الذات من التصوف إلى الرقمية حي بن يقظان لابن طفيل أنموذجا


فئة :  مقالات

الذات من التصوف إلى الرقمية حي بن يقظان لابن طفيل أنموذجا

مدخل:

لعل محاولة الذات لفهم ذاتها والوجود أقدم رغبة حركت الإنسان ودفعته للبحث والتقصي وانتهاك أوامر الإله والاقتراب من شجرة المعرفة، وقد حاول الفكر الإسلامي أن يقارب هذه النزعة المعرفية للتعرف عن الذات بطرق مختلفة، لعل أبرزها محاولة ابن طفيل في قصته حي بن يقظان[1]؛ هذه الشخصية التي عاشت في جزيرة منعزلة خالية من البشر، وشرعت في التعرف على ذاتها شيئا فشيئا دون حاجة إلى آخر يوجهها أو يحد من حريتها، لتكون إشكالية النص من ثمة، هي مدى قدرة الذات على الوعي بماهيتها وحدها دون أي تدخل خارجي.

لا تتحقق سيرورة هذا الاكتفاء الذاتي المثالي في النص إلا بوضع الذات على الطرف النقيض من الموجودات الأخرى، ليتضح بذلك أن الذات في حكاية ابن طفيل ذات علائقية؛ لا تعرف ذاتها بذاتها، بل انطلاقا من علاقتها بموجودات ثلاثة، هي: الجماعة، والعالم، والله.

الذات وأحجبتها الثلاثة (الجماعة، العالم، الله):

إذا كان بريخت قد دعا في مسرحه الملحمي إلى كسر الجدار الرابع، فإن الذات في نص ابن طفيل لم تكن تملك هذا الجدار الرابع لتحطمه، ذاك أنها كانت حبيسة مثلث ذي جدران ثلاثة، كلما حاولت أن تحطم أحدها وقف الاثنان المتبقيان لها بالمرصاد. هكذا، يحاول حي أن يفر من الجماعة إلى عالم يسكنه وحده، ولكن بمجرد أن يسقط هذان الاثنان لا يجد بدا من أن يذوب في الجدار الثالث، ويحل في الإله. ولعل أفضل طريقة لتتبع سيرورة هذا الانفصال والاتصال المتكررين في النص، انتهاءً بالتماهي المطلق، هي بتتبع موقف حي من كل واحد من هذه الأحجبة أو الجدران الثلاثة.

1. حي والجماعة:

قد يبدو للوهلة الأولى أن حي بن يقظان نموذج لنص عربي يحتفي بالذات وفرديتها، إذ تشير المقدمة إلى أنه ولد في جزيرة يولد فيها الإنسان من غير أب ولا أم، ومن ثمة فهو متحرر من أية سلطة أبوية، كما أنه متحرر من سلطة الجماعة، لأنه الإنسان الوحيد الموجود في الجزيرة، وإذا كان الجزء الأول من اسمه يحيل على الحياة، فإن الجزء الثاني منها يحيل على اليقظة أي على العقل والبرهان، ومن ثمة، قد يتهيأ لنا أن النص قد سبق الفلسفة التنويرية بعقود ووضع الذات المفكرة والحرة في مركز الوجود، ولكن إذا تأملنا في النص فما نلبث أن نخلص إلى نقيض هذا الطرح.

إن أول ما يثبت نقيض هذه الفردانية هو حرص الجماعة على تسوير وتسييج قصة حي، ذاك أن النص منذ البداية يطالعنا بحكايتين لتفسير أصل حي، تبتدئ كل مرة باستحضار الجماعة الغائبة، من قبيل القول: "فمنهم من بت الحكاية وجزم القضية" أو "وأما الذين زعموا أنه تولَّد من الأرض". كما أن حضور الجماعة لا يقف عند حد سردها لقصة حي، بل وكذلك بإثقالها للحكاية بشحنة دينية وأخلاقية، تتبين من خلال النظر في الحكايتين اللتين نسجتهما عن أصل حي.

حكاية الأصل الأولى:

بجزيرة قريبة عاش حاكم رفض تزويج أخته فتزوجت من رجل اسمه يقظان، سرا على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم.

