنا كقارئ النص ومفسره من يقرر ما إذا كان سيحصل عملية قتل وعنف تجاه من أعتبرهم أنا (وليس النص بالضرورة) أعداء الله، أو ما إذا كنت سأقرأ هذا القول وأعبر عنه دون اكتراث، أو أحاول تفسيره بدلالات ومقاربات مختلفة. إن كان هناك من تورط للنصوص الدينية في العنف، فهو توريط تفسيري وتأويلي وتوظيفي يقوم به القارئ. ولهذا أنا من الذين لا يؤمنون بشيء اسمه "سلطة النص". تلك السلطة المزعومة هي سلطة يقرر أن يمنحها أو ينزعها عن النص القارئ له أو المفسرة للنص، وهما من يقرّران معنى فكرة "السلطة" المذكورة ومصدرها وقاعدة شرعنتها. هذا كله عمل القارئ. والعنف يتولد لهذا لا من فكرة "النص المُنزَل" برأيي (مع أنني لا أؤمن بالتنزيل)، بل من عملية "التفسير المُنزَل" أو عملية تحويل قراءة ما إلى "قراءة مُنزَلَة". في تاريخ الدراسات القرآنية والكتابية على حد سواء، درس الباحثون فكرة "النص المُنزَل" واجتهدوا لتفكيكها وتفسيرها وتوضيحها. ما ينقصنا في حقول الدراسات الكتابية الدينية برأيي هو دراسات تفكيكية ونقدية وتحليلية عميقة وعلمية لفكرة تنزيل التفسير أو تنزيلية القراءة. بمعرفتي المتواضعة في هذا الحقل، أعتقد أن الصادق النيهوم ونصر حامد أبو زيد قد حاولا الاشتغال على هذا الجانب، ولكنهما لم يتمكنا من فعل الكثير. مازال الحقل مفتوحاً لمزيدٍ من الدراسات.

صابر أحمد: لكونك متخصّص في اللاهوت المسيحي؛ من المعلوم أن الديانة المسيحية مرت من فترات حرجة ساد فيها العنف بين مكونات عقائدية مسيحية وغير مسيحية؛ كيف تمكنت المسيحية من الخروج من دائرة التشدد والتطرف الديني؟ وهل هذا يعني أنها خرجت بالكامل من أية نزعة متشددة؟

نجيب جورج عوض: في نفس فصل "الكتب الدينية لا تقتل، قراءها من يفعلون ذلك" من كتابي الأخير، أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى، أبحث في علاقة الدين بالعنف من زاوية حضور العنف في الديانة المسيحية تحديداً، وأقدم شرحاً مسهباً لحضور العنف في كل من الكتاب المقدس (العهد الجديد) وكذلك تاريخ الفكر المسيحي اللاهوتي والديني العام. منذ العقد الأخير من القرن العشرين، رحنا نشهد في الساحة الأكاديمية للدراسات اللاهوتية والكتابية في المسيحية باحثين كثر يقرون بأنَّ هناك مظاهر عنف لفظي وفعلي في الكتاب المقدس وفي تاريخ المسيحية، وبأنَّ العنف كان جزءاً من قصة المسيحية مثلما هو جزء من قصص الديانات الأخرى؛ وذلك بالرغم من أن الفكر اللاهوتي العميق والشامل والشديد التعقيد عن مفاهيم المحبة والسلام والتسامح والغفران هو من أعمدة الإيمان المسيحي الديني، لا بل ومن عمق الفهم العقائدي اللاهوتي لطبيعة الله في ذاته. ومازالت المسيحية تواجه ممكنات نشوء العنف من قلب نصها الديني وتاريخها اللاهوتي، والتي يمكن أن تجعل قراء معينين لهذا النص أو لهذا التاريخ من أتباع التوجه الأصولي والراديكالي، يتبنون أو يطورون تفسيرات وقراءات معينة، إما تبرر العنف باسم الدين أو تؤمن بأن الله يقبل العنف لتحقيق غايات معينة. أعود لنقطة علاقة القارئ والقارئة بالإرث الديني المكتوب والمتواتر، وما يمكن أن يؤول إلى أفعال تنطلق من عمليات تنزيلية للتفاسير. التحدي هو نفسه؛ الفرق هو في حجم ظهوره واتساعه وتأثيره ودرجته التدميرية. اليوم، العنف الذي تمارسه بعض تيارات التفسير الراديكالي والأصولي في الإسلام تتمتع بحجم ودرجة ظهور واتساع وتأثير تدميري أكبر بكثير من العنف الديني الذي يمكن أن نجده موجوداً في المسيحية واليهودية. ربما لأنَّ عنف الأخيرتين يأخذ اليوم مظاهر لفظية وفكرية وصوتية فقط (عنف فكري وخطابي)، في حين يترافق العنف المذكور في الإسلام الراديكالي والأصولي مع عنف منفلت العقال جسدي ومادي ودموي. ولهذا، فإنَّ ظهوره والأثر الذي يتركه أكثر هلعاً وضوضاء ووضوحا.

