صـنـاعـة الحــب: ابن حزم الأندلسي أنموذجا

فئة :  مقالات

صـنـاعـة الحــب: ابن حزم الأندلسي أنموذجا

مقدمة:

لما أرادت أوروبا أن تثور على ما استحدثه العصر الوسيط من أدب وفن وفلسفة وأسباب للحياة الاقتصادية والسياسية، تساءلت عن المنهج والأداة التي تمكنها من تحقيق هذه الثورة ومن تم المضي قدما نحو العصر الحديث، تساءلت فوجدت أن العودة إلى الثقافات القديمة شرط أساسي للتحرر من الفلسفة المدرسية. وما نفهمه من هذه العودة إلى الثقافات القديمة التي يرى بعض المفكرين الغربيين أنها تختزل صورة إنسان الفطرة والطبيعة، وأنها الكفيلة بتكوين معنى متكامل عنه هو أن مفهوم الإنسان كان غائبا في العصور الوسطى، بمعنى آخر أنه لم يكن إنسانا، فقد كان منمحيا متساويا مع باقي الكائنات، مقتنعا بجبر أن لا رأي ولا علم له إلا بما تأتي به الكنيسة.[1]

إن كل من نقولا دي كوسا وجيوفاني بيكو ديلا ميراندولا وبراسلس وجليلو[2] الذين عادوا إلى الثقافات القديمة فمهدوا فيما بعد لفكر حداثي سيجعل من الإنسان مركزا لهذا الكون. إن أولى انعكاسات هذا التفكير الجديد ستدفع بالإنسان مع كل من فرنسيس بيكون ورونيه ديكارت (رغم اختلاف فلسفتهما) إلى فرض سيطرته وسلطانه على الطبيعة، انطلاقا من تسخير كل ما يزخر به العقل من قوى، والتي تعد التقنية آخر ما أنتجه العقل، باعتبارها ميتافيزيقا الهيمنة على العالم. لقد أصبحت الطبيعة توجه ردودا لهذا الإنسان نتيجة سيطرته المطلقة، كما تعرض هو نفسه لقتل ذاته بغير وعي منه نتيجة تمجيده المفرط للعقل من قبل الحداثة.

إن أفضال الحداثة في الدعوة إلى الإيمان بالعالم الطبيعي وبالإنسان وبالعقل لن ينكرها أحد، [3] لكن بإفراطها في هذه الدعوات ستتحول هذه الشعارات إلى مصدر للمآسي والأحزان التي يعيشها الإنسان المعاصر. بهذا الإفراط أيضا، فقدت الطبيعة طبيعتها والإنسان إنسانيته والميتافيزيقا ميتافيزيقيتها، الأمر الذي يدفعنا للعودة بشدة إلى سؤال أصل الوجود ومعرفة كيفية نشوئه، لعل ذلك يساعدنا على إحياء الطبيعة والميتافيزيقا والإنسان.

لا يعتبر ابن حزم الحب من المحظورات في الشريعة، ولا من المنكرات في الديانة ما دامت القلوب ليست بيد أصحابها، وإنما بيد الله

إن السؤال حول الأصل هو سؤال فلسفي يعود بنا إلى لحظة ما قبل سقراط خصوصا مع المدرسة الطبيعية التي فسرت الوجود تفسيرا طبيعيا ماديا؛ فهناك من حدد أصله في الماء (طاليس) وهناك من حدده في الهواء (أنكسمانس)، هناك من الفلاسفة كأنباذوقليس من لن يكتفي بهذه العناصر الطبيعية المحضة، إذ سيضيف عنصرا خارجا عن الطبيعة هو الذي يخرج الموجودات من وجودها بالقوة إلى وجودها بالفعل، يتعلق الأمر بقوة الحب التي تعد أصل هذه الحياة، مع أنباذوقليس نستفيد أنه لا سبيل آخر لإحياء الطبيعة والإنسان والميتافيزيقا غير الحب، ومعرفته صناعة تقتضي الإلمام بشروطها وقوانينها، وهذا ما حاول ابن حزم الأندلسي القيام به. لقد اخترنا هذا الرجل لكونه يحمل في نفسه الإنسان والميتافيزيقا والطبيعة، وقلما نجد هذا الثالوث في فيلسوف آخر كابن حزم الأندلسي.

المحور الأول: ماهية الحب

إذا كان الحب لدى بعض الفقهاء من المحرمات التي ينبغي الاحتراز منها، فإن ابن حزم لا يعتبره قط من المحظورات في الشريعة، ولا من المنكرات في الديانة ما دامت القلوب ليست بيد أصحابها، وإنما بيد الله، فهو لا يتصور محاسبة الإنسان في شيء لا يملك الحرية فيه ولا القدرة على الاختيار، إذ القلوب كما يقول ابن حزم بيد موليها الذي هو الله[4].