تتجلى منذ البداية محاولة إضفاء الشرعية على حي، فهو ليس لقيطا، وإنما هو ثمرة زواج - وإن كان سريا - فهو شرعي. هنا يدخل الحكم الأخلاقي والاجتماعي والديني، ليتضح أنه حتى قبل الحديث عن الذات، كان من الضروري العودة إلى لحظة ولادتها وإضفاء الشرعية عليها، مما يؤكد أن الذات لا تعرف في سياق الفكر الإسلامي حضورا خارج مفهوم الجماعة، كما أنها لا تأخذ وضعها الاعتباري إلا من خلال ربطها بسلطة، ذاك أن حي ليس وليد علاقة شرعية فحسب، بل هو كذلك ابن أخت حاكم الجزيرة الثانية.

وتستمر الحكاية، لتسرد كيف أن أم حي خافت افتضاح أمرها فوضعته في تابوت وألقته في اليم بعد الدعاء، ومن ثمة تستدعي هذه الحكاية قصة النبي موسى، وبذلك فهي لا تلبس الذات لباسا دينيا فقط، بل تؤسطرها كذلك، من خلال ربط وصولها للجزيرة بمعجزة إلهية.

يحمل المد حي ويوصله ليس فقط إلى ساحل الجزيرة الأخرى، بل وبالضبط، إلى وسط غابة كثيفة الأشجار تحميه من القيظ والبرد والمطر، هذا الملجأ حيث لا حرارة ولا برد ما يفتأ بدوره أن يتقاطع مع نص جديد هو نص أهل الكهف، من خلال الإشارة إلى الشمس بقوله عن الغابة أنها "محجوبة عن الشمس تُزاور عنها إذا طلعت وتميل إذا غرب." (ص7)، مما يذكر بالآية القرآنية 17 من سورة الكهف، حيث جاء: "وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال".

تجد الحكاية حلا لمشكلة التغذية، فتحيلنا على ظبية سمعت بكاء حي فظنته وليدها المفقود لتتكفل بإرضاع حي، ومن ثمة فمحاولة فصل الذات عن الأصل المشترك بين كافة البشر الملخص في الولادة والإرضاع، لم ينجح وما فتئ "الهُم" يحيطون الذات بأسوارها، ومن ثمة ينفى غرض ابن طفيل الذي رغب في أن يجعل من حي آدما ثانيا لا أصل له ولا والدين.

لم تتول الظبية إرضاع حي فحسب، بل وكذلك تكفلت برعايته وحمايته، ومن ثمة فقد أدت كافة الأدوار والوظائف التي حددتها الجماعة للأم، ليبرز بذلك تنميط العالم العجائبي، وتوقيعه بحدود عالم الجماعة الساردة أو "الهُم". ولو كان هدف ابن طفيل حقا أن يجعل الذات المفكرة مركزا للوجود، لاكتفى بالإشارة التي افتتح بها النص من أن حي قد ولد في "الجزيرة التي يتولَّد بها الإنسان من غير أم ولا أب وبها شجر يثمر نساء" (ص5). ليتأكد بذلك أن محاولة عقلنة ابن طفيل لحكاية ابن يقظان، لم تكن فلسفية بقدر ما كانت أخلاقية اجتماعية، ومن ثمة فقد حكم على الشخصية بألا تُرصد إلا من خلال منظور "شرعي"، لم تختره الذات لنفسها وإنما طُبق عليها من الخارج. هكذا، ورغم ما قد توحي به الحكاية من عزلة حي وتفرده، إلا أنه لم يتمتع بأية استقلالية حتى في جزيرته المنقطعة عن العالم، ذاك أنه حتى بغياب الجماعة ظل وعيها ورؤيتها قائمين، في محاولة لتسييج حي بخطابها المهيمن على بداية الحكاية.

حكاية الأصل الثانية:

أما الحكاية الثانية، فتذهب إلى أن حيّا قد خُلق من طين ثم بُثت فيه الروح التي هي من أمر الله تعالى، ليبدأ تكون الأعضاء التي لم يذكر منها ابن طفيل إلا ثلاثا، أولها القلب، ثم الدماغ المتكلف بالحس، والكبد المتكفل بالغذاء، وقد وصف العلاقة بين الثلاثة قائلا: "واحتاج بعضها إلى بعض، فالأولى منها (أي القلب) حاجتها إلى الآخرين حاجة استخدام وتسخير، والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرؤوس إلى الرئيس.. وأحدهما، وهو الثاني (أي العقل) أتم رئاسة من الثالث (أي الكبد)." (ص9) ليتضح من ثمة، أن ابن يقظان لم يكتف بإبراز علائقية الأعضاء الثلاثة وأدوارها، بل تجاوز ذلك إلى عرضها بشكل هرمي، يترأسه القلب المسؤول عن الإيمان ثم العقل المسؤول عن التفكير، ليأتي الكبد المسؤول عن الغذاء أو النفس الشهوانية. وإذا كانت الفلسفة اليونانية قد رفعت من شأن العقل وجعلته في المرتبة الأولى، فإن ابن طفيل لم يجد بُدّاً من موقعة القلب قبله، بما أنه موضع الإيمان والعقيدة، خاصة وأن الدين جُماع أمور غيبية لا يمكن البرهنة على صحتها، ومن ثمة لا سبيل إلا للإيمان بها فقط. ليتبين بذلك، أن حكاية الأصل الثانية لم تكتف بتقديم حي كآدم جديد، بل أنها كذلك رسمت ذاته، انطلاقا من وعيها الديني الذي يقدم الإيمان على العقل.

