دوائر الثقافة الإسلامية: أصول الشافعي

فئة :  مقالات

دوائر الثقافة الإسلامية: أصول الشافعي

-1-

يتجاوز إسهام الشافعي في تشكل المدونة السنية أعماله المعروفة في الفقه وأصول الفقه إلى دور لاهوتي مضمر. أشير إلى دوره المحوري في التنظير لمفهوم "السنة" بوصفها وحيًا متصلًا الإسناد إلى الله. لم يخترع الشافعي مصطلح السنة، لكن تأصيلاته النظرية هي التي أعادت إنتاج المصطلح، كي يشير حصرًا إلى روايات الآحاد المرفوعة إلى النبي، وليضفي على هذه الروايات حجية الوحي الإلهي. في خطوتين متداخلتين نصَّب الشافعي الروايات في موقع السنة، ونصَّب السنة في موقع المرجعية الملزمة، ما كان يعني استحداث نوع "نصي" جديد يجاور النص التأسيسي ويكافئه في الحجة، فأعاد هيكلة البنية الرسمية للديانة، ورسم الخطوط العريضة للتفكير في الإسلام السني.

كان الشافعي يقدم تأصيلًا نظريًا لمسلكية أهل الحديث العملية في طلب الرواية. وبالتأسيس عليه قامت نظرية الأصول الرباعية التي قننت الإجماع والقياس كمصدرين مجاورين للكتاب والسنة. من خلال الإجماع ثبَّت الشافعي النزوع النقلي لدى مدرسة الحديث إلى الخبر؛ أي إلى الماضي.

ومن خلال القياس، وسع الشافعي قليلًا حدود النقلية الحرفية، لكنه أغلق على العقل السني آفاقًا للتعامل مع النص من خارج القياس. وبذلك، ساهم الإجماع والقياس كلاهما في تقليص دائرة المباح، وهي دائرة التطوير الحر.

-2-

تقوم نظرية الأصول الشافعية على فكرة أن مادة الوحي؛ أي النصوص كافية لتغطية النوازل، إما بمنطوقها المباشر أو بالقياس عليها، وهي فكرة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من النصوص، وقد وفرته الأحاديث.

كان دفاع الشافعي عن حجية الحديث كما كان اصطناعه لحجية القياس يهدف إلى تثبيت هذه الفكرة، وهذا ما جمع الحديث والقياس كآليتين متكاملتين داخل النظرية الشافعية؛ الآلية الأولى موضوعية والثانية منهجية: أراد العقل الديني - كما اختزله الشافعي - أن يكون النقل (النص) حاكمًا على كل شيء. ولأن النص الأصلي لا يحقق ذلك حرفيًا، لزم تمديد النص: تمديد مساحته بالحديث، وتمديد دلالاته بالقياس. وإذ اعتبر الشافعي ذلك كافيًا لمواجهة جميع النوازل، امتنع الاجتهاد بالرأي في أية نازلة مالم يتم ذلك من خلال القياس.

في واقع الأمر، كان التنظير الشافعي يترجم نمط التفكير الإسلامي في لحظة تدينه القصوى، وهي لحظة "عقلية" أعلى نسبيًا من لحظة أهل الحديث الحرفية. لكن هذا التنظير كان في الوقت ذاته، ومن حيث لا يعي وعيًا صريحًا، يعكس إدارة الاجتماع غير المرئية في التكيف مع الدين. ومن هنا كانت نظرية الأصول تكتنز على نحو مضمر معطيات الاجتماع السياسية والاقتصادية والعقلية التي ظلت تتطور خلال قرنين سابقين بالتفاعل مع الدين.

وهكذا كان القياس - وفقًا لسياق تأسيسه - آلية توفيقية تحاول أن تجمع في إطار واحد بين الرأي (وهو فاعلية ضرورية في الاجتماع العقلي) والنص (بسلطته الحرفية كما فهمها أهل الحديث). ثَّبت الشافعي سلطة الحديث، ونفى أية سلطة للرأي ما لم تكن منضبطة بنص قرآن أو حديث؛ أي أراد ضبط فاعلية الاجتماع بالوحي.

لكن ذلك كان يعني في الواقع تثبيت سلطة الاجتماع لا سلطة الوحي، لأن عملية جمع الحديث كما يدل سياقها الظرفي، كانت في فحواها فعلًا من أفعال التدين. أي فعلًا اجتماعيًا تحولت من خلاله مصادر التشريع والثقافة العرفية ذات الطابع الشفوي إلى "نصوص" مكتوبة أي اختبأ الاجتماع من خلالها في النص.