إن الحب اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع[5]، وسر التمازج والتباين فيها إنما هو الاتصال والانفصال؛ فالشكل دأبا يستدعي شكله، والمثل إلى مثله ساكن. وعليه، فإن ابن حزم يجعل من ذات النفس علة للحب مستبعدا الصورة الجسدية بالمرة، ذلك أن المحبة الناشئة عنها تزول بزوال صورتها[6]، إذ أن من ودك لأمر ولى مع انقضائه، وفي هذا الصدد يقول ابن حزم: [7]

ودادي لك الباقي على حسب كونه

تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد

وليست له غير الإرادة علة

ولا سبب حاشاه يعلمه أحد

إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه

فذاك وجود ليس يفنى على الأبد

وإما وجدناه لشيء خلافه

فإعدامه في عدمنا ماله وجد

وعن هذه العلل تتفرع المحبة إلى ضروب، فأفضلها محبة المتحابين في الله، ثم محبة القرابة، ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة، ومحبة البر يضعه المرء عند أخيه، ومحبة الطمع في جاه المحبوب، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس، وكل هذه الأجناس بحسب ابن حزم منقضية بانقضاء عللها، زائدة بزيادتها، وناقصة بنقصانها، متأكدة بدونها، فاترة ببعدها، على عكس محبة العشق التي تكون النفس علتها، فهي التي لا فناء لها إلا بالموت.

وقد يقول قائل إنه إذا كانت النفس علة للحب، فينبغي أن تكون المحبة بينهما مستوية، وهو قول سيتعرض له ابن حزم بالنقد، إذ قد يوجد محب قد لا يحبه محبوب، والسبب في ذلك راجع إلى كون نفس المحبوب مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية، فلم تحس بالجزء الذي كان متصلا بها قبل حلولها، حيث هي، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة. وبالتالي كلما ارتفعت النفوس عن المادة وتبرأت منها، كلما صارت عشقا لذواتها واستوت المحبة بين المحبوبين.

إن نفس المحب يشبهها ابن حزم بالمغنطيس والحديد[8]، ذلك أن قوة جوهر المغنطيس المتصلة بقوة جوهر الحديد لم تبلغ من تحكمها، ولا من تصفيتها، أن تقصد إلى الحديد على أنه من شكلها وعنصرها، كما أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه الحركة أبدا، إنما تكون من الأقوى، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس، تطلب ما يشبهها، وتنقطع إليه، وتنهض نحوه بالطبع والضرورة، وبالاختيار والتعمد. كما يشبهها كذلك بالنار في الحجر[9]، لا تبرز على قوة النار في الاتصال والاستدعاء لأجزائها، حيث كانت إلا بعد القدح، ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما، وإلا فهي كامنة في حجرها لا تبدو ولا تظهر.[10]

وللحب علامات[11]:

أولها: إدمان النظر، حيث ترى الناظر لا يطرف يتنقل بتنقل المحبوب، وينزوي بانزوائه، ويميل، حيث مال كالحرباء مع الشمس.

ثانيها: الإقبال بالحديث، فما يكاد المحب يقبل على سوى محبوبه.

ثالثها: الإسراع بالسر نحو المكان الذي يكون فيه المحبوب.

رابعها: بهت وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة.

خامسها: اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه فجأة.

سادسها: تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب، ويستلذ الكلام في أخباره، ويجعلها هجيراه، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها.

سابعها: حب الوحدة والأنس بالانفراد، ونحول الجسم دون حد يكون فيه، ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشي، دليل لا يكذب ومخبر لا يخون، عن كلمة في النفس كامنة.

ثامنها: ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته، حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته.

تاسعها: البكاء، ومنهم من هو غزير الدمع، ومنهم من هو جمود العين، عديم الدمع.

عاشرها: أن يجود المرء ببذل كل ما كان يقدر عليه مما كان ممتنعا قبل ذلك.

الحادي عشر: سوء الظن.

الثاني عشر: كثرة الغمز الخفي، الميل بالاتكاء، التعمد للمس اليد عند المحادثة، ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة، شرب فضله ما أبقى على المحبوب في الإناء، تحري المكان الذي يقابل فيه محبوبه.

ثلاثة عشر: السهر.

أربعة عشر: تضاد المحبين في القول تعمدا وخروج بعضهما على بعض في كل ما سر من المر، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولها على غير معناها؛ وذلك يقع حيثما تتأكد المحبة بين المحبوبين تأكدا شديدا. لكن رغم العناد والخصام الذي يصيب المحبوبين تجدهما سرعان ما يعودان إلى أجمل الصحبة، فيسقط الخلاف وينصرفان في الحين إلى المضاحكة والمداعبة.

أ – الحب من نظرة واحدة / الحب من نظرات متعددة (المطاولة)

إن من بين الأسباب التي تؤدي إلى الحب بحسب ابن حزم، وهو الحب من النظرة الأولى[12] (الواحدة)، حيث ينقسم لديه إلى قسمين:

- القسم الأول: وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي، ولا يدري لها اسما ولا مستقرا.

- القسم الثاني: وهو أن يعلق المرء من نظرة واحدة "جارية" معروفة الاسم والمكان والمنشأ.