أمام معضلة الغذاء بعد الولادة لم تجد الحكاية الثانية بدا من استدعاء الظبية مرة أخرى لأداء دور المرضعة، وهو ما يثير جملة من الأسئلة، من بينها: لماذا دائما هذا المخلوق الأعجمي هو من يقوم بإطعام حي، هل للتأكيد على عدم ضرورة اللغة، ووجود أشكال تعبيرية سميائية أخرى، أقدر على تمكين الذات من التعرف على العالم وإدراك الوجود؟

يتضح من القصتين إذن، هيمنة هذا الوعي الخارجي على الذات، فرغم محاولة الذات الاكتفاء بنفسها كانت منذ البداية في حالة ضعف وفي حاجة لآخر يحميها ويطعمها على الأقل في مرحلة الطفولة والعجز، ثم كانت في حاجة لهذا الآخر لنقل قصتها وإضفاء الشرعية عليها. إلا أن هذا الآخر ما لبث أن جرد الذات من استثنائيتها، فحتى أسلان الشخص الوحيد الذي آمن بتميز حي، لم ير فيه إلا وليا من أولياء الله، وبذلك يتضح أن علاقة الذات بالآخر في النص علاقة مسكونة بالتوتر، إذ تحاول الذات إثبات خصوصيتها بالاكتفاء بنفسها في سبيل الفناء في المتعالي، فيما يأبى الآخر إلا أن يسجنها داخل قوالب مهيأة لها سلفا. لينتج عن هذا التوتر صراع بين الداخل والخارج، وبين الصمت واللغة، لتنتج أسئلة من قبيل: هل تتحقق سعادة الذات حين تنفتح على الخارج وتحصل على شرعيتها أم حين تكتفي بدواخلها، وتفنى في ذات متعالية أخرى؟ هل تتوصل الذات إلى معرفة الوجود بالصمت والتأمل، أم أنها بحاجة للجماعة ولغتها؟

لعل الجواب على هذه الأسئلة لا يتحقق إلا بتذكر رحلة التبشير الفاشلة التي عاشها أسلان وحي في دعوة أهل الجزيرة، ففي هذه الرحلة يطالعنا مفهوم جديد للجماعة، يتلخص في كونها جُماعا من الجبناء غير قادرين على اتخاذ القرار الصحيح، يقول الراوي في وصف رئيس الجزيرة: "تعلق سلمان بالجماعة لما كان في طباعه من الجبن عن الفكرة والتصرف"، إلا أن هذا القول في الآن ذاته، لم يرد إلا بعد إشارة الراوي إلى أن الشريعة في هذه الجزيرة كانت تقبل الانعزال كما تقبل الانفتاح على الجماعة، ومن ثمة فحتى العزلة أو الخروج من الجماعة، كان خيارا يحتاج لموافقة وتأشيرة مرور من هذه الجماعة، لتتضح بذلك الأسوار التي أحكمت الجماعة تسوير أفرادها بها.

2. حي وسيرورة التعرف على العالم:

يحاول ابن طفيل أن يعرض كيفية حصول الذات الإنسانية على المعرفة، من خلال وضعها في جزيرة منعزلة، وكأنه بعزلها يوفر شروطا علمية لتجربة، تختبر مدى قدرة الذات على اكتساب المعرفة خارج حدود الجماعة وعوامل تنشئتها.

يصف ابن طفيل سيرورة وعي الذات بالوجود على النحو الآتي:

أولا، مرحلة المحاكاة: وهي مرحلة تعتمد فيها الذات على حواسها للتعبير عن حاجياتها الغريزية، يقول: "وأكثر ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع؛ إذ للحيوانات في هذه الأحوال المختلفة أصوات مختلفة فألفته الوحوش وألفها ولم تنكره ولا أنكرها."(ص10). وبذلك، كانت محاكاة الأصوات وسيلة حي ليس فقط لاستدعاء الانتباه إلى حاجاته بل وكذلك للتعبير عن انتمائه إلى هذا الآخر المختلف عن إنسانيته، والمتفق معه في عجمته وعدم قدرته على البيان.