صابر أحمد: لازال موضوع العلمانية كمدخل للتحرر وللتنوير، وفي الوقت ذاته من أجل إغناء التجارب الروحية الدينية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؛ يثير كثيرا من الخوف والشك... بالرغم من الاعتراف بالدين وحضوره؛ إلى درجة أن بعض من المثقفين الكبار من بينهم محمد عابد الجابري، استبدلوا مصطلح العلمانية بمصطلح العقلانية تجنبا لأية مشكلة ما؛ في نظرك ما هو مصدر هذا الخوف والشك من موضوع العلمانية؟ وهل العلمانية متعددة من حيث الموضوع والمنهج والتجربة؟

نجيب جورج عوض: دعني أولاً أعلق على استخدام عابد الجابري لمصطلح "عقلانية" كبديل عن "علمانية". لست مع هذا الاستبدال على الإطلاق، فهو خاطئ معرفياً ويخلط بين الدلالات المفاهيمية لكل من هاذين المصطلحين. "عقلانية" (rationalism) هي تقليد معرفي مفاهيمي لها تاريخ وسيرورة وسياق تطوري فلسفي وإبستمولوجي وسياقي خاص بها. نفس الأمر ينطبق على مفهوم "العلمانية". ليس كل عقلاني علماني بالضرورة، وليس كل علماني يمثل العقلانية، حتى لو كان يعتمد على العقل في وعيه أو وعيها للوجود. وكذلك ليس كل شخص غير علماني "لا- عقلاني"؛ أنا ضد حتماً هذا الخلط والمزج غير العلمي وغير الدقيق.

ولأعود الآن إلى سؤالك الأساس. ما هو مصدر خوف الفرد والمجموع العربيين من العلمانية. المصدر برأيي هو الجهل الصريح بماهية وطبيعة وتاريخ ذاك البعبع المدعو "علمانية". الإنسان عدو ما يجهل ويخاف منه، وقد ينتهي به الأمر إلى شيطنته وتوظيف هذه الشيطنة والعداوة في عملية تعزيز، وتأكيد ماهيته الخاصة والضيقة التي تعادي وتغاير الآخر. في العالم العربي الشمال أفريقي، هناك اطلاع على العلمانية في نسختها الفرنسية بحكم التواصل الوثيق مع الثقافة الأوروبية الفرنكوفونية. ولهذا يسود اعتقاد شعبي بأن العلمانية تعني، إما منع الدين من الحضور في الساحة العامة أو الإلحاد. كلا المعنيين في الواقع، لا يعرفان العلمانية ولا حتى في شقها الفرنسي. من جهة أخرى، يخبرنا أهم الباحثين في تاريخ العلمانية في أوروبا وأمريكا الشمالية (مثل شارلز تايلر ويورغن هابرماس) بأنه لا يوجد علمانية واحد، بل هناك علمانيات متعددة الأوجه الأنماط، ويوجد بينها تباينات في الممارسة والتوجهات والطبيعة. كل هذا غائب عن معرفة الناس في العالم العربي. وكل ما نسمعه عن العلمانية هو غالباً على لسان أعدائها الإسلامويين والمحافظين اليمينيي التوجه، والذين في الواقع لا يتحدثون عن العلمانية بحد ذاتها أو في أحد أنماطها التاريخية والحقيقية، بل يتحدثون عن المسخ الشيطاني المشوه الذي اخترعوه هم وسموه "علمانية"، وجعلوا منه عدوا مخترعاً يبررون وجودهم ودوغمائياتهم ورؤيتهم للعالم بواسطته وبحجة الحرب معه.

