الفلسفة كما نحيا بها


فئة :  مقالات

الفلسفة كما نحيا بها

 الفلسفة كما نحيا بها:

تجربة بيير أَضُو(1)

Pierre Hadot(2)


"اتُّهِمت الفلسفة، وتُتَّهم، دوماً، بـ (الغموض)، والسبب، في هذا الاتهام، أنها تحاول إزالة الغموض عمّا يعدُّه الناس واضحاً؛ فالفلسفة ليست، إذاً، خطاباً غامضاً؛ بل هي خطاب ضدّ الغموض، الذي يستتر وراء الوضوح، الذي يقبله الناس مجاناً من اللغة اليومية، لغة المشهور؛ لا بل لغة الإشهار والموضة"3.

إذا كان هذا هو الجواب الذي قدمه الجابري حول راهن الفلسفة عامةً، والعربية الإسلامية خاصةً، فإنّ الواقع يشهد على أنّ الفلسفة، على امتداد تاريخها، اتُّهِمت بالإبهام اللغوي، والتجريد الخطابي. وعلى الرغم من تغيّر الظروف، وتبدّل الشروط لإنتاج المقال الفلسفي في الزمن الراهن، فإنّ الفلسفة وأهلها مازالوا لم يتحرّروا من صكّ التهمة؛ غموض اللفظ، واللبس الدلالي.

وإذا كانت مظاهر الاتهام تختلف باختلاف السياقات الثقافية، والشروط الزمانية، فإنّ التباين، في درجات نقد ونقض الفكر الفلسفي، راجعٌ إلى صفة وهوية أعداء الفلسفة، سواء أعلنوا عدواتهم للفلسفة، وكشفوا عن حقدهم على أهلها، أم عارضوها بطرق ضمنية وغير مباشرة؛ بل محتشمة. وتاريخ الفلسفة يشهدُ على أنّ الذين عارضوا التنوير الفلسفي، والفكر النقدي هم العامة، سواء كانوا من صنف العلماء، ذوي النزعة المفرطة في العلم، أم من عصابة رجال الدين، الفقهاء والقساوسة أصحاب التطبيب الكهنوتي، أو العوام الجهلة؛ أي الرعاع.

يمكن أن يبدو لبعضهم أنّ هذا الواقع قد تغيّر اليوم، وأنّ الفلسفة أصبحت لها مكانة جليلة في مجتمع اليوم، لكن على الرغم من هذا الظاهر، فإنّ كشف اللثام عن هذا الاعتقاد يكشف أنّ الفلسفة مازالت تعاني من أساليب النبذ بالتهمة نفسها، مع فارق في الأسلوب تصريحاً بذلك، أو تلميحاً له. فغير الفلاسفة، دعاة التقنية والعلم، وأصحاب المال والأعمال، وأهل السياسة....، مازالوا يحملون في باطنهم الضغينة للفلسفة، والهجوم على أهلها، فنصادف نفراً من هؤلاء يردّد الادعاء بلا جدوى الفلسفة، وعدم نفعها، باعتبار أنّها خطابٌ على خطاب، وبمعنى آخر، إنّها مجرّد لغوٍ، وكلام فارغ، أو كما قال هاملت: "كلمات وكلمات وكلمات".

وهذا معناه أنّ الفلسفة، في نظر هؤلاء، غير نافعة مادامت تتصف بالبوار؛ أي أشبه بالمرأة العاقر، التي لا تلد، لأنّها لا تنتج ما هو مادي ملموس ونفعي، فهي عديمة الجدوى، وحتى في أحسن الحالات، تكون مجرّد ترف فكري يؤثّث بعض الفضاءات الخاصة للتخفيف من الضغط اليومي، على الشاكلة نفسها، التي كان بها الفيلسوف قديماً يسكن في فضاء أصحاب السلطة والتسلّط، ويعيش على فُتات موائد رغد أهل السلطة. فالذين يزعمون أنّ الفلسفة مجرّد ترف، يقرّون، في الوقت نفسه، أنّها فضلةٌ زائدة لا فضلَ لها على الوضع البشري، والحياة اليومية للفرد والجماعة.