ثانيا، مرحلة الشعور: وقد كانت أول مشاعر حي هي التمييز بين الأشياء المكروهة والمقبولة، جاء في النص: "لما ثبت في نفسه أمثلة الأشياء بعد مغيبها عن مشاهدته حدث له نزوع إلى بعضها وكراهية لبعض" (ص10)

ثالثا، مرحلة العقل: وتبدأ أول ملامحها مع عملية المقارنة بين الذات والآخر، جاء في النص: "وكان في ذلك كله ينظر إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالأوبار والأشعار وأنواع الريش، وكان يرى ما لها من العَدو وقوة البطش وما لها من الأسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها مثل القرون والأنياب والحوافر والصياصي والمخالب. ثم يرجع إلى نفسه، فيرى ما به من العري وعدم السلاح وضعف العَدْو وقلة البطش عندما كانت تنازعه الوحوش أكل الثمرات وتستبد بها دونه وتغلبه عليها، فلا يستطيع المدافعة عن نفسه ولا الفرار عن شيء منها."(ص10)، ومن ثمة كان أول استنتاج يخلص إليه حي هو ضعفه كذات عارية أمام الوجود.

رابعا، المرحلة الأداتية أو محاولة تطويع الطبيعة، وقد بدأت مع لحظة وعيه بالحاجة إلى الملبس، فصنعه من أوراق الأشجار (ص)11، ثم الحاجة للحماية فصُنع العِصي.

خامسا: مرحلة الوعي بالواجب، وتتجلى في علاقته بالظبية التي لم يتخل عنها رغم شيخوختها وعجزها، إذ كان يرتاد بها المراعي ويجتني لها الثمرات ويطعمها.

سادسا، الوعي بالموت أو الفناء الذي يهدد كل كائن حي إثر موت الظبية، ليخلص إلى ان "الجسد كله خسيس لا قدر له بالإضافة إلى الشيء الذي اعتقد في نفسه أنه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذاك")ص14(، ليتضح من ثمة أن حيّا لم يعي بالفناء كشرط إنساني وحسب، بل وكذلك بثنائية الروح والجسد، وبأن هذا الأخير يفنى بينما الأول يرحل ومن ثمة لا يموت. ويضيف النص: "وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها لا هذا الجسد العاطل، وأن هذا الجسد بجملته إنما هو كالآلة وبمنزلة العصي التي اتخذها هو لقتال الوحوش". بذلك يكون الموت سببا في إدراك حي لثنائية الروح والجسد، ومسؤولية الروح عن الفعل بينما الجسد مجرد وسيلة للفعل، وبالتالي رفعة الأول على الثاني. هكذا ترتسم ملامح الذات في الحكاية على أنها ذات عاقلة مفكرة تطوع الوجود بواسطة كنهها المفكر وجسدها الفاني المهدد أبدا بالفناء.

باكتشاف الجسد انتقل حي إلى الوعي بتفرده عن كافة هذه الحيوانات المتشابهة، وهو وإن كان قد حدس بهذا الاختلاف من قبل، عندما لاحظ بأن لها جميعا مخالبا وأوبارا فيما لا يملك هو سوى جسده العاري، فقد اكتشف تميزه عليها بعد أن استطاع ترويضها لرغبته وتشريحها للتعرف على عناصرها.

سابعا، مرحلة الثقافة: إذ ينتقل حي من الحالة البدائية إلى الحالة الثقافية باكتشاف النار، أي بالانتقال من النيء إلى المطبوخ، ومن البارد إلى الدافئ. تليها، خياطة الملابس وبناء المسكن ثم ترويض الحيوانات واستغلالها للصيد.

بتطويع الطبيعة والتخلص من الخوف منها، صار بإمكان حي أن ينتقل إلى أفعال أكثر تركيبا من أهمها: تصنيف الموجودات إلى حية متحركة (حيوانات)، حية لا متحركة (أشجار ونباتات)، لا حية لا متحركة (الجمادات)، ليتوصل بعدها إلى فهم الموجودات الأرضية، ثم السماء وكواكبها... هكذا، وبالتعرف على العالم والسيطرة على أشيائه، تبدأ الذات في التسامي على مادية الموجودات، لتصل في النهاية إلى ضرورة الفناء أو التلاشي في الحقيقة العليا؛ أي الله.