في كتابي المذكور في الأعلى، أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى، وكذاك في كتابي الذي صدر بالإنجليزية عام 2011، And Freedom Became a Public Square، أخصص فصلين كاملين للحديث عن إمكانية تأسيس مجتمعات مجنية معلمنة في العالم العربي. وأقترح هناك وجود ثلاثة أنماط من العلمانية: علمانية سياسية، علمانية سوسيولوجية وعلمانية ثقافية. ولا واحدة من تلك العلمانيات تدعو إلى الإلحاد ونفي الدين أو محاربته. ولكنها تدعو إلى تحرير الأديان من معادلات وألعاب السلطة. ما لم نتوقف في العالم العربي عن الهجوم على شيطان مُخترَع متخيَّل نسميه علمانية، وهو لا يمت لها بصلة. لن نبدأ بالتفكير بالعلمانية والحوار معها وحولها وحول إمكانها. قد نشعر أنها ليست ما نحتاج إليه، وأنها لا تناسب سياقاتنا. ولكن، لنفعل هذا من خلال الحوار مع العلمانية الفعلية، لا العلمانية الوهمية المتخيلة التي اخترعها خوفنا وجهلنا.

صابر أحمد: ما هي قراءتك المستقبلية لمجريات الفكر والثقافة التنويرية في المجتمعات العربية بالنظر لرحيل الكثير من القامات العلمية من ذوي المشاريع الفكرية مثل محمد عابد الجابري ومحمد أركون وغيرهم كثير؟

نجيب جورج عوض: الباحث الأكاديمي العلمي مثلي لا يحاول التنبؤ بالمستقبل ولا بالتحذر حوله. عملنا هو التحليل والتفسير والتفكيك النقدي وليس التنبؤ والتحذُّر والتوقُّع. ولكن لو سمحت لنفسي أن أقول شيئاً ما هنا، فسيكون عن الحاضر وليس المستقبل، مع العلم أن فهم الحاضر قد يعطينا دلالات وتلميحات على ممكنات مستقبلية. ما أراه في الحاضر هو نكوص شعبي عام، عربي وعالمي على حد سواء، نحو قتل الثقافة والتحول عنها نحو دوائر وعي ذات نسبوية وذاتوية فردانية مغلقة على نفسها وتشرذمات مغايرة إقصائية وصدامية، إما تنحو نحو الهلنستية الوجودية أو نحو المخيال الافتراضي غير الحقيقي (عصر ما بعد-الحداثة هو عصر موت الحقيقة أيضاً). يتمظهر هذا في تنامي الفكر اليميني الراديكالي على المستويات الثقافية والسوسيولوجية، وليس فقط السياسية والدولتية، في العالم أجمع بما فيه العالم العربي. ويتمظهر هذا في النكوص نحو هويات ذاتوية ضيقة وتقسيمية وتشطيرية تجعل من المتعدد عدوّاً ومناهضاً إقصائياً للواحد، بدل أن تجعل من المتعدد وسيلة لتقويم الأحادية وهيمنتها التوحيدية وأداة لتصحيحها وتكميلها.