إن هذا السبب يستبعده ابن حزم عن أن يكون أساسا للحب لما يتضمنه من قلة الصبر وسرعة السلو، فكما يقول: "هكذا في جميع الأشياء أسرعها نموا أسرعها فناء، وأبطؤها حدوثا أبطؤها نفاذا"[13]. في مقابل ذلك، يجعل ابن حزم من المطاولة شرطا أساسيا لكل ولادة حب؛ أي إن الحب لا يكون إلا مع الزمن الطويل، في حين إذا ما كان الحب من نظرة واحدة (أولى فقط)، أي الحب من خلال الزمن القصير، فليس ذلك بحسب ابن حزم إلا ضربا من الشهوة فقط، وبالتالي من يزعم أنه يحب اثنين ويعشق شخصين متغايرين، فإنما هذا من جهة الشهوة، وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق. وفي هذا يقول الفقيه الأندلسي[14]:

محبة صدق لم تكن بنت ساعة

ولا وريت حين ارتياد زنادها

ولكن على مهل سرت وتولدت

بطول امتزاج فاستقر عمادها

فلم يدن منها عزمها وانتقاضها

ولم ينأ عنها مكثها وازديادها

يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة

تتم سريعا عن قريب معادها

ولكني أرض عزاز صليبة

منيع إلى كل الغروس انقيادها

فما نفذت منها لديها عروقها

فليست تبالي أن يجود عهادها[15]

ب- الحب عن غير معاينة: النوم / الوصف

يتعرض ابن حزم لسبب آخر قد يؤدي بصاحبه إلى الحب ألا وهو رؤية المحبوب في النوم، فيستبعده نظرا لما يقوم عليه من وهم وابتعاد عن الحقيقة[16]، وفي هذا يقول ابن حزم[17]:

يا ليت شعري من كانت وكيف سرت

أطلعة الشمس كانت هي أم القمر

أظنها العقل أبداه تدبره

أو صورة الروح أبدتها لي الفكر

أو صورة مثلت في النفس من أملي

فقد تحير في إدراكها البصر

أو لم يكن كل هذا فهي حادثة

أتى بها سببا في حتفي القدر

إلى جانب النوم، قد يكون الحب مبنيا على الوصف دون المعاينة، إذ هو الآخر يرفضه ابن حزم عن أن يكون أساسا للحب، باعتباره بنيانا ضعيفا[18]، ذلك أن الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لا بد له أن يخلو بفكره أن يمثل صورة لنفسه يتوهمها، وعينا يقيمها نصب ضميره، لا يتمثل في هاجسه غيرها، قد مال بوهمه نحوها، فإن وقعت المعاينة يوما ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية.

إن المعاينة في الحب شرط أساسي، فها هو ابن حزم مثلا كان نتيجة لما يسمع بالوصف عن أبي عامر بن أبي عامر أن يكرهه إلا أنه مع التقائه معه صار أود الناس إليه، وفي هذا الصدد يقول ابن حزم[19]:

أخ لي كسبنيه اللقاء

وأوجدني فيه علقا شريفا

وقد كنت أكره منه الجوار

وما كنت أرغبه لي أليفا

وكان البغيض فصار الحبيب

وكان الثقيل فصار الخفيفا

وقد كنت أدمن عنه الوجيف

فصرت أديم إليه الوجيفا

ولما تحصل معاينة المحب لمحبوبه، فقد يحصل أحيانا أن يكتشف صفة ما فيه فلا يستحسن صفة أخرى بعدها، فمن استحسن شقراء اللون ما أحب بعد سوداء الشعر، ومن كانت أول علاقته بفتاة مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعدها.

المحور الثاني: فضائل الحب

إننا نقصد بالفضيلة معنيين اثنين: الأول هو الذي يحدده أرسطو في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس، والتي يعرفها بكونها ملكة خلقية إرادية تجعل صاحبها قادرا على تخطي الإفراط والتفريط واختيار الوسط بينهما، بناءً على مبدإ عقلي سديد[20]، أما المعنى الثاني وهو ما نقصد به الأمور الحميدة في الحب.

إن ما ينبغي أن ننتبه إليه ونحن نتحدث عن هذه الخصال الحميدة في الحب عند ابن حزم الأندلسي هو أن المحب تجده يحاول أن يتصف بتلك الخصال مخافة فقدان محبوبه / حياته.

إن هذه الفضائل - كما أسميناها - يحدها ابن حزم في:

أولا: يعتبر ابن حزم الوفاء[21] من أقوى الدلائل وأوضح البراهين على طيب الأصل وشرف العنصر، وأول مراتبه أن يفي الإنسان لمن يفي له[22]، أما المرتبة الثانية وهو الوفاء لمن غدر، وهي للمحب دون المحبوب، فمن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل للملامة، لكن غاية الوفاء هو ترك مكافأة الأذى بمثله، والكف عن سيء المعارضة بالفعل والقول[23].

يجعل ابن حزم الوفاء أوجب على المحب منه على المحبوب وشرطه له ألزم، لأن المحب هو البادي بـ "اللصوق والتعرض لعقد الأذمة، والقاصد لتأكيد المودة.

ومن شروط الوفاء[24]:

أ- أن يحفظ المحب عهد محبوبه، ويرعى غيبته، ويحسن أفعاله، ويتغافل عما يقع منه على سبيل الهفوة.