3. حي والله:

يشكل الوعي بالإله إذن، آخر مدارك المعرفة وتمامها. ليتبين بذلك، أن الوجود وأشياءه ومن بينها الذات مجرد تعلة للوصول إلى المعرفة المطلقة المتمثلة في التعرف على الإله، وبذلك تنتقل الذات من معارفها الجزئية إلى المعرفة. جاء في النص: "فإذن لا بد للعالم من فاعل ليس بجسم، وإذا لم يكن جسما فليس إلى إدراكه لشيء من الحواس سبيل، لأن الحواس الخمس لا تُدرك إلا الأجسام، أو ما يلحق بالأجسام. وإذا كان لا يمكن أن يُحس فلا يمكن أن يُتخيَّل؛ لأن التخيل ليس شيئًا إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها، وإذا لم يكن جسما فصفات الأجسام كلها تستحيل عليه وأول صفات الأجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق وهو منزه عن ذلك وعن جميع ما يتبع هذا الوصف من صفات الأجسام" (ص28)

وبالتالي، فالذات لا تدرك الإله ككيان مجرد فحسب، بل تدركه كذلك كذات متعالية ومفارقة لحواسها، لتكتمل بذلك البنية الهرمية للوجود، حيث نجد في القاعدة موجودات غير عاقلة مادية يحكمها الجسد، وفي القمة الذات الحقة، وهي روح بحتة، وبين الاثنين تنحشر الذات التي لا تستطيع أن تتخلص من شروطها الفيزيقية لتذوب في الذات الإلهية وتفنى فيها تماما، ولكنها مع ذلك لا تقلع عن المحاولة، جاء في النص: "ﺻﺎر ﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﻘﻊ بصره على شيء ﻣﻦ اﻷﺷﻴﺎء إﻻ ويرى ﻓﻴﻪ أﺛﺮ اﻟﺼﻨﻌﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﻨﻪ، ﻓﻴﻨﺘﻘﻞ ﺑﻔﻜﺮه على اﻟﻔﻮر إلى اﻟﺼﺎﻧﻊ وﻳترك المصنوع، ﺣﺘﻰ اﺷﺘﺪ ﺷﻮﻗﻪ إﻟﻴﻪ واﻧﺰﻋﺞ ﻗﻠﺒﻪ ﺑﺎﻟﻜﻠﻴﺔ ﻋﻦ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻷدﻧﻰ المحسوس، وﺗﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ اﻷرﻓﻊ المعقول". (ص31)

في اللحظة التي تكتشف فيها الذات المعرفة الحقة، تكتشف ألا سبيل لبلوغها إلا بالفناء والتلاشي فيها، فيكون أول ما تقرره هو العزلة والخلوة بنفسها في مغارة (يمكن التساؤل أليست الإحالة إلى المغارة تناصا مع قصة نزول الوحي على الرسول في غار حراء)، ذاك أن التلاشي في الذات الإلهية لا يشترط العزلة عن البشر فحسب، بل وكذلك عن بقية الموجودات والاكتفاء بقضاء حاجات الجسد الضرورية البحتة. ولعل من المثير ملاحظة أن لفظة الذات في القصة لم ترد إلا مع وعي الذات بضرورة الفناء في ذات أجلّ وأعلى، جاء في النص:

"وما زال يقتصر على السكون في قصر مغارته مطرقا غاضا بصره معرضا عن جميع المحسوسات والقوى الجسمانية.. وفي خلال شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الذوات إلا ذاته، فإنها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق الواجب الوجود... ومازال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك وغابت عن ذكره وفكره السماوات والأرض وما بينهما.. وغابت ذاته في جملة تلك الذوات وتلاشى الكل واضمحل وصار هباء منثورا، ولم يبق إلا الواحد الحق الموجود الثابت الوجود" (ص42)

بالتعرف على الموجود الثابت الوجود، تدرك الذات إذن، ألا غاية لها إلا التلاشي، ورد في النص: "فأقول إنه لمّا فني عن ذاته وعن جميع الذوات ولم ير في الوجود إلا الواحد القيوم وشاهد ما شاهد ثم عاد إلى ملاحظة الأغيار، عندما أفاق من حاله تلك التي هي شبيهة بالسكر خطر بباله أنه لا ذات له يغاير بها ذات الحق تعالى، وأن حقيقة ذاته هي ذات الحق... بل ليس ثم شيء إلا ذات الحق وأن ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها". (ص43)

يبدأ حي إذن من الوعي بالذات في لحظة الوعي بالحق المطلق، ثم ما يلبث أن يفنى في الذات الإلهية ويتماهى معها، لينتقل إلى نفي ذاته المستقلة ويجزم بألا ذات له إلا بالفناء في الذات الإلهية، إذ بذلك فقط، يصبح المطلق نورا يظهر في الذات وبدونه تظل الذات حبيسة عمى وسديمية العالم.

