"الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي" لهشام عبيد


فئة :  قراءات في كتب

"الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي" لهشام عبيد

عبيد هشام، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، قرطاج، تونس، 2016م، ص 578.

يلاحظ الباحث في التصوّف الإسلامي، بعد القرن الخامس للهجرة/ الحادي عشر للميلاد، بروز أسماء أعلام من المغرب الإسلامي والأندلس؛ بعضهم تضن المصادر بأخبارهم ومقالاتهم؛ فلا نظفر بما يشفي الغليل عنهم، وما من سبيل لمعرفتهم، وتبين نزرٍ من تصوفهم، إلّا من خلال كتب المناقب، التي كثيرًا ما تكون فترة تدوينها متأخرة عن زمن المتحدث عنهم، ويختلط فيها الواقعي بالعجيب، ويكثر فيها الانتقاء والمديح، لنحت معالم شخصيّة أقرب إلى الأسطورة، تزكي اعتقاد الناس فيها وتقديسهم لها، ومن ثمّ؛ فإنّ العثور على كتابات هؤلاء أو مقالاتهم، يعدّ منية الباحث وغايته، ليدرك خصوصية فكر هؤلاء، وصلتها بعصرها، ويقف على حجم إضافتها إلى التجربة الصوفيّة، وفي هذا السياق، تتنزل أهمّية كتاب "الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي"، لهشام عبيد؛ وهو أستاذ الحضارة العربيّة في جامعة تونس، متحصل على شهادة الدكتوراه في اللغة والآداب العربيّة، اهتمّ بدراسة التصوف وأخبار المناقب، من مؤلفاته؛ "تونس وأولياؤها الصالحون في مدوّنة المناقب الصوفيّة"، من منشورات مركز النشر الجامعي في تونس، 2006م، فضلًا عن دراسات مدارها: تاريخ التصوف في البلاد التونسيّة.

ويعدّ كتابه "الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي"، من أحدث منشورات المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، "بيت الحكمة" بتونس؛ إذ صدر سنة 2016م، وامتد على 578 صفحة، وهو يعتني بواحد من أبرز أعلام التصوف في إفريقيّة، في الفترة الموحّدية (عبد العزيز المهدوي)، ويكفي لبيان علو شأنه ومنزلته، أن نذكر أنّه من شيوخ محيي الدين ابن عربي؛ الذي خصّه برسالة "روح القدس في مناصحة النّفس"، واعترف بفضله وتضلعه في مجال التصوف؛ إذ صدرها بقوله: "من محمد بن علي بن محمد بن عربي الطائي الحاتمي، إلى وليّه في الله تعالى، وأخيه الركن الوثيق أبي محمد عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي، نزيل تونس: قد فزت يا أخي في زمانك بخلال لم أقدر أن أراها في غيرك، منها؛ معرفتك بمرتبة العلم وأهله، وعدم تعريجك على الكرامات والأحوال، ولم تلحظ منزلتك الدنيويّة من تعظيم النّاس لك، وتقبيلهم يدك، وإتيان السّلاطين إلى بابك"[1]، ومن ثمّ؛ فإنّ العناية بتراثه الصوفي، وتحقيق ما خطّ منه، يضيء جانبًا مهمًّا من تاريخ التصوف، اقترن بإقبال متزايد عليه في المغرب الإسلامي، ويسّر، في جزء كبير منه، التحوّل نحو التصوف الطرقي، وتكريس بعده التربوي الأخلاقي، دون أن يحجب ذلك أصواتًا برزت في التصوف، وكانت أميل إلى التجريد، والتنظير، والترميز، مع ما يفترضه ذلك من عمق في التأويل ودقة في التعبير، وقد يكون المهدوي علامة من علامات الجمع بين هذين الاتجاهين، أي؛ التربوي والتأملي في التصوف في عصره، "ومن هذه الوجهة، تعدّ محجّة القاصدين، وثيقة بالغة الأهمّيّة في إظهار منابع مدرسة التصوّف في إفريقيّة في عصر المهدوي؛ فهي مدرسة، على الرغم من امتياحها من مصادر شرقيّة ومغربيّة أندلسيّة، تحاول أن تبرهن على شخصيّتها الفكريّة المستقلّة، وبصمتها المميّزة"[2].