وكلّ هذه الادعاءات، هي عداء متجدّد للفلسفة في ثوب جديد؛ فـ "غير الفلاسفة، يعتبرون لغة الفلسفة لغةً مستعصية على الفهم، وخطاباً مجرداً، فهمه وإدراكه وَقْفٌ على نخبة من المتخصصين، الذين جعلوا من قضايا الفلسفة، وأسئلتها الشائكة والمعقدة، انشغالاً يزاوله بعض ممّن انخرطوا في هذا النشاط، إمّا لثروتهم، وإما لضرب من ضروب الحظ السعيد... علينا الاعتراف، مبدئياً، بأنّ ترشيح تلميذ واحد لامتحانات الباكالوريا، وإدراكه مقام الكتابة الفلسفية، أمرٌ يتطلب نفقات مالية مكلفة يتحملها أولياؤه، وكلّ المساهمين في هذه العملية. ففي ماذا تفيده فعلاً في الحياة، كتابة تمرين إنشائي؟ وفي أيّ شيء تنفعه مناقشة قضايا فلسفية، كالعلاقة بين الحقيقة والذاتية، أو الضرورة والعرض، أو الشك المنهجي الديكارتي...، في عالمٍ تهيمن عليه التقنية العلمية والصناعية، ويُقـوّم فيه كلّ شيء تبعاً للمردودية والربح التجاري؟

لم تكن الفلسفة غائبةً تماماً عن العالم الخارجي، عن شاشات التلفزة مثلاً، ذلك أنّ الإنسان المعاصر لا يتملّكه إحساس بإدراك العالم، إلا حين معاينته له على هذه الشاشات المربعة. نشاهد، من حين لآخر، في هذا البرنامج التلفزيوني، أو ذاك، فلاسفة يأسرون الجمهور بفنّهم في القول، نقتني على التوّ كتبهم، نتفحّصها، لكن سرعان ما نطرحها جانباً؛ إذ ينتابنا إحساس بالضجر من لغة معقدة وعصيّة على الفهم، وكأنّ الأمر يتعلق، فحسب، بانشغالات بعض المحظوظين، وترفهم، ممّن لا تأثير لهم في الاختيارات الكبرى في الحياة"4.

إذا كان بعضهم يعتقد أنّ مجد الفلسفة يكمن في كونها ترفاً، وخطاباً غير مفيد، فإننا نلاحظ أنه، خلافاً لهذه المواقف العدائية تجاه الفلسفة، وإبطالاً لكلّ أساليب المماحكة والمماراة، التي يتبناها خصوم الحكمة، تنهض همّة الفيلسوف بيير أضو (Pierre Hadot) للردِّ على هؤلاء، وتبيان تهافت آرائهم، ودحض زعمهم، كلّ ذلك من أجل إعادة القيمة للفلسفة، وإيجاد مكان ملائم لها في مجتمع اليوم، ولتحقيق هذا المقصد، يقترح هذا الفيلسوف ما يسميه (الفلسفة كما نحيا بها)، أو (الفلسفة فناً للعيش)، أو (الفلسفة أسلوب حياة)5. فكيف يمكن للفلسفة أن تغير موقعها، وتتخذ مكانها الطبيعي، وأن تكون في خدمة الحياة؟ وماذا يقصد بالفلسفة كأسلوبَ حياة؟ وما هي المستندات الفلسفية والشواهد التاريخية لهذه الفلسفة التي نحيا بها؟

تستدعي مقاربة هذه التساؤلات - حسب أضو (Hadot) - الأخذ ببعض المقدمات، ومنها:

v    أنّ قراءة النص الفلسفي تقتضي تغيير طريقة التعامل مع المقروء، فليس النص الفلسفي مجموعة من الفقرات المبنية بأسلوب نسقيّ، إنّه ليس ذلك الخطاب النظري المجرد، ولا الخطاب من الدرجة الثانية؛ أي خطاب حول خطاب. فالفلسفة، التي نحيا بها، تلزمنا أن ننظر إلى النص الفلسفي بصيغة الجمع، فهناك الشذرة، والقبس، والومضة، واللمحة، واللقطة، والخاطرة، والرسالة، والمحاورة....وهذه الخاصية تستلزم أن قراءة النص ليست فحسب تفسيراً، وتعليقاً، وحواشي، أو تفسيراً للتفسير. فالقراءة رياضة فلسفية، تولّد، لدى القارئ، إقبالاً على التأمل، والتبصر، واستلهام العبر للتعامل مع الحياة.