ب- لا ينبغي للمحب أن يكلف المحبوب الصعود إلى مرتبة الحب التي هو فيها.

ث- أن يقنع المحب بما وجد، إذ لا ينبغي له أن يضع شرطا، ولا أن يقترح حقا مادام يحظى بوفاء محبوبه.

ثانيا: ومن الأمور الجميلة كذلك في الحب، الوصل الذي يعرفه ابن حزم، باعتباره الحياة المجددة، ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد، فإن للوعد المنتظر مكانا لطيفا من شغاف القلب، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه، والثاني انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه[25].

ثالثا: ومن عجيب ما يقع في الحب، طاعة[26] المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسرا إلى طباع من يحبه، فإذا كان المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، حمى الأنف، أبي الخسف، فتنسم نسيم الحب تجد شراسته تعود ليانا والصعوبة سهولة والحمية استسلاما. إن سبب هذه الطاعة في نظر ابن حزم تعود إلى المحبوب الذي قد يكون كارها لإظهار الشكوى، الأمر الذي يدفع بالمحب إلى كتمان حزنه والانطواء على علته إلى حد أنها تجعل صبر المحب دال على دناءة النفس أحيانا، كما يزعم البعض، خاصة وأنه لا يرى في محبوبه كفوا ولا نظيرا، وبالتالي فما قد يعتبره ابن حزم جميلا أو حميدا في هذه الخصلة ينقلب عليه، ليصبح رذيلة بالمعنى الأرسطي (الإفراط)، حتى وإن كان المحب يرى في محبوبه المثال الأفلاطوني وما دونه نسخ مشوهة. أوليس الحب في أصله إسعاد لنفسين اثنتين لا لواحدة على حساب الأخرى؟ ألا يمكن أن تؤدي طاعة المحب المفرطة لمحبوبه إلى الرغبة أحيانا في الانتحار (عندما يشعر بفقدان محبوبه)؟

إن ما قد يعتبره ابن حزم من كون الطاعة من الأمور الحميدة في الحب، تصبح بهذا التنازل من الأمور السيئة والمرذولة.

رابعا: ولما كانت القناعة هي السكون عند المألوفات، وترك التشوف إلى المفقود كانت أصح أن تنسب إلى فضائل الحب والأمور الحميدة فيه، ذلك أن عدم السكون وعدم ترك التشوف قد يؤديان أحيانا إلى ضنى يصل أحيانا بالمحب إلى الموت. والقنوع في الحب مراتب على قدر الإصابة والتمكن[27]:

أ- الزيارة، وهي على وجهين:

1- أن يزور المحب محبوبه، وهذا الوجه واسع.

2- أن يزور المحبوب محبه.

ومن القنوع[28]:

1- أن يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه.

2- الرضا بمزار الطيف وتسليم الخيال، وهذا يحدث عن ذكر لا يفارق وعهد لا يحول وفكر لا ينقضي. يقسم ابن حزم حال المزور في المنام إلى 4 أقسام:

أ- محب مهجور قد تطاول غمه، ثم رأى في هجعته أن حبيبه وصله فسر بذلك وابتهج، ثم استيقظ فتلهف.

ب- محب مواصل مشفق من تغير يقع.

ث- محب داني الديار يرى أن الثنائي قد فدحه، فيكترث ويوجل، ثم ينتبه فيذهب ما به ويعود فرحا.

د- محب نائي المزار.

3- أن يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطان التي تحتوي على من يحب.

4- أن يرتاح المحب إلى أن يرى من رأى محبوبه، ويأنس به، ومن أتى من بلاده.

خامسا: ومما يمكن إدخاله في الصفات الجميلة للحب هو كتمان الأسرار الدائرة بين المحبوبين، وأسبابه[29] يحددها ابن حزم في:

1- تصاون المحب عن أن يسم نفسه بصفة الحب عند الناس، لأنها بزعمه من أهل البطالة، فيفر منها ويتفاداها، وهو معتقد يرفض ابن حزم عن أن يكون سببا من أسباب الكتمان، لما في ذلك من تغليط في أصل ومبدأ الحب، فبحسب المرء أن يعف عن محارم الله التي يأتيها باختياره، أما تمكن الحب فطبع لا يؤمر به ولا ينهى عنه، إذ القلوب ليست مما يختاره الإنسان بل هي بيد الله.

إن الشهوة هي مصدر الشرور والرذائل، ولأنها كذلك بحسب ابن حزم، فهو يحثنا على الابتعاد عنها وعن كل ما يثيرها

2- رغبة المحب في الإبقاء على محبوبه.

3- ألا ينفر المحبوب من المحب.

4- الحياء الغالب على الإنسان.

5- أن يرى المحب في محبوبه انحرافا وصدا.

المحور الثالث: رذائل الحب

إننا نقصد بالرذيلة معنيين: الأول وهو الذي حدده أرسطو في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس معرفا إياها بالتنكب عن الوسط واختيار أحد الطرفين: الإفراط والتفريط، وكلاهما شر[30]، أما المعنى الثاني فنقصد به الأمور القبيحة وغير الحميدة في الحب.