وأبو محمد عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي، (ت 621 هـ/ 1224 م)، من مواليد مدينة المهديّة، وبها نشأ، والمعروف أنّه كان متشدّدًا في تربية نفسه على طريقة التصوّف؛ إذ ينقل عنه أنّه: "كان في أوّل إرادته يلبس مرقّعة، يقال: إنّ فيها تسعين رطلًا، ويدخل بها بحر المنستير، ويسير إلى أبي الجعد، يصلّي حتّى تجفّ، وانقطع في قصر المنستير، ودخل خلوته، فبقي أربعين يومًا لم يأكل فيها شيئًا"[3]. انتقل إلى بجاية للقاء أبي مدين شعيب والأخذ عنه، رفقه عدد من أبرز أعلام التصوف في زمنه في إفريقيّة، ومنهم؛ أبو يوسف يعقوب الدهماني، وأبو علي النفطي، وطاهر المزوغي، وسالم التباسي، ومنها سافر إلى مصر؛ حيث اجتمع بالشيخ أبي الحسن بن حميد، في مدينة قنا المصريّة، وأثناء عودته إلى إفريقيّة، وقع في الأسر، واحتجز في مسينة من جزيرة صقليّة ردحًا من الزّمن.

أقام في آخر حياته في مدينة تونس، تحديدًا، في جبل المنار، أو ما عرف بمرسى ابن عبدون؛ وهو المعروف، آنذاك، بـ: "ملتقى الصّلحاء، والعلماء، والصّوفيّة، والزهّاد". وكانت بينه وبين عدد من صوفيّة عصره مكاتبات، أو مراسلات، وزيارات، أمثال ما كان بينه وبين أبي مدين، والدهماني، والنفطي.

ويعقد ابن الطواح مقارنة؛ بين حال المهدوي في بداية حياته الصوفيّة، وصورته في مرحلة متأخرة من تجربته التعبّديّة؛ فيقول: "كان في بدايته يلبس المرقعة، ويتقشّف جدًّا، ثمّ انتهى به الحال إلى أن كان ملكًا لبسة وشذى"[4] إلى درجة اعتراض بعض أصحابه عليه، ولهذا السلوك مبرراته وأبعاده، أعلنها المهدوي في رسالته، وأكّد من خلالها خصوصية الطريق الصوفي، وتنوع مراتب سالكيه، واختلاف أحوالهم.

توفيّ المهدوي في (رجب 621هـ/ آب 1224م)، وترك عديد الآثار الشعريّة والنثريّة، حكم له فيها بالجودة؛ فقد جاء في أنس الفقير: "أنّ له الكتابة الحسنة، والشّعر الفائق"[5]، ونذكر من هذه الكتابات:

v   محجّة القاصدين وحجّة الواجدين: وهي رسالة في التصوّف، شرحها أبو الحسن علي بن الشيخ أبي زيد عبد الرّحمن البجائي، واعتنى هشام عبيد بتحقيقها وتقديمها، في كتابه: "الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي"، معتمدًا على نسختين مخطوطتين، من مخطوطات دار الكتب الوطنية في تونس (رقم 9883، ورقم 712)، وكان بالإمكان الاستفادة، أيضًا، من نسختين أخريين، ذكرهما في متن كتابه؛ إحداهما في مكتبة الطّاهر ابن عاشور بالمرسى، والثّانية في مكتبة محمّد محفوظ في صفاقس.

v   رسائل ومكاتبات بينه وبين عدد من شيوخ التصوّف في عصره، أمثال؛ أبي مدين، والدهماني، أثبت بعضها ابن الطواح[6].

v   الصلاة المباركة: وتوجد نسخة منها في المكتبة الأحمديّة في تونس[7]، وقد قام محمد البهلي النيال، بنقل جزء منها في كتابه "الحقيقة التاريخيّة للتصوف الإسلامي"[8].

v   عدد من الأشعار، من قبيل؛ ما أورد في رسالته إلى أبي مدين شعيب الأندلسي، أو قصيدته الموجّهة إلى الصبّاغ في مدينة قنا المصريّة، ومطلعها: "كتاب أخ بادي الصّبابة والولع "[9].

v       مسائل سئل عنها؛ ومنها نسخة مخطوطة في المكتبة الأحمديّة في تونس[10].

v   رسالة في التّصوّف: مخطوطة في مكتبة آل النّيفر في تونس، تحت رقم 305، وقد نشر محمد الشذلي النّيفر جزءًا منها، تحديدًا "الاعتبار بقصة آدم"[11]، وثبت، مطابقًا لما ورد في رسالة "محجة القاصدين وحجة الواجدين".

ويفترض قارئ كتاب "الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي": أن يحتوي جميع هذه المؤلفات أو الكتابات المنسوبة إلى عبد العزيز المهدوي، خاصة، وهي موجودة ومتوفرة، وبعضها لا يتجاوز وريقات، ولكنّه يجد أن صاحب الكتاب، قد اختار الاكتفاء بأثر واحد، من أهمّ ما نقل عنه، مادة وحجمًا، وهو؛ رسالته الموسومة بـ "محجة القاصدين وحجة الواجدين"، وهي، في نظر هشام عبيد: "ثمرة من ثمار تلك المجالس العرفانيّة، التي تعود، في الأساس، إلى الفترة المتأخّرة من حياته؛ حيث تبلورت شخصيّة عبد العزيز المهدوي، من حيث كونه عالمًا بدقائق التصوّف، وقد بث تعاليمه في بيئة عصره، ومعلّمًا ذا قدرة على التأثير في المريدين، الذين اجتمعوا حوله، وساروا على نهج تلك التعاليم"[12]، وقد قام أبو الحسن علي بن أبي زيد الرحمن البجائي بترتيبها، وتبويب مقالاتها، نزولًا عند رغبة شيخه فتح الله العجمي (847هـ/1444م)، ويرجّح هشام عبيد، في تقديمه هذه الرسالة، أنّها حصيلة تقييد أحد تلاميذ المهدوي، المواظبين على حضور حلقاته، وهي متأثرة بالطابع الشفوي، وإن حاول مهذّبها صوغها بلغة عربيّة فصيحة، وهذا ما فرض إعادة ترتيبها، إضافة إلى حاجة طالبها إليها، وأهمّيتها عند الصوفيّة؛ فقد كان "أرباب الطريقة" يتداولونها في ما بينهم[13]، وهو ما يؤكّد قيمتها، ولبيان هذه القيمة؛ يورد هشام عبيد مثالًا: رسالة لمحيي الدين ابن عربي في الولاية؛ إذ كان هدفه منها: "توضيح عبارة من كلام الشيخ عبد العزيز المهدوي"[14]، مضمونها: "علماء هذه الأمة أنبياء الأمم"، ويعترف فيها بعجزه عن الإحاطة بمعناها، وذلك حين يقول (ابن عربي): "وبعد؛ فإشارة الشيخ المؤيّد بنور الله أبي عبد العزيز، ألطف وأخفى من أن أعثر عليها، أو أعبّر عنها، أو أشير إليها، مع أنّ الذي ظهر لي فيها، بيمن الله، لو كشفته؛ لرأيت مقامًا وراء العقل، لكن إذا قرنته بالذي أشار إليه شيخنا المرضيّ، وجدته كالقشر الأخضر الذي على الجوز، ووجدت الذي أراده الشيخ، كالسرّ الذي في ذهن لبّ الجوز؛ فانظر ما بيني وبينه، من مهامه، تنقطع فيها رقاب السالكين"[15].

وقد مهّد هشام عبيد لهذه الرسالة في مقدّمة ودراستين، سبق له نشرهما في مجلّة رحاب المعرفة، (عدد 33/ أيار- حزيران 2003م، وعدد 34/ تموز- آب 2003م، وعدد 53/ أيلول- تشرين الأول 2006م)؛ الأولى: عنوانها؛ "عبد العزيز المهدوي ومدرسته الصوفيّة". والثانية: "رسالة عبد العزيز المهدوي في التصوف"، وقد عرّف من خلالهما بصاحب الرسالة، وخصوصيّة تجربته الصوفيّة، ومنزلته في عصره، وأهمّيّة رسالته، وظروف تدوينها ومضامينها، وتنقسم إلى أربعة أقسام:

- القسم الأول: في كلام عبد العزيز المهدوي، بحسب إرشاد السالكين.

- القسم الثاني: في بيان بعض كلام العارفين.

- القسم الثالث: في تفسيره عددًا من الأحاديث النبويّة.

- القسم الرابع: في تفسيره بعض آيات قرآنيّة.

ومثل هذا التقسيم، يكشف تنوع مادة الرسالة؛ التي هي انعكاس لما كان يثار من مسائل ومواضيع، في مجلس عبد العزيز المهدوي، الذي لم يكن يكتفي بالتلقين؛ إنّما كان ينصت إلى تلاميذه، ويجيب عن أسئلتهم، ولا يتوانى عن نصحهم وإرشادهم، وتشي بعض العبارات بمدى انفتاح المهدوي على مختلف الآراء والمواقف، التي تعرض في حلقته؛ فهو يقبل مجادلة المخالف، والمعترض، والمنكر، لا تعوزه الحجة وقوتها في ذلك، وقد دلت مقالاته على قدرة فائقة على التأويل، يمتح فيها من روافد مشرقيّة ومغربيّة أندلسيّة، تقدم صورة دقيقة عن طبيعة التصوف في عصره، وهي، وإن انصرفت عن التنظير إلى التربية والتعليم أكثر[16]؛ فإنّها لم تخل من عمق، وترميز، ودقة، وقد يكون لذلك صلة بتنوع مراتب المترددين على مجلس المهدوي، وتباين مقاصدهم؛ فمنهم من يأتيه لتعلم التصوف؛ لذا نجده يتكلم عن المقامات، والأحوال، وشروط الخلوة، وخصال المريد، ....إلخ، ومنهم؛ من يريد فهم آية، أو حديث، أو تفسير ظاهرة ما، أو حادثة، أو تبديد حيرة، ....إلخ، ويؤكد هشام عبيد: أنّ مقالات المهدوي الواردة في رسالته، لم تخل من استحضار مسائل كلاميّة، برزت فيها منطلقاته السنّيّة الأشعريّة، خاصة، في انتقاده آراء بعض الفرق الكلاميّة، مثل؛ المعتزلة والجبريّة، "ولكنّه لا يركن، في حقيقة الأمر، إلّا إلى منطلقاته العرفانيّة؛ فالمقصد الصوفي يهيمن على التأليف، وصاحب الرسالة إذا ذكر المذاهب، انتهى إلى تغليب مذهب المحقّقين، وهو مذهب الصوفيّة"[17]، وكذلك شأنه حين يتناول مسألة فقهيّة، أو يعرض تفسيرًا لآية، أو شرًحا لحديث نبوي؛ فهو يتجاوز المألوف، ويجمع بين ما يعده ظاهرًا وباطنًا؛ فهو يتحدث، مثلًا، عن صلاة الباطن وفرائضها وشروطها[18]، وكذلك، عن الطهارة الظاهرة والطهارة المعنويّة[19]، والجنّة؛ منها جنّات معنويّات[20]، أو جنّات معارف، والدجّال الذي يظهر آخر الزمان، ليس شخصًا محددًا يقترن بزمن مخصوص؛ بل هو موجود حاضر، وتسري أخلاقه في الخلق منذ خلق آدم، وتتواصل إلى قيام الساعة[21]، ومن ثمّ؛ فكل من اتبع هواه: هو دجّال، ومثل هذا الفهم والتأويل، قد يبدو غريبًا وطريفًا، وقد يستعصي على الفهم، ولكنّه يكشف جوانب من ذهنيّة التصوف في عصر المهدوي، مثلما يقدّم صورة عن طبيعة مجالس التصوف، وحلقاته، وما يثار فيها من مواضيع، "إنّ هذه الأقوال العالية في التصوّف، لم تكن، دائمًا، مفهومة حقّ الفهم، لدى سامعي الشيخ، وهي تعطينا انطباعًا صادقًا، بأنّ مجالسه لم تكن وعظيّة بسيطة؛ بل كانت، على الرغم من وجهتها التربويّة السلوكيّة، على درجة عالية في تناول القضايا الصوفيّة، وإبراز أسرارها وفروقها الدقيقة، ممّا يستدعي انسجامًا، ذهنيًّا ونفسيًّا، بين السامع والمتلقّي، لاستيعاب المفاهيم، وطريقة عرضها في آن واحد"[22].

ومن المواضيع المهمة التي عرض لها المهدوي في رسالته، نجد؛ تشريحه للإنسان[23]، وتحليله لسلوكه، ودوافعه، ومسبباته، وهو ينطلق من مسلمة قوامها: "أنّ الإنسان كامل في خلقته متضمن لجميع المخلوقات، والكل على صورته، وهو لعالم الملك، والملكوت جامع"[24]، فـ"الآدميّ؛ نسخة العالم الأكبر، فيه الجسماني والروحاني، وكلّ ما تفرّق في الوجود اجتمع فيه"[25]، ويبني، انطلاقًا من هذه المسلمة، تصوره لصلة العبد بربّه وبعالمه، وتمثّله لفعل التوحيد، وسبل تعديل السلوك، وتوجيهه لما يفترض أن يكون عليه، وإذا أنزلنا هذا الكلام في سياقه من خطاب المهدوي، وتحديدًا، طبيعة السؤال المطروح عليه في كل مرّة، أدركنا منهجيّته في الإجابة؛ فهو يضع لإجاباته مقدمات نظريّة، مفصّلة دقيقة، تحلّل، وتعلّل، وتستدعي الحجة من واقع السائل، ومن المألوف المتداول، ومن رصيد معرفي صوفي، يشخص أحوال النفس، ومتطلبات البدن وعوائقه، وتجمع بين الوعظ، والنصح، والإرشاد، والدعوة إلى الفهم، بالعقل والقلب.

وللمهدوي، أيضًا، تصور طريف للقرآن، واختلاف الناس في فهمه، وصلته بسائر الكتب السماويّة؛ فـ"الكتاب: هو عبارة عن الظرف/ للقرآن، والتوراة والإنجيل للاتساع، والقرآن للتبيين، كلام الله لا طاقة للبشر على حمله وقراءته، وكلّ قارئ يبقى، مع وصفه وبشريّته، لا يفهم القرآن؛ فمعنى القرآن، لا يفهمه إلّا مؤمن كامل الإيمان"[26]، وهو، هنا، يجعل التوصل إلى فهم القرآن، حكرًا على أرباب التصوف وأقطابه؛ فهم وحدهم القادرون على إدراك معناه على الحقيقة، ويميّز المهدوي بين الكلام والعبارة، في ردّه على إشكاليّة القول بخلق القرآن، بقوله: "القرآن كلام الله، والكلام صفة قائمة بالمتكلّم، والصفة لا تفارق الموصوف؛ فالقرآن من جهة الحق كلمة واحدة؛ وإنّما يتصرّف بالعبارات، عن ألسنة الملائكة، والمرسلين إلى الخلق؛ فكلام كلّ مبلّغ لا يشبه كلام غيره؛ فجبريل عليه السلام، خلق له كلام، فبلّغ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، كلّ كلمة لا تشبه الأخرى؛ بل توجد فيه، وتخلق عند بروزها، بقوله تعالى: كن..، وأمّا تبليغ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الصحابة؛ فليس ذلك بانتقال كلامه؛ لأنّ الكلام معنى قائم بنفس المتكلّم؛ وإنّما هو عبارته، واعلم أنّ قوله تعالى: {كن} متّصل على الدوام؛ فمدد العالم مع الأنفاس، وكلمة العبد الأولى لا تشبه الثانية؛ فعند خروج الكلمة، خلقت في ذلك الوقت"[27].

ومثل هذه المواضيع التي أثارتها رسالة المهدوي، تقدّم للباحث فكرة مفصّلة عن شواغل عصره، وطرائق تفاعل الصوفيّة معها، وموقعهم من التجربة الدينيّة والفكريّة عامة؛ إذ تمكن من فهم أسباب تزايد إقبال الناس عليهم، وثقتهم بهم، واعتقادهم في بركتهم، وكراماتهم، وصلاحهم، وعلمهم، وقدرتهم على الإيفاء بحاجة من طلبهم، وهو ما دعّم دورهم الاجتماعي، والعقائدي، والثقافي، والسياسي، والاقتصادي، فضلًا عن؛ أنّ النظر في إجابات المهدوي عما طرح عليه من أسئلة، يتيح رصد مختلف المرجعيّات والاتجاهات، التي حكمت تصوفه، وكانت، ربّما، سمة مشتركة بينه وبين صوفيّة زمنه، وهي على قدر كبير من التنوع والثراء، دلّت على مدى تطوّر التجربة الصوفيّة، وتمكّنها من استيعاب الموروث الديني السابق لها، والتوسع فيه، والإضافة إليه، يقول هشام عبيد: "يبرهن تنوّع المصادر والاتجاهات في الرسالة المهدويّة، على النقلة النوعيّة التي حقّقها المهدوي، من خلال الانتقال بمدرسة التصوّف السنّي في إفريقيّة، ذات الجذور الزهديّة المرابطيّة، والتلوينات المشرقيّة، إلى آفاق من الثقافة الصوفيّة العالمة"[28].

ومن ثمّ؛ يعدّ كتاب "الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي"، وتحديدًا، رسالة "محجة القاصدين وحجّة الواجدين"، مصدرًا من أهمّ مصادر التصوف في إفريقيّة، وفي المغرب الإسلامي في العصر الوسيط؛ لجمعه بين عمق استيعاب الجوانب النظريّة، وبين دقّة عرض الأبعاد التربوية، السلوكيّة والأخلاقيّة، في التصوّف الإسلامي، وهو يفتح المجال رحبًا للدراسات المختصة، كي تلقي الضوء على مرحلة ظلّت مجهولة، أو تكاد، على الرغم، من شهرة أعلامها، ودورها في تاريخ تطوّر التصوف.


[1] محمود محمود الغراب، شرح رسالة روح القدس في محاسبة النفس من كلام الشيخ محي الدين ابن عربي، ط 2، دمشق، مطبعة نضر، 1994م، ص ص 9- 12.

[2] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 114.

 [3]عبد الواحد محمد بن الطواح، سبك المقال لفك العقال، تحقيق ودراسة: محمد مسعود جبران، ط 2، منشورات جمعيّة الدعوة الإسلاميّة العالميّة، الجماهيرية العربيّة الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة العظمى، 2008م، ص ص 59- 60.

[4] ابن الطواح، سبك المقال، ص 63.

[5] ابن قنفذ القسنطيني، أنس الفقير وعز الحقير، اعتنى بنشره وتصحيحه: محمد الفاسي وأدولف فور، الرباط، المركز الجامعي للبحث العلمي، 1965م، ص 98.

[6] ابن الطواح، سبك المقال، ص ص 65- 72.

[7] مخطوط ضمن مجموع في المكتبة الأحمديّة، دار الكتب الوطنيّة في تونس، رقم 12569.

[8] محمد البهلي النيال، الحقيقة التاريخيّة للتصوّف الإسلامي، تونس، مكتبة النجاح، 1965م، ص ص 219- 221.

[9] ابن الطواح، سبك المقال، ص ص 65- 66.

[10] مخطوط بدار الكتب الوطنيّة في تونس، رقم 4112.

[11] محمّد الشّاذلي النّيفر، الزّاهد الشّيخ عبد العزيز المهدوي، مجلة الهداية، عدد 1، سنة 20، جوان – جويلية، 1995م، ص ص 34- 38

[12] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، قرطاج- تونس، 2016م، ص 73.

[13] محمّد الوزير السراج، الحلل السندسيّة في الأخبار التونسيّة، تحقيق: محمد الحبيب الهيلة، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1985م، مج 3، ص 313.

[14] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 41.

[15] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 42.

[16] يقول هشام عبيد: "إنّ الأفكار الصوفيّة الواردة في الرسالة عمومًا، على الرغم من نزعتها، النظريّة التأويليّة في بعض الأحيان موجّهة إلى تربية الأتباع، بحيث تتضح في أذهانهم خصائص التفكير الصوفي، وتنفتح أمامهم مسالكه العمليّة". (هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 93).

[17] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 99.

[18] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 183.

[19] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 420.

[20] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص ص 420- 421.

[21] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص ص 217- 219.

[22] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص ص 90- 91.

[23] انظر مثلًا: هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 229. (فإذا سمع السّالك القطب والأوتاد، رجع إلى نفسه؛ فيجد عنده قطبًا وأوتادًا تناسب جسمانيته، وروحانيّته، وثبات هيكله؛ فالقلب الصنوبري؛ قطب، وله أربعة أوتاد: الطحال، والمرارة، والكبد، والرّئة، هذه جسمانيات، وتحاذيها أربعة أخرى: السّوداء، والبلغم، والدّم، والصّفراء، ومثال أربعة: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدّافعة. فقوام البدن، وثباته، وعدم انحرافه، يكون من استقامة هؤلاء، وكذلك؛ انحرافه وأمراضه من انحراف أحدها عن اعتداله، وفي المقابل من ذلك؛ قطب روحاني، وأوتاد روحانيّة).

[24] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 167.

[25] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 228.

[26] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص ص 464- 465.

[27] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص ص 466- 467.

[28] هشام عبيد، الشيخ عبد العزيز المهدوي وتراثه الصوفي، ص 131.