في ضوء هذا الحاضر، لا أعتقد أن هناك فكرا وثقافة تنويريان في المجتمعات العربية على الإطلاق. وبصراحة أعتقد أن تجارب الباحثين الراحلين لم تنجح في تأسيس أرضية معرفية وثقافية مجتمعية تدفع الأجيال الجديدة للبناء عليها للمتابعة لمشاريع تنويرية. هناك عطش عند الجيل الجديد من الشباب والشابات المهتمين بالعلم والمعرفة والثقافة للتعرف على علوم وثقافات ومعارف الشعوب الأخرى، خاصة الغربية. ولكن هذا بحد ذاته لا يعني خلق وتأسيس فضاء معرفي وتثقيفي وعلمي في العالم العربي. اهتمام الشباب فردي وشخصي وفضولي يتقصى جمع المعلومات فقط ومشاركة الفضاء المعولَم في استهلاكها. هذا لا ينشئ معرفة وثقافة ولا يحقق تنويراً فكرياً؛ لأنه لا يتقصى إحداث تغيير على المستوى العام والجماعي والمجتمعي، بل على المستوى الفردي والذاتوي والخصوصي المحض...للأسف قراءتي للحاضر العربي الثقافي والفكري قراءة متشائمة وسوداوية. معظم أبناء وبنات الجيل الجديد لا يعيشون في واقعية المجتمعات العربية، بل يهربون منها إلى فضاءات الشبكة العنكبوتية الافتراضية، حيث يمكنهم إعادة خلق أنفسهم وذواتهم واختراع فكر ومعرفة وثقافة افتراضية متخيلة، لا يستطيع أحد أن يقول لهم إنها خاطئة أو وهمية أو حتى مدمرة؛ أي إن همهم ما عاد الواقع المجتمعي العربي، ولهذا لا يعنيهم كثيرا، كما يبدو لي، خلق فكر وثقافة تنويرية جديدة فيه. لما يفعلون هذا وهم يشعرون أنهم لا ينتمون لهذا الواقع ولا يعرفون أنفسهم به، وأنهم لا يستطيعون أن يجعلوا أصحاب السلطة في هذا الواقع يستمعون لهم ويأخذون مخيالاتهم بعين الاعتبار؟ عندنا هروب من محاولة تنوير وتثقيف المجتمعات بسبب موت الإيمان بفكرة "مجتمعات" بحد ذاتها.

صابر أحمد: هل في ذلك فقدان للأمل؟

نجيب جورج عوض: علينا أن لا نفقد الأمل، وأن لا نخاف من التغيير الحادث حالياً في كل ما نعرفه عن الواقع العربي، واعتدنا على العيش فيه. فالتاريخ يعلمنا بأنَّ التغيير لا يحدث؛ لأننا توقعناه أو لأننا سمحنا له بذلك. التغيير يحدث؛ لأنه أحد مكونات الطبيعة البشرية الناظمة. علينا أن نحتضن التغيير، وأن نتفاعل معه كي نتمكن من لعب دورٍ فيه. محاربته وكبته تجعلانه يسحقنا تحت سنابكه بلا رحمة، فهو سيأتي لا محالة.... شكراً على هذا الحوار وهذه الأسئلة المثيرة للتفكير والتفاعل. هذا ما يحاول كتابي الجديد، أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى، أن يشير إليه، وأن يتفاعل معه على امتداد فصول الكتاب العديدة ومقارباتها التفكيكية الأحفورية والتاريخولوجية الهرمنيوتيكة، هو محاولة للقول بأن علينا أن نستمر بالتفاعل والصراع المعرفي والحوار التثاقفي مع الآخر المحلي والعالمي؛ فهذا ليس معبرنا للفهم وسبيلنا للمعنى فقط، بل هو درب خلاصنا ونجاتنا في قلب العدمية العميقة التي تغوص البشرية فيها.