إن الرذائل -كما أسميناها- يحددها ابن حزم في:

أولا: الإذاعة، حيث يعتبرها ابن حزم من أرذل الأمور في الحب، وأسبابها[31]:

أ- أن يريد صاحب هذا الفعل أن يتزيا بزي المحبين، ويدخل في عدداهم، وتلك دعوى في الحب زائفة.

ب- غابة الحب وتسور الجهر على الحياء، فلا يملك الإنسان حينئذ لنفسه صرفا ولا عدلا، وهذا من أبعد غايات العشق.

د- أن يرى المحب من محبوبه غدرا أو ملال أو كراهية، فلا يجد طريق الانتصاف منه إلا بما ضرره عليه أعود منه على المقصود من الكشف والاشتهار، وهذا أشد العار وأقبح الشنار.

م- توافق قلة مبالاة من المحب بذلك، ورضى بظهور سره، إما لإعجاب وإما لاستظهار على بعض ما يؤمله.

ثانيا: ومن بين رذائل الحب كذلك، أن يكون أحد المحبين عاذلا (لائم)، والعذال أقسام[32] عند ابن حزم: فأفضلهم صديق قد أسقطت مؤونة التحفظ بينك وبينه، فعذله أفضل من كثير المساعدات، وهي من الحظ والنهي، ثم عاذل زاجر لا يفيق من الملامة، وذلك خطب شديد وعبء ثقيل.

ثالثا: إن أخبث أمر يكونه المحبون، وهو أن يكون أحدهم رقيبا، والرقباء عند ابن حزم أقسام[33]:

أ- مثقل بالجلوس غير متعمد في مكان اجتمع فيه المرء مع محبوبه، وعزما على إظهار شيء من سرهما والبوح بوجدهما والانفراد بالحديث؛ ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة ما لا يعرض له مما هو أشد منها، وهذا وإن كان يزول سريعا، فهو عائق حال دون المراد وقطع متوفر الرجاء.

ب- رقيب قد أحس من أمر المحبوبين بطرف، وتوجس من مذهبهما شيئا، فهو يريد أن يتبين حقيقة ذلك، فيدمن الجلوس، ويطيل القعود، ويتخفى بالحركات ويرمق الوجوه ويحصل الأنفاس، وهذا أعدى من الجرب.

د- رقيب على المحبوب، وذلك لا حيلة فيه إلا بترضيه، وإذا أرضى فذلك غاية اللذة.

رابعا: ومن وأسوأ وأرذل الصفات التي قد نجدها في الحب أيضا، وهو الوشي، وله ضروب[34]:

أ- واش يريد القطع بين المتحابين.

ب- واش يسعى للقطع بين المتحابين لينفرد بالمحبوب ويستأثره.

ث- واش يسعى بهما جميعا ويكشف سرهما، وهذا لا يلتفت إليه إذا كان المحب مساعدا.

وللوشاة ضروب من التنقيل:

أ- أن يذكر للمحبوب عمن يحب أنه غير كاتم للسر.

ب- أن يذكر الواشي ما يظهر المحب من المحبة ليست بصحيحة.

وعلى الرغم من كل ما يلحقه الوشي من أذى للمحبين، إلا أن الوشي أحيانا يصبح من الأمور الحميدة، وذلك حينما يكون سببا للنصح والتوجيه، فيكون في هذه الحالة دواء عكس الحالات التي ذكرنا سابقا، والتي يكون فيها الوشي داع غرضه التشتيت والتخريب والترقيش بين المحبوبين.

خامسا: وإذا كان من وجه العشق وفضيلته الوصل، فإن رذيلته الهجر، وهو على ضروب[35]:

أ- هجر يوجبه تحفظ من رقيب حاضر، ترى الحبيب فيه منحرفا عن محبه، مقبلا بالحديث على غيره، وترى المحب أيضا كذلك، لكن طبعه له جاذب، فتراه حينئذ منحرفا كمقبل، وساكتا كناطق، وناظرا إلى جهة نفسه في غيرها.

ب- هجر يوجبه التدلل، ولا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه، فحينئذ يظهر المحبوب هجرانا ليرى صبر محبه، وذلك لئلا يصفو الدهر البتة، وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك.

ج- هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب.

د- هجر الملل، والملل من الأخلاق المطبوعة في الإنسان، وأخرى لمن دهي به ألا يصفو له صديق، ولا يصح له إخاء ولا يثبت على عهد ولا يصبر على إلف ولا تطول مساعدته. وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة وأقلهم صبرا على المحبوب وعلى المكروه والصد، وانقلابهم على الود على قدر تسرعهم إليه، فلا ينبغي الوثوق على حد تعبير ابن حزم بالملول ولا أن نشغل به أنفسنا.

م- هجر القلي، فمن دهي بهذه الداهية فليتصد لمحبوب محبوبه ويتجنب ما يدري أنه يكرهه.

