التشيّع السياسي أو تحالف المهمّشين


فئة :  مقالات

التشيّع السياسي أو تحالف المهمّشين

التشيّع السياسي أو تحالف المهمّشين

1- تعاضد التشيّع السياسي الثوري والتشيّع الوجداني

يقول ابن الأثير (ت. 630هــــ/1232م) في ذكر ابتداء الدولة العلويّة بإفريقيّة: «هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدّتها، فإنّها ملكت إفريقيّة هذه السنة [296هــــ/909م] وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستّين وخمسمائة»[1]. وتحدّث القاضي النعمان عن رجل كوفي أعزل اسمه الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريّاء، ويُدعى أبو عبد الله الداعي ولاحقاً الشيعي، أتى بلاد المغرب دون سلاح ولا رجال ولا مال، ولكنّه أسّس بسرعة فائقة مملكة مترامية الأطراف امتدّت من المغرب إلى المشرق، رغم صعوبة المنطقة جغرافيّاً وبشرياً[2]. ومن الأسئلة التي تطرح في هذا السياق، كيف نجح هذا المشرقي في بسط سلطته على بلاد المغرب دون اعتماد الوسائل المعهودة في مثل هذه الحملات ومنها القوّة والغزو؟ ولماذا فشل المسلمون الأوائل في فتح المنطقة أكثر من مرّة، رغم توفّر القوّة المادية والروحيّة مقابل نجاح هذا الكوفي منذ المحاولة الأولى؟ وكيف يُفهم زوال هذه الإمبراطورية واندثارها بنفس إيقاع ظهورها؟ وهل يمكن أنّ نعد هذه المرحلة من تاريخ التشيّع في تونس امتداداً طبيعياً ونتيجة حتميّة للمرحلة الأولى وقاعدة تأسّس عليها التشيّعان الإسماعيلي القديم والاثنا عشري المعاصر؟

لا ننوي الإجابة عن هذه الأسئلة بقدر ما نحفّز لدراسة الأسباب والعوامل التي تسهم في بناء الجماعات الدينيّة وانحلالها في إطار الاهتمام المتزايد بالشأن الديني وبتأثيره في الواقع اليوم. ومع ذلك، فإنّنا نحتاج إلى فهم تفسيري (compréhension par interprétation)[3] لهذه الظاهرة السياسيّة الدينيّة. ونعتقد في هذا السياق، أنّ الظروف السياسيّة والاجتماعيّة أسهمت في إنجاح الدعوة الشيعيّة الفاطميّة التي جرى التخطيط لها بدقّة متناهيّة، وعجلت تركيزها. فقد جعلت تلك الظروف العنصر البشري مؤهلاً لتقبّل البديل مهما كانت صفته وخصوصيته الثقافيّة. والدّليل أنّ الوفد البربري الذي زار عاصمة الخلافة للتشكّي غيّر ولاءه السياسي والمذهبي بمجرّد الإحساس بالتهميش واليأس وعدم الاكتراث لمشاغله. واعتبر الفاتحين مشركين مرتدّين دون أن تكون له الدراية الكافية بمقوّمات الديانة الجديدة، ولا آليات التكفير غير السلوك والمعاملات.

إذا عمّقنا الفهم يتضح تأخّر العامل الديني عن العاملين السياسي والاجتماعي الاقتصادي في تشكيل ملامح الواقع في تلك المرحلة؛ فالذي دفع البربر إلى الثورات المتعاقبة ليس فهم الدين الجديد أو تأويله مثلما يحصل في المشرق، بل البحث عن العدالة والشعور بالتحكم في المصير والاستجابة إلى الحاجة. ويتأكّد هذا المعطى في ظلّ عدم تمكّن غالبيّة البربر من العربيّة إلّا بالقدر اليسير الذي يساعد على أداء الشعائر والطقوس، ولا يسمح بخوض معارك كلاميّة. وهذا يعني أنّ التحوّلات العقائديّة التي عرفها البربر في هذه المنطقة تشكّلت وفق تطوّر منطق داخلي خلقه السياق التاريخي بأبعاده السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والطبيعيّة النفسيّة بدرجة أولى.