v    هذه القراءة تلزمنا بتغيير استراتيجية التعامل مع الفلسفة القديمة، ففكّ ما انعقد من قول فلسفي عند القدامى، يتطلب التحرر من بعض أمراض الحداثة، الحداثة منهجاً للقراءة، فلا ينبغي أن نسقط التصوّرات الحديثة على النصوص القديمة، هذه الأخيرة، التي لم تكن مجرّد لغة؛ بل لغة تحمل سمات مَن يتكلمونها؛ فنصوص القدامى تعبير عن نمط في العيش وأسلوب في الحياة.

v    اعتماد هذا المعنى الجديد القديم للفلسفة، الفلسفة كما نحيا بها، يتطلّب إعادة النظر في تعريف الفلسفة ذاتها، وفي تعريف الفيلسوف. فالفلسفة، التي هي السعي لمحبّة الحكمة لا إلى امتلاكها، ليست مجرّد آراء، وتصورات، ومواقف مترجمة في خطابات مجرّدة، ولا هي تعليقات على خطابات؛ أي خطاب حول الخطاب، وإذا كان همُّ الفلسفات النظرية هو صياغة خطاب تأملي، حول كلّ ضروب الخطاب الإنساني، علمياً كان، أو تقنياً، أو سياسياً، أو شعرياً، أو فلسفياً، حيث تنحصر مهمّة الفلسفة في كونها خطاباً واصفاً للخطابات، فإنّ الفلسفة، عند (أضو)، أسلوب في الحياة وللحياة؛ لذا ليس الفيلسوف هو من ينتج أنساقاً من الكلمات والأفكار، ولا من يصوغ مفاهيم، ولا من يدلّل على أطروحات ويقدمها، دعماً أو إبطالاً لها. هنا، يقيم (أضو) تمييزاً بين الفيلسوف، الذي يجعل من التفلسف خادماً للحياة، وبين أستاذ الفلسفة، الذي يجعل من هذه الأخيرة مورداً للاسترزاق، إنّه الأستاذ الكناشي صاحب المدوّنات والكنانيش6، الذي تتحدّد مهمته في نقل أفكار الغير عبر استنساخ النصوص، والتعليق عليها. فمع (أضو)، لا مجال للحديث عن الفيلسوف، إلا في علاقته بالحياة، إنّه فيلسوف الحياة.

v    اعتبار الفلسفة ضرورية، لا بمعنى الضرورة المنطقية، ولكن بمعنى الضرورة الوجودية - الأنطولوجية؛ لذا ليست الفلسفة مجرّد ترف فكري؛ بل إنّها ضرورية للإنسان إنساناً، للإنسان في كينونته، وبذلك تكون الفلسفة نافعة للوجود البشري، حتى في بعده المأساوي.

واستناداً الى هذه المقدّمات، عَمَد صاحب اتجاه (الفلسفة كأسلوب حياة) إلى قراءة الفلسفة القديمة، سواء اليونانية المتأخرة (سقراط، أفلاطون، أرسطو، الأبيقورية، الرواقية، الكلبية....)، أم الرومانية مع ماركوس أورليوس، وامتدّت قراءته حتى الفترة المعاصرة، مثل تفكيك الوظيفة العلاجية لخطاب رسائل فتجنشتين.

فأين تتجلى ملامح (الفلسفة كما نحيا بها)، في قراءات الفيلسوف بيير أضو لإرث القدامى؟

تتميز قراءة بيير أضو، وتتباين عن باقي أشكال تلقي الخطاب الفلسفي المعاصر للفلسفات القديمة، من حيث كونها تصادر مفهوم الحياة كمفهوم مركزي في مقاربتها التأويلية، فالكشف عن الجوانب المغمورة في القدامة الفلسفية يستند إلى درجة التعامل، الذي أولته للحياة، فالحياة هي المعيار الأول، وهي المقصد الأخير لكلّ فلسفة. وكلّ فلسفة ليس هذا شأنها تعتبر مجرّدَ تجريد نظري لا طائل من ورائه؛ ولهذا ينطلق أضو، في قراءته للقدامى، من ثلاثة معايير متلازمة ومترابطة:

  • المعيار الأول: يدور حول البعد الأنطولوجي – الوجودي، وهو الذي يحدّد اختيار الفيلسوف، أو المدرسة الفلسفية لأسلوب الحياة؛ أي الطريقة التي يحيا الفيلسوف بها، أو كيف يتفلسف بحياته، فنظرة الفيلسوف إلى العدالة، أو السعادة، أو الموت، أو الخير...، وكيفية تصريف تصوّراته عملياً في اليومي المعيش، هي ما يحدّد قيمة فلسفته. فمثلاً، سقراط ليس فيلسوفاً بأقواله وحكمه بطريقة مجرّدة، ولكنّه فيلسوف بطريقة عيشه، بأفعاله، وبأسلوب حياته. وعلى المنوال نفسه، يمكن اعتبار الفلسفات القديمة مدارسَ حياة أكثر من كونها مدارس نظر.
  • البعد الثاني يتعلّق بالرياضة الفلسفية، التمارين الروحية، التي يوظّفها الفيلسوف لتحقيق اختياراته الوجودية؛ لكن ينبغي ألا نخلط بين هذه الرياضة وما نجده من أشكال تعبّدية تيولوجية، أو دينية. فالرياضة الفلسفية هي مختلف الأساليب، التي يعتمدها الفيلسوف للسمو الذاتي، والتحرر من مختلف أشكال الوهم، والابتعاد عن الآراء الفارغة، والأحكام الباطلة. إنّ الرياضة الفلسفية هي المنفذ، الذي يمكّن متعاطيها للتحوّل وتجاوز ذاته نحوَ ما هو أفضل. فإذا كانت الرياضة الفيزيولوجية تقوّي الجسد، فإنّ الرياضة الفلسفية الروحية تقوّي النفس وتعالجها، فهي تجلب السكينة والتوازن الداخلي والذاتي.
  • يمثل الخطاب الفلسفي البعد الثالث للفلسفة كأسلوب للحياة، فطبيعة الخطاب، بصيغته، بمنظومته، بمنطوقه ومفهومه، يجب أن تطابق الاختيار الوجودي، والرياضة الفلسفية، فلكل فيلسوف خطاب يخصه، وأسلوب يميزه، فلسقراط الحوار، ولأبيقور الرسالة، ولـديوجين جوامع الكلم...؛ بل يمكن للغة أن تمثل أسلوباً علاجياً كما هو الأمر عند فتجنشتين.

انطلاقاً من هذه الاعتبارات، انعطف أضو (Hadot) على دراسة الفلسفات القديمة، ففلسفة سقراط تزاوج بين الأبعاد الثلاثة؛ التواضع في الحياة والمعرفة، ثمّ الدعوة إلى الانشغال بالذات بعد معرفتها، واعتماد الحوار لتوليد الأفكار. ومن خلال هذه المقاربة، عمل (أضو) على إنصاف سقراط من أساليب التجريح التي حوكم بها، كما الشأن بالنسبة إلى نيتشه، الذي انقضّ على سقراط بمطرقته، واصفاً إيّاه بالقبيح في مظهره، المتناقض في غرائزه، والمريض لزمن طويل7.

وإذا كان نيتشه قد انتقد اعتماد سقراط على الجدل والعقل؛ بل اعتبر ذلك مؤشراً على إحلال المرض في التاريخ البشري، فإنّ (أضو) سار عكس ذلك، فهو أراد إعادة الاعتبار لسقراط، وإنصافه، ومنحه المكانة اللائقة به في تاريخ الفكر البشري. فاستخدام سقراط للحوار شيء إيجابي؛ لأنّه عندما يسأل محاوريه يجعلهم يكتشفون جهلهم بالقيم التي تنظم حياتهم، ويدفعهم إلى أن يتعلموا إخضاع أفكارهم للعقل.

"لم يكن سقراط يلحّ إلا على نوع من الاتفاق بين مخاطبيه، وبمعنى آخر، إنّ الحوار هو تقدّم مشترك من خلال اتفاقات متعاقبة بين مخاطبين متحاورين، فبمقتضاه يمتثلون لمقتضيات التماسك العقلاني، ويرقَون إلى وجهة نظر مشتركة لا فردية، وهكذا يتكشّف، ويتحقّق الانشغال بالآخر من خلال الحوار ذاته. يتعلق الأمر بمعرفة وجود وجهة نظر أخرى غير وجهة نظرنا، ويتعيّن، من هذا المنطلق، على كلّ من السائل والمجيب، أن يتجاوزا وجهتي نظريهما في اتجاه الامتثال للمقتضيات الموضوعية للعقل. من هذا المنظور بالذات، يتحدد الانشغال بالذات كنجاح للذات في تجاوز فرديتها، والتهيؤ للانخراط في رؤية كونية، عقلانية وموضوعية. فسقراط رجل الشارع كان يحاور الجميع، يجوب الأسواق وقاعات الرياضة، ومعامل الفنانين، وحوانيت التجار، يلاحظ ويناقش، ولا يدّعي قط امتلاك المعرفة، يتساءل فحسب، ويدفع بمحاوريه لمساءلة ذواتهم، وإعادة النظر في سلوكياتهم، والبداهات التي تسكنهم.

لا يشكل الخطاب الفلسفي، من هذا المنظور، غاية في ذاته، لكنّه في خدمة الحياة الفلسفية. قوام الفلسفة ليس هو الخطاب؛ بل الحياة والفعل. اعترف الإغريق بـ سقراط فيلسوفاً لا من خلال خطاباته؛ بل انطلاقاً من نمط حياته، طريقة موته. لقد ظلت الفلسفة اليونانية سقراطية بوصفها نمط حياة أكثر ممّا هي خطاب نظري، أمّا الجديد عند سقراط بهذا الخصوص، أو بالأحرى ما نسبه أفلاطون إليه، فهو استعماله لأول مرة لمقولة: الانشغال بالذات"8.

لا يختلف الأمر عند باقي المدارس التقليدية، فالأبيقورية تعتبر الفلسفة التي نحيا بها ضروريةً لجلب السكينة للنفس؛ بل إنّ هذه المدرسة، بدعوتها إلى أنّ تعاطي الفلسفة ضروري للشاب، كما للشيخ، تُلمِح إلى إبعاد الفلسفة المجردة لصالح الفلسفة الحية، فالفلسفة -حسب أبيقور- تعتبر مجرد كلام فارغ ما دامت لا تخرج المرض من النفس، بالكيفية نفسها التي لا تكون بها للطب قيمته، إذا لم يخرج المرض من الجسد.

إنّ تجاوز الألم وتحقيق السعادة، عند الأبيقورية، مرهون بنوع الخطاب الفلسفي المعتمد، هذا الذي عليه أن يتحرّر من (الرأي الفارغ)، كالخوف من الآلهة، أو الخوف من الموت. على الخطاب الفلسفي أن يتوجه نحو المحايث، هنا والآن، أمّا الرياضة الفلسفية والروحية، داخل الحديقة الأبيقورية، فمحكومة بالنظرة الوجودية للرغبة، بالنظرة التي تميز بين مراتب الرغبات، الرغبات التي ليست بطبيعية ولا بضرورية، ثمّ الرغبات الطبيعية وغير الضرورية، وأخيراً الرغبات الضرورية والطبيعية الكافية وحدها لتحقيق سعادتنا. إنّ الرغبات الأساسية، بالنسبة إلى الأبيقوريين، هي جسدية، ولذلك الانشغال بالذات، بكلّ وضوح، انشغال بفردية كلّ واحد على حدة، وهو ما لا يجب فهمه على أنّه ضرب من الأنانية بالمعنى المبتذل للكلمة؛ بل كرغبة للعيش وفق الطبيعة، والكينونة الكونية، الكفيل بتحصيل متعة الوجود الخالص.

أما عند الرواقيين، فالفلسفة تمكّننا من التمييز بين ما يتوقف علينا وما لا يتوقف علينا. مثلاً، لا يتوقف على الذات أن تكون جميلة، ثرية، قوية، بصحة جيدة، أو أن تحقق نجاحات سياسية ومهنية، كلّ هذا وقْفٌ على عناصر خارجة عن سلطة الذات، وفي مقابل هذا، يتوقف على الذات أن تنوي شراً، أو خيراً؛ لهذا يدعو الرواقي إلى العيش وفق الطبيعة، وفق ما نقدر على تحقيقه، دون تكلّف؛ أي وفق ما يتعلق بنا، فالتعلق بتحقيق مالا يتعلق بنا هو الذي يجلب الألم الفردي والجماعي.

«الفلسفة كما نحيا بها» تقتضي مجموعة من (التعلمات)، ومنها: "أن نتعلّم كيف نحيا، أن نتعلم كيف نحاور، أن نتعلم كيف نموت، أن نتعلم كيف نقرأ"، لكن للقراءة هنا خصوصياتها، فلا يتعلق الأمر بالتعليق على النصوص، وتفسيرها؛ لكن بالقراءة كأسلوب في الحياة، "فنحن نقضي حياتنا في القراءة دون أن نعرف كيف نقرأ، فالقراءة يجب أن تعلمنا متى نتوقف، وكيف نتحرّر من همومنا، وأن نعود إلى ذواتنا"9.

ولتحقيق ذلك، لا بد من الرياضة الفلسفية (التمارين الروحية)، التي تمكّن من العودة إلى الذات، والاعتناء بها، والاهتمام بها، وهذا ما سيشكل الموضوع الذي عكف عليه فوكو في مؤلفاته: (تأويل الذات)، و(الاهتمام بالذات).

ومن بين وجوه العناية بالذات، نذكر:

 –لا تهمل نفسك، واعتن بذاتك، واهتم برغباتها وحاجياتها، وانشغل بمطالبها.

 –انتبه إلى ما تحتاجه معرفة نفسك، ولا يجب، في كلّ الأحوال، أن تنسى نفسك.

– لا تفرط في الأمنيات، ولا تكثر من التعهدات، واقتصد واعتدل في الضروريات.

 –لا تنذر، ولا تتمنى، ولا تلزم نفسك بما لا تفي به، وبما لا تستطيع إنجازه.

 –ثق بقدراتك الذاتية، وعوّل على نفسك، واستخدم قوتك في مواجهة القوى الخارجية.

 –اسخر من حياتك المعتادة، وانقد آرائك، من أجل أن تغير حياتك نحو الأفضل، وأن تعيش حياة جيدة.

 –ارتبط بنفسك أشدّ الارتباط، وصالح ذاتك على أحسن وجه، وأقم علاقة راسخة ودائمة معها.

 –ادفع الآخرين إلى العناية بأنفسهم، ونبههم، وادفعهم إلى تدبير ذواتهم، وتحصيل الحياة الجيدة.


[1] تجدر الإشارة إلى فراغ الساحة الثقافية العربية من دراساتٍ حول هذا الفيلسوف، فلم تُترجَم له سوى مقالة واحدة (هل الفلسفة ترف؟)، وحوار واحد. ويُكتب اسمه في الترجمة العربية (هادو) تعريباً لـ (Hadot)، والحال أنّ الفيلسوف فرنسي الأصل والموطن، وحرف الهاء لا يُنطق في الفرنسية، ويمكن أن يكون اسم (حدو) في العربية أقرب من اسم (هادو)؛ بل نحن تعودنا أن ثلاثة فلاسفة يبدأ اسمهم بـ H، وهم هيجل، وهوسرل، وهايدغر، حيث ننطق H، بحرف الهاء؛ بل إن بعض الدراسات الفرنسية تشير إلى الفيلسوف (Hadot)، اختصاراً، بـ PA، وليس PH. انظر:

- مقولة الهم، ترجمة عبد الله زارو، مجلة فكر ونقد، العدد 39، مايو/ أيار 2001م.

- هل الفلسفة ترف، ترجمة: محمد نجيب فرطميسي، أنفاس نت، السبت 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2008م.

[2]- (1922 – 2010م) مؤرخ فلسفة وفيلسوف فرنسي، اشتغل، إلى جانب ميشيل فوكو، أستاذاً في كوليج دو فرانس، تخصّص في الفلسفة اليونانية والرومانية. يدافع عن الفلسفة بوصفها فنَّ العيش، ونمطاً في الحياة. اهتم بالتجارب الروحية والانشغال بالذات في الفلسفة القديمة. من مؤلفاته:

- Exercices spirituels et philosophie antique, Paris, Albin Michel, (2002).

- La philosophie comme manière de vivre, Paris, Albin Michel, (2001).

- Qu’est-ce que la philosophie antique?, Paris, Gallimard, (1995).

- Wittgenstein et les limites du langage, Ed. Vrin, 2004/06.

[3] الجابري، محمد عابد، راهن الفكر الفلسفي، مجلة فكر ونقد، العدد 18، أبريل/ نيسان 1999، ص 5

[4] P. HADOT, La philosophie est – elle un luxe? in Exercices spirituels et philosophie antique, Paris, Albin Michel. (2002), p 36.

[5] «La philosophie comme mode de vie», «La philosophie comme manière de vivre».

[6] نستعير لفظ «أصحاب الكنانيش» من ابن رشد، في كتابه: الكليات في الطب، فهو يميّز بين الطبيب وأصحاب الكنانيش.

[7] Nietzche, F, crépuscule des idoles, le problème de socrate.

[8] مقولة الهم، ترجمة: عبد الله زارو، مجلة فكر ونقد، العدد 39، مايو/ أيار 2001م.

[9] Pierre Hadot, Exercices spirituels et philosophie antique, op. cit., p. 73-74, suivi, pour conclure, d’une citation exemplaire de Goethe.