سادسا: وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات، فكذلك الغدر[36] من ذميمها ومكروهها، وإنما يسمى غدرا بحسب ابن حزم من البادي به، وأما المقارض بالغدر على مثله، وإن استوى معه في حقيقة الفعل، فليس بغدر ولا هو معيب بذلك، ومن قبيح الغدر أن يكون للمحب سفير إلى محبوبه، يستريح إليه بأسراره فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه.

سابعا: إن عاقبة كل حب عند ابن حزم تؤول إلى أحد أمرين: إما اخترام منية إما سلو حادث.

والسلو ينقسم قسمين[37]:

1- سلو طبيعي وهو المسمى بالنسيان، يخلو به القلب ويفرغ به البال، ويكون الإنسان كأنه لم يحب قط، وهذا القسم ربما لحق صاحبه الذم، لأنه حادث عن أخلاق مذمومة وعن أسباب غير موجبة استحقاق النسيان.

2- سلو تطبعي، قهر النفس وهو المسمى بالتصبر.

والأسباب الموجبة للسلو المنقسم عن هذين القسمين كثيرة، وعلى حسبها وبمقدار الواقع منها يقدر السالي ويذم:

1- منها الملل: فإن من كان سلوه عن ملل فليس حبه حقيقة، والمتسم به صاحب دعوى زائفة، وإنما هو طالب لذة ومبادر شهوة.

2- الاستبدال: وفيه معنى زائد عن الملل، وهو بذلك المعنى أقبح من الأول، وصاحبه أحق بالذم.

3- حياء مركب يكون في المحب، يحول بينه وبين التعريض بما يجده، فيتطاول الأمر، وتتراخى المدة، ويبلى جديد المودة، ويحدث السلو.

إن هذه الأسباب الثلاثة أصلها من المحب، وابتداؤها من قبله، والذم لاصق به في نسيانه لمن يحب، ثم منها أربعة أسباب من قبل المحبوب، وأصلها عند ابن حزم كالتالي:

1- الهجر: والهجر إذا تطاول يكون بابا إلى السلو، وليس من وصلك ثم قطعك لغيرك من باب الهجر، ولكنه ممن وصلك ثم قطعك لتنقيل واش أو لذنب واقع، ثم الأسباب الثلاثة الباقية التي من قبل المحبوب، فالمتصبر فيها من الناس غير مذموم.

2- نفار يكون في المحبوب، وانزواء قاطع للأطماع.

3- جفاء يكون في المحبوب، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفسا لها بعض الأنفة والعزة تسلى، وإذا كان الجفاء يسيرا منقطعا أو دائما، أو كبيرا منقطعا، احتمل وأغضى عليه، حتى إذا كثر ودام فلا بقاء عليه، ولا يلام الناسي لمن يحب في مثل هذا

4- الغدر، ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان ناسيا أ متصبرا، فما يصبر عليه إلا دنيء المروءة.

5- اليأس: وهو سبب ليس من المحب ولا من المحبوب، ولكن من الله تعالى، وفروعه ثلاثة: إما موت وإما بين[38] لا يرجى معه أوبة، وإما عارض لا يدخل على المتحابين بعلة المحب التي من أجلها وثق المحبوب فيغيرها.

ثامنا: الشهوة[39]

إن الإنسان مركب بحسب ابن حزم من طبيعتين متضادتين؛ الأولى لا تشير إلا بخير ولا تحض إلا على حسن، أما الثانية فهي الشهوة وهي لا تعود إلى الردى، والروح واصل بين هاتين الطبيعتين وموصل بينهما.

إن الشهوة هي مصدر الشرور والرذائل، ولأنها كذلك بحسب ابن حزم، فهو يحثنا على الابتعاد عنها وعن كل ما يثيرها، لنقترب أكثر من الفضيلة التي لا تكون إلا مع طول الرياضة وصحة المعرفة ونفاذ التمييز واجتناب مداخلة الناس جملة.

خاتمة:

بماذا يمكن أن نصف طبيعة دراسة ابن حزم عن الحب؟ هل يمكن أن نعتبرها دراسة فقهية تتحاشى الحديث عن كل ما يثير الشهوة، أم إنها دراسة فلسفية تقف موقفا نقديا عند كل فكرة نصادفها؟

من الصعب جدا أن نحصر طبيعة عمل ابن حزم في كونه عملا فقهيا، حيث نجده يرفض في أول الأمر حديثه عن الحب عن أن يكون من باب المحظورات أو المنكرات في الدين، وهو قول لن يقوله في عصره إلا رجل مجدد يكره التقليد، ويعاف أن يسير في طريق سار فيه الآخرون.[40]

لقد كان ابن حزم جريئا _ إلى جانب كونه مجددا _ إذ نجده يعترف بعدد من غرامياته على غير ما هو معهود في أيامه وما بعدها، والتي وصل فيها مع إحدى محبوباته كما يقول غايته؛ فحبه الذي لم يكن عذريا دليل على أن ابن حزم لم يكن كغيره من الفقهاء، كيف لا وهو الذي يعتبر أن الأعضاء الحساسة مسالك إلى النفوس ومؤديات نحوها.

