في الحاجة إلى النقد الفلسفي

فئة :  مقالات

في الحاجة إلى النقد الفلسفي

 

في الحاجة إلى النقد الفلسفي[1]

محمَّد الخراط

هل نضيف جديداً، إذا قلنا إنَّ الفكر الفلسفي قد هُمِّش في تاريخ الحضارة الإسلاميَّة لأسباب مختلفة، وإنَّ هذا الفكر مازال ينازع الموت في كثير من أصقاع العالم العربي والإسلامي لأسباب عقائديَّة ومذهبيَّة تحتجُّ بأنَّ العقل والمنطق عاجزان عن إدراك المعرفة الحقَّة، ولأسباب سياسيَّة تكون وراء إشهار مقامع الإسكات والإلجام كإلجام العوام عن علم الكلام؟ غير أنَّنا نزعم أنَّ حاجتنا الأولى في هذا العصر تكمن في أن نراهن على الإنسان، وأن نسترجع الفكر الفلسفي الذي يؤسّس للحريَّة بمعناها الوجودي والمعرفي، إذا كنَّا حريصين على حضور جديد وفاعل في التاريخ.

هذا التوق إلى الحريَّة الفكريَّة بوجه خاص تمثّله في السنوات الأخيرة ثلّة من المفكرين العرب الذين ينتسبون أصلاً إلى المجال الفلسفي، واجتهدوا في تجاوز الخطاب الفلسفي للخمسينيات من القرن العشرين، من أولئك الذين ظلّوا سجناء «المجابهة الكلاسيكيَّة بين الدّين والفلسفة (يوسف كرم، مصطفى عبد الرازق، علي سامي النشار)»[2]، أو الذين نهلوا من «المفاهيم والمقولات مباشرة من الغرب الحديث (وضعيَّة زكي نجيب محمود، وجوديَّة بدوي، ماركسيَّة طيب تيزيني وحسين مروَّة»[3].

فإن شئنا أن نستعير التصنيف الذي وضعه الباحث حمَّادي الرديسي للمفكّرين/ الفلاسفة العرب، انطلاقاً من الربع الأخير من القرن العشرين، الذين مثلوا نقلة نوعيَّة في الخطاب الفلسفي الحديث، فإنَّنا سنقسمهم إلى اتجاهين:

ـ اتجاه ينحو «نحو فلسفة الاختلاف المستوحاة مباشرة من خط هايدغر، دريدا، فوكو، التي تأخذ على عاتقها مهمَّة تفجير الوحدة المتعالية للثقافة (Kultur) الإسلاميَّة من الداخل (مطاع صفدي، وعبد السلام بنعبد العالي، وعبد الكبير الخطيبي، وفتحي التريكي)»[4].

ـ اتجاه ثانٍ ينزع إلى إرساء تقاليد إبستمولوجيَّة في البحث، وذلك «بإخضاع العقل الكلاسيكي للمعالجة لإجباره على الاعتراف بعجزه عن التفكير، ولتعيين الشروط التي جعلت المعرفة الكلاسيكيَّة ممكنةً، والتي لم نتوصل إلى الخروج منها (محمد عابد الجابري، ومحمَّد أركون)»[5].

على أنَّنا يمكن (فيما نرى) أن نضيف إلى الاتجاهين السابقين اتجاهاً ثالثاً ينتسب أصحابه كذلك إلى المجال الفلسفي، ويهتمُّون بقضايا التراث والعصر الحديث، كما يهتمُّون بنقد المشاريع الفكريَّة والحضاريَّة الكبرى لبعض نقاد العقل العربي والإسلامي، دون أن تكون لهم مشاريع حضاريَّة متكاملة في قراءة الفكر العربي، مثل كمال عبد اللطيف[6]، وعبد الإله بلقزيز[7]، ومحمَّد سبيلا[8]، وسالم يفوت في تنظيراته الإبستمولوجيَّة الكثيرة، وغيرهم ممَّن انطلقوا من رحاب النَّظر الفلسفي، ما أضفى على كتابتهم -وإن بدرجات متفاوتة- بُعداً معرفيَّاً أصيلاً، يربأ غالباً عن المزايدة النّضاليَّة والحماسة الإيديولوجيَّة الفارغة.