لا تتحقق الذات إذن إلا بفنائها وذوبانها في الذات الإلهية، وهو ما يطرح إشكالية جوهرية: لماذا هذا العناء كله الذي كابده حي لينتقل من حالة اللامعرفة إلى المعرفة، مادامت الخطوة التالية مباشرة هي العرفان، أي نفي الذات المستقلة، لماذا الهروب من الأغيار والموجودات، إذا كانت الخطوة التالية هي الهروب من العقل بدوره؟ لماذا المكابدة لتكسير جداري الجماعة والعالم إذا كان في النهاية سيكرس نفسه لتثبيت الجدار الثالث ومحو نفسه فيه؟ يطرح عبد الرحمن التليلي في مقال له بعنوان "الظهور والتلاشي: الكشف عن منزلة الإنسان في رسالة حي ابن يقظان لابن طفيل" هذه الإشكاليات نفسها تقريبا، بقوله: "إن التجربة التي تصفها الرسالة مشروطة من حيث البدء بالوعي بالمطلق، ومنتهية من حيث المصير إلى الفناء في ذات المطلق، وهو أمر جعل منزلة الإنسان في الرسالة ذات وضع مفارقي، إذ كيف يتحول الوعي بالذات إلى وعي بضرورة إفناء الذات؟ وكيف تحولت تجربة ظهور الوعي بالذات إلى تجربة ظهور الله المؤدية إلى تلاشي الذات؟"[2]

يتبين من ثمة، أن الحديث عن الذات وسيرورة وعيها بالوجود والموجودات في قصة حي ابن يقظان، لم تكن سوى ذريعة أو تعلة للوعي بالله، وبذلك تُلغى شرعية وجود الذات خارج سعيها للفناء في الذات الإلهية، وتجرد من كافة مقوماتها العقلية القائمة على النقد والشك والتساؤل! خاصة إذا تذكرنا أنه بالإضافة إلى الفناء في الإله، كانت الذات محاصرة بوعي الجماعة في غيابها وحضورها، ليتأكد من ثمة أن الفكر الإسلامي ما كان يرى لوجود الذات من غاية سوى التعرف على الذات الإلهية، ضمن الحدود الحصينة التي تحددها الجماعة. وكأن سعي الذات لإثبات نفسها بذلك ليس سوى تزجية وقت، أو تصريف طاقة، قبل أن تدرك في النهاية - ومن نفسها - بأنها ليست فقط رهينة سلطة المجتمع الذي يمتلك وحده صلاحية إضفاء مشروعية على وجودها، بل وكذلك رهينة إرادة الإله الذي ينتظرها لتفنى فيه.

ولكن، أليس الفناء في الإله والانتماء إلى الجماعة جزءا من آمال مرحلة زمنية ولّت، هل ما زال بإمكان الذات أن تتغيّا في العصر الحالي أن تتوحد بالمتعالي أو تَدّعي الانتماء إلى جماعة أو هوية ثقافية؟ أليست السمة الأبرز لزمن ما بعد الحداثة أن الذات قد أصبحت وحيدة معلقة، دون سماء أو أرض؛ دون سماء لأن الإله مات مع نيتشه، ودون أرض لأن الإنسان قد فقد موقعه الاعتباري كخليفة على الأرض.

حي عاريا أو حي في زمن الرقمية:

تعيش الذات في عصر ما بعد الحداثة حالة من الغربة واللامعنى؛ إنها ذات فقدت مسلماتها ومسوغاتها للوجود، إنها إذن حي جديد، ذاك أنها بالرغم من أنها لم تولد في جزيرة إلا أنها أصبحت هي نفسها جزيرة غريبة عن كل ما يحيط بها، إذ فقدت صلتها بما يحددها في الآن والهنا وتماهت مع عالم افتراضي، وإن كانت لا ترى أحدا من كائناته إلا أنها تقنع بصوره وتغريداته، ومن ثمة تشرع في الغياب عن واقعها المادي والذوبان في واقع افتراضي يمثل إلهها الجديد الذي وإن كانت لا تلمسه ولا تراه رؤى العين إلا أنها متيقنة كل اليقين من وجوده.