وإذا جمعنا كل هذه المتغيرات سيكون من السهل علينا أن نحكم على دراسة ابن حزم بكونها دراسة فلسفية، لكن من الصعب أن نجزم على ذلك، خاصة وأن جوهر الفلسفة يكمن في ممارسة السؤال وعدم التماهي مع الظاهر[41] (ترك المسافة بين الذات والموضوع) وهو ما لا نجده في كتاب هذا الرجل، كما أنه لا ننفي وجود نفحات فلسفية في بعض من أفكاره. فهو الفقيه وليس كباقي الفقهاء (نظرا لتجديده)، وهو الفيلسوف وليس كباقي الفلاسفة (جاء فيلسوفا في بعض أفكاره). هكذا كان ابن حزم، استثناء في تاريخه ومثالا في حاضرنا.

 

المصادر:

1- ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق د. الطاهر المكي، دار الهلال، ط2، 1994

2- ماري لومونييه وأود لانسون، الفلاسفة والحب الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار، ترجمة دينا مندور، دار التنوير، مصر، لبنان، تونس، ط1، 2015

3- آلان باديو، في مدح الحب، ترجمة غادة الحلواني، التنوير، مصر، لبنان، تونس، ط1، 2014

المراجع:

4- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، دار المعارف، القاهرة، ط 5، بدون سنة نشر.

5- محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، دار توبقال، الدار البيضاء، ط 3، 2008

6- محمد عبد الرحمان مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط، بيروت _ باريس، ط2، 1981

[1] يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، دار المعارف، القاهرة، ط 5، ص. 5، 6

[2] نفس المرجع، ص. 10، 12، 13، 19-24

[3] محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، دار توبقال، الدار البيضاء، ط 3، 2008، ص. 58، 59

[4] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق د. الطاهر المكي، دار الهلال، ط2، 1994، ص. 92

[5] نفس المصدر، ص. 93

[6] إن الحب الذي تكون علته الصورة الجسدية والمرتبط بالنظرة الواحدة لا يقال على التحقيق بل على المجاز، فالناتج عنها يسمى الشهوة لا الحب. أنظر: نفس المصدر، ص. 130. ثم انظر: جان لوك ماريون، ظاهرة الحب ستة تأملات، ترجمة د. يوسف تيبس، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، كانون الثاني/يناير 2015، ص. 17

[7] نفس المصدر، ص. 94

[8] نفس المصدر، ص. 95

[9] نفس المصدر، ص. 96

[10] إن الدليل على ذلك بحسب ابن حزم هو أننا لا نجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة، واتفاق في الصفات الطبيعية، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة، وتأكدت المودة. إن هذا الموقف قد يكون مقبولا من وجهة نظر دينية، إلا أنه من وجهة نظر فلسفية لن يكون الأمر كذلك خاصة أنه من ضمن المسلمات التي تؤمن بها الفلسفة وهي مسلمة الاختلاف. فها هو آلان باديو يعرف لنا الحب باعتباره إجراء للحقيقة، بمعنى، الخبرة التي من خلالها يشيد نوع معين من الحقيقة. هذه الحقيقة هي ببساطة شديدة حقيقة الاثنين. حقيقة الاختلاف كما هي، فالحب يقدم خبرة جديدة للحقيقة حول كيف نكون اثنين وليس واحدا. انظر: آلان باديو، في مدح الحب، ترجمة غادة الحلواني، التنوير، مصر، لبنان، تونس، ط1، 2014، ص. 75، 76

[11] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق د. الطاهر المكي، دار الهلال، ط2، 1994، ص. 102، 103، 104، 105، 106، 109، 112

[12] ينتقد آلان باديو إلى جانب ابن حزم الحب من النظرة الأولى أو اللقاء الأول، حيث يقول إنه: "لا يمكن اختصار الحب في اللقاء الأول، لأن الحب عملية بناء "، فيدعونا إلى أن نقبله كأسطورة فنية قوية، لا كفلسفة أصيلة للحب، فهو حدث لا يمكن التنبؤ به أو حسابه في ضوء قوانين العالم. إن الحب من النظرة الواحدة / اللقاء هو ما يشكل المفهوم الرومانسي للحب. انظر: آلان باديو، في مدح الحب، ترجمة غادة الحلواني، التنوير، مصر، لبنان، تونس، ط1، 2014، ص.67، 68

[13] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق د. الطاهر المكي، دار الهلال، ط2، 1994، ص. 127

[14] نفس المصدر، ص. 131

[15] بالرغم من كون ابن حزم ينتقد الحب من نظرة واحدة لما في ذلك من ضرب للشهوة، إلا أن هذه الأخيرة تكون سببا في الحب الحقيقي. ففي هذا الصدد يسوق لنا ابن حزم قصة جميلة عن جارية كان يبتاعها فتى من أهل الجد والحسب، وهي سالمة الصدر من حبه، بل كارهة له لقلة حلاوة شمائل كانت فيه، وقطوب دائم كان لا يفارقه، ولا سيما مع النساء، فكان لا يلبث إلا يسيرا ريثما يصل إليها بالجماع، ويعود ذلك الكرع حبا مفرطا. ولا غرابة في ذلك، فالأعضاء الحساسة كما يقول ابن حزم مسالك إلى النفوس ومؤديات نحوها. أنظر: نفس المصدر، ص. 132، 133

[16] يحكي ابن حزم في هذا الصدد عن قصة رجل يدعى أبو السمار بن زياد، عندما دخل عليه فوجده مفكرا مهتما فسأله عما به، فأجاب بأنه قد رأى جارية في نومه، فاستيقظ وقد ذهب قلبه فيها، وهم بها، وأنه لفي أصعب حال من حبها، فبقي أياما كثيرة تزيد على الشهر مغموما مهموما. انظر: نفس المصدر، ص. 116

[17] نفس المصدر، ص. 117

[18] نفس المصدر، ص. 120

[19] نفس المصدر، ص. 121، 122

[20] محمد عبد الرحمان مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط، بيروت _ باريس، ط2، 1981، ص. 167

[21] إن الوفاء في الحب يعد كذبا، إذ كيف يعد المحب محبوبه بأن يحبه إلى الأبد مع وعيه باستحالة ذلك ! أوليس ذلك كذبا؟! إن الذي يستطيع تخليص الكذب من الحب هو الثالث الموضوع (inclus) الذي هو الطفل. انظر: جان لوك ماريون، ظاهرة الحب ستة تأملات، ترجمة د. يوسف تيبس، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، كانون الثاني/يناير 2015، ص. 26. لكن، هل إذا أردنا أن نكون صادقين في حبنا، يتوجب علينا أن نتزوج؟ بمعنى آخر، هل الحب ببساطة هو الزواج، وإنجاب الأطفال؟ يقول آلان باديو: "إن الفكرة التي تقول بأن الحب يتحقق أو يتجسد حصريا في خلق عالم العائلة غير مقنعة على الإطلاق...يجب أن نفهم كيف أن ميلاد طفل هو جزء من الحب، لكن هذا لا يعني أن ميلاد طفل هو تحقق الحب، يجب ألا يفهم أي شخص من كلمة استمرارية أن الحب يدوم، أو أنهما سوف يتحابان دائما أو إلى الأبد. لابد أن نفهم أن الحب يبتكر طريقة جديدة للاستمرار في الحياة. انظر: آلان باديو، في مدح الحب، ترجمة غادة الحلواني، التنوير، مصر، لبنان، تونس، ط1، 2014، ص. ص 68، 69

[22] يحكي لنا ابن حزم عن قصة عجيبة لشخص رضي بقطيعة محبوبه، وأعز الناس عليه، لسر أودعه، فالتزم محبوبه يمينا غليظة ألا يكلمه أبدا، ولا يكون بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر، على أن صاحب ذلك السر كان غائبا فأبى من ذلك، وتمادى هو على كتمانه، والثاني على هجرانه إلى أن فرقت بينهما الأيام. أنظر: ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق د. الطاهر المكي، دار الهلال، ط2، 1994، ص. 232، 233

[23] نفس المصدر، ص. 233

[24] نفس المصدر، ص. 236

[25] يحكي لنا ابن حزم في الصدد عن قصة في أهمية الوصل وما يؤدي إليه من ولادة الحب، يحكي لنا عن جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء، وهو لا علم عنده، وكثر غمها، وطال أسفها، إلى أن ضنيت بحبه، وهو بغرارة الصبى لا يشعر، ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه، لأنها كانت بكرا بخاتمها، فلما تمادى الأمر، شكت الجارية أمرها إلى امرأة جزلة الرأي، فقالت لها: عرضي له بالشعر. ففعلت المرة بعد المرة وهو لا يأبه في كل هذا إلى أن عيل صبرها، ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه، ثم ولت في ذلك الحين، ولم تكلمه بكلمة، وهي تتهادى في مشيها، فبهت وسقط في يده، ووجد في كبده وعلته وجمة، فما غمض تلك الليلة عينا، وكان هذا بدء الحب بينهما. انظر: نفس المصدر، ص. 206

[26] نفس المصدر، ص. 170

[27] نفس المصدر، ص. 264

[28] نفس المصدر، ص. 265، 268، 269، 270، 271

[29] نفس المصدر، ص. 158، 160، 162

[30] محمد عبد الرحمان مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط، بيروت - باريس، ط2، 1981، ص. 167

[31] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق د. الطاهر المكي، دار الهلال، ط2، 1994، ص. 164، 166، 167

[32] نفس المصدر، ص. 182

[33] نفس المصدر، ص. 190، 191

[34] نفس المصدر، ص. 194، 195، 201

[35] نفس المصدر، ص. 214، 217، 219، 222، 223، 226

[36] نفس المصدر، ص. 242

[37] نفس المصدر، ص. 284، 285، 286، 287، 288، 293، 294

[38] نفس المصدر، ص. 246، 247، 248، 255

[39] نفس المصدر، ص. 312، 313، 314

[40] يقول ابن حزم: "دعني من أخبار الأعراب والمتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سوى، ولا أتحلى بحلي مستعار". انظر: نفس المصدر، ص. 47

[41] لقد كان يرفض ابن حزم حب الغلمان دون أن يتساءل حول هذا النوع من الحب. انظر: نفس المصدر، ص. 54