بسبب هذه المعطيات، يصعب الحديث عن مذهبيّة مُشبعة بالسياسة في هذه المنطقة، وإن وُجدت عمليّاً في مستوى الممارسة لدى الوافدين المشارقة بتنوع خلفياتهم. وأكّد عبد العزيز الثعالبي هذا المعنى في تاريخه، فقال: «لم يكن للمنازع السياسيّة المتوثّبة في المشرق التي أثارتها أحزاب الخوارج والشيعة أدنى تأثير في البربر، بل كانوا يصدّون عنها ويمنعونها أن تصل إليهم»[4]. ولئن وجب تنسيب استبعاد الثعالبي للعامل السياسي، فإنّنا نرجّح أنّ مشكلة البربر الأساسيّة هي البحث عن إنصافهم من قبل الوافدين المشارقة الذين يقدّمونهم في الشدائد ويؤخّرونهم عند الرخاء وزمن العطاء، وينكرون عليهم دورهم في فتوحات المغربين الأوسط والأقصى والأندلس. وكان البربر يأملون أن يعاملهم «العرب معاملة النّظير للنّظير، وهم في الوقت نفسه غير مستعدّين للسماح للعرب بمشاركتهم خيرات بلادهم مشاركة كاملة، وينكرون عليهم الاستئثار بالسيادة فيها دون حساب»[5]. هذه هي الأرضيّة التي سهّلت تقبّل البديل الديني والمذهبي بقطع النظر عن طبيعته وتفاصيله.

لئن أقررنا بالإسهام العوامل السابقة في التهيئة لإنجاح الدّعوة الشيعيّة الفاطميّة، فإنّه ليس بإمكان الباحث الالتفات عن الأرضيّة الوجدانيّة التي نسج خيوطها الداعيان الأوّلان أبو سفيان والحلواني. وقد كان شعارهما الأول دقيقاً وصائباً في تشخيص الحالة الدينيّة لبربر بلاد المغرب «تأتيان أرضاً بوراً فاحرثاها». فعلاً كانت هذه الأرض بوراً عمليّاً، باعتبار أنّ الأمازيغ لم يستقرّوا على عقيدة، وقد نجح الدّاعيان في بذرها بالجرعة التقديريّة المناسبة حين ركّزا على ظاهر فضائل الأئمّة العلويين دون الدخول في تفاصيل لا قدرة للبربر على استيعابها في تلك المرحلة، ولا هي من أولوياتهم. كان البربر يحتاجون إلى أخبار بسيطة وميسّرة تبعث فيهم أمل التخلّص مما يعدونه ظلم المشارقة ومَيْزَهم واستبدادهم. وتلتقي التجربة الشيعيّة في هذه الخصوصية مع التجربة الخارجيّة في الفضاء نفسه[6].

كان الخلاص، بمعنى المساواة والعدالة، هو الهدف الأسمى لهذه الجماعة التي تأبى الضيم وترفض الخضوع[7]. فوجدت في أخبار الدعاة ودعاة الدعاة حول صفات آل البيت وعدالتهم ورفعة هممهم وزهدهم في الدنيا إشباعاً نفسيّاً سهّل تقبّل الفاطميين ودعم مشروعهم السياسي وإنجاحه، خاصّة وأنّه لم يكشف تفاصيله السياسية العنيفة إلّا بعد التمكّن. ونلمس استبطان التشيّع للعلويين والميل إلى سرديات سيرتهم في رد حاكم قفصة وقسطيليّة[8] الذي عيّنه إبراهيم بن الأغلب وقال له: «سر فيهم سيرة العُمَرَيْن. فقال لا والله لا أسير فيهم إلّا بسيرة علي بن أبي طالب (ع) وإلّا فهذا عهدك، -وكان من بيته أهل تشيّع-. فقال إبراهيم: أفضل سيرة والله فسِرْ بها وما أراك تفعل»[9]. وألمح القاضي النعمان إلى ترسّب هذا الشعور الدّيني في وجدان أهالي القيروان في أكثر من موضع، رغم اختلافه مع الاثني عشريّة في صفة الإمام[10]. ويتكامل هذا المعطى مع المشهد الذي رسمه صاحب افتتاح الدعوة لاستقبال أبي عبد الله الداعي[11] والمهدي[12] لاحقاً، وإن كنّا نحترز على تفاصيل عدد من الأخبار بسبب ولاء النعمان العقائدي والسياسي للسلطة الفاطميّة الناشئة ولاءً مطلقاً. ويكون نشدان الموضوعية التامة فيما يكتب ضرباً من العبث.

مع هذا الاحتراز العلمي[13]، فإنّه لا يمكن تجاهل ما ذكره النعمان وتبناه المؤرّخون لاحقاً بخصوص الالتفاف البشري حول الداعية في واقعة تحرير المهدي من أسر اليسع بن مدرار بسجلماسة. ومن الاستنتاجات المتينة التي يمكن استخلاصها أنّ نجاح أبي عبد الله الشيعي في تأسيس أركان الدولة الفاطميّة اعتمد على تعاطف القبائل البربريّة مع آل البيت. وتجسّم ذلك في عدد الجيوش وعدّتها التي توجّهت إلى سجلماسة وسرعة هزم أميرها. ويثبّت هذا المعطى ويدعمه فشل هذا الأمير في إيجاد دعم وسند من رعيّته التي حوّلت وجهتها قبل الوافد الشيعي.

لم تكن عاطفة التونسيين، وهم جزء من هذه الرابطة الجغرافيّة والعرقيّة، بمعزل عن محيطها. ويذكر النعمان في هذا السياق، أنّه لمّا «دُعيَ له بالخلافة [عبيد الله المهدي] يوم الجمعة لتسْعِ ليال بقيْن من شهر ربيع الآخر سنة سبعٍ وتسعين ومائتين برقادة والقيروان وبالقصر القديم. وقُرئ هذا الكتاب [كتاب عبيد الله المهدي] على منبر القيروان، وأُنفذ إلى الأمصار مع الدّعاة...ابتهج النّاس وسُرُّوا بذلك وأكثروا الدّعاء له. وتوافدت الوفود من أغلب الجهات ومدحه الشّعراء، ومن بينهم سعدون الورجيني ونقتطع من قصيدته في مدح المهدي قوله [من الكامل]:

هذا أميرُ المؤمنينَ تَضَعْضَعَتْ

لقُدُومِه أركانُ كلِّ أميرِ

هذا الإمامُ الفاطميُّ ومَنْ به

أمِنَتْ مغَارِبُها منَ المَحذورِ

والشّرقُ ليس لشامِهِ وعِرَاقِهِ

منْ مهربٍ منْ جيشهِ المنصورِ»[14]

اللافت للانتباه هو سرعة دخول الفاطميين إلى تونس وتحديداً إلى رقادة الملاصقة للقيروان عاصمة الأغالبة، وممثّلة الإسلام الرسمي. حدث هذا التبدّل السريع، رغم تغلغل مذهب الفاتحين الأوائل وبروز العديد من فقهائه المعتبرين. ولا يمكن تفسير هذه التحوّلات في تونس بالتعاطف مع العلويين فقط، بل يعود جزء من هذا الاصطفاف إلى ما ذكرته المصادر التاريخيّة من تسلّط سياسي واجتماعي، وإلى طبائع التونسيين سهلة التطويع والتوجيه. وقد قال فيهم عقبة حين استفتى أعوانه حول موقع تأسيس مدينة القيروان: «إنّ أهل هذه البلاد ضعفاء الأخلاق تنقصهم العزيمة، إذا عضّهم السيف أطاعوا، وإذا رفع عنهم عصوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من عاداتهم وأديانهم، ولست أرى أن ينزل المسلمون بين أظهرهم ثم يرتحلوا عنهم رأياً سديداً مسلّماً، بل لابد من إقرارهم لتمكين الإسلام في البلاد»[15].

[1] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص22

[2] - القاضي النعمان، كتاب افتتاح الدعوة، ص 30-52

[3] - عرّف ماكس فيبر السوسيولوجيا بالعلم الذي نستطيع بواسطته القيام بالفهم التفسيري (comprendre par interprétation) للنشاط الاجتماعي والتفسير السببي لمجرياته وتأثيراته. انظر: - Max Weber: Economie et Société, traduit de l'allemand par Julien Freund sous la direction Jacque Chavy et d'Eric de Dampierre, col. Agora, 2 vol, Paris, Pocket, 1995, vol 1, p.28. تمت ترجمة هذا العمل إلى العربيّة من قبل محمد علي مقلد تحت عنوان، الأخلاق البروتيستانتيّة والروح الرأسماليّة، بيروت، مركز الإنماء القومي، 1988م.

[4] - عبد العزيز الثعالبي، تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبيّة، ص136

[5] - محمّد سهيل طقوش، تاريخ الفاطميين في شمال إفريقيا ومصر وبلاد الشام 297- 567هــــ/910-1171م، ص18

[6] - تمكن العودة إلى كتاب ناجية الوريمي بوعجيلة، الإسلام الخارجي، بيروت، دار الطليعة، 2006، ص132

[7] - قال الدشراوي في وصف طبائع البربر في سياق حديثه عن مساهمتهم في الثورات ضدّ الأمويين والعباسيين: «اندلعت اضطرابات سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة أثارها البربر الخوارج والإباضيّة الصفرية الذين واصلوا تمرّدهم الوراثي على الغزاة الشرقيين تحت غطاء النزعات الدينيّة»، الخلافة الفاطميّة بالمغرب 296-365هــــ/909- 975م، التاريخ السياسي والمؤسسات، ص32 تقول حنّة آرنت: «كان من المعروف جيّداً في العصور القديمة أنّ الطّغاة إنّما يصلون إلى السلطة بدعم من بسطاء النّاس أو من الفقراء، وأنّ فرصتهم الكبرى في الاحتفاظ بالسلطة تكمن في رغبة النّاس بالمساواة في الظّروف»: في الثورة، ترجمة عطا عبد الوهاب، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2008م، ص28 من أجل مزيد الاطلاع على الخصوصيّة البربرية يُنظر: مؤلّف مجهول: مفاخر البربر، دراسة وتحقيق عبد القادر بوباية، الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2005م، ص133 وما بعدها.

[8] - تشمل هذه المنطقة كتامة ونفطة اللتين ذكرنا سابقا أنّهما تحوّلتا إلى مركز للتشيّع.

[9] - القاضي النعمان، كتاب افتتاح الدعوة، ص60

[10] - يقول النعمان: «وكانوا لهذا التشيّع الذي كان فيهم يروون أخبار المهدي (ع م) وما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويدرسون كتب الحدثان والإخبار عمّا يكون....». كتاب افتتاح الدعوة، ص62

[11] - م.ن، ص34 وما يليها.

[12] - م.ن، ص63 وما يليها.

[13] - يقول ابن خلدون: «وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسّرين وأئمّة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّاً أو سميناً....فضلّوا عن الحقّ وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في تعداد الأموال والعساكر إذا عَرَضت في الحكايات». المقدّمة، القاهرة، دار الشروق، ص12

[14] - القاضي النعمان، كتاب افتتاح الدعوة، ص ص299-300

[15] - عبد العزيز الثعالبي، تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبيّة، جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد ومحمد إدريس، تقديم ومراجعة حمّادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1410هــــ/1990م، ط2، ص44