إنَّ الفكر العربي في حاجة إلى العلم والتكنولوجيا، وفي حاجة إلى أطر مرجعيَّة أخلاقيَّة ومركزيَّة توحّد توجُّهاته ورؤيته للعالم، ولكنَّه في حاجة أيضاً إلى فكر فلسفي يحدّد هذه المرجعيات ويحللها وينقد معقوليتها من أجل بناء معقوليَّة جديدة. فإذا أدركنا أنَّ النقد شرط من شروط التفكير الفلسفي، وأنَّه أسّ من أسسه المحوريَّة فإنَّنا نكون قد أدركنا أهمّيَّة الفلسفة في تنشيط العقل وإعادة النَّظر في مبادئ المعرفة الإنسانيَّة. وما أحوج العقل العربي إلى تنشيط من أجل مراجعة الذات وتقويم المرجعيات! فالواقع العربي حافل بالمآزق السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة...، والفكر العربي المعاصر متخم بالتعبئة الإيديولوجيَّة والعقليات التبريريَّة، منغمس في أرض التكرار الفجّ لقضايا التراث والمعاصرة والحداثة والديمقراطيَّة والثورة. وليس هذا التكرار كناية عن أنَّ جملة هذه القضايا مصطنعة أو قد تجاوزها التاريخ، وإنَّما التكرار علامة على أنَّنا لم نستطع أن ننظر إلى هذه القضايا من زوايا نظر جديدة تحلل الظّواهر في إطار علاقة جدليَّة مع الفكر والتاريخ. فعلى سبيل المثال، إنَّ موضوع الحداثة، في نظرنا، لا يمكن الحسم فيه وفق تصوُّر تبسيطيّ يقوم على اتباع طريق الرافضين لها أو الدعاة إليها أو طريق الموفقين بين الطّرفين، وإنَّما لا بدَّ من أن نضع هذه الظَّاهرة في إطارها المرجعي الفكري والتاريخي، من أجل أن نجلو حقيقتها وحقيقة علاقتنا بها، والتحليل الفلسفي هو الذي يسمح، في اعتقادنا، بأن نتَّخذ موقفاً نقديَّاً أكثر صواباً إزاءها. وقد بيَّن التحليل التاريخي والفلسفي أنَّ الحداثة قد انطلقت في الغرب الأوروبي، وأنَّها امتدَّت إلينا بفعل مجموعة من الظّروف والعوامل، وأنَّها خلخلت مستويات وجودنا كافةً، وألقت بنا في أتون الاختبار الصعب؛ بل صارت حقيقة لا سبيل إلى إنكارها واقعاً وفكراً، وليس أمامنا إلا عرضها على مسبار النقد من أجل أن نؤصّلها في ذواتنا بأقلّ ما يمكن من التصدُّع حفاظاً على خصوصيَّة حضورنا في التاريخ. ولعلَّ التنظير الفلسفي المعمَّق هو الكفيل، فيما نرى، بحلِّ هذه المعادلة الصعبة وتحقيق أيّ مشروع حضاريّ جديد. فبين القضايا الحضاريَّة وهموم العصر من جهة، والفكر الفلسفي من جهة أخرى، علائق جدليَّة متداخلة لا يمكن إغفالها. فإذا كانت المواضيع الحضاريَّة في حاجة إلى الحسّ الإشكالي للفلسفة، ولا تستغني عن التحليل النَّظري والتقويم المعرفي، فإنَّ الفلسفة قد باتت هي الأخرى في حاجة ماسَّة إلى هذه القضايا الحضاريَّة بقصد تأكيد حضورها الفاعل في الفكر والثقافة.

لقد مضى عهد كانت فيه الفلسفة علماً بالكلّيَّات وتحليلاً مجرَّداً للماهيَّات، لتنفتح على ما كان مستبعداً أو مهمَّشاً، وتنسج «روابط جديدة بين الكلمات والأشياء أو بين الأفكار والأحداث أو بين الكلمات والأفكار»[9]، وتصير نقداً مستمرَّاً للفكر والعقل والخطاب ومراجعة دائمة لصلات المعرفة بالسُّلطة. فالأجدى أن نراجع تصوُّراتنا ومفاهيمنا، وأن نحافظ على التماسك النَّظري لمقولاتنا بعيداً عن الإسقاط والارتجال والمغالطة. ولن يتأتَّى لنا ذلك إلا بالاستناد إلى خلفيَّة فلسفيَّة تقينا الخلط والتلفيق، وتعصم فكرنا من مصائد الإيديولوجيَّات المجنَّحة في فضاء الخيال والمثاليَّة أو الأنساق المسيَّجة داخل مغارات التقليد والاتباع. وهنا بالذات، يصير نقد النقد أيضاً أمراً مركزيَّاً، لأنَّه مساءلة متواصلة للعقل ونقد دؤوب للذات، من أجل تفادي سكونيَّة الأنساق وجمود المقولات، ومن أجل مسايرة حركة الفكر والتاريخ.