إن فناء حي في الذات المطلقة لا يختلف في جوهره كثيرا عن حالة الاستلاب التي يعيشها إنسان ما بعد الحداثة، وكأن قصة حي بن يقظان نبوءة لحالة التغريب Alienation التي ستعيشها الذات في زمن اللاذات. هكذا، نتساءل: بماذا تفيد دراسة حي في العصر الحديث أو ما بعد الحديث؛ هذا الحي الذي بدأ في البحث عن ذاته وانتهى إلى نفيها؟ ألا يذكرنا نوعا ما بالإنسان الذي صنع الآلات والتكنولوجيا ليفهم ذاته والوجود وانتهى بأن غاب عن ذاته؟ ألا يتفق الاثنان - حي وإنسان هذا العصر - في حالة نفي الذات، وإذا كان نفي حي قد تغيّا الذوبان في السماء والمجرد ومن ثمة نفي الجسد الفاني، فقد كان نفي إنسان اليوم لذاته بغرض الانتفاء عن ذاته؛ هذه الذات التي أصبحت محاصرة بلا معناها فلم تجد بدا من التلاشي في عالم لا هوية له ولا معالم. وبعبارة أخرى؛ فإن كليهما - أي حي وإنسان الرقمية - كانا بنفي ذاتيهما ينفيان شيئا آخر معها، إذ نفى حي جسده وهرب منه، بينما نفى الثاني لا معناه وشعوره المخزي بلا جدواه، في زمن ليست فيه لا حروب عظيمة توهمه ببطولته ولا قضايا قومية تؤكد له انتماءه.

إن المحرك الأساسي في الرحلة البحثية للذات في ما بعد الحداثة على غراره في رحلتي حي وجلجامش كان هو البحث عن سبيل للخلود، وإذا كان حي قد وجده في الفناء في ذات متعالية عن الزمن وجلجامش في أكسير الخلود فإن الذات في هذا العصر قد وجدته في تشظية نفسها، والعيش بشخصيات Profiles مختلفة ومتعددة في آن واحد، ذاك أن تحررها من العلاقة المباشرة مع الآخر ومن نظرته قد أتاح لها أن تعيش في آن واحد عدة حيوات، ومن ثمة فإن فناء حي في الإله قد أتاح له أن يحيا في سيرورة ممتدة واحدة، بينما أتاح الفناء في عالم الرقمية للإنسان أن يعيش أكثر من حياة في قطائع متزامنة مركبة، وبلغة الرقمية، فإن حيّا عندما فنى في الإله "أو عندما استكمل ذاته به" قد نجح في إلصاق Collage أو تأليف Montage لحظتين (أو ذاتين) وإن كانتا من مادتين مختلفتين إلا أنهما قد تمكنتا من صنع شريط فيديو، بينما إنسان الرقمية لم يفلح سوى في صنع ألبوم من لقطات هجينة ولا متجانسة heterogenic تؤكد إمكانية التعدد في لحظة زمنية واحدة، على عكس الذات الصوفية الموحدة والمتوحدة على امتداد الزمن.

كانت لحظة اكتشاف حي لفرادته هي لحظة اكتشافه لعريه، إذ في اللحظة التي اكتشف أن لكل الحيوانات آليات دفاع وحماية بعكسه هو، استشعر حاجة لتعويض هذا النقص وستره، ومن ثمة استعان بعقله وصنع أشياءه. لحظة التميز إذن، كانت هي لحظة الوعي بالنقص والبحث عن سبل لستر العري بالعقل (صناعة آلات) أولا، ثم بالروح (الفناء في الله) للتغاضي عن جسده الفاني الذي يشترك فيه مع غيره، أو حسب مقولة علي حرب: "نحن أساتذة الروح ولكن من فرط الجسد"[3]، إلا أن خيار الارتكان إلى الروح لم يعد متاحا في عصر الرقمية، ومن ثمة لم يكن من سبيل أمام هذا الحي الما بعد حداثي إلا أن يبحث لنفسه عن ستر أو غطاء جديد، تمثل في الآلة الرقمية، ولكنها ليست آلة وظيفية كتلك التي اخترعها حي ليحمي نفسه من شرور الطبيعة، بل آلة جمالية لحظية، لا يتمتع بها أكثر من لحظات قبل أن يكون عليه أن يتركها ليبدلها بأخرى أكثر "ذكاء" وجِدّة. هكذا، وفي قفزها من آلة إلى آلة ومن صيحة موضة إلى تلك التي تليها، تستميت الذات لتخفي عريها؛ هذا العري الذي لم يعد ظاهرا كعري أعضاء حي، بل أصبح عُريا داخليا نتج عن موت الإله، ومحاولة الذات الفاشلة في أن تجد لنفسها مسوغا للوجود دونه.