تقوم نظرية الأصول الشافعية على فكرة أن مادة الوحي كافية لتغطية النوازل، إما بمنطوقها المباشر أو بالقياس عليها

وكان القياس، في الواقع أيضًا، آلية غير مباشرة (اجتماعية) من قبل العقل الفقهي للالتفاف على مقولاته التي فرضها على نفسه (مقولة أن ثمة شريعة نصية شاملة تستغرق كل تفاصيل الواقع)، فالقول بالقياس هو بالمجمل إقرار بالغرض الاجتماعي للنص الذي تتمدد دلالاته إلى مساحات أوسع داخل الواقع. ومثلما يظهر القياس أن الواقع يحتاج إلى النص، ولا يجوز له العمل إلا من خلاله، فإن تقنيات القياس تظهر في المقابل أن النص لكي يؤدي هذا الدور التمديدي يحتاج إلى تحديد العلة المشتركة بين المصرح به في النص والمسكوت عنه في الواقع. مجرد الحديث عن العلة هو إقرار بمكنون اجتماعي داخل النص يفسر الحكم المنصوص قبل تعديته.

-3-

عمليًا كان الواقع يفرض على الفقه ممارسة الاجتهاد لتغطية وقائع لا يغطيها النص ولا القياس. وهذه الممارسة كانت تجري تلقائيًا قبل تبلور الأصول الشافعية، مثل ممارسات الأحناف المبكرة للرأي التي سيشار إليها بالاستحسان، وممارسات مالك العفوية لفكرة المصالح المرسلة.

بعد تنظيرات الشافعي، سيتم قبول هذه الممارسات تحت ضغط الواقع ولكن سيجري تقييدها بمماحكات تقنية تخفف من التناقض مع المقدمات الشافعي والأشعرية: استبقت النظرية مصطلح الاستحسان داخل أدبيات الأصول كآلية لاستدعاء المصالح المتطورة بتقنية شافعية، فأدخلت الاستحسان ضمن مباحث القياس، بعد أن جعلت معناه: العدول عن الحكم الذي يقضي به القياس إلى حكم آخر يحقق مصلحة مستنبطة من نص أو إجماع أو ضرورة (أصول الشافعي تقتضي ضرورة ربط المصلحة بدائرة نص جزئي كشرط لقبول الاجتهاد، حيث القياس هو الوسيلة الوحيدة للاجتهاد).

وهكذا، وفقًا لهذه الأصول، فإن النظرية الشافعية لا تمنع فقط من التشريع بما يخالف النص، بل تمنع أيضًا من التشريع دون استناد إلى نص. فبما أن النصوص - نظريًا - عالجت كلّ شيء، فليس ثمة مصلحة غير منصوصة، وكأن على المصالح أن توجد حسب مقاس النصوص، أو كأن على الواقع أن يقع وفق النصوص، وهذا مخالف للواقع.

هذا التصور الذي أطلقه الشافعي في القرن الثاني وقننته النظرية في القرن الثالث، يمكن تفهم خلفيته المعرفية والاجتماعية: فالواقع الذي عايشه الشافعي، وانطلقت منه النظرية، ظل مشابهًا في الجملة لواقع النص الأول البسيط إجمالًا. فرغم التطورات الفرعية التي نتجت عن حضور الإسلام وتداعياته السياسية والديموغرافية، بقيت هياكل الاجتماع الكلية التي تصدر عنها النص هي هي بوجه عام.

لم تبدأ هياكل الاجتماع الكلية في التغير جذريًا قبل العصور الحديثة مع تبلور الرأسمالية الصناعية ومنهجية التفكير العلمي (في بيئة إنتاج الفقه المباشرة ظلت البنى الاقتصادية رعوية وريعية. والبنى الاجتماعية قبلية وعشائرية، والبنى العقلية أسيرة لمثالية التفكير اليوناني السابقة على التجربة). في ظل هذه الوضعية تبقى التغيرات الاجتماعية إجمالًا داخل مجال النص، إما بمنطوقه المباشر أو بالقياس عليه. ومع ذلك، فقد أثبت الواقع أن القياس لم يكن كافيًا لتقديم تغطية "نصية" لجميع الوقائع.

وهكذا، يمكن القول إن التحدي الذي واجهته النظرية الفقهية من قبل التطور الاجتماعي في عصر التدوين (وطوال عصور ما قبل الحداثىة) ظل جزئيًا، ولذلك أمكن لها تجاوزه من داخل مصادراتها التقليدية من دون مشاكل منهجية كبيرة. لكن التحدي الحقيقي، سيأتي مع التطور الجذري الذي ستجلبه الحداثة، والذي سيفتح آفاق الاجتماع على مصالح غير قابلة للحصر، أو للانضواء تحت منطوق النصوص أو عللها القياسية، الأمر الذي يضع المسألة بكليتها خارج إمكانيات النظرية وآلياتها التقليدية.