لكنَّ النقد ونقد النقد يجب أن يتجاوز فضاء الدعوة ومحافل النخبة، ليصير ممارسة حيَّة وفاعلة، ولن يصير كذلك إلا إذا تمرَّست الناشئة بأفانينه وأتقنت مساراته. وهذا لا يتمُّ إلا في نطاق المدرسة؛ فالمدرسة نعلّم فيها التراث، ونقدّم فيها التاريخ، ولكنَّنا نعلّم من خلالها شروط الإدراك وفاعليَّة النقد والتجاوز أيضاً. مهمَّة المدرسة أن تعلّم الطفل كيف يكون حرَّاً في إطار جماعة، ودورها أن تعلّم قيم المواطنة بمنهج الاكتشاف لا بمنهج التلقين. ولا بدَّ من أن تكون المدرسة رحاب استقبال الفكر الديمقراطي، ثم تصبح بالتدريج فضاء لنقد الديمقراطيَّة ذاتها حتى لا تتحوَّل إلى دوغما جديدة. ويا له من أمر جلل أن يتعوَّد المرء منذ نعومة أظفاره على ألَّا يطمئن إلى فكر حتى يقلّبه من هذا الجنب إلى هذا الجنب ويخضعه لمحك المراجعة! فنحن في حاجة إلى الديمقراطيَّة، ولكنَّنا أيضاً في مسيس الحاجة إلى نقدها وإعادة النظر في مرجعياتها.

قد يتصوَّر بعضهم أنَّ نقد الديمقراطيَّة لا معنى له، وهي النظام الاجتماعي السياسي الذي يجمع حوله توافقاً مهمَّاً، حتى لا نبالغ بالقول إنَّه أرسى له من الطقوس في النسق الرمزي للمجتمع السياسي المعاصر ما يستدعي نقاشاً ويثير قلقاً. وربَّما تكون الديمقراطيَّة قد امتلكت هيبتها ممَّا في نظامها من مجالات واسعة لممارسة الحريَّة واستمرارها، ولهذا نقدها قد لا يكون غير نقد للحريَّة ذاتها. على أنَّنا ننبّه على أنَّ نقد الديمقراطيَّة ليس تنكُّراً لها أو رفضاً لقيمها، وإنَّما هو ذلك الضرب من النقد الذي يقف على تشابك مواضيعها السياسيَّة في (الآن) والـ(هنا)، ومنها قضيَّة التناقض بين التنظير والممارسة وقضيَّة الحياد أو اللاتسيس (A politisation)، التي طغت على نسيج المجتمع المعاصر، فضلاً عن خضوعها لمثال هيكلي للمراقبة والمعاقبة تحدَّث عنه بما يكفي ميشيل فوكو، الذي ألمح إلى غياب الشعب مصدر السيادة لفائدة قوى غير مرئيَّة متسلّطة، يقف وراءها هوس فرداني بالتحكُّم والتملّك. وهل في مكنتنا، والسياق ما أسلفنا، أن نتغاضى عن دور وسائل الإعلام وفضاءات التواصل الاجتماعي التي باتت تتَّخذ لها منزلة تنافس منزلة المدرسة وتتفوَّق عليها في أحايين كثيرة؟ صحيح أنَّها لاعب أساسي في نشر المعلومة وتأصيل مبدأ المراقبة الإعلاميَّة، ولكنَّها إلى ذلك تأتي من أفعال الهيمنة وتوجيه الرأي العام ما تأتي.

أمَّا تنوُّع صنوف النقد الفلسفي للديمقراطيَّة، منذ أفلاطون حتى رونسيار، مروراً بتوكفيل وماركس وأنطونيو نغري وغيرهم، فقد يكون راجعاً إلى اعتبارات كثيرة، لعلَّ أهمَّها: التورُّط في ترسيخ الملكيَّة المطلقة، وإنتاج الأنظمة الشموليَّة، والعجز عن إدارة شأن العدالة وحقوق الأقليَّات، وشعبويَّة الديمقراطيَّة وصلاتها المعقَّدة بالعالم المعولم. ومن هنا الحاجة الأكيدة إلى مسبار النقد، نثقف به فكرنا كلما انساق نحو الكليانيَّة والتكلّس العقلي.

سفينة الوطن قلاعها الديمقراطيَّة، وأشرعتها الحريَّة، وربَّانها النقد. فمن رام أن يركب سفينة بغير ما به تكون، أوشك أن يُقدم على الغرق.

[1]- يتفكرون العدد11

[2] ـ الرديسي، حمادي، الخطاب الإسلامي حول الحداثة: الكليَّة المجزّأة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 92/93، ص 41

[3] ـ المرجع نفسه.

[4] ـ المرجع نفسه.

[5] ـ المرجع نفسه، ص ص 41، 42

[6] ـ عبد اللطيف، كمال:

- قراءات في الفلسفة العربيَّة المعاصرة، دار الطليعة، ط1، 1994

- التأويل والمفارقة: نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي، المركز الثقافي العربي، ط1، 1987

[7] ـ بلقزيز، عبد الإله:

- إشكاليَّة المرجع في الفكر العربي المعاصر، دار المنتخب العربي، 1992

- العولمة والممانعة: دراسات في المسألة الثقافيَّة، منشورات رمسيس، الرباط، 1999

[8] ـ سبيلا، محمَّد، الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، ط1، 2000

[9] ـ حرب، علي، الماهيَّة والعلاقة: نحو منطق تحويلي، القسم الثالث، فصل الفلسفة فيما بعد الحداثة، ص 235