إن كل محاولات الذات اليوم في عصر الرقمية وكل إنجازاتها ناتجة عن رفعها للحجب الثلاثة التي كانت تسور وجودها، ذاك أنه بمجرد ما حصل الفرد على استقلاليته من الجماعة، وتخلص من واقعه المادي ليتماهى مع عالم رقمي لا يرى أشخاصه ولا صانعيه، وقتل الإله مع عصر ما بعد الحداثة، عاد إلى نقطة البداية، إلى لحظة خلق حي على جزيرة منقطعة عن العالم؛ عاد إلى ذاته فوجدها خاوية من الداخل سديمية لا وظيفة لها ولا تعريف إلا بقدر ما تملكه من هواتف وحواسيب ذكية، وبقدر ما تتضخم هذه الآلات وتفرض هيمنتها، بقدر ما تصغر الذات وتتضاءل لتفقد آخر الخيوط التي كانت تربطها بوجودها. ولكن، هل يعني هذا أن على الذات أن تعود إلى إذابة نفسها في الجماعة، أو إلى الاحتكاك بالواقع إلى درجة الغربة عن نفسها أو البحث عن الإله إلى درجة محو نفسها فيه، مؤكدة لنفسها بأن النفي والذوبان في شيء ذي معنى خير من التيه وحيدة في اللامعنى؟

إن أزمة الذات في عصر الرقمية هي نفس أزمتها في كل العصور السابقة، ذاك أن لكل زمن مفاهيم (دين، مجتمع، عرفان) تشغل الإنسان عن ذاته، وتسلبه كينونته في مقابل أن تمنحه اعترافا، ومن ثمة لا تكون مثالب الرقمية سببا أو دعوة للعودة والتمسح بمفاهيم أثبتت فشلها وسلبيتها في عصور سابقة، وبما أننا لا نستطيع - ولا نريد - العودة إلى الوراء، فسيكون علينا أن نمضي قدما، متسلحين بالعقل والمعرفة اللذين أفلحا حتى في أشد الأزمنة ظلمة في أن يقدما للعالم شخصيات كابن رشد وديكارت.

ويبقى حي ابن يقظان، رغم فشله في رحلته البحثية عن ذاته وانتهائه إلى التلاشي والذوبان الذي بدأ رحلته للتخلص منه، دليلا على قدرة الذات على خوض هذه الرحلة الاستكشافية والتكشُّفية في كل زمان ومكان، مستعينة فقط بمواردها الداخلية دون أدنى حاجة لتأطير عقدي أو خلقي أو وسائطي Media، ذاك أنه بإمكان العقل وحده أن يجد لنفسه طريقا وسط كل هذا العماء الذي يلف الوجود، وللذات أن تمتلئ معرفيا بعد أن تقطع مع خطابات الدين والمؤسسة التدجينية، وتؤسس بذلك لفرادتها. وربما لا يتحقق كل هذا إلا في اللحظة التي تتصالح فيها الذات مع فراغها الداخلي، أي حين تدرك بأن هذا الخواء ليس سوى خطوة عرضية في رحلة استكشاف لكينونتها؛ ذاك أنه بمجرد أن تكف الذات عن التوجه نحو آخر لشرعنة وجودها، وتكف عن الاعتقاد بإله يمنحها الخلود، ستدرك أنه ليس في الوجود أهم من أناها والآن والهنا.

 

بيبلوغرافيا:

-          ابن طفيل، حي ابن يقظان، القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012

-          التليلي، عبد الرحمن. "الظهور والتلاشي: الكشف عن منزلة الإنسان في رسالة حي ابن يقظان لابن طفيل"، عالم الفكر، الكويت، العدد رقم 4، 1 أبريل 2005

-          حرب، علي. لعبة المعنى؛ فصول في نقد الإنسان، دبي: دار مدارك، 2012

[1] ابن طفيل، حي ابن يقظان (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012)

[2] عبد الرحمن التليلي، "الظهور والتلاشي: الكشف عن منزلة الإنسان في رسالة حي ابن يقظان لابن طفيل"، عالم الفكر، الكويت، (العدد رقم 4، 1 أبريل 2005)، ص71

[3] علي حرب، لعبة المعنى؛ فصول في نقد الإنسان، (دبي: دار مدارك، 